السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

من مدرسة دار التوحيد إلى مؤشر عالمي... نموذج وطني يُعرض أمام العالم

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

الأمير فيصل بن مشاري آل سعود مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

محمد بن سلمان: لن نتردد في الرد بحزم

الخليج محمد بن سلمان: لن نتردد في الرد بحزم

محمد بن سلمان: لن نتردد في الرد بحزم

أكد الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، أن بلاده تعمل على تعزيز التعاون الدولي وخفض التصعيد ونزع فتيل التوترات، مشدداً على أنها لن.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي ركاب رحلة «فلاي دبي» لدى وصولهم إلى مطار بن غوريون قرب تل أبيب أمس (أ.ب)

طائرة «فلاي دبي» تنجو... والدوافع متباينة

نجا ما لا يقل عن مائة راكب كانوا على متن طائرة تابعة لشركة «فلاي دبي» الإماراتية المتجهة إلى تل أبيب، أمس، من حادث ناجم - حسب إفادات أولية - عن مشادة بين.

«الشرق الأوسط» (تبوك - دبي - تل أبيب)
الخليج الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

تأكيد سعودي – بريطاني على دعم أمن المنطقة

أكد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان ونظيره البريطاني ويس ستريتينغ دعم كل ما يسهم في تحقيق أمن المنطقة واستقرارها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الدكتور عبد الله آل الشيخ يلقي كلمته في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى (واس)

آل الشيخ: «الشورى» يستلهم الإنجاز والمبادرة من «رؤية السعودية 2030»

أكد الدكتور عبد الله آل الشيخ، رئيس مجلس الشورى السعودي، أن المجلس حظي منذ تأسيسه بدعم واهتمام القيادة التي جعلت منه ركيزة من ركائز التنمية في البلاد.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
عالم الاعمال «فيزا»: الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد التسوق في السعودية

«فيزا»: الذكاء الاصطناعي يغيّر قواعد التسوق في السعودية

تسعة من كل عشرة مستهلكين في السعودية يستخدمون الذكاء الاصطناعي في التسوق، لكن 33 في المائة فقط يثقون به لإتمام عمليات الشراء نيابة عنهم.


بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
TT

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار. المجموعة تضم اثني عشر عملاً فنياً من المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية ظلت بعيدة عن الأنظار لعقود داخل مجموعة خاصة شهيرة في أميركا الجنوبية، بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأعلنت دار «سوذبيز» للمزادات أنه من المتوقع أن تسجل أعمال لفنسنت فان جوخ وبول سيزان أرقاماً قياسية لهذين الفنانين خلال المزاد المقررة إقامته في نيويورك يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني). وفي حال تحقق ذلك، فسيكون مؤشراً جديداً على أن جامعي الأعمال الفنية يسعون - في ظل الأوقات التي تتسم بعدم اليقين - إلى إيجاد ملاذ آمن لاستثماراتهم في روائع الفن.

لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» لفان جوخ تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار (سوذبيز)

تأتي هذه اللوحات من مجموعة الراحلة الأرجنتينية «نيلي أرييتا دي بلاكير» وزوجها «كارلوس بيدرو بلاكير» - قطب صناعة السكر - ويقوم أبناؤهما حالياً ببيعها. وتشمل المجموعة لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» (Châtaigniers en fleurs) لفان جوخ، والتي تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار، ولوحة «هارلكين» (Arlequin) لسيزان، التي تبلغ قيمتها التقديرية 120 مليون دولار؛ علماً بأن أياً من هاتين اللوحتين لم تُعرض أمام الجمهور منذ نصف قرن.

ووصفت هيلينا نيومان، رئيسة قسم الفن الانطباعي والحديث في «سوذبيز»، المجموعة بأنها أشبه بـ«متحف أورسي مصغر»؛ في إشارة إلى المتحف الباريسي الذي يضم واحدة من أعظم مجموعات الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي في العالم.

وقالت نيومان: «خلال مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من 30 عاماً في دار سوذبيز، لم أحظَ قط بشرف التعامل مع مجموعة بهذا المستوى من الجودة والقيمة الفنية».

وأشارت نيومان إلى أن لوحة فان جوخ التي تصور أشجار الكستناء المزهرة تجسد «انفجار الطاقة والحيوية» الذي شعر به الفنان عقب خروجه من المصحة النفسية في مايو (أيار) 1890، قبل أن يضع حداً لحياته بعد ذلك بشهرين. أما لوحة سيزان (هارلكين)، فهي واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه وهو يرتدي زي شخصية «هارلكين» (المهرج)، في حين توجد اللوحات الثلاث الأخرى في متاحف كبرى.

لوحة بول سيزان (هارلكين) المعروضة في المزاد واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه (إ.ب.أ)

وتضم المجموعة أيضاً لوحات لمناظر مدينة باريس بريشة كلود مونيه وكاميل بيسارو، ولوحة لسباق خيول لإدغار ديغا، ومشهداً لركوب القوارب لبيير أوغست رينوار؛ وتبلغ قيمة هذه الأعمال جميعها عشرات الملايين من الدولارات.

وقال خبير الفنون فيليب هوك، وهو مُنظِّم مزادات سابق في دار «سوذبيز»، إن هذه المجموعة «تُعدّ بالفعل أسطورية»، نظراً لأن مقتنيها لم يعيروا هذه الأعمال للمشاركة في أي معارض. وأضاف هوك: «لم يكن أحد يعلم حقيقة ما تحتويه المجموعة؛ لذا فإن الكشف عنها الآن يمثل أمراً مثيراً للغاية».

وتابع قائلاً: «لقد نجحوا في تكوين مجموعة تركز بذكاء شديد على اقتناء عمل فني واحد يمثل كل اسم من الأسماء البارزة (في الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي)، وهو أمر بالغ الصعوبة؛ لقد حققوا ذلك بأسلوب رائع ونجاح باهر».

لوحة رينوار «فتاة صغيرة في قارب» (سوذبيز)

وأشارت نيومان إلى أن عملية البيع ستجذب على الأرجح اهتماماً عالمياً؛ إذ تتراوح قائمة المشترين المحتملين بين أثرياء قطاع التكنولوجيا الأميركيين ومؤسسات مرموقة في الشرق الأوسط، فضلاً عن هواة جمع الأعمال الفنية الأثرياء من أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وقالت: «في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي السائدة، يبدو الأمر وكأن هناك عودة للأعمال الفنية الراسخة والموثوقة والمُختبرة عبر الزمن»، والتي تُعد «عظيمة بلا منازع». وأضاف: «إن هذه المجموعة الانطباعية - التي تضاهي في جودتها مقتنيات المتاحف - تُعد نادرة للغاية».


بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.