الفاتيكان محجّة الفنانين... والبابا ليو ذوّاقة سينما وثقافة

البابا ليو مصافحاً الممثلة كيت بلانشيت خلال زيارتها الفاتيكان مع وفد فني (رويترز)
البابا ليو مصافحاً الممثلة كيت بلانشيت خلال زيارتها الفاتيكان مع وفد فني (رويترز)
TT

الفاتيكان محجّة الفنانين... والبابا ليو ذوّاقة سينما وثقافة

البابا ليو مصافحاً الممثلة كيت بلانشيت خلال زيارتها الفاتيكان مع وفد فني (رويترز)
البابا ليو مصافحاً الممثلة كيت بلانشيت خلال زيارتها الفاتيكان مع وفد فني (رويترز)

إلى جانب الطابع الروحي، والديني الذي يميّز أولى رحلات البابا ليو الرابع عشر خارج الفاتيكان، تكتسب الزيارتان إلى تركيا ولبنان أبعاداً إنسانية، وثقافية. في إسطنبول كانت له محطة بارزة في جامع السلطان أحمد المعروف بـ«الجامع الأزرق»، حيث وقف بابا الفاتيكان على 416 عاماً من التاريخ، والحضارة.

أما في لبنان، محطته الثانية بعد تركيا، فقد أضاف إلى جدوله الحافل محطتَين في مزارَين أثريَين هما ضريح القديس شربل في عنّايا، ومقام السيدة مريم العذراء «سيدة لبنان» في حريصا. ويطغى البُعد الإنساني على المحطة اللبنانية، إذ اختار البابا ليو أن يزور «مستشفى دير الصليب للأمراض العقلية، والنفسية»، حيث يلتقي العاملين، والمرضى. ولا يغادر قبل أن يتلو الصلاة في مرفأ بيروت، الشاهد على أفظع تفجير في تاريخ العاصمة اللبنانية، والذي راح ضحيته أكثر من 200 شخص في 4 أغسطس (آب) 2020.

البابا ليو يزور مسجد السلطان أحمد في إسطنبول خلال رحلته الخارجية الأولى (أ.ف.ب)

نجوم هوليوود في الفاتيكان

منذ انتخابه في مايو (أيار) 2025، يسعى البابا ليو إلى وضع تلك اللمسات الإنسانية على مسيرته الحَبريّة. هو الآتي بعد البابا فرنسيس، السلَف الذي التفّ حوله مئات الملايين نظراً للكاريزما التي تمتّع بها، لا تبدو مهمته سهلةً في استقطاب الناس. ولعلّ تلك المقاربة التي تضع الإنسان أولاً خيارٌ صائب من قِبَل الفاتيكان وسيّده.

قبَيل قيامه بأولى رحلاته الخارجية، كان البابا ليو قد استضاف مجموعة من نجوم هوليوود «رغبةً منه في تعميق الحوار مع عالم السينما، وبحث الإمكانيات التي يمكن أن يقدّمها الإبداع الفني لمهمة الكنيسة، وللترويج للقيَم الإنسانية»، وفق ما جاء في بيان صادر عن الفاتيكان. وكان قد سبقه إلى هذه المبادرة سلفُه فرنسيس الذي استضاف عدداً كبيراً من الممثلين العالميين خلال سنوات خدمته الـ12. وفي سابقةٍ لم يشهد الفاتيكان مثلها من قبل، جمع البابا الراحل حوله نخبة من نجوم الكوميديا في يونيو (حزيران) 2024.

البابا الراحل فرنسيس مصافحاً الممثلة الكوميدية ووبي غولدبرغ في الفاتيكان عام 2024 (رويترز)

وبما أن نجوم الشاشة هم بمثابة جسرٍ بين الراعي والرعية، فتح البابا أبوابه وذراعَيه لأكثر من مائة ممثل، ومخرج، ومنتج. من بين هؤلاء كيت بلانشيت، ومونيكا بيلوتشي، وفيغو مورتنسن، وسبايك لي، وغريتا غورويك، وغيرهم. أطلق عليهم لقب «حجّاج الخيال» الذين يساعدون في «صناعة الأمل».

«السينما في خطر»

في الكلمة التي ألقاها أمامهم، طالب البابا ليو صنّاع السينما بألّا يحيدوا الطرف عن «جروح العالم». وقال: «العنف، والفقر، والمنفى، والوحدة، والإدمان، والحروب المنسيّة... كلها قضايا يجب الإقرار بها وسَردُها». وأضاف: «السينما الجيدة لا تستغل الألم، بل تعترف به، وتستكشفه. هذا ما فعله المخرجون العظماء».

الممثلة مونيكا بيلوتشي خلال لقاء البابا ليو في الفاتيكان (رويترز)

وإذ بدا ملماً بواقع الفن السابع، حذّر البابا من موجة الإقفال التي تواجهها دُور السينما حول العالم. «الفن والتجربة السينمائية ككلّ في خطر. أحثّ المؤسسات على عدم الاستسلام، وعلى التعاون من أجل إثبات القيمة الاجتماعية والثقافية للسينما»، حسب ما قال.

من بين نجوم هوليوود من أتى بهدية تذكارية للبابا. الممثلة كيت بلانشيت وضعت حول معصمه سواراً منسوجاً كانت تلبسه تضامناً مع المهجّرين من أوطانهم، هي التي تعمل إلى جانب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سفيرة للنوايا الحسنة. أما المخرج سبايك لي فسلّم البابا الأميركي قميصاً لفريق «نيويورك نيكس» لكرة السلة، يحمل الرقم 14، وطُبع عليه Pope Leo.

المخرج سبايك لي يقدّم هدية للبابا ليو (رويترز)

دي نيرو وآل باتشينو بضيافة البابا

كانت قد سبقت الوفد الهوليوودي إلى الفاتيكان منذ انتخاب البابا الجديد أسماء لامعة في مجال التمثيل. ففي مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، استقبل البابا الممثل روبرت دي نيرو. ووفق موقع «أخبار الفاتيكان»، فإن الفنان الأميركي ذا الأصول الإيطالية حرص على لقاء البابا ليو في ختام زيارة سريعة قام بها إلى روما.

الممثل الأميركي الإيطالي روبرت دي نيرو في الفاتيكان قبل أسابيع (رويترز)

أما الشهر الماضي فتشاركَ البابا ليو المنبر مع الممثل الأميركي أرنولد شوارزنيجر، وذلك في إطار مؤتمر ذي طابع بيئي ومناخي عُقد في المقر الصيفي للباباوات في روما.

وكان أول النجوم الهوليووديين الذين زاروا الفاتيكان، الممثل المخضرم آل باتشينو (85 سنة). جاءت تلك الزيارة على هامش جولة ترويجية كان يقوم بها لفيلمه المقبل «ماسيراتي: الإخوة». وقد قدّم للبابا نسخة مصغرة عن السيارة الشهيرة، إضافةً إلى قبّعة فريق «وايت سوكس» للبيسبول، وهو الفريق الذي لطالما شجّعه البابا.

لقاء بين البابا ليو والممثل أرنولد شوارزنيجر (إعلام الفاتيكان)

أفلام البابا المفضّلة

بدا شهر نوفمبر حافلاً سينمائياً في سجلّ بابا الفاتيكان، فإلى جانب اللقاءات الهوليوودية، أعلن ليو عن قائمة أفلامه المفضّلة. ورداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي، سمّى 4 أفلام تُعدّ من كلاسيكيات السينما العالمية.

أول تلك الأفلام «It’s a Wonderful Life» (إنها حياة رائعة) العائد إلى عام 1946. يروي الفيلم قصة متخيلة من زمن الميلاد عن فاعل خير يقرر الانتحار عشية عيد الميلاد، فيتدخّل ملاكه الحارس لينقذه من أفكاره السوداوية.

على القائمة كذلك، أحد أكثر الأفلام كلاسيكية، والذي يشي بذائقة البابا ليو الموسيقية؛ «The Sound of Music» (صوت الموسيقى). هذه الدراما العائلية التي يزينها صوت أسطورة برودواي جولي أندروز، شكّلت ظاهرة عالمية عام 1965، وكان البابا ليو حينها في الـ10 من عمره.

من أفلامه المفضّلة «Ordinary People» (أناس عاديون) من إنتاج 1980، وهو دراما نفسية تدور حول عائلة ثرية تفرّق أفرادها بعد وفاة أحد الأبناء في حادث غرق، ومحاولة الابن الآخر الانتحار.

وفي تحية إلى جذوره الإيطالية، عدّد البابا ليو من بين أفلامه المفضّلة «La Vita e Bella» (الحياة جميلة) الحائز على أوسكار. ويروي الفيلم بأسلوب شاعري وكوميدي معاناة عائلة يهودية في معسكرات الاعتقال النازية خلال الحرب العالمية الثانية.

أما فيلم «Conclave» الذي تدور أحداثه في كواليس الفاتيكان عشية انتخاب بابا جديد، فلم يأتِ ضمن القائمة. إلا أن البابا ليو شاهده قبل انتخابه بأيام، وفق ما أعلن شقيقه.


مقالات ذات صلة

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

يوميات الشرق وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
سينما «العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

يحاول فيلم «العيون الخضراء» إحداث توازن في السرد والإيقاع بين الحقيقة والخيال.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق غزي وبحر في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

«محمود التاني»... كوميديا شبابية تبرز التفاوت الطبقي في مصر

الفيلم كان يحتاج إلى قدر أكبر من المفاجأة والابتكار في صناعة مواقفه...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم بالعديد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

داني كوياتيه: «رقصة العقارب» تعيد قراءة «ماكبث» من قلب أفريقيا

السلطة لا تغيّر الإنسان فحسب، بل تكشف أيضاً عن جوانب خفية في شخصيته

أحمد عدلي (القاهرة )

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
TT

حوادث مروّعة تخلف صدمات متتالية لدى المصريين

النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)
النيابة العامة تحقِّق في حادث مقتل 4 من أسرة واحدة (فيسبوك)

شهد الشارع المصري خلال الأيام الأخيرة حوادث مروّعة عدّة، كان أحدثها قيام مهندس بقتل 4 من عائلته، وإصابة اثنين آخرين خلال جلسة صلح في مدينة 15 مايو (جنوب القاهرة).

وأكدت تقارير أمنية بمحافظة القاهرة، نشرتها وسائل إعلام محلية، أنَّه تمَّ العثور على 4 جثث وجريحين بعد مشاجرة بين الجاني وزوجته ووالدتها وأولاده، حيث أطلق المهندس النار عشوائياً على الحضور.

وقبل ذلك بأيام، شهدت منطقة القاهرة الجديدة واقعة قتل زوج وزوجته وابنتيه، وفق ما ذكرت النيابة العامة في تقرير لها، مؤكدة أنَّ الجاني هو صديق لرب الأسرة، وأقرَّ بأنَّه قتلهم لمحاولته اقتراض مبلغ مالي من المجني عليه، وحين رفض عقد العزم على قتله والاستيلاء على أمواله ومصاغه الذهبي، واستدرج زوجته وابنتيه وقتلهن.

وفي واقعة أخرى بمحافظة المنوفية (دلتا مصر)، تمكَّنت قوات الأمن من ضبط شخص قتل شقيقه بقرية سماليج؛ بسبب خلافات بينهما.

وترى أستاذة علم الاجتماع الدكتورة هدى زكريا، أن «الجريمة ظاهرة موجودة في المجتمعات كلها، لكن هناك جرائم تصيب المجتمع بالفزع، وغالباً ما يكون مرتكبوها مرضى نفسياً، وهم نتاج طبيعي لأمراض اجتماعية تفشَّت في الآونة الخيرة؛ بسبب التفاوت بالمظاهر والتفاوت الطبقي وانتشار (السوشيال ميديا) التي أصبح لها تأثير كبير في ترسيخ الصدمة الاجتماعية، خصوصاً مع قدرتنا حالياً على معرفة الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة لا تتعدى أحياناً ساعة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «مثل هذه الجرائم المروعة سواء الأب الذي حوَّل جلسة صلح إلى مجزرة، أو الصديق الذي قتل صديقه وأسرته طمعاً في أمواله، تشير إلى أمراض اجتماعية يجب مواجهتها بحذر وحسم. طبعاً هذه الجرائم لا تتكرَّر كثيراً ولكنها تحمل دلالات على الخلل الاجتماعي الذي يجب أن يتدخل لإصلاحه كثير من المؤسسات مثل الإعلام والتعليم، وعلماء النفس والاجتماع وغيرهم من الأشخاص المعنيِّين بطرح القيم المثالية في المجتمع، ومعالجته من أمراضه التي تتفشى بطريقة مفزعة».

وترى الخبيرة القانونية والناشطة الحقوقية، هبة عادل أن «خطورة هذه الحوادث لا تكمن في وقوع الجريمة وحدها، وإنما في تفاعلها مع مجتمع يواجه ضغوطاً اقتصادية ونفسية واجتماعية متزايدة، مع محدودية مساحات الاحتواء والتدخل المبكر لحل النزاعات».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في الوقت ذاته تنتشر أخبار هذه الحوادث بسرعة كبيرة في بيئة رقمية تستطيع خلال ساعات تحويل الجريمة إلى محتوى واسع الانتشار، بما يحمله ذلك أحياناً من تطبيع للعنف، أو ترويج غير مباشر لأساليب ارتكاب الجرائم، أو منح الجاني مساحة من الشهرة والاهتمام، وهو ما قد يزيد مخاطر المحاكاة لدى بعض الفئات القابلة للتأثر».

وتشدِّد الخبيرة القانونية على «ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية والمهنية المُنظِّمة لنشر أخبار الجرائم والتحقيقات، وتفعيل قرارات حظر النشر في الحالات التي تستوجبها طبيعة القضية، ومنع نشر الصور والمشاهد الصادمة والتفاصيل التي لا تخدم حقَّ الجمهور في المعرفة، وإنما قد تؤثر في التحقيقات أو حقوق الضحايا أو تسهم في خلق بيئة تسمح بمحاكاة السلوك الإجرامي. وقد وضع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالفعل قواعد واضحة في هذا الشأن، من بينها التحذير من أنَّ النشر غير المسؤول قد يؤدي إلى محاكاة وتكرار السلوك الإجرامي».

وأشارت إلى أن «أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط تكرار الجرائم، وإنما أن يصبح تكرارها مألوفاً، وأن تتحوَّل الجريمة إلى محتوى يومي قابل للاستهلاك والتداول والمحاكاة. ولذلك فإنَّ حماية المجتمع تقتضي مواجهة العنف قبل وقوعه، وتطبيق القانون بحسم بعد وقوعه، وفي الوقت نفسه عدم منح الجريمة منصة مجانية تجعلها قابلة للترويج أو التقليد».


كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
TT

كنوز المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية إلى النور

معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)
معروضات متنوعة في معرض المتحف اليوناني الروماني (وزارة السياحة والآثار)

تحت عنوان «الإسكندرية... هوية وثقافة عبر الزمن»، نظم المتحف اليوناني الروماني في الإسكندرية أول معرض أثري مؤقت له منذ إعادة افتتاحه. يضم المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، تُعرض للجمهور لأول مرة، من خلال سيناريو عرض متحفي يسلط الضوء على ثراء التراث الحضاري لمدينة الإسكندرية وتنوعه، ويبرز أهمية النقوش والكتابات اليونانية والرومانية في توثيق جوانب متعددة من الحياة اليومية في المدينة عبر العصور.

وبحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، فإن «القطع المعروضة تتنوع بين عملات أثرية، ومسارج، وأوانٍ فخارية، وقطع أثرية مغمورة بالمياه مستخرجة من خليج أبو قير، بالإضافة إلى برديات وأوستراكا وبطاقات مومياوات تحمل نصوصاً باللغة اليونانية».

ويأتي المعرض الذي يستمر حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 2026 في إطار حرص قطاع المتاحف على إتاحة مقتنيات المتاحف المصرية للجمهور، بما يسهم في إثراء تجربة الزائر وإتاحة الفرصة للتعرف على جوانب أخرى من تاريخ مصر وحضارتها، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع المتاحف بالمجلس الأعلى للآثار الدكتور أحمد حميدة الذي اعتبر المعرض بداية لسلسلة من المعارض المؤقتة التي سيتم تنظيمها بالمتحف، بما يتيح تقديم مجموعاته الأثرية بصورة متجددة، وإبراز ما تزخر به من قطع متميزة.

جانب من الآثار في المعرض المؤقت (وزارة السياحة والآثار)

في حين أوضحت رئيسة الإدارة المركزية لمتاحف وجه بحري وسيناء هبة حمدي أن «اختيار 21 قطعة أثرية من مقتنيات المتحف اليوناني الروماني... يقدم صورة متكاملة عن جوانب من الحياة اليومية والاقتصادية والاجتماعية والجنائزية في الإسكندرية خلال العصور اليونانية والرومانية».

وأشارت مديرة المتحف اليوناني الروماني الدكتورة ولاء مصطفى إلى أن المعرض يعتمد بالكامل على مقتنيات المتحف المحفوظة بمخازنه، بما يعكس ثراء مجموعاته وتنوعها.

كتابات يونانية قديمة تحكي تاريخ الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «المتحف يقدم من خلال هذا المعرض 21 قطعة أثرية مختارة من مخازنه، ويهدف من خلالها إلى إتاحة الفرصة للمواطن السكندري والزائرين عموماً للتعرف على تراث المدينة، ودعم التوعية الأثرية، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على الآثار واستدامتها، وتأكيد دور المتحف كمركز ثقافي يخدم المجتمع».

وأشارت إلى أن المعرض يأتي في إطار الاحتفال بالعيد القومي لمحافظة الإسكندرية واليوم العالمي للترجمة.

ولفتت إلى أن «المعرض لا يعرض قطعاً فقط، بل يروي قصة مدينة كانت دوماً جسراً بين الحضارات القديمة، ويؤكد التزام المتحف بإتاحة كنوزه للجمهور».

ويعد المتحف اليوناني الروماني من المتاحف الأثرية الشهيرة بمدينة الإسكندرية، وهو المتحف الوحيد المتخصص في آثار وحضارة مصر في العصرين اليوناني والروماني، وافتتحه الخديو عباس حلمي الثاني في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1892، بتصميم معماري مميز، وشهد مراحل تطوير متعددة استؤنفت عام 2015 إلى أن تم افتتاحه في أكتوبر عام 2023.


«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«الغارق»... فيلم موزمبيقي يراهن على خيال طفولي لاستحضار الغائبين

وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)
وجد المخرج صعوبات عدة في تحضيرات الفيلم (الشركة المنتجة)

حين يغيب شخص في الحرب لا ينتهي حضوره بالضرورة؛ فقد يتحول غيابه إلى طيف مقيم في ذاكرة أفراد عائلته، وإلى أسئلة لا تجد إجابات. من هذه المساحة بين الفقد والانتظار والذاكرة، تنطلق حكاية الفيلم الموزمبيقي القصير «الغارق» للمخرج أرييل آنيز، الذي يتخذ من عائلة واحدة متأثرة بالحرب في كابو ديلغادو مدخلاً للتأمل في آثار الصراع على الإنسان، بعيداً عن صور المعارك المباشرة.

يختفي «أماريلدو» في أثناء القتال، وسرعان ما تنتشر شائعات بأنه انشق وانضم إلى المتمردين، في حين يعود شقيقه «سيرجيو» إلى المنزل لإبلاغ العائلة بالنبأ المأساوي، لكن ما يبدو في البداية قصة عن اختفاء رجل يتحول تدريجياً إلى مواجهة مع حضور مختلف لهذا الغائب، حين يكتشف أن ابن شقيقه «بيرسيو»، البالغ من العمر عشرة أعوام، لا يزال يرتبط بوالده المفقود بعلاقة غامضة وعميقة في خياله الطفولي.

يقول مخرج الفيلم أرييل آنيز لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة «الغارق» بدأت عام 2023، لكنها لم تكن في صورتها الأولى كما ظهرت على الشاشة، موضحاً أن «الأفكار السينمائية تتغير باستمرار خلال الكتابة وإعادة صياغة السيناريو».

مخرج الفيلم أرييل آنيز (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «المشروع بدأ بقصة مختلفة تماماً عن رجل في كنيسة يتجول في المدينة ويُلقي عظاته، قبل أن تظهر شخصية عائلة لديها طفل تربطه بوالده علاقة من خلال الأحلام»، لافتاً إلى أن هذه الجزئية بدأت تدريجياً الاستحواذ على اهتمامه، ومع إعادة كتابة السيناريو أصبحت العلاقة بين الطفل ووالده هي قلب القصة ومحورها الأساسي.

وأشار آنيز إلى أن «هذا التحول يعكس طبيعة عملية الكتابة نفسها، إذ قد يبدأ صانع الفيلم بفكرة محددة، ثم تواصل الشخصيات والأحداث يدفع القصة في اتجاهات غير متوقعة»، على حد تعبيره، مؤكداً أن المنتج النهائي ليس بالضرورة الفيلم الذي يعتقد المخرج في البداية أنه سيصنعه، لأن الفكرة تُعيد تشكيل نفسها خلال مراحل الكتابة والتطوير، وهو ما حدث تحديداً مع «الغارق».

وأكد أن هدفه من الفيلم كان أخذ تجربة شخصية جداً في جوهرها، وهي فقدان شخص عزيز، وربطها بتجربة الحرب في شمال موزمبيق وتأثيراتها على الناس والعائلات، ثم تحويلها إلى قصة يمكن أن يجد الجمهور العالمي نفسه داخلها، موضحاً أن الإنسان، في النهاية، يعرف معنى فقد شخص يحبه، ولذلك رأى أن هذه النقطة المشتركة يمكن أن تكون الجسر الذي يصل من خلاله المشاهد إلى قضية قد لا يعرف عنها الكثير.

وأشار المخرج إلى أن أحد دوافعه أيضاً كانت الرغبة في تعريف الجمهور بما يحدث في موزمبيق، مؤكداً أن الأخبار المتعلقة ببلاده لا تحظى دائماً باهتمام واسع خارجها، لذا فإن الفيلم يمنح المشاهد مدخلاً إلى قضية ربما لم يكن يعرف عنها شيئاً، ومن خلال الحكاية الشخصية يمكن أن يبدأ اكتشاف المزيد عن موزمبيق وثقافتها وتاريخها والظروف التي يعيشها سكان شمال البلاد.

اختار المخرج التركيز على جوانب متنوعة (الشركة المنتجة)

وأوضح آنيز أن «تنفيذ الفيلم في ظروف إنتاج مريحة كان يحتاج إلى موارد، لكن واقع الصناعة السينمائية في موزمبيق يجعل الحصول على هذه الموارد أمراً صعباً، في ظل محدودية الدعم الذي تقدمه المؤسسات»، وقال إن «صناع السينما يضطرون إلى أن يكونوا عمليين ومستقلين إلى حد كبير، وإن جزءاً مهماً من عملية الإنتاج يعتمد على المجتمع المحيط بهم، سواء من خلال العلاقات المهنية أو الصداقات داخل الوسط السينمائي».

وكشف آنيز عن أن المنتج الذي كان مشاركاً في المشروع منذ مرحلة ما قبل الإنتاج انسحب قبل التصوير بأسبوع تقريباً، بعد أن كانت أموال الفيلم قد حُوّلت إلى حسابه لإدارة النفقات.

عُرض الفيلم القصير في العديد من المهرجانات (الشركة المنتجة)

وهو ما شكّل، حسب وصفه، «أكبر صعوبة واجهت المشروع»، لافتاً إلى أنهم اضطروا إلى إيجاد طريقة للتعامل مع الأزمة، وتمكنوا في النهاية من تصوير الفيلم وإنجازه رغم فقدان الموارد التي كانوا يعتمدون عليها في البداية.

وحول مشاركته في المهرجانات الدولية، قال آنيز إن «هذه الفعاليات تمثّل بلا شك فرصة مهمة على المستوى المهني، خصوصاً أن بعض المهرجانات المرموقة يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مسيرة المخرج». لكنه أكد أن القيمة الحقيقية لهذه التجارب بالنسبة إليه لا تتوقف عند الجانب المهني، وإنما تكمن أيضاً في فرصة الالتقاء مع أشخاص يشتركون معه في الرؤية نفسها للسينما، والتعرف إلى سينمائيين لديهم الاهتمامات والطموحات ذاتها.

وعدّ وجود فيلم موزمبيقي في مهرجانات دولية يمنح بلاده حضوراً على الخريطة، لأن المشاهد الذي يتعرف إلى الفيلم قد يبدأ بعدها البحث عن ثقافة موزمبيق وتاريخها، وهو ما يعدّه آنيز مكسباً مهماً للسينما المحلية.

وعن واقع صناعة السينما في موزمبيق، قال المخرج إن «الصعوبات لا تختلف كثيراً عن التحديات الموجودة في أجزاء أخرى من أفريقيا، لكن المشكلة الأساسية في بلاده تتمثل في أن الصناعة لا تزال غير متطورة بما يكفي، ولم تترسخ بنيتها بصورة كاملة، إلى جانب ضعف الدعم الذي يأتي من المؤسسات المختلفة، سواء الحكومية أو الخاصة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended