سماء أستراليا تتحوَّل إلى لون الدم... ما سرّ المشهد المرّيخي؟

خبير أرصاد يوضح تضافر الغبار وأكاسيد الحديد والرياح الإعصارية خلف الظاهرة

الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)
الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)
TT

سماء أستراليا تتحوَّل إلى لون الدم... ما سرّ المشهد المرّيخي؟

الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)
الأحمر يُهيمن على السماء في ظاهرة جوّية نادرة (إكس)

تسبَّبت المَشاهد المروّعة للسماء الحمراء فوق غرب أستراليا في جذب اهتمام إعلامي دولي واسع. ونتجت هذه الظاهرة غير المعتادة عن غبار قرمزي أثارته الرياح الخارجية القوية للإعصار الاستوائي الشديد «ناريل».

ووفق «الإندبندنت»، تُعدّ هذه الأحداث الجوية المذهلة غير شائعة في شمال غربي أستراليا؛ إذ تتطلَّب حدوث ظروف بيئية دقيقة جداً. فمعظم الأعاصير الاستوائية التي تضرب هذه المنطقة القاحلة لا تسفر عن سماء حمراء. وعادة ما تحدث العواصف الترابية الضخمة التي تُغيّر لون السماء خلال فترات الجفاف الطويلة. ولعلَّ أبرزها تلك العاصفة التي اجتاحت مدينة ملبورن في 8 فبراير (شباط) 1983، وأدَّت إلى تحوُّل السماء إلى اللون الأحمر البني ثم الأسود القاتم.

فما الذي تسبّب في العاصفة الترابية للإعصار «ناريل»؟ ولماذا اكتست السماء بهذا اللون الأحمر الظاهر؟ لقد اجتمعت 4 عوامل لتشكيل هذه الحالة: طبيعة جغرافية مكشوفة وشديدة الجفاف ذات تربة حمراء، ونقص في الأمطار السابقة، ورياح عاتية سبقت موجات المطر المصاحبة للإعصار، واتجاه محدَّد للرياح.

سرّ الحجم المهيب للعاصفة الترابية؟

يُعد شمال غربي أستراليا أحد الأماكن القليلة في العالم التي تؤثّر فيها الأعاصير الاستوائية على مناخ صحراوي قاحل، على غرار شبه الجزيرة العربية وأجزاء شبه قاحلة في الهند وباكستان. وتفتقر هذه المناطق الجافة إلى الغطاء النباتي الطبيعي الكافي لحماية التربة الهشَّة من رياح الأعاصير. وفي شمال غربي ولاية غرب أستراليا، تمنح التربة الغنية بالحديد، التي تجذب كبرى شركات التعدين، المنطقة مظهرها الأحمر الاستثنائي.

ووفق مكتب الأرصاد الجوية، شهدت المنطقة الشمالية الغربية الكبرى هطول أمطار تراوحت بين 10 و50 ملم فقط في الأسابيع الستة التي سبقت الإعصار «ناريل»، ممّا جعل الأرض القاحلة جافة تماماً. وكان هذا عاملاً حاسماً في حجم العاصفة الترابية ذات الصبغة الحمراء وضخامتها.

وفي نصف الكرة الجنوبي، تدور الأعاصير الاستوائية في اتجاه عقارب الساعة بسبب «قوة كوريوليس» التي تؤثّر في حركة الأجسام الدوّارة، ممّا يفسّر كيفية تطوُّر العاصفة؛ إذ كانت الرياح القوية جنوب عين الإعصار آتية من اتجاه الشمال الشرقي إلى الجنوب الشرقي، وبالتالي هبَّت فوق اليابسة الجافة.

وبعد تحرّكه جنوباً بالقرب من «نورث ويست كيب» في غرب أستراليا، عبر الإعصار «ناريل» الساحل أخيراً قرب «كورال باي» متوجّهاً نحو الداخل حيث تراجعت قوته.

وقد امتدَّت رقعة الرياح العاتية للإعصار لمسافة تتراوح بين 200 و260 كيلومتراً من مركزه. وهبَّت هذه الرياح القوية في المنطقة الجنوبية الغربية من الإعصار عبر أراضي «بيلبارا» الجافة، لتمتصَّ الرواسب الحمراء الدقيقة قبل وصول أحزمة المطر وتنقّلها غرباً. وضربت هذه العواصف الترابية الحمراء القانية المدن الساحلية في منطقتي غاسكوين وبيلبارا.

كما ساعدت التضاريس الواسعة والمنبسطة في بيلبارا على خلق مسافة هبوب طويلة للرياح فوق أرض مفتوحة، ممّا سمح بالتقاط كميات أكبر من جزيئات الغبار. ومع مرور الإعصار، ارتفعت مستويات الرطوبة بسرعة، وتبعتها سحب كثيفة ثم أمطار غزيرة؛ وهذا هو السبب في أنّ ذلك الغبار المريع لم يدم طويلاً؛ إذ غسلته الأمطار من الغلاف الجوّي وأعادته إلى الأرض.

لماذا بدت السماء بهذا اللون الأحمر القاني؟

تحتوي تربة منطقة بيلبارا ذات اللون الأحمر الداكن على نسبة عالية من أكاسيد الحديد، وهي التربة التي تُشكل حجر الزاوية لصناعة تعدين خام الحديد التي تُقدّر استثماراتها بمليارات الدولارات.

وتكمن الإجابة في فَهْم فيزياء الغلاف الجوّي؛ إذ تعمل جزيئات الغبار العالقة في الهواء على تشتيت الأطوال الموجية القصيرة (الضوءان الأزرق والأخضر) بشكل أكثر فاعلية، في حين تنفّذ الأطوال الموجية الأطول (الضوءان الأحمر والبرتقالي) أو تهيمن على ما يصل إلى العين. وقد أدَّت جزيئات التربة الحمراء إلى تعميق درجة اللون الأحمر المُنبعث، ومن هنا ظهرت السماء بلون برتقالي محمَّر داكن، أو حتى بلون الدم.

ونتيجة للمزيج الدقيق من الظروف البيئية، احتوت عاصفة «ناريل» الترابية على تركيز مرتفع جداً من الغبار، كان كثيفاً بما يكفي لترشيح ضوء الشمس الداخل إلى الغلاف الجوّي وصبغه بشكل ملحوظ؛ وهو ما خلق ذلك المظهر المريع الشبيه بسطح كوكب المريخ. كما اقترب الإعصار من منطقة نورث ويست كيب في الصباح الباكر، وهو الوقت الذي يضطر فيه ضوء الشمس إلى قطع مسافة أطول عبر الغلاف الجوّي، ممّا أدّى إلى مزيد من التشتُّت وجعل الدرجات الحمراء تبدو أكثر قوّة.

وتُعدّ العواصف الترابية الضخمة ظاهرة متكرّرة خلال فترات الجفاف الطويلة في وسط أستراليا وجنوب وشرقها. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك عاصفة «الفجر الأحمر» التي اجتاحت سيدني في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، حيث استيقظ السكان على فجر أحمر مخيف بسبب سحابة غبار هائلة.

وعادة ما تنتج هذه العواصف الترابية الضخمة عن جبهات هوائية باردة قوية وعواصف رعدية شديدة تدفع جزيئات الرواسب الدقيقة إلى أعالي الغلاف الجوّي. وتتحرّك هذه الجزيئات عادة نحو الشرق، وتصل أحياناً إلى المستويات العليا من طبقة «التروبوسفير»، وفي حالات نادرة، يترسَّب هذا الغبار في أماكن بعيدة تصل إلى جبال الألب الجنوبية في نيوزيلندا (أوتياروا).

إنّ مثل هذه الأحداث الجوّية المُذهلة تبرز بوضوح على الساحة العالمية؛ فالتضافر النادر بين التربة الحمراء الاستثنائية لمنطقة بيلبارا، والرياح الإعصارية الآتية من الاتجاه الصحيح، والتوقيت المثالي الذي سبق هطول الأمطار، سمح ببناء تركيزات عالية جداً من الغبار الجوّي، ممّا جعله مشهداً جاذباً للأبصار وحدثاً دوّنته سجلات الأرقام القياسية.


مقالات ذات صلة

عاصفة ترابية تُربك تنقلات المصريين وتُعكّر الأجواء

يوميات الشرق العواصف الترابية تؤثر على القيادة (الشرق الأوسط)

عاصفة ترابية تُربك تنقلات المصريين وتُعكّر الأجواء

شهدت مدن مصرية، الجمعة، بينها القاهرة والإسكندرية، عاصفة ترابية أدَّت إلى حجب الرؤية لمسافات بعيدة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ منازل متضررة جراء الطقس السيئ في ولاية كارولاينا الشمالية (الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ)

إدارة ترمب توافق على إعلان كوارث كبرى في 7 ولايات بسبب الطقس السيئ

وافقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الأسبوع على طلبات إعلان كوارث كبرى لسبع ولايات على الأقل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

أكّد المركز السعودي للأرصاد عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
آسيا رجل يسير على طول طريق غمرتها المياه بينما تتسبب الأمطار الغزيرة بفيضانات في بيشاور بباكستان (أ.ف.ب)

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

أفادت وكالات إدارة الكوارث في أفغانستان وباكستان، الثلاثاء، بمقتل نحو 188 شخصاً جراء أمطار غزيرة وفيضانات وثلوج تضرب البلدين منذ أكثر من أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (كابل - إسلام آباد)
يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.