«إطلالة لا تشوبها شائبة»... بهذه العبارة تصف خبيرة أزياء فرنسية لجوء المرأة العاملة إلى ارتداء القميص الأبيض في المكتب. ولدعم هذا الرأي، تؤكد ناتالي أوليفر، منسقة قسم الموضة النسائية في أحد أرقى متاجر باريس، أن القميص الأبيض «قطعة خالدة» ومتعددة الاستخدامات، وهو عنصر أساسي في خزانة أي سيدة عاملة.
وفي مقابلة معها نشرتها مجلة «مدام فيغارو»، قالت: «بالنسبة للنساء، يضفي اللون الأبيض إشراقة صحية، ويعطي البشرة مظهراً متألقاً، كما تساعد ياقة القميص على تحديد وضعية الرأس».
يحيلنا هذا الرأي إلى قضية قديمة تتعلق بمظهر النساء العاملات، وهي قد لا تخص أولئك اللواتي تفرض عليهن المهنة زياً وظيفياً، مثل الممرضات والشرطيات ومضيفات الطيران وعاملات المصانع، لكنها تُثار كلما جاء الحديث عن المرأة التي تشغل موقعاً متقدماً.
هل صحيح أن الوزيرة أو نائبة البرلمان أو مديرة المصرف تلجأ إلى بدلة متقشفة شبيهة ببدلة الرجل لأنها تفرض الاحترام وتعكس مفردات السلطة؟
قبل سنوات خرجت القضية المسكوت عنها إلى العلن حين تمرد عدد من النائبات الفرنسيات الشابات على قواعد الثياب المفترضة تحت قبة البرلمان. فالشائع هو ارتداء السروال مع السترة، بينما تعرضت من خالفت ذلك للتنمر ونالت تعليقات ساخرة من زملائها النواب لمجرد أنها اختارت أن ترتدي فستاناً ملوناً أو تنورة. وحكاية التنورة باتت من أسباب انتفاضة الشابات في الضواحي وأوساط المهاجرين، حيث يفرض أولياء الأمور على البنت ارتداء السروال القاتم بوصفه نوعاً من الحشمة، في حين تقدم مجلات الموضة والأفلام وعروض الأزياء ألواناً من الفساتين والتنورات الزاهية. وبلغ الأمر بالنجمة الجزائرية الأصل إيزابيل أدجاني أن قامت ببطولة فيلم بعنوان «يوم التنورة»، تؤدي فيه دور معلمة تقرر تخصيص يوم في السنة تأتي فيه الطالبات وقد ارتدين التنورة.والحقيقة أن ارتداء المرأة للزي الرجالي، على سبيل التحدي أو لفت النظر، ليس جديداً.
وكانت الممثلة الألمانية مارلين ديتريش من أوائل من ارتدين البدلة «السموكينغ» على الشاشة. وهناك صورة للممثلة جوليا روبرتس في سنواتها الأولى وهي ترتدي البدلة ورباط العنق. وقد أصبح هذا اللباس موضة منتشرة في السنتين الأخيرتين، سواء في الحياة العامة أو على منصات عرض الأزياء، وبه ظهرت النجمة الفرنسية كاترين دينوف في إحدى إطلالاتها الإعلامية.ومن ينظر إلى الصور التذكارية التي يلتقطها المسؤولون المجتمعون في القمم الصناعية أو السياسية، يلاحظ قلة عدد النساء بينهم، وأن المرأة التي تقود حكومة أو منظمة عالمية ترتدي بدلة قاتمة، سوداء أو كحلية، مع قميص أبيض غالباً، بحيث لا يمكن تمييزها إلا من خلال شعرها الطويل. وكانت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل أشهر من اعتمدت قيافة السترة التي تختلف ألوانها ولا يتغير نمطها، مع السروال لا التنورة.مصممو الموضة الرجال يؤكدون أن قمة الأناقة تتمثل في القميص الأبيض الكلاسيكي الضيق، المدسوس في بنطال أسود أنيق، مع حذاء بكعب عالٍ أو من دونه. وهم يشيرون إلى طرق عدة لارتداء هذه القطعة في المكتب لإطلالة أنيقة دون الوقوع في الرتابة.
فقبل اختيار الإكسسوارات لا بد من إيجاد القميص المناسب، أي المصنوع من قماش يمنح انطباعاً بالجودة دون أن يكون مطاطياً جداً. ففي الصيف يضفي الكتان انتعاشاً، شرط أن يكون مكوياً جيداً. أما في الطقس البارد، فإن قماش أكسفورد هو المفضل ويناسب المظهر المرتاح، ومع ذلك يبقى البوبلين خياراً مثالياً.
بعد اختيار القماش، ووفقاً لناتالي أوليفر، تأتي التفاصيل الأخرى التي لا تخلو من أهمية، ومنها أن يتناسب ارتفاع الياقة مع شكل الجسم. فالياقة القصيرة على امرأة طويلة ونحيلة قد تُخلّ بتناسق القوام، وينطبق المبدأ نفسه على عرض الأكمام. إن الأمر كله يتعلَّق بالتناسب. كما أن الأزرار السميكة قليلاً والخياطة الدقيقة تميز القميص عالي الجودة عن غيره. وهناك علامات تخصصت في خياطة القمصان الجاهزة أو وفق التفصيل، لكن أسعارها تبقى في متناول المديرات العامات ورئيسات الشركات. وفي الفترة الأخيرة دخل القميص الأبيض الفضفاض إلى عروض الأزياء.
لماذا هذا التشجيع والترويج للزي الرجالي في أوساط سيدات الأعمال؟ هل يحتاج فرض الاحترام واستعراض النفوذ إلى مظهر صارم؟ كان اختيار مارلين ديتريش للقميص الرجالي، في النصف الأول من القرن الماضي، رمزاً لتمكين المرأة، ومثلها فعلت النجمة السويدية غريتا غاربو حين ظهرت بالسروال في زمن كانت التنورة هي الزي المعروف. وبعد أكثر من نصف قرن، تهادت عارضات المصمم فالنتينو على منصات العرض في باريس ببدلات وقمصان رجالية وربطات عنق.
واستمراراً لهذا التيار ظهرت عارضة الأزياء الأميركية آشلي غراهام ببدلة رجالية صارمة سوداء اللون، في سهرة دعا إليها متحف «اللوفر» في باريس، كما رأينا الممثلة البلجيكية ونجمة التلفزيون السابقة فيرجيني إيفيرا بمعطف رجالي من الكشمير فوق بدلة بصفين من الأزرار وقميص أبيض وربطة عنق حمراء منقطة. فهل هو اختيار نسائي بحت أم قرار مفروض من المصممين الرجال؟
كتبت إحدى الناشطات النسويات أن استعارة المرأة لثياب الرجل نوع من رد التحية، أو الانتقام من الذكور الذين صاروا يظهرون بهيئة أكثر قرباً من الأنوثة، يلبسون الألوان الزاهية ويتحلون بالأساور والأقراط ويحملون حقائب اليد الصغيرة. لكن الحقيقة أبعد من ذلك، فمنذ عقود اختارت الشابات تبني السروال لأنه أكثر عملية من التنورة والفستان، إذ يتيح سهولة الحركة وركوب الدراجة ويغطي السيقان. وقد تفنن المصممون في إضفاء لمسات من الأنوثة عليه، فصار فضفاضاً أحياناً أو ضيقاً أو ممزقاً أو يجمع بين التنورة والبنطلون.وتحب المرأة الحديثة التجريب، وقد تميل إلى التحدي وترى في تقليدها الرجل نوعاً من الطرافة ولفت الانتباه. كما أن اقترابها من المساحة المخصصة للرجل، ولو على مستوى المظهر، قد يكون رغبة في الاستحواذ على مجالات أكثر جدية.
ورغم اقتحامها مختلف المهن والمناصب، فإنها ما زالت ترى نفسها لم تنل كامل حقوقها في المساواة، وهو أمر ينطبق على الغرب والشرق معاً. ولا أحد يمكنه التكهن بما ستؤول إليه أحوال النساء وأزياؤهن مع نهايات القرن الحالي. هل تصح النبوءة الفلسفية التي تقول إن «المرأة هي مستقبل الرجل؟».








