بيت «باربي» يتّسع للجميع... دمية مصابة بالتوحّد تنضمّ إلى رفاقها من ذوي الاحتياجات الخاصة

بعض من دمى باربي المصابات بحالات جسدية خاصة (شركة ماتيل)
بعض من دمى باربي المصابات بحالات جسدية خاصة (شركة ماتيل)
TT

بيت «باربي» يتّسع للجميع... دمية مصابة بالتوحّد تنضمّ إلى رفاقها من ذوي الاحتياجات الخاصة

بعض من دمى باربي المصابات بحالات جسدية خاصة (شركة ماتيل)
بعض من دمى باربي المصابات بحالات جسدية خاصة (شركة ماتيل)

عاشت «باربي» 60 عاماً من دون أن تصاب بأي إعاقةٍ جسدية. الدمية المولودة عام 1959، انطبعت في الذاكرة الشعبية بشعرها الأشقر الطويل وقوامها الممشوق وعينَيها الزرقاوَين. شكلٌ مثاليّ لا يتماهى معه الأطفال جميعاً ولا حتى الكبار. هذا ما أيقنته شركة «ماتيل» المصنّعة للدمية عام 2019، فأطلقت باربي على كرسيّ متحرّك ونسخةً أخرى بأطرافٍ صناعيّة.

أحدثَ الموديل الجديد صدمةً إيجابيةً حول العالم، ومنذ ذلك الحين كرّت سُبحة الدمى التي تعكس التنوّع المجتمعي والإنساني؛ بدءاً بتلك الفاقدات السمع والبصر، مروراً بباربي التي تعاني من داء السكّري، وليس انتهاءً بالدمية المصابة بمتلازمة «داون».

عام 2019 بدأ تسويق باربي ذات الطرف الصناعي (شركة ماتيل)

باربي المصابة بالتوحّد

آخر ابتكارات الشركة هي باربي المصابة بالتوحّد. تشيح الدمية بنظرها إلى جانبٍ واحد على غرار المصابين بالتوحّد والذين يتجنّبون التواصل البصريّ. أما معصمها ومرفقها فقابلان للثني بالكامل، ما يتيح القيام بحركاتٍ جسديةٍ متكررة مثل التحفيز الذاتي ورفرفة اليدين، وهي حركات غالباً ما يقوم بها المصابون بالتوحّد لاستيعاب المعلومات الحسية أو التعبير عن الإثارة.

من بين إكسسوارات باربي الجديدة، لعبة «سبينر» حول إصبعها، التي تساعد في التركيز والتغلّب على التوتّر، إضافةً إلى السمّاعات الزهريّة على رأسها للحدّ من الضجيج، والجهاز اللوحي الخاص الذي يسهّل التواصل مع الآخرين.

أخذت ماتيل في الاعتبار كل ما يزعج المصابين بالتوحّد، فألبسَت باربي رداءً واسعاً للتقليل من ملامسة القماش للجلد. كما تنتعل الدمية حذاءً بلا كعبٍ عالٍ لتعزيز الثبات وسهولة الحركة.

باربي المصابة بالتوحّد أحدثُ ابتكارات شركة ماتيل (أ.ب)

باربي وقضاياها الإنسانية

أيقنت الشركة المصنّعة أنّ المبالغة في المثاليّة الجسديّة تتعارض مع الواقع، وأنه لا بدّ من رسالةٍ تحملها الدمية، أبعد من الشكل الجميل والأناقة. ذهبت باربي أعمق من ذلك لتقول إنّ الجمال يتّخذ ملامح وألواناً ومقاساتٍ عدة، وهو ليس محصوراً بالشعر الأشقر والعينَين الزرقاوين.

تحفّز تلك الدمى المستحدثة، التي تعكس مختلف الأشكال والأمراض والإعاقات البشريّة، على تحطيم وصمة العار المحيطة بالمعوّقين. يرى فيها الأطفال المرضى وذوو الاحتياجات الخاصة نماذج تشبههم ويتماهون معها، فيتضاءل لديهم الشعور بالخجل والاختلاف. وهي تُعدّ أداةً للدمج، ولنشر التوعية، ولتعليم التعاطف مع الآخر.

لا تتوجّه باربي ذات الاحتياجات الخاصة والأشكال غير النمطيّة، إلى الأطفال المرضى والمعوّقين فحسب، بل تستهدف الأصحّاء كذلك. يساعدهم اللعب بها على فهم الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يقابلونهم في الحياة اليومية.

أضيفت إلى مجموعة باربي دمى بألوان شعر وبشرة متنوّعة وبأجسام غير نحيفة (شركة ماتيل)

باربي والسكّري

تنضمّ باربي المصابة بالتوحّد إلى العائلة بعد 6 أشهر على ولادة باربي التي تعاني السكّري. يمكن التعرّف على داء الدمية من خلال مضخّة الإنسولين المعلّقة على خصرها، وجهاز مراقبة نسبة الجلوكوز في الدم المركّب على زندها والمربوط بهاتفها في حقيبة اليد. أما اللون الأزرق المنقط الذي ترتديه فيُستخدم في جميع أنحاء العالم للدلالة على التوعية من مرض السكّري.

ووفق ما يُظهر الجهاز، يبلغ مستوى السكّر في الدم لدى باربي 130 ملليغراماً وهو ضمن المعدّل الطبيعي. ويحرص معظم مرضى السكّري على إبقاء مستوى السكّر لديهم ما بين 70 و180 ملليغراماً.

باربي المصابة بالسكّري والمجهّزة بأدوات الفحص (أ.ف.ب)

باربي الكفيفة

باتت لشرائح المجتمع كافةً سفيرة ضمن المجموعة. وقد انضمّت إلى رفيقاتها باربي كفيفة في مسعىً لجعل الدمية الشهيرة أكثر شمولاً وأوسع تمثيلاً للبشر كافةً.

تحمل باربي الكفيفة العصا الخاصة بفاقدي البصر، وتضع نظارات شمسية على رأسها لتوفير حماية إضافية للعين. أما نظرتُها فتبدو طبيعية، إلا أنه جرى تصميمها بحيث تكون متجهة إلى أعلى والخارج قليلاً.

انضمّت باربي الفاقدة للبصر إلى المجموعة الخاصة من الدمى (شركة ماتيل)

باربي ومتلازمة داون

عام 2023 دخلت سوق الدمى باربي مصابة بمتلازمة داون أو التثلّث الصبغي 21. بالتنسيق مع مستشارٍ طبيّ، عملت الشركة المصنّعة قدر المستطاع على تصميم وجهٍ وجسمٍ يجسّدان ملامح النساء المصابات بالمتلازمة؛ بما في ذلك قصر القامة وطول الجذع. كما يتميز الوجه بشكله المستدير، وبأذنين صغيرتين، وأنف مسطّح وعينَين لوزيّتَين.

إلى جانب إعاقتها، حملت الدمية رسالةً مهمةً مفادها أنّ الجمال ليس محصوراً بالأصحّاء. وبفستانها المزيّن بالأزهار والفراشات الزرقاء والصفراء، تحمل ألوان التوعية لمتلازمة داون، إلى جانب رموز أخرى يتماهى معها المصابون، مثل القلادة حول عنقها والخط الأوحد على راحة يديها، وغيرها من خصائص المتلازمة.

باربي المصابة بمتلازمة داون (شركة ماتيل)

باربي صمّاء وأخرى صلعاء

من ضمن المجموعة كذلك باربي المزوّدة بسمّاعات، في تجسيدٍ للأشخاص فاقدي السمع. وتلك المصابة بالبهاق وهو اضطراب جلديّ يتسبب بظهور بقع بيضاء على البشرة. وفي هذا الموديل، كما في سائر الموديلات، تعاونت «ماتيل» مع أطباء أخصائيين من أجل تجسيد الحالات كما هي، بما لا يؤذي مشاعر المصابين.

لم تنسَ الشركة النساء المصابات بالصلع ولا الفتيات اللواتي اضطررن إلى حلق شعورهنّ بداعي المرض، فابتكرت باربي الصلعاء. ووفق أرقام المبيعات، فإنّ هذه الباربي تحديداً لاقت رواجاً كبيراً، لا سيما بين الفتيات الصغيرات اللواتي يخضعن للعلاج الكيميائي من السرطان.

حققت دمية باربي هذه مبيعات كبيرة لا سيما بين الفتيات المصابات بالسرطان (شركة ماتيل)

بعد عقودٍ سوّقت خلالها «ماتيل» لنموذج جمالٍ موحّد، حدّد مقاييس المرأة بشكلٍ غير واقعيّ وأثّر على عقول الصغار، لا سيّما الفتيات من بينهم، تحاول الشركة جاهدةً تصحيح الخطأ. باربي متوفرة اليوم بما يقارب 200 نموذج، من بينها السمراء والصهباء، والسمينة والنحيلة، والمقعدة والمريضة، والطويلة والقصيرة. كل ذلك من أجل التأكيد على نظرية الدمج المجتمعيّ، وأنّ لكل فردٍ مساحة في بيت باربي الزهريّ.


مقالات ذات صلة

تعافي النظام التعليمي في غزة قد يستغرق 7 سنوات

خاص طلاب فلسطينيون يحضرون يومهم الدراسي الأول في العام الدراسي الجديد داخل فصل دراسي أقيم في خيمة بمدرسة في خان يونس جنوب قطاع غزة 19 سبتمبر الماضي (رويترز)

تعافي النظام التعليمي في غزة قد يستغرق 7 سنوات

حذّرت مديرة التعليم في «أونروا» من بقاء أكثر من 200 ألف طفل بغزة خارج التعلّم المنظّم، موضحةً أن تعافي النظام التعليمي في القطاع قد يستغرق حتى سبع سنوات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
يوميات الشرق الحديث عن شخصية خيالية يساعد الطفل على التعبير عن جوانب من شخصيته بطريقة غير مباشرة (بيكسلز)

بدلاً من «كيف كان يومك؟»... 5 أسئلة تكشف مشاعر طفلك وتقرّبك منه

قد يسأل الآباء أبناءهم يومياً: «ماذا فعلت اليوم؟»، أو «كيف كان يومك في المدرسة؟»، لكن الإجابات غالباً ما تأتي مقتضبة: «لا شيء» أو «جيد».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق «ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

«ويني الدبدوب» يطفئ شمعته الـ100... كم بلغ عمر شخصيات الكرتون الأكثر جماهيريّةً؟

قبل أيام احتفل «ويني الدبدوب» بعيدِه الـ100 وهو لا يزال في أوج شعبيّته. مثلُه رسوم متحركة أخرى، بلغت خريف العمر وهي لا تزال شابة، ومحبوبة.

كريستين حبيب (بيروت)
أفريقيا بول ماكنزي خلال جلسة النطق بالحكم عليه في مومباسا بكينيا يوم 19 أكتوبر 2026 (أ.ب)

إدانة زعيم طائفة في كينيا بقتل 190 طفلاً

أدانت محكمة كينية، اليوم الاثنين، بول ماكنزي، وهو زعيم طائفة تدعو إلى التجويع، ونحو 30 آخرين بتهمة القتل على خلفية وفاة 190 طفلاً إلى جانب شخص بالغ.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
صحتك الأطفال الرضع من عمر 4 إلى 12 شهراً يحتاجون 12 إلى 16 ساعة من النوم بما في ذلك القيلولة (بيكساباي)

كم ساعة نوم يحتاج طفلك حسب عمره؟

تختلف حاجة الطفل للنوم حسب عمره ويساعد النوم الكافي على النمو والتعلم وتقوية المناعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
TT

«الليلة الكبيرة»... طقس مصري يجتذب الملايين ويجدد الجدل حول الموالد

ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)
ساحة مسجد السيد البدوي وبها حشود الزائرين (محافظة الغربية)

في روايته «أيام الإنسان السبعة»، يقدم الكاتب المصري عبد الحكيم قاسم ملحمة فنية عن مجتمع الدراويش في دلتا مصر، وكيف تكرس قرية كاملة نفسها للإعداد للذهاب إلى مولد السيد البدوي في سبعة أيام، ليصبح هذا الحدث الكبير أقرب لذروة الطقوس الشعبية التي يمارسها الدراويش والصوفية في هذه القرية وشبيهاتها.

ومع انتهاء «الليلة الكبيرة» لمولد السيد البدوي في مدينة طنطا (وسط الدلتا) والحضور الحاشد الذي شهدته تلك الليلة وما بها من طقوس شعبية وروحانية على السواء، تجدد الجدل حول الموالد في مصر، بين من يراها طقساً شعبياً وروحانياً يجذب الملايين من المحبين للأولياء والصالحين، ومَن يراها ظاهرة شعبية دون أساس روحاني سليم ترتكز عليه.

ومع توافد الحشود المليونية (البعض قدرها بنحو 5 ملايين زائر) على مولد السيد البدوي، أكدت محافظة الغربية، العام الماضي، أن المولد حضره أكثر من مليوني شخص، ونشرت محافظة الغربية على صفحتها الرسمية بـ«فيسبوك»، الخميس، تحية لزائري المدينة، وكتبت: «طنطا تتلالأ بأنوار مولد السيد البدوي، أجواء روحانية عامرة بالابتهالات والمدائح النبوية، وحركة تجارية نابضة بالحياة، مع توافد الزائرين من مختلف محافظات مصر والدول العربية والإسلامية لإحياء ذكرى العارف بالله سيدي أحمد البدوي، وسط أجواء من البهجة وجهود مكثفة من محافظة الغربية لتوفير الخدمات اللازمة وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على سلامة وراحة الزائرين».

حشود غفيرة حضرت المولد (محافظة الغربية)

ومع تصدر مولد السيد البدوي «الترند» على «إكس» بمصر، الجمعة، تصاعد الجدل حول التبرك والاحتفال بالموالد، وهو ما رد عليه المتحدث باسم الطرق الصوفية في مصر، أحمد قنديل، وكتب على صفحة المشيخة بـ«فيسبوك»: «ليس كل من رفع صوته امتلك الحقيقة، وليس كل من تطاول على مقامات الصالحين أصبح عالماً بالدين، وليس من الشجاعة الفكرية أن يهدم الإنسان تاريخاً لا يعرفه، أو يطعن في رموز الأمة دون علم أو تحقيق أو إنصاف».

مضيفاً أن «الحديث عن سيدي أحمد البدوي، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف الإسلامي، لا ينبغي أن يكون ساحة للتجريح أو السخرية أو تصفية الحسابات الفكرية، وإنما ميدان للبحث العلمي الرصين، والرجوع إلى المصادر المعتبرة، والتمييز بين الحقائق التاريخية والروايات الشعبية التي تحتاج إلى تحقيق وتمحيص».

ويرى الباحث في التصوف الإسلامي الدكتور أحمد شتية، مدرس الدراسات الإسلامية بجامعة دمنهور، أن «تجمع الناس حول أحد الصالحين لا سيما من أصحاب التاريخ الكبير في العلم ونشر علوم التصوف ومجاهدة الأعداء كسيدي أحمد البدوي، جزء لا يتجزأ من الثقافة المصرية الدينية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الثقافة في الآونة الأخيرة شهدت تراجعاً بسبب عوامل فكرية كثيرة وتسرب بعض الأفكار التي تشوش على المسلمين دينهم بأن التعلق بالصالحين فيه شيء من الشرك، وفيه شيء من المغالاة، وهذا في الحقيقة خلط كبير وإسقاط للأمور على غير مواضعها. فالسيد أحمد البدوي، رضي الله عنه، إمام كبير، شهد له العلماء، سلفهم وخلفهم، وهذا ما لا يعرفه كثيرون من الناس الآن، ويكتفون بتناقل ما يكتب عبر (السوشيال ميديا) في شأن السيد أحمد البدوي، وفي شأن غيره من العلماء والأولياء والصالحين».

المولد شهد ملايين الزوار وفق تقديرات متابعين (محافظة الغربية)

وتشهد مصر الكثير من الموالد، من بينها موالد لآل البيت مثل «السيدة زينب»، و«مولد الحسين»، وغيرهما، وموالد أخرى للصالحين مثل «السيد البدوي»، و«إبراهيم الدسوقي»، و«عبد الرحيم القناوي»، و«المرسي أبو العباس»، وغيرهم.

ويرى المتخصص في التراث الشعبي الدكتور عبد الكريم الحجراوي أن الموالد ليست ظاهرة دينية أو روحانية فقط، بل هي أيضاً ظاهرة اجتماعية احتفالية أشبه بكرنفال سنوي يلتقي فيه المصريون من أنحاء البلاد، خصوصاً الموالد الكبيرة مثل مولد السيد البدوي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «المولد به العديد من الأنشطة التجارية والألعاب، وقديماً كانت تقدم فيه فنون السيرك وما زالت تقدم فيه السيرة الهلالية والسير الشعبية، بالتوازي مع الفعاليات الروحانية مثل حلقات الذكر والندوات الدينية وغيرها، فهو نشاط كبير متشعب، ويجب عدم قصره على صفته أو طبيعته الروحانية».

ويرى الحجراوي أن هذا الجدل لا يتجاوز وسائل التواصل الاجتماعي، بينما على أرض لواقع هناك الملايين المتصالحون مع الموالد والذين يعدُّونها فرصة سنوية وموسمية لأنشطة كثيرة روحانية وترفيهية وتجارية.


5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
TT

5 دقائق مع كلبك قد تغيّر استجابة دماغك للضغوط

للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)
للحنان 4 قوائم أحياناً (جامعة إيلون)

بيّنت دراسة أجرتها جامعة إنسبروك في النمسا أنّ مداعبة الكلاب قد تساعد الجسم على الاستعداد لمواجهة المواقف المسبّبة للتوتّر؛ إذ يمكن للتلامس الجسدي مع الحيوان الأليف أن يخفّف استجابة الجسم البيولوجية للتوتّر عند التعرّض لضغط جديد، حتى إن لم يُسرّع تعافيه من التوتّر السابق.

ووجد الباحثون أنّ الأشخاص الذين داعبوا كلابهم خلال استراحة قصيرة بعد أداء مهمة مرهقة أظهروا استجابة بيولوجية أكثر هدوءاً عند مواجهة مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر، مقارنةً بمن بقوا بالقرب من كلابهم من دون لمسها. ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «علم النفس البيولوجي».

وتشمل المواقف المسبّبة للتوتّر ضغوط العمل والاختبارات والمشكلات اليومية والتعرّض للنقد أو التقييم، وهي ظروف تتطلّب من الإنسان بذل جهد ذهني أو عاطفي للتعامل معها. وقد تؤدّي هذه المواقف إلى تنشيط استجابة الجسم للتوتّر، فتتغيّر معدّلات ضربات القلب وأنماط نشاط الدماغ استعداداً لمواجهة التحدّي.

وشملت الدراسة 64 شخصاً من أصحاب الكلاب، بينهم 51 امرأة و13 رجلاً، بمتوسّط عمر بلغ 34 عاماً. وشارك جميعهم في التجارب برفقة كلابهم الأليفة، التي اشترط الباحثون ألّا يقلّ عمرها عن عامين، وأن تتمتّع بصحة جيدة وتكون مرتاحة في البيئات الجديدة.

ولإثارة التوتّر لدى المشاركين، طلب الباحثون منهم أداء مهمّتين ذهنيّتين صعبتين تحت المراقبة، مع تلقّي تعليقات سلبية من أحد الباحثين عبر مكالمات مرئية.

وتمثّلت المهمة الأولى في الإجابة عن أسئلة في المعلومات العامة، مع منح المشاركين خمس ثوانٍ فقط للإجابة عن كلّ سؤال. أما الأخرى، فكانت إجراء عمليات حسابية ذهنية عبر العدّ التنازلي بفواصل رقمية ثابتة، وفق إيقاع تحدّده نقطة حمراء وامضة، من دون السماح للمشاركين بإبطاء وتيرتهم.

وأجرى كلّ مشارك مجموعتين من الاختبارات في اليوم نفسه. وخلال المجموعة الأولى، سُمح للكلب بالتجوّل بحرية داخل الغرفة؛ مّا أتاح لصاحبه مداعبته أو لمسه أو احتضانه. أما في المجموعة الأخرى، فبقي الكلب بالقرب من صاحبه مربوطاً بمقود قصير؛ إذ أمكن للمشارك رؤيته والتحدّث إليه من دون تلامس جسدي.

وراقب الباحثون نشاط الدماغ باستخدام تخطيط كهربائية الدماغ، وتتبّعوا نشاط القلب بواسطة تخطيط كهربائية القلب، قبل الاختبارات وأثناءها وبعدها. كما طلبوا من المشاركين تقييم حالتهم الشعورية في مراحل مختلفة، بما يشمل مدى شعورهم بالهدوء أو الإثارة، وطبيعة مشاعرهم الإيجابية أو السلبية، ومدى إحساسهم بالسيطرة على الموقف.

وأظهرت النتائج أنّ مداعبة الكلاب لم تساعد المشاركين على التعافي من التوتّر الأول بسرعة أكبر؛ إذ عادت مؤشّرات نشاط القلب وأنماط الموجات الدماغية إلى مستويات الراحة بوتيرة متشابهة، سواء داعب المشاركون كلابهم أم اكتفوا بالجلوس بالقرب منها من دون لمسها.

لكن التأثير ظهر عند مواجهة المشاركين مهمة أخرى مسبّبة للتوتّر بعد استراحة استمرّت خمس دقائق. فقد أظهرت تسجيلات الدماغ ارتفاعاً أكبر في نشاط موجات ألفا لدى الأشخاص الذين لمسوا كلابهم خلال الاستراحة، واستمرّ هذا الارتفاع خلال المجموعة الثانية من الاختبارات؛ ما يشير إلى انخفاض مستوى التنشيط الدماغي خلال مواجهة المهمة المجهدة.

في المقابل، لم يظهر التأثير نفسه لدى المشاركين الذين أمضوا الاستراحة بالقرب من كلابهم من دون تلامس جسدي.

وكشفت النتائج أيضاً أنّ المشاعر التي أبلغ عنها المشاركون لم تتطابق دائماً مع استجابات أجسامهم؛ إذ اختلفت تقييماتهم الذاتية للتوتّر أحياناً عن المؤشّرات التي سجّلتها أجهزة قياس نشاط القلب والدماغ.

ويرى الباحثون أنّ التلامس الجسدي قد يكون أحد العوامل التي تفسّر بعض الفوائد الصحية والنفسية المرتبطة بالتفاعل مع الحيوانات الأليفة.


«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
TT

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)
الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية في قرية أنهكها الجفاف بعد انقطاع إمدادات المياه، حيث يواجه أبطاله تحديات الوحدة والعزلة والفقد وسط واقع قاسٍ يفرض نفسه على تفاصيل حياتهم. ويشارك الفيلم في مسابقة الأفلام الروائية بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، بعد عرضه العالمي الأول في الدورة الستين من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث حصد بطله غسان سعد جائزة أفضل ممثل.

مع تفاقم أزمة انقطاع المياه في القرية، يُستدعى «حسن»، الموظف المتقاعد من مصلحة المياه، للعودة إلى عمله مستنداً إلى خبرة طويلة اكتسبها على مدى سنوات. وفي محاولة لإنقاذ القرية من شبح الجفاف الذي يلوح في الأفق، يتولى مهمة البحث عن أسباب الأزمة وإيجاد حلول لها. وقد عُرف حسن بين الأهالي بمبادرته الدائمة إلى مساعدتهم كلما انقطعت المياه عن منازلهم، إذ يجد في خدمة الآخرين وفي صداقاته متنفساً يخفف وطأة الوحدة التي يعيشها. لكن حياته تتقاطع مع سلسلة من الخسارات المؤلمة؛ فيكافح مشاعر الفقد بعد وفاة صديقه إثر تسرب غاز في ظروف غامضة، فيما يرزح تحت حزن عميق وهو يودع والدته.

تتفاقم مشكلة انقطاع المياه وتتحول إلى مهمة مستحيلة، تدفع بـ«حسن» للتحرك والتحقيق فيما حدث، فيما تتقاطع مهمته لإعادة المياه مع محاولته لفهم ملابسات الموت والفقد.

يتخذ المخرج كريم قاسم من «القسطل» أداة استكشاف، ليتجول بين المنازل والذكريات والالتزامات بالقرية، كمكان حي شاهد على تفاصيل الحياة اليومية.

يعثر «حسن» على زر معطف مفقود يخص شخصاً يُشتبه به في جريمة مقتل زميله البنغلاديشي «رضا»، فيقول بلهجته اللبنانية بآخر مشاهد الفيلم «نبلش»! أي نبدأ، ما يلفت إلى توجهه وأصدقائه للبحث عن الفاعل، وهو ما أعلن عنه المخرج كريم قاسم عن تقديم جزء ثالث ليكمل ثلاثيته الفيلمية.

ملصق الفيلم اللبناني (مهرجان الجونة)

وقال قاسم، في تصريحات صحافية، إن الشخصية الرئيسية بالفيلم تحظى باهتمام كبير كما في فيلمه «موندوف» الذي شارك به غسان سعد في دور صغير، «لذا جعلت منها محور أحداث الفيلم لإتاحة التعرف أكثر على ماضيها والغوص في حالتها النفسية، عبر رؤية سينمائية تربط التفاصيل بعضها ببعض من خلال «القساطل.

يتماهى أداء غسان سعد مع شخصية «حسن»، وتتقاطع مهنته بالفيلم مع مهنته الحقيقية في عمله بمصلحة المياه، فيقدم أداءً طبيعياً يتسم بالسلاسة، كما أن تجاربه المسرحية أكسبته خبرة أيضاً، ما أضفى على أدائه كثيراً من المصداقية في أول بطولة سينمائية له.

وهو ما يتوقف عنده الناقد طارق الشناوي متسائلاً: «هل الشخصية التي يؤديها الممثل عموماً لو عاشها بشكل فعلي سيؤديها بشكل أفضل، كما حدث مع بطل الفيلم غسان سعد الذي حاز جائزة التمثيل بمهرجان كارلو في فاري»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «سواء عاش الفنان الحالة أو عايشها فقانون الفن يجعل الإحساس بالشخصية أسبق من الجزء الواقعي، وعلى المبدع إذا لم يكن قد مر بالتجربة في حياته فيكفيه أن يحاول الوصول إلى عمقها، والمميز في فيلم (قساطل) أن أداء البطل وصل لعمقها ومارسها أيضاً».

وأشار الشناوي إلى أن انقطاع المياه ظرف عشناه، وما زلنا نعيشه في أغلب بلدان عالمنا العربي، لأن المقدرات الأساسية في حياتنا يظل جانب منها غير متحقق، وبالتالي القضية التي يطرحها الفيلم تمسنا وتمس العالم الثالث كله، لكن المخرج نسب القصص الموازية لمجموعة الأصدقاء الذين لا يحلون مشكلة القساطل بقدر محاولتهم التصالح مع قانون الحياة، لافتاً إلى أن «الفيلم به حالة من الصدق سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأداء».

ويصف الناقد الفني محمد نبيل «قساطل» بأنه «فيلم شاعري قدّمه المخرج كريم قاسم بأسلوب يجمع بين الروائي والوثائقي»، وأنه يعد بمثابة استكمال لتجربة المخرج في فيلم «موندوف». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم يوجه نقداً حاداً للمجتمع عبر عديد من التفاصيل التي قدّمها المخرج بشكل واعٍ، مجسداً ما يحدث داخل لبنان اجتماعياً واقتصادياً، مقدماً إيقاعاً متمهلاً لمشكلة المياه التي تمثل الحياة نفسها، وتأثيرها على الناس».