«مقعد على المائدة»... الطعام والثقافة الإسلامية عبر العصور

معرض في متحف الفن الإسلامي بالدوحة يمزج التاريخ والجغرافيا مع النكهات

مدخل المعرض
مدخل المعرض
TT

«مقعد على المائدة»... الطعام والثقافة الإسلامية عبر العصور

مدخل المعرض
مدخل المعرض

«مقعد على المائدة... ثقافة الطعام في العالم الإسلامي»... عنوان جاذب يغري بالكثير من القطع الفنية الجميلة، وأيضاً بتصوير لأطعمة ومذاقات ميزت ثقافات العالم الإسلامي عبر العصور. ينجح المعرض المقام حالياً بمتحف الفن الإسلامي بالدوحة في منح الزائر مقعداً على المائدة في البيوت والأسواق والبازارات، وأيضاً في باحات القصور في عصور إسلامية ممتدة منذ مئات السنين حتى يومنا الحالي.

مجسمات حديثة للفنان عبد الرحمن الملا (الشرق الأوسط)

منجذبون بإغراءات متعددة، وصور في الخيال لأطباق وروائح ذكية، وقصص عن البهارات، وأساليب الطهي ندخل للمعرض، ونستكشف محتويات قاعاته الخمس. وبما أن المعرض مقام في متحف خصص للفن الإسلامي، فليس غريباً أن نجد قطعاً أثرية من مجموعة المتحف في كل جانب تعبر بالرسومات والنقوشات والخط المتألق بشذرات الذهب عن أثر الطعام في الحياة اليومية لمجتمعات قديمة، لا يكتفي العرض بتلك القطع القادمة من ورش أمهر الحرفيين في العصور الإسلامية، بل يمزج بينها وبين الوقت الحالي من خلال التقنية المتطورة، وأفلام الفيديو، والتركيبات الفنية التي تجذب الكبار والصغار.

الخبز والملح

نطلق جولتنا مع المعرض من خلال القاعة الأولى التي تحمل عنوان «الخبز والملح»، وهو عنوان يشمل أهم عناصر الغذاء وأصولها، وأيضاً يجسد التجمعات، والاحتفالات، والوجبات المشتركة. على المستوى الأول المجرد نتعامل هنا مع الخبز على أنه مكون رئيس على الموائد في معظم البلدان الإسلامية، يستخدم للتغميس، أو يفرش على الأطباق ليكون «قاعدة نشوية» لـ«يخنات»، ومشويات، وغيرهما. عبر أفلام الفيديو التي تستكشف أنواع الخبز في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأسماءه المختلفة، نستكشف وصفات وطرقاً مختلفة لإعداده في الأفران، مثل التنور في سوريا، أو التندور في الهند وباكستان، وغيرها من المسميات. يستعين هذا القسم بشاشة عرض توضح تفاصيل صناعة الخبز لدى الجاليات المختلفة في قطر -مثل مصر وأفغانستان وإيران وتركيا واليمن- عبر أفلام أُنْتِجت خصيصاً لمصاحبة العرض.

ركن تعليمي ترفيهي للأطفال (الشرق الأوسط)

مشاهد لطيفة ومهمة في آنٍ واحد نلاحظها أثناء الجولة، وهي الأركان المخصصة للأطفال لاستكشاف معلومات عن الطعام، وبالفعل ينشغل عدد من الأطفال بالألعاب الموجودة.

الإيمان والطعام

في قسم مخصص للإيمان والطعام نرى قطعاً تعبر عن الأطعمة وذكرها في القرآن والمخطوطات، يستعين العرض هنا بمخطوطات أثرية تتحدث عن الثمار والفواكه والنباتات المذكورة في القرآن، ثم مخطوطات أخرى تصور النخلات المثمرة، وأهمية التمور في العادات الغذائية في الجزيرة العربية. يشير العرض إلى فترة ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي في منطقة تمثل مناخاً قاسياً أثر بالطبع على نوعية الغذاء المتوفر المحدود، وهو ما أدى إلى اعتماد التمور ومنتجات الألبان ولحوم الأغنام والإبل والماعز، بينما كان الخبز يصنع من الحبوب التي كانت تأتي بها القوافل التجارية، وهو ما سيأخذنا لاحقاً لقسم عن قوافل التجارة وأثرها في تنوع الأغذية.

مخطوطة «إنعام شريف» من الحقبة العثمانية القرن الـ19 (الشرق الأوسط)

يتحدث هذا الجانب من العرض عن الطقوس الغذائية في الأعياد الدينية ما بين شهر الصيام والإفطار وزكاة الفطر التي قد تتكون من الحبوب والأرز، أو المال، وفي عيد الأضحى حيث ترتبط الأضحية بمعناها الديني بألوان من الطعام الذي يحتفل به المسلمون.

البهارات

في قسم تتصدره شاشات عملاقة نصف دائرية ومنصة عرض تفاعلية نتعرف على البهارات المختلفة التي كانت تصل لبلدان العالم الإسلامي مع التجار والرحالة. يتمتع الزائر لهذا القسم بالقدرة على التعامل مع البهارات المختلفة عبر الشم والقراءة والمشاهدة، حيث نرى أقساماً مختلفة فيها حاويات تضم قطعاً من الجنزبيل والقرفة أو الفلفل الأسود، وغيرها، يمكن للزائر إزاحة كوة صغيرة فوق هذه البهارات للتعرف على رائحتها، وأيضاً بالضغط على زر تفاعلي يتجول عبر خريطة ضخمة للعالم يتوقف عند كل مكان ارتبط بالبهارات المختارة. التجربة هنا ممتعة، وتدخلنا في أجواء العرض بمهارة لنتعرف على أطباق جديدة، ونكهات وافدة على المائدة في العالم الإسلامي.

قسم البهارات... شم واكتشف (متاحف قطر-الصورة: خريسوفالانتيس لامبريانيذيس)

وإلى جانب البهارات يتحدث العرض عن الفواكه والخضراوات التي انتقلت بين الأسواق عبر التجارة مثل الباذنجان والطماطم، وهي مكونات أحدثت نقلات نوعية في مطابخ المدن المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وأصبحت أجزاء أساسية في أطباق عالمية شهيرة، حيث أدخلت التجارة كثيراً من المكونات الجديدة من الأميركتين وآسيا إلى أوروبا والشرق الأوسط، مثل اللوز والمشمش والبطيخ، والبطاطس والفلفل، وغيرها. وبحسب العرض فقد برز هذا التأثير على نحو خاص في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي خلال العصر العباسي، ولاحقاً في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي مع «اكتشاف» الأوروبيين للهند والأميركتين.

الطعام والدواء

يتطرق العرض هنا لأهمية الغذاء بوصفه وسيلة للاستشفاء، ونرى هنا بعض المخطوطات لعلماء مسلمين مثل ابن سينا الذي يعتبر «أبو الطب الحديث»، وهناك مخطوط باللغة اللاتينية مأخوذ من الكتاب العربي «تقويم الصحة» للطبيب ابن بطلان، وهو طبيب مسيحي من بغداد (توفي 1066) استند إلى مبادئ طبية قديمة من كتابات أرسطو وجالينوس وغيرهما، وقد ترجم الكتاب في أوروبا، وانتشر انتشاراً واسعاً، ويضم صوراً ورسومات ملونة للنباتات والأشجار والحيوانات والأطعمة الصالحة للأكل، والتي يجب تناولها للحفاظ على الصحة. الكتاب مفتوح على صفحة تنصح بترك العجين الأبيض ليختمر طوال الليل قبل خبزه، وتناوله مع الزبدة لتجنب الحكة.

«تقويم الصحة» من صقلية القرن الـ15 (الشرق الأوسط)

الثورة الزراعية ومآدب السلطان

يمر العرض على الثورة الزراعية في بغداد في عهد الدولة العباسية، وأثر بناء نظم متطورة للري والقنوات، نرى هنا بعض المعلومات حول أهمية موقع المدينة على تقاطع طرق التجارة البرية والنهرية، ونقل المحاصيل المختلفة عبر دولة الخلافة وتبادلها مقابل أطعمة أخرى. نجح التجار أيضاً في السفر لبلدان بعيدة مثل الصين وإندونيسيا وعادوا بعناصر غذائية مختلفة مثل الجنزبيل وجوزة الطيب التي دخلت في الثقافة الغذائية لدول العالم الإسلامي. يشير البيان الخاص بهذا القسم إلى أن كل ذلك أدى إلى ظهور ثقافة طهي غنية في البلاط العباسي نتج عنها ابتكار وصفات وأطباق جديدة، وصدور أول كتاب طهي باللغة العربية وهو «كتاب الطبيخ ومعجم المآكل الدمشقية».

مآدب السلطان (متاحف قطر)

من أجمل مساحات العرض هي القاعة التي تحمل عنوان «مآدب السلاطين» وتنقسم لجانبين. على الجوانب نرى قطعاً مرتبطة بالقصور والموائد العامرة والأزياء الاحتفالية واللوحات المختلفة. تتحدث لوحة التعريف عن الإبهار في تنظيم المآدب من اختيار المكان، سواء كان حدائق القصور أو الخيام، ومروراً بالتخطيط الدقيق لترتيب الأطباق، واستخدام أوانٍ باذخة مزخرفة، نرى حولنا نماذج لها.

جرة مطعمة بالماس من الهند الحقبة المغولية (متاحف قطر)

وفي وسط القاعة نرى سفرة ممتدة عليها نماذج لأطعمة ومشروبات من أنحاء العالم الإسلامي تمثل مأدبة إفطار عصرية. العرض هنا جمالي بشكل كبير، وأيضاً ملهم يجمع بين المعلومات والفنون والقطع التاريخية، ويمزجها بمشهد معاصر لسفرة رمضانية شرقية بامتياز.

لوحة تمثل أمير ترانسلفانيا يستقبل السفير العثماني من القرن الـ17 الميلادي (الشرق الأوسط)

تتعدد أقسام العرض بعد ذلك لتدخل في الممارسات المعاصرة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وظهور أنواع جديدة من الأغذية، وتقنيات زراعية جديدة، وينتهي العرض بعربات الطعام الحديثة حيث نرى عربة ضخمة بها مساحة تعليمية للأطفال، حيث يمكنهم محاولة إعداد وجبات سريعة باستخدام قطع بلاستيكية على هيئة الخضراوات والفواكه.

عربات الطعام الحديثة (الشرق الأوسط)


مقالات ذات صلة

«على امتداد الطريق»... 34 فناناً يُعيدون رسم معنى السفر في الرياض

يوميات الشرق يجمع المعرض نخبةً من 34 فناناً و69 عملاً فنياً (مسك للفنون)

«على امتداد الطريق»... 34 فناناً يُعيدون رسم معنى السفر في الرياض

يفتح معرض فني فريد في العاصمة السعودية أبوابه لتأمل موضوع السفر في تجلياته المتعددة، حيث أطلق معهد «مسك» للفنون معرضه الفني «على امتداد الطريق» في الرياض.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

تُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق لكلّ وجه جيران لم يخترهم (الشرق الأوسط)

عدنان شرارة يعبَثُ بما استقرَّ في الذاكرة

يتبدّل أثر المشهد كلّما طال النظر إليه، فيفقد ما نراه وما نتذكره شيئاً من ثباته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق صالة الحجاج الغربية في جدة حيث تقام فعاليات بينالي الفنون الإسلامية (مؤسسة بينالي الدرعية)

استعداداً لدورته الثالثة... بينالي الفنون الإسلامية يعلن عن القيّمين الفنيين الرئيسيين

أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية عن القائمة الكاملة لفريق القيّمين الفنيّين الرئيسيين للدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، المقرّر افتتاحها في نوفمبر 2027.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق الحيوانات والورود جزء أساسي في لوحات الفنانة (الشرق الأوسط)

فنانة تايوانية تستدعي حكايات «ألف ليلة وليلة» في معرض قاهري

البساط الطائر، المصباح السحري، المارد الخارج من القمقم، مشاهد تبدو مألوفة من حكايات «ألف ليلة وليلة» تتجاور مع صور أخرى لأسماك ودلافين تطير في السماء.

محمد الكفراوي (القاهرة )

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
TT

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)
الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

تنوّعت تجارب الممثل الأردني محمد نزار ما بين أفلام ومسلسلات اكتسب فيها خبراتٍ كثيرة. ثم أتى فيلم «غرق – Sink» فأفردَ المساحة كاملةً لطاقاته التمثيليّة، وطواعيّة أدائه، من أقصى الإنسانية إلى أقصى التوحّش.

في فيلمها الروائي الطويل الأول، تؤَنسِن المخرجة الأردنية زين دريعي الإصابة النفسية، ويُجاريها نزار في مبتغاها من خلال شخصية «باسل». يبدو الشاب منذ انطلاقة الفيلم مختلفاً عن أترابه، وصاحبَ ذكاءٍ خارق، إلّا أنه عرضةٌ للتنمّر، والإهانة في مدرسته. وعندما يتقوقع في بيته وغرفته، يتّضح أكثر غرقُه في حالةٍ نفسيّة تأخذه من البهجة إلى السوداويّة في لحظات. ومحمد نزار يجاري الحالات كلّها بلغةِ جسده، وعينَيه، ونبرة صوته، وانفعالاته، وصمته، مالئاً الشاشة بأداءٍ آسر.

ليس من السهل الوصول إلى هذا المستوى من الأداء المُقنِع في أول تجربة سينمائية طويلة بدورٍ رئيس، إلّا أنّ نزار استعان بكل ما راكمَ من خبرات، وبموهبةٍ فطريّة واضحة. «مع (باسل) لم أضع نفسي تحت الضغط، ولم أبالغ، بل استمتعت بالتمثيل، وحاولت خدمة القصة قدر المستطاع»، يقول الممثل الشاب في حوار مع «الشرق الأوسط».

هذا الأداء الحقيقي وغير المصطنع استقاه نزار من متابعته عن كثب لكبار السينما العالمية، وصقلَه من خلال دراسته فنون المسرح في لندن. «كل ذلك، إضافةً إلى تجاربي السابقة في الأفلام القصيرة، والمسلسلات، جعلني أدخل التصوير وأنا أشعر بالجاهزيّة لفيلم طويل، وشخصية مركّبة ومعقّدة مثل (باسل). بعد أن تَكاملَ شكلي الخارجي مع صورته، صرت أشعر بأنني هو حتى قبل انطلاق التصوير».

تخصص نزار بالفنون المسرحيّة في لندن (صور الممثل)

عام 2021 فاتحت المخرجة زين دريعي الممثل محمد نزار بمشروع فيلمها، لكنّ التصوير لم ينطلق سوى في 2024. هذا الوقت المستقطع الطويل سيفٌ ذو حدَّين، فهو ربما يقتل الحماسة، أو أنه قد يعمّق التحضير. ذهب نزار إلى الاحتمال الثاني: «قرأت كمية كبيرة من الكتب عن اضطراب الفصام، وقصدت مع زين الطبيب النفسي المعالج للشخص الذي استُلهمَ منه جزء من قصة الفيلم». تلاقتِ الأعراض التي اطّلع عليها نزار مع تصرّفات شخصية «باسل» في نص الفيلم، مع العلم بأنّ المخرجة تعمّدت عدم تسمية الاضطراب، ولا تحديد إطاره النفسي.

وهي تشير في هذا السياق لـ«الشرق الأوسط» إلى أنها أرادت من خلال تغييب التشخيص الطبي والتصنيف النفسي «أن يختبر الجمهور الحالة ذاتها من الحيرة، وعدم اليقين التي تواجهها والدة (باسل) حيال ما يجري مع ابنها». وتضيف دريعي أنّ فيلمها «لا يتمحور في جوهره حول تحديد نوع الاضطراب، بقَدر ما يدور حول ما يحلّ بالعائلة -وتحديداً الأمّ- عندما تبدأ حالة الابن البكر بالتدهور».

المخرجة زين دريعي متوسطة الممثلَين محمد نزار وكلارا خوري في مهرجان تورونتو للأفلام (صور الممثل)

أهمّ ما في «غرق – Sink» أنه يسعى من البداية حتى النهاية إلى نزع وصمة العار عن المرض النفسي. فالشخص المصاب باضطراب هو إنسانٌ قبل أي شيء، ومحاطٌ بعائلة تقلق عليه، وغالباً ما تعجز عن التعامل مع حالته.

في الأوقات التي تتراجع فيها الأعراض المتراوحة بين العزلة والغضب العنيف، نرى «باسل» شقيقاً لطيفاً يلاعب أخته الصغيرة، ويمازح أخاه. أما علاقته بأمّه، فعصريّة إلى درجة الخروج عن المألوف، إذ يبدوان كصديقَين لصيقَين حيناً، ولدودَين أحياناً، لا سيّما أنّ «ناديا» (الممثلة كلارا خوري) تجنّد نفسها لاحتواء ابنها، واحتضانه بحِنكة، وحبّ.

وعن تجربته إلى جانب كلارا خوري يقول نزار إنّ تمثيلهما كان بمعظمه «وليد اللحظة في مواقع التصوير». بدا التناغم واضحاً بينهما، وقد جسّدت الممثلة الفلسطينية شخصيتها ببراعة، «وهذا ساعدني على الارتقاء بمستوى أدائي، وضاعف مسؤوليتي»، وفق تعبير نزار.

باسل وأمه في أحد أقوى مشاهد الفيلم (صور الممثل)

منذ البداية كان محمد نزار مُدركاً البُعد الإنساني للشخصية، والذي أرادت المخرجة تظهيره على الشاشة. «أتى الإنسان في هذا الدور قبل الحالة النفسية، أي إنني بدأت بتركيب الشخصية الإنسانية، ثم أنزلتُ عليها المرض لاحقاً»، يشرح الممثل.

حتى في أشرس لحظات النوبات، يبقى «باسل» ذاك الطفل العفويّ، وصاحب المخيّلة الواسعة. رغم طبقات سميكة من الغضب، والمزاجيّة، والضياع، وغرقِه التدريجيّ في عالمه المُظلم، تُداهمُه العاطفة الصادقة في لحظةٍ مفاجئة لا سيّما تجاه والدته.

«لم أكن أريد على الإطلاق أن أنزلق به إلى التركيبة الدرامية التي غالباً ما تُعطى للقتَلة المتسلسلين على الشاشة على أساس أنهم مصابون بمرض نفسي، فهو ليس منهم رغم أنه ينحو باتجاه العنف في بعض الأحيان»، يوضح نزار الذي عرف كيف لا يقطع الخيط الرفيع بين الشراسة في الأداء والمبالغة في التمثيل.

الشراسة في الأداء لم تتحوّل لحظةً إلى مبالغة في التمثيل (صور الممثل)

يتجلّى الأداء الشرِس في مشاهد تستحضر حيواناتٍ يوضع «باسل» على تَماسٍ معها، وهو في هذه الزاوية تحديداً استعان بتقنيّات مسرح الحيوان التي اكتسبَها خلال دراسته في بريطانيا.

لا شكّ في أنّ مغامرة «غرق – Sink» شكّلت نقطة تحوّل في مسيرة الممثل الشاب. فصحيح أنّ محمد نزار ترك بصمة في كل عمل شارك فيه سابقاً، من الفيلم الأميركي «ماء الورد» (2013) مروراً بفيلم «غزة مونامور»، وليس انتهاءً بمسلسل «مدرسة الروابي للبنات» على «نتفليكس»، إلّا أنّ إطلالته في الفيلم الجديد مختلفة عن كلّ ما سبق شكلاً، ومضموناً.

محمد نزار بشخصية «عمر» في مسلسل «مدرسة الروابي للبنات» (صور الممثل)

لا يقتصر التحوّل الذي اختبره نزار على مسيرته الفنية فحسب، بل انسحب على وعيه النفسي، والمجتمعي. «أنا بعد (باسل) لست كما قبله»، يقرّ الممثل في حديثه. «زاد منسوب التعاطف مع الآخر لديّ»، يقول نزار الذي شارك على طريقته في رفع وصمة العار عن المرض النفسي في مجتمعاتٍ ما زالت تتعامل معه كفزّاعة.


طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
TT

طفلة صينية عمرها 6 سنوات تحل مكعب «روبيك» بأقل من 5 ثوانٍ (فيديو)

سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)
سجّلت ليان يونتشي في حل مكعب «روبيك» زمناً بلغ 4.52 و4.27 ثانية وذلك بعد حل المكعب خمس مرات (رويترز)

سجلت طفلة صينية تبلغ من العمر 6 سنوات رقماً قياسياً عالمياً جديداً للسيدات في حل مكعب «روبيك» (مقاس 3×3) في زمن يزيد قليلاً على أربع ثوانٍ.

وحطمت الطفلة ليان يونتشي -وهي متسابقة شابة في مجال حل المكعبات بسرعة- الرقم القياسي العالمي للسيدات في متوسط ​​زمن الحل لـ«مكعب 3×3» مرتين هذا الشهر، وذلك خلال مسابقتين معتمدتين من قِبَل «الرابطة العالمية للمكعب» (World Cube Association) في مدينتي ووهان وقوانغتشو، وفقاً لما ذكرته هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية.

وسجلت الطفلة متوسط ​​أزمنة بلغ 4.52 ثانية و4.27 ثانية، وذلك بعد إتمامها حل مكعب «روبيك» خمس مرات في كل مرة، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأضافت هيئة الإذاعة والتلفزيون الصينية أن ليان -التي تنحدر من مدينة تشنغدو- تُعد «أول متسابقة تحقق متوسط ​​زمن يقل عن 4.5 ثانية» في هذه الرياضة.

وأظهر مقطع فيديو نشرته القناة الطفلة الصغيرة وهي تضع شريطاً أحمر بنقشة المربعات (الجينغهام) على رأسها، فيما كانت تدير وتحرك مكعب روبيك ببراعة ومهارة.

بعد حل اللغز، تضع ليان -الملقبة بـ«تشي تشي»- المكعب على الطاولة، وتصفق بيديها ثم ترفع قبضتها في الهواء تعبيراً عن الحماس.

تعرفت ليان على مكعب «روبيك» لأول مرة بعد انضمامها إلى فصل تدريبي في طفولتها، وكان ذلك واحداً من أنشطة متعددة شملت أيضاً دروساً في الرقص والموسيقى، وذلك حسبما صرّحت والدتها لين يانغ شي لوسائل إعلام محلية.

وقالت الأم لصحيفة «ريد ستار نيوز» في مدينة تشنغدو إنها أدركت «تدريجياً» أن حل مكعب «روبيك» يُعد «نشاطاً ممتازاً لتعزيز القدرات الشاملة للطفل»، ولذا وجهت اهتمامها نحو هذا المجال.

وأوضحت لين أن ابنتها أتقنت الآن أكثر من 1300 خوارزمية لحل مكعب «روبيك»، وهي تتدرب يومياً لمدة تتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات.

وأظهرت صور نشرتها صحيفة «ريد ستار نيوز» الجوائز التي حصدتها ليان معروضةً على أحد الأرفف في منزلها.

وقالت لين: «إن حل مكعب (روبيك) يعزّز التركيز والذاكرة والتفكير المنطقي والإدراك المكاني، كما يساعد في تنمية عقلية سليمة تجاه الفوز والخسارة». وأضافت: «الأمر لا يقتصر على حفظ الصيغ بشكل أعمى، بل يعتمد على استخدام التفكير المنطقي لإيجاد الحلول المثلى».


«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
TT

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

تغوص مسرحية «دنيا» على خشبة «دوار الشمس» ببيروت، لكاتبها ومخرجها زياد نجَّار، داخل أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتُشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن. وتؤدي ندى أبو فرحات دور «المايسترو» الذي يجمع حكايات نساء كثيرات في مقطوعة إنسانية واحدة، تلامس كل مُشاهد وفق تجربته الخاصة.

عالم «دنيا»؛ المرأة التي ضاعت بين تناقضات تجربتها والخيبات التي واجهتها، يطرحه نجّار في قالب حديث، متنقلاً بين الافتراضي والواقعي، ومستعيناً بالموسيقى بوصفها عنصراً درامياً، وصولاً إلى رقصة المذبوح من الألم، التي توقظها كلمة «موم (أمي)» بالإنجليزية، وفق قاموس الجيل الجديد. وانطلاقاً من هذا التعبير البسيط، الذي حلّ مكان كلمة «ماما» التقليدية، يدرك المشاهد أن الحكاية تطوله هو أيضاً.

ويُبقي العمل على قيم الحب والتضحية التي لم تتغيّر لدى الأمهات، من جيل الجدات حتى اليوم، ويبرزها في قالب مسرحي تتحكّم أبو فرحات في مساره، فيما ترافقها نغمات البيانو التي يعزفها نجّار مباشرة على الخشبة. وتواكب الموسيقى تقلّبات الشخصية وثورتها على ذاتها؛ فيرتفع صوت الأم ليتحوّل ضجيجاً مضنياً في مَشاهد القلق، وينساب بهدوء في لحظات أخرى.

تحكي «دنيا» قصص نساء كرّسن حياتهن لتربية أبنائهن، وحلمن بمستقبلهم على حساب أحلامهن الخاصة. نساء تأثرن بتربية أمهاتهن وانتقدنها، معتقِدات أنهن يؤدّين أدوارهن على طريقتهن المنفتحة، فركّزن على تزويد أبنائهن بالقوة والاستقلالية لمواجهة مشكلات الحياة ومصاعبها.

في «دنيا» قدمت ندى أبو فرحات أحد أهم أدوارها المسرحية (مسرح دوار الشمس)

وفجأة؛ يجدن أن ذلك المسار الطويل انتهى إلى مغادرة الأبناء البيت. هنا تبدأ رحلتهن مع الذات، فيستعدن شريط حياة لم يعشنها، بل قدّمنها هدية لأبنائهن. فالبيت الذي كان يشهد نقاشات وجدالاً بين الأم وابنتها أصابه الصمت، وتحول سماعُ كلمة «موم» شوقاً ضاغطاً وحاجة ملحّة، بعدما كانت تشكّل مصدر انزعاج لكثرة تردادها على ألسنة أولاد متطلِّبين.

«أولادكم ليسوا لكم»... مقولة جبران خليل جبران؛ تصبح قاسية عندما تتحوّل حقيقةً تعيشها الأمهات. ويعكس عنوانُ العمل دنيا الأمِّ وعالَمَها، بما ينطوي عليه من تقلّبات وتناقضات يصعب اختصارها في عرض مدته 60 دقيقة. ولذلك جاء النص مركّزاً وتفاعلياً؛ إذ حاول نجّار، بالتعاون مع أبو فرحات، الإحاطة بالقصة من خلال تفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع.

وتتناول المسرحية تجربة الأمومة شكلاً ومضموناً، كما تتطرّق إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة جيل المؤثرين الجديد. فالأبناء يصدّقون المؤثرة «فلالوبا» على «تيك توك» أكثر مما يصدّقون أمّاً رافقتهم في أحلامهم وتحدياتهم. كذلك يظهر قلق الأمهات من «سباع» جائعة قد يصادفها أبناؤهن في علاقاتهم العاطفية، وكيف يعيد التاريخ نفسه من خلال حجج يتسلّح بها الأبناء للقاء الآخر، سبق أن استخدمتها الأم في زمن الصبا.

ويتأثر الأهل أيضاً بأبنائهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. وعندما يفقدون وسيلة التواصل معهم بسبب انشغال الأبناء بالمحادثات الإلكترونية، يصبح «تشيت شات» مع الذات، كما يسمّيه العمل، خياراً بديلاً لهم.

وتنجح ندى أبو فرحات، خلال أكثر من مشهد، في الانتقال من حالة إنسانية إلى أخرى. فتتحوّل من أم تتذمّر من علاقتها بابنتها، إلى أخرى حنون وعاطفية، تسأل عن أحوالها بلهفة وهي تناديها: «يا حياة قلبي وينك تقبريني». وتكشف هذه الانتقالات عن تنوّع أدائها وقدرتها على تجسيد حالات أمومة مختلفة.

دنيا تحتفي بالحياة على طريقتها (مسرح دوار الشمس)

وتقدّم المسرحية صوراً بلاغية عدّة في إطار عمل إنساني يحمل رسالة مباشرة ويتناول الموضوع بجرأة. وتتجدّد شخصية «دنيا» وهي ترتدي عباءة الحرية حيناً، وعباءة البحث عن الذات والتفاني حيناً آخر.

وتبرز قدرات أبو فرحات الأدائية عندما ترقص الفلامنغو والفالس، فتترك لنفسها العنان، كأنها تستعيد أياماً أضاعتها في رعاية الآخرين. لكنها تعود إلى الواقع حين تصغي إلى ابنتها المنكسرة، التي لجأت إليها لمواجهة مشكلة عاطفية كبيرة.

ويعزّز أسلوبُ زياد نجّار الإخراجي الأثرَ البصري والسمعي للعمل، عبر لغة مسرحية تجمع بين الأداء والحركة والموسيقى والصورة، فيما صمّمت تمارا حاوي اللوحات الكوريغرافية.

وفي نهاية العمل، الذي تستمر عروضه حتى 27 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحتفي «دنيا» بنفسها وبكل امرأة سارت في طريقها... فقد واجهت التحديات انطلاقاً من حدسها وخبرتها وحبها أبناءها، وإن كان ذلك على حساب نفسها وأحلامها، لتصبح نموذجاً لأمهات كثيرات في بلادنا.