فلادلينا ساندو لـ«الشرق الأوسط»: «ذاكرة» لحماية الأطفال من آثار الحروب

فيلم المخرجة الشيشانية حصد جائزة لجنة التحكيم في «مراكش»

عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان مراكش (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان مراكش (الشركة المنتجة)
TT

فلادلينا ساندو لـ«الشرق الأوسط»: «ذاكرة» لحماية الأطفال من آثار الحروب

عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان مراكش (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان مراكش (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الشيشانية فلادلينا ساندو إنها شعرت، منذ اللحظة الأولى التي فكّرت فيها بإنجاز فيلم «ذاكرة»، بأن هذا المشروع ليس مجرد محاولة لاستعادة ماضٍ شخصي، بل ضرورة ملحّة لفهم تاريخ لا يزال ملتبساً، تاريخ انهار معه الاتحاد السوفياتي، واشتعلت في ظلاله الحرب في الشيشان، وتحوّلت طفولتها إلى سلسلة أحداث متتابعة من الخوف، والنجاة.

وأضافت فلادلينا ساندو التي حصد فيلمها جائزة «لجنة التحكيم» بمهرجان مراكش لـ«الشرق الأوسط» أنها من خلال هذا الفيلم أرادت أن تكشف تلك الأجزاء من التاريخ التي لم تُوثَّق كما يجب بعد، ولم تُرَ من منظور الضحية التي عاشت داخل النار، بدلاً من منظور السلطة، لافتة إلى أنها وجدت أنه من المهمّ أن تقول شهادتها، لأنها كانت طفلة حين بدأت الحرب، لم تعرف الكثير عن السياسة، أو «من المخطئ، ومن المصيب».

يرصد الفيلم تداعيات إنسانية لقرارات سياسية وعسكرية (الشركة المنتجة)

وقالت إنها رأت بعينيها انهيار العالم من حولها، والهروب الجماعي للأصدقاء، والقصف، والخوف، وموت الجيران، وإصابة والدتها، ثم اضطرارها إلى الفرار، والعيش نازحة في روسيا، وكانت تدرك أن هذه التجربة العميقة لا يمكن أن تبقى محصورة في الذاكرة، بل يجب أن تتحول إلى صور، إلى سرد مفتوح على أسئلة تتجاوز حدودها الشخصية.

وتدور أحداث الفيلم في تتبع «فلادلينا»، ذات السنوات الست، التي تنتقل من شبه جزيرة القرم إلى غروزني بعد طلاق والديها، من دون أن تدرك أن الحرب ستلتهم طفولتها قريباً، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، تبدأ الجمهورية الشيشانية في التصدّع، أصدقاؤها الناطقون بالروسية يفرّون، بينما يعود الشيشانيون المُهجّرون ليستعيدوا وطنهم، وتتصاعد التوترات سريعاً، وينفجر الصراع المسلّح، فيغمر العنف المدينة؛ يُقتل الجيران، وتُستهدف عائلتها، وتتحوّل غروزني إلى ساحة قتال مفتوحة.

وبعد أربع سنوات من الحرب، تُصاب والدتها إصابة خطيرة، ويجبر هجوم مسلّح «فلادلينا» على الهرب، لتصبح نازحة داخل روسيا، في فيلم تعود من خلاله المخرجة الشابة إلى ذكريات طفولتها المروّعة لتواجه سؤالاً واحداً يطاردها، كيف يمكن كسر دائرة العنف التي تُشكّل حياة الأطفال وتنتقل عبر الأجيال؟

المخرجة الشيشانية (الشركة المنتجة)

وعن طبيعة الفيلم الذي يمزج بين السيرة الذاتية والتخيل، قالت إنها لم تكن تبحث عن «الواقعية» بمعناها المباشر، لأنها ترى أن الواقع ذاته ليس صورة جاهزة، بل انعكاس يختلف وفق زاوية الرؤية، أو الشخص الذي يرى، فكانت ترغب في بناء عالم يعبر عن إدراكها الشخصي لطفولتها، وعن الطريقة التي كانت ترى بها الأشياء وهي صغيرة، وعن قدرتها على خلق مساحة حرّة تستعيد فيها ذاتها بلا قيود، فالطفل، كما تقول: «يعيش عالماً أوسع من الحقيقة، وأقل صلابة منها، عالماً يمكن فيه للخيال أن يضيء ما يعجز الواقع عن تفسيره».

أما عن كيفية تحويل القسوة التي عاشتها إلى مادة سينمائية، فأكدت فلادلينا أن «الفيلم كان بالنسبة لي شكلاً من أشكال العلاج الفني، فقد حملت لسنوات طويلة آثاراً نفسية عميقة من العنف الذي شهدته، والرغبة في الانتقام، والشعور المتواصل بالخطر، وإدراكي المتأخر أن أجساد الأطفال الذين يكبرون في مناطق الحرب تعيش مستويات عالية من الأدرينالين تجعل الانتقال إلى حياة طبيعية أمراً شديد الصعوبة».

وقالت إن الفنّ يمنحها القدرة على إعادة تشكيل هذه الذاكرة من جديد، ويساعدها على فهمها، ومواجهتها، وعلى منح الآخرين فرصة للتعرّف على التجربة التي يعيشها الأطفال في مناطق الحرب، وأضافت: «بعدما أنجزت الفيلم شعرت بقدر من السكينة لم أعرفه منذ زمن طويل، إذ تمكّنت أخيراً من إخراج تلك الصور التي كانت تعيش داخلي فقط، وتحويلها إلى لغة يفهمها الآخرون، ويشاركونني التفكير في أسئلتي».

وعند سؤالها عن بطلتَي الفيلم اللتين أدّتا شخصيتها في عمرين مختلفين، أوضحت أنها عثرت عليهما خلال تجارب أداء في غروزني، وأنهما لم تكونا ممثلتين محترفتين، لكنهما تنتميان إلى المكان نفسه، وتحملان حساسيته، وتاريخه.

الملصق الدعائي للفيلم (مهرجان مراكش)

وروت أن الطفلة أمينة تايسوموفا، التي بدت في السابعة من عمرها، قالت لها في المقابلة الأولى إن هوايتها المفضلة هي الملاكمة، وهو أمر بدا مستحيلاً في مجتمع محافظ لا يسمح للفتيات بممارسة هذه الرياضة. لكن إصرار أمينة دفع فلادلينا إلى مخاطبة أهلها، وتشجيعهم على منحها فرصة تحقيق حلمها، وبعد فترة بدأت الطفلة التدريب فعلاً، وأصبحت تفوز بالبطولات.

ورأت فلادلينا في ذلك انعكاساً لما عاشته هي نفسها في طفولتها، حين كانت تحب الرسم، لكن البيئة المحيطة كانت تمنعها حتى من استخدام يدها اليسرى.

وأكّدت المخرجة الشيشانية أنها كانت حريصة على حماية الطفلتين من أي أثر نفسي، فصوّرت معهما المشاهد بوعي كامل، وبعناية تضمن أن تبقى المسافة بين التجربة الحقيقية والتمثيل واضحة، فكانت تريد أن يعرفا أنّ الفيلم ليس إعادة إنتاج للعنف، بل محاولة لفهمه، وكسره، وأنهما تمثّلان طفلة تنجو لا طفلة تعيد عيش الألم.

وعبرت عن أملها في أن يساعد فيلم «ذاكرة» في فتح نقاش أوسع حول كيفية التعامل مع الصدمات التي يتعرض لها الأطفال بسبب الحروب، وكيف يمكن للمجتمعات أن تمنع انتقال دورة العنف إلى الأطفال، وأن تجد طرقاً حقيقية لدعمهم كي يشهدوا عالماً مختلفاً عما عرفته هي، عالماً لا يحتاجون فيه إلى السلاح ليشعروا بأنهم أقوياء.


مقالات ذات صلة

الكوميديا تزاحم الرومانسية في موسم الشتاء السينمائي بمصر

يوميات الشرق فيلم «نصيب» يُعرض في موسم الشتاء (الشركة المنتجة)

الكوميديا تزاحم الرومانسية في موسم الشتاء السينمائي بمصر

تستقبل دور العرض المصرية شتاءً سينمائياً حافلاً بأفلام الكوميديا، أبرزها «موسكو كايرو» و«نصيب» و«كريبتو» في ظاهرة يصفها ناقد فني بالجديدة على السينما المصرية.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الأردني خلال حضوره في مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

زيد أبو حمدان: «بومة» ليس جريئاً بل واقعي

قال المخرج الأردني زيد أبو حمدان إن فيلم «بومة» ليس جريئاً، كما يصفه بعضهم؛ بل هو فيلم حقيقي وواقعي عن أشخاص يعيشون بيننا.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق خالد الصاوي خلال مشاركته في مهرجان الجونة (حسابه على فيسبوك)

خالد الصاوي: أجسد خيرت الشاطر بشكل مختلف في «تمكين»

قال الممثل المصري خالد الصاوي إنه يستعد لتصوير مسلسله الجديد «تمكين» مع المخرج محمد سامي.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق لقطة جماعية للمشاركين في ختام «الجونة السينمائي» (إدارة المهرجان)

«مهرجان الجونة» يُرسّخ حضوره بالأفلام والجوائز ودعم صنّاع السينما

إذا كان حفل افتتاح الدورة التاسعة قد غابت عنه البهجة، فقد عوَّضها حفل الختام.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق الفنان غسان سعد يجسد بالفيلم شخصيته في الواقع (مهرجان الجونة)

«قساطل» دراما لبنانية تواجه «العطش» و«الوحدة» و«الفقد»

يكشف الفيلم اللبناني «قساطل - Pipes» للمخرج كريم قاسم جانباً من المعاناة اليومية لقرية ريفية أنهكها الجفاف بعد تعطل إمدادات المياه بها.

انتصار دردير (الجونة (مصر))

الكوميديا تزاحم الرومانسية في موسم الشتاء السينمائي بمصر

فيلم «نصيب» يُعرض في موسم الشتاء (الشركة المنتجة)
فيلم «نصيب» يُعرض في موسم الشتاء (الشركة المنتجة)
TT

الكوميديا تزاحم الرومانسية في موسم الشتاء السينمائي بمصر

فيلم «نصيب» يُعرض في موسم الشتاء (الشركة المنتجة)
فيلم «نصيب» يُعرض في موسم الشتاء (الشركة المنتجة)

تستعد الأفلام الكوميدية لحضور لافت في موسم الشتاء السينمائي بمصر، مع الإعلان عن طرح مجموعة من الأعمال التي تمزج الكوميديا بأنواع سينمائية أخرى، ويشارك في بطولتها عدد من النجوم، ومن أبرز هذه الأعمال «موسكو كايرو» و«نصيب» و«كريبتو» و«ليلة باظت خالص»، إلى جانب الفيلم الكوميدي الاجتماعي «حدوتة». ويرى ناقد فني أن تزامن عرض هذه الأفلام يمثل ظاهرة جديدة وغير مألوفة في السينما المصرية.

وتتصدر الفنانة ياسمين صبري البطولة في فيلم «نصيب»، الذي يشاركها فيه الفنان اللبناني معتصم النهار، وخالد سرحان. الفيلم من تأليف أحمد عبد الفتاح وإخراج أحمد خالد أمين، وينتمي إلى نوعية الأفلام الرومانسية الكوميدية الممزوجة بالأكشن.

الطابع الكوميدي يغلب على أفلام الشتاء (الشركة المنتجة)

وتحدث السيناريست أحمد عبد الفتاح عن بعض تفاصيل العمل، موضحاً أنه صُوّر في مدن الغردقة، ومرسى علم، وسهل حشيش، والقصير، وتدور أحداثه حول امرأة تدخل في صراعات عديدة بسبب ميراث مالي ضخم، فيما تعود قصة حب من الماضي لتغير مجرى حياتها تماماً.

وكشف عبد الفتاح أن «نصيب» يمثل عودته إلى السينما بعد غياب دام 6 سنوات انشغل خلالها بالدراما التلفزيونية، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «كان لا بد من العودة مجدداً بشكل يعيد الرومانسية للسينما مرة أخرى، خصوصاً أنني قدمت من قبل أفلاماً تنتمي لهذه النوعية مثل (عمر وسلمى)، و(نور عيني)، و(حالة حب)، وغيرها».

وعن اختيار ياسمين صبري لبطولة الفيلم، قال عبد الفتاح: «أعتقد أن ياسمين حققت نجاحات من قبل تؤهلها لهذه البطولة التي يشاركها فيها معتصم النهار في أول ظهور سينمائي له في مصر».

وفي سياق متصل، يجمع فيلم «موسكو كايرو» مجموعة من الفنانين من مصر وروسيا، أبرزهم محمد نور، وياسر الطوبجي، والفنان الأردني منذر رياحنة، والمطرب أبو الليف. ويشارك من روسيا ماريا ريفال، وأنستاسيا أكاتوفا، وبالينا جريتس. الفيلم من تأليف ألينا سربيرياكوفا وعماد السباعي، وإخراج خالد مهران، وتدور أحداثه حول مغامرة غير متوقعة تتخللها مواقف كوميدية عديدة.

ويشارك في بطولة فيلم «كريبتو» الفنانون محمد أسامة الشهير بـ«أوس أوس»، وحمدي الميرغني. وتدور أحداثه حول زعيم مافيا يتعرض لإصابة تدفعه إلى التفكير في نجليه، بعدما تركهما في مصر قبل 30 عاماً.

وتتوالى الأحداث في إطار كوميدي. الفيلم من قصة الراحل أحمد عبد الله، وسيناريو وحوار عمرو تيام ومهاب حسين، وإخراج سلطان مجدلي.

أما فيلم «ليلة باظت خالص»، فيتناول قضايا الشباب وتحديات العصر الرقمي في إطار اجتماعي كوميدي، ويجمع أحمد مالك وميشيل ميلاد وخالد الصاوي. الفيلم من تأليف محمد الحسيني وخالد منصور، الذي يتولى إخراجه أيضاً.

أحمد حلمي ينافس في موسم الشتاء (الشركة المنتجة)

ويعود الفنان أحمد حلمي إلى المنافسة السينمائية بفيلم «حدوتة»، بعد غياب منذ عرض فيلمه «واحد تاني» قبل 4 سنوات. وتمزج أحداث الفيلم بين المواقف الكوميدية والتفاصيل الإنسانية، وهو من تأليف أحمد عبد الرحمن وإخراج مازن أشرف.

موسم مختلف

وعن عرض أكثر من فيلم كوميدي بالتزامن مع موسم الشتاء السينمائي في مصر، قال الناقد الفني المصري أحمد النجار إن عرض هذه النوعية من الأفلام خلال الموسم يمثل ظاهرة جديدة تماماً.وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «منذ تسعينات القرن الماضي، ومع انتشار ما عُرف بأفلام الشباب، وتحديداً عقب عرض فيلم (إسماعيلية رايح جاي) الذي حقق نجاحاً جماهيرياً وفتح الباب أمام النجوم الجدد والشباب، ارتبطت مواسم الصيف والأعياد بالأفلام الكوميدية والأكشن، في حين كان موسم الشتاء محجوزاً للأفلام الرومانسية وغيرها من النوعيات التي يتخوف صناعها من ندرة إيراداتها».

ويرى النجار أن توجه الأفلام الكوميدية إلى موسم الشتاء يمثل تحولاً لم تألفه السينما المصرية، في ظل حماسة صناع السينما لهذا النوع من الأعمال. وأضاف: «السينما عادة تسير وراء المطلوب والرائج، ومقولة (الجمهور عايز كده)، لذلك نرى حماسة لإنتاجها على حساب أنواع أخرى، وأعتقد أنها ستحقق إيرادات كبيرة بالداخل والخارج».


«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)
مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)
TT

«صار الوقت» يوظّف الذكاء الاصطناعي في خطوة متقدّمة تلفزيونياً

مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)
مارسيل غانم تفاعل مع الفكرة منذ اللحظة الأولى لتطبيقها (برنامج صار الوقت)

بدأ برنامج «صار الوقت»، الذي يقدّمه الإعلامي مارسيل غانم على شاشة «إم تي في»، توظيف الذكاء الاصطناعي في موسمه الجديد؛ بهدف تطوير أسلوب التحضير للحلقات والاستفادة من أرشيفه في مراجعة تصريحات الضيوف ومقارنتها بمواقفهم الحالية. وتعود فكرة المشروع إلى رودي حشاش، من فريق الإعداد، الذي رأى في هذه التقنية وسيلة لتعزيز المواجهة الحوارية وإشراك الجمهور بصورة أكثر فاعلية.

ويُعدّ «صار الوقت» من البرامج الحوارية السياسية المعروفة في لبنان؛ إذ يستضيف شخصيات سياسية واقتصادية لمناقشة القضايا الراهنة. ويضم أرشيفه مئات الحلقات وآلاف الساعات من الحوار؛ ما يتيح للفريق استعادة مواقف سابقة لضيوف عاد بعضهم عنها أو غيّرها لاحقاً.

ويوضح حشاش لـ«الشرق الأوسط» أن الفكرة انطلقت من رغبته في تطوير أسلوب التحضير للحلقات بالاستفادة من أرشيف البرنامج. ويقول: «أنا في حالة بحث دائمة عمّا يمكن أن يسهِم في تطوير برنامج أعمل ضمن فريق إعداده منذ عشرات السنين. وفكّرت في أنه ما دام لدينا أرشيف لثمانية مواسم سابقة، فلماذا لا نجري مقارنة بين ما قاله ضيوفنا سابقاً وما يقولونه اليوم؟».

ويضيف أن الذكاء الاصطناعي يستطيع المساعدة في البحث عن التصريحات وجمعها ومقارنتها، مشيراً إلى أن الفريق فرّغ محتوى 375 حلقة؛ ما عزّز قدرته على الاستفادة من الأرشيف وتتبع مواقف الضيوف عبر الزمن.

بدأت التجربة على نطاق محدود، من خلال مشاهدة حلقة سابقة مدتها 3 ساعات واستخراج 22 مقطعاً مصوّراً قصيراً منها. وخضعت المقاطع لعمليات مونتاج وقصّ وترجمة وتدقيق في المحتوى، بالتعاون بين فريق الإعداد والفريق التقني في «إم تي في»، قبل الانتقال إلى تطبيق الفكرة ضمن البرنامج.

وبالتوازي مع ذلك، استُحدثت فقرات تتيح للجمهور المشاركة المباشرة، من بينها التصويت على سؤال يُطرح خلال الحلقة. ويمسح المشاهد الرمز الإلكتروني (QR Code) الظاهر على الشاشة باستخدام هاتفه المحمول، لتُعرض النتائج مباشرة على الهواء.

التدقيق بالأجوبة وتصويت المشاهد يظهران على الشاشة مباشرة (برنامج صار الوقت)

ويرى حشاش أن توظيف الذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة يمنح البرنامج طابعاً مختلفاً، مشيراً إلى أنه تلقّى اهتماماً من جهات إعلامية خارج لبنان.

ويمتدّ تعاون حشاش مع غانم إلى برامجه الحوارية السابقة، ومنها «كلام الناس» على شاشة «إل بي سي آي». ويقول إن محاولات تجديد البرنامج بالتعاون مع إدارة المحطة لم تُثمر، وإن ذلك شكّل سبباً رئيسياً لمغادرة غانم. ويرى أن المشاهد لم يعد يكتفي بالصيغة التقليدية للبرامج الحوارية، بل بات يتطلع إلى محتوى يواكب التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي.

وقد أتاح التصويت المباشر للجمهور المشاركة بصورة ملموسة في البرنامج، بعدما كانت علاقته تقتصر غالباً على متابعة النقاشات عبر الشاشة. كما أسهم تداول المقاطع ونتائج مراجعة التصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حسب حشاش، في زيادة التفاعل مع البرنامج وتصدّره قوائم الترند مساء كل خميس.

وتتحوّل هذه المراجعة المباشرة على الهواء امتحاناً غير مباشر يخضع له الضيف. فهي تتيح للمشاهد مقارنة مواقفه السابقة بالحالية، وملاحظة مدى اتساق تصريحاته عبر الزمن. كما تتيح متابعة أسلوبه في التعامل مع الأسئلة، سواء اختار المواجهة أم فضّل التحفّظ أو الامتناع عن الردّ؛ ما يساعد على فهم طريقة تعامله مع الملفات المطروحة.

ويمكن الاستفادة من الأرشيف أيضاً في مراجعة ملفات محددة. ويضرب حشاش مثالاً على ذلك بملف كهرباء زحلة؛ إذ يستطيع الفريق رصد عدد المرات التي طُرح فيها الموضوع، والفترات التي تكرّر خلالها، والضيوف الذين تناولوه، ثم مقارنة الحجج التي قدَّموها ومراجعة إجاباتهم.

جمهور «صار الوقت» يشارك مباشرة في التصويت على أسئلة البرنامج (برنامج صار الوقت)

لكن حشاش يؤكد أن هذه المهمة، رغم السرعة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، لا يمكن أن تخلو من اللمسة الإنسانية. ويوضح: «ندقق في الخلاصات التي يستنتجها الذكاء الاصطناعي؛ تفادياً لأي خطأ قد يقع نتيجة عمله الآلي، ونتأكد من كل معلومة قبل عرضها. وينطبق الأمر على فقرة الصح والخطأ، حيث نتحقق من إجابات الضيف وفقاً للزمان والمصدر. كما نعتمد التدقيق في الأرقام، عندما تُستخدم لتوضيح مسائل تتعلق بالاقتصاد والمصارف وغيرها».

ويشير حشاش إلى أن بعض الضيوف أبدوا انزعاجهم في البداية من هذه المراجعة، لكنهم سرعان ما اعتادوا عليها.

وعن ردّ فعل مارسيل غانم على الفكرة، يقول حشاش إن الإعلامي تفاعل معها وأُعجب بقدرة الذكاء الاصطناعي على جمع المعلومات ومراجعتها، كما لفتته مشاركة الجمهور المباشرة في البرنامج. لكنه يشير إلى أن خبرة غانم المتراكمة وقدرته على قراءة الضيف ولغة جسده لا تزالان تتفوّقان على إمكانات الذكاء الاصطناعي، الذي يصعب التكهّن بمدى تطوّره مستقبلاً وانعكاساته على دور الإنسان في هذا المجال.


10 سنوات أمام الكاميرا... طفلة سورية تبحث عن مكانها بين وطنين

اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين وقد تزوجت وأنجبت طفلين (إنستغرام - موقع الفيلم)
اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين وقد تزوجت وأنجبت طفلين (إنستغرام - موقع الفيلم)
TT

10 سنوات أمام الكاميرا... طفلة سورية تبحث عن مكانها بين وطنين

اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين وقد تزوجت وأنجبت طفلين (إنستغرام - موقع الفيلم)
اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين وقد تزوجت وأنجبت طفلين (إنستغرام - موقع الفيلم)

من رحلة الهروب من الحرب إلى أسئلة الهوية، والحرية، والعائلة، يتتبع الفيلم الوثائقي «واحدة من مليون» حياة فتاة سورية على مدى عقد، كاشفاً كيف يمكن للنجاة أن تكون بداية رحلة أخرى أكثر تعقيداً.

لم تكن إسراء تعرف، وهي في الحادية عشرة من عمرها، أن الرحلة التي بدأت هرباً من الحرب ستضعها بعد سنوات أمام أسئلة لم تكن مستعدة لها. كان المطلوب آنذاك بسيطاً: أن تنجو وأسرتها، وأن تجد مكاناً تنام فيه من دون خوف من القصف. لكن الوصول إلى الأمان لم يكن نهاية الحكاية. فثمة حياة جديدة تنتظرها في ألمانيا، بثقافة مختلفة، وقواعد جديدة، وثمة خلافات ستكبر معها، حتى داخل البيت الذي كان يفترض أن يكون ملاذها الآمن.

على مدى عقد كامل عاد المخرجان إلى الأسرة لتصوير تفاصيل حياتها وتطور علاقاتها (إنستغرام - موقع الفيلم)

في عام 2015، التقط المخرجان إيتاب عزام وجاك ماكينيس خيط هذه الحكاية في مدينة إزمير التركية. هناك، وسط حشود اللاجئين الذين يستعدون لعبور البحر نحو أوروبا، لفتت انتباههما طفلة تساعد والدها في بيع السجائر. لم يكن في وسعهما أن يتوقعا أن تتحول تلك المصادفة إلى علاقة تمتد عشر سنوات، أو أن تصبح إسراء، بابتسامتها وفضولها، محور فيلم يرصد ما يحدث للاجئين بعد أن تنتهي رحلة العبور، وتبدأ الحياة اليومية.

بوستر الفيلم (إنستغرام - موقع الفيلم)

في فيلم «واحدة من مليون» (One in a Million) لا تنتهي الرحلة عند الوصول إلى ألمانيا. فبعد مغادرة سوريا، والمرور بتركيا، والعبور إلى اليونان، تواصل الأسرة طريقها بالحافلات، والقطارات، وعلى الأقدام، إلى أن تستقر في مدينة كولونيا. هناك تبدأ إسراء تعلم اللغة الألمانية، وتدخل المدرسة، وتتعرف إلى أصدقاء جدد، وتكتشف عالماً يتيح لها خيارات لم تكن مألوفة في حياتها السابقة.

لكن ما يبدو في البداية فرصة لبداية جديدة يتحول تدريجياً إلى مصدر توتر داخل الأسرة. فإسراء التي تكبر في المجتمع الألماني تريد أن تختار ملابسها، وأصدقاءها، وأن تعيش وفق قناعاتها. أما والدها طارق، فإنه يجد صعوبة في التكيف مع التغييرات التي تحدث أمام عينيه. إنه يريد حماية ابنته، لكنه يخشى أيضاً أن يفقد سلطته عليها، وأن تتراجع القيم التي حرص على نقلها معه من سوريا.

إسراء في سن الثانية عشرة في فيلم واحدة من مليون (إنستغرام - موقع الفيلم)

في البداية كان طارق سعيداً بوصول أسرته إلى بلد بدا له مرحباً باللاجئين. ويستعيد الفيلم مشهداً يصادف فيه متظاهرين يحتجون على حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، فيسألهم عن موقفهم من اللاجئين. وعندما يتأكد من أنهم يدافعون عنهم، يبدي إعجابه بموقفهم، بل يبدو مستعداً لتقبل بعض عادات المجتمع الجديد.

غير أن التعايش مع مجتمع مختلف لا يعني بالضرورة تقبل جميع التغييرات التي يحملها معه. ومع مرور الوقت، تصبح الموسيقى وثقافة أبناء جيل إسراء جزءاً من عالمها الخاص، فيما يزداد الخلاف بينها وبين والدها حول الحجاب، والاستقلالية، والحق في اتخاذ القرارات الشخصية. وهنا يبتعد الفيلم عن الصورة التقليدية للاجئ الذي تنتهي مشكلاته بمجرد حصوله على الأمان، فالحياة الجديدة لا تلغي صراعات الماضي، بل قد تكشفها بصورة أكثر وضوحاً.

حصل الفيلم على جائزة الجمهور في مهرجان «صندانس» السينمائي (إنستغرام - موقع الفيلم)

واللافت أن التغيير لا يقتصر على إسراء ووالدها. فالأم نسرين، التي تبدو في البداية شخصية هامشية في الحكاية، تبدأ تدريجياً في التعبير عن آرائها، ورغباتها، وتبحث بدورها عن مساحة أوسع لاتخاذ قراراتها. ومع اتساع حضورها، يتضح أن المسألة ليست خلافاً بين أب وابنته فحسب، بل تجربة تعيشها الأسرة كلها، ويحاول كل فرد فيها أن يجد لنفسه مكاناً في الحياة الجديدة.

على مدى عقد كامل، عاد المخرجان إلى الأسرة لتصوير تفاصيل حياتها، وتطور علاقاتها. وقد أتاحت السنوات الطويلة التي أمضياها معها التقاط لحظات يصعب الوصول إليها في الأفلام الوثائقية التي تكتفي بزيارة قصيرة، أو مقابلة عابرة. فالكاميرا هنا لا تسجل ما يقوله أبطال الحكاية عن أنفسهم فقط، بل تتيح للمشاهد أن يرى التغيير وهو يحدث، وأن يلاحظ كيف يمكن لخلاف صغير أن يتسع، أو لموقف متشدد أن يتراجع أمام تجربة جديدة.

ولا يقدم الفيلم طارق في صورة الأب القاسي وحده. فقد تعرض للعنف في طفولته، واعتقله نظام بشار الأسد خمس مرات. لا تبرر هذه التجارب مواقفه من زوجته، وابنته، لكنها تضيف بعداً إنسانياً إلى شخصيته، وتفتح باباً للتأمل في أثر الماضي على الحاضر. فهل يستطيع الإنسان أن يتخلص من أنماط تربى عليها، حتى عندما ينتقل إلى مجتمع يتبنى قيماً مختلفة؟ وهل يمكن للخوف الذي دفعه إلى حماية أسرته أن يتحول، من دون أن يدرك، إلى قيد عليها؟

حصل الفيلم على جائزة الجمهور في مهرجان «صندانس» السينمائي، مستفيداً من قدرته على تحويل قصة أسرة واحدة إلى حكاية أوسع عن اللجوء، والاندماج، وتبدل العلاقات بين الأجيال.

اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين، وقد تزوجت، وأنجبت طفلين، وتعيش بالقرب من كولونيا، حيث تسعى إلى تحسين لغتها الألمانية، أملاً في العمل داخل المكاتب الحكومية. وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، عادت إلى حلب لزيارة وطنها. لكنها لم تعد الطفلة التي غادرت سوريا قبل سنوات، فقد تغيرت هي، وتغيرت نظرتها إلى العالم، وأصبحت العودة نفسها تجربة تثير أسئلة جديدة عن البيت، والانتماء.

وهنا تكمن قوة الحكاية. فالوطن ليس مكاناً يغادره الإنسان ثم يعود إليه كما كان، والاندماج ليس عملية يتخلى فيها المرء عن ماضيه مقابل قبول المجتمع الجديد له. بين هذين العالمين تحاول إسراء أن تبني حياة تخصها، من دون أن تنكر جذورها، أو تسمح لها بأن تحدد مستقبلها بالكامل.

بعد عشر سنوات أمام الكاميرا، لا يمنح الفيلم إجابة نهائية عن معنى الوطن، ولا يقدم نهاية مثالية لقصة اللجوء. لكنه يذكرنا بأن النجاة من الحرب قد تكون الخطوة الأولى فقط في رحلة طويلة، وأن أصعب المعارك أحياناً لا تدور على الحدود، بل داخل البيوت، حين يحاول الآباء التمسك بما يعرفونه، بينما يصر الأبناء على حقهم في أن يصبحوا أشخاصاً مختلفين.