«صنّارة»... مبادرة تمنح نساء لبنانيات خيطاً يشدّهن للحياة

المحامية آن ماري ماضي تُحوّل الألم الجماعي إلى ورشة قوة وتمكين وشفاء

كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)
كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)
TT

«صنّارة»... مبادرة تمنح نساء لبنانيات خيطاً يشدّهن للحياة

كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)
كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)

في خريف 2024، حين كان صوت القصف الإسرائيلي يهبط على لبنان، فتهتزّ البيوت وتهيم العائلات النازحة بحثاً عما يُهدّئ قسوة الليالي، وُلدت فكرة «صنّارة». كأنّ بذرةً صغيرةً أصرَّت أن تنبت في أرض تحترق، لتُعلن أنّ الخراب ليس الخاتمة. فاليد التي تحمي رأس طفل مذعور تستطيع أيضاً أن تُمسك بخيط وتحوك معنى جديداً.

آن ماري ماضي، مؤسِّسة جمعية «صنّارة»، محامية لبنانية تُمارس مهنتها منذ 25 عاماً، وجدت نفسها في قلب المشهد. كانت تقضي الصيف في الجبل، وتزور بصفتها عضواً في نادي «روتاري بيروت سيدرز» مراكز الإيواء لتفقُّد حاجات الناس.

ما يبدو بسيطاً للعين تختبئ خلفه إرادة كاملة (صور آن ماري ماضي)

بين صفوف المدارس الرسمية التي تحوَّلت إلى ملاجئ، رأت وجوهاً أنهكها الخوف، وملامح نساء طمرها الإحباط. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان المشهد ثقيلاً. أمَّنت الجمعيات الطعام والفُّرش، لكنّ شيئاً أبعد من المساعدة المباشرة ظلَّ ناقصاً. رأيتُ نساء معزولات داخل الخوف ونظرات فقدت الأمل».

الصور لم تُغادرها. فكّرت في ما يمكن أن تُقدّمه خارج إطار اللوازم اليومية. شيءٌ يُخفّف التوتّر ويُعيد الحركة إلى الأصابع والروح. ببساطة، خطرت الفكرة: لماذا لا تتعلَّم النساء شغل الصوف؟ تلك الفكرة الصغيرة لمعت في رأسها مثل شرارة حياة. اشترت أكياس خيوط بتمويل من «الروتاري»، نسَّقت مع إدارات الملاجئ، وقسمت النساء إلى مجموعات. بدأت الورشة الأولى بشغف راح ينمو. بعضهنّ خِطْنَ ملابس للأطفال بخبرة متواضعة، فاشترتها منهنّ مع أعضاء من النادي، لتدور من هنا عجلة اقتصادية ولو بحجم قبضة يد. ثم واصلت آن ماري ماضي الطريق وحدها، مُمسِكة بالخيط لنَسْج المشروع بحزم وشغف.

«صنّارة» تُخاطب الجروح بالتروّي فيهدأ القلب وتُرمَّم الروح (صور آن ماري ماضي)

لكن ما حدث، كما تقول، تجاوز التوقُّع: «بعد وقف إطلاق النار وعودة النازحات إلى المنازل، بقيت صورهنّ في ذهني. الفرح الذي رأيته في عيونهنّ كان فريداً. شعرتُ أنَّ شيئاً فيهنّ تبدَّل. أصبحن أقلّ غضباً وأقلّ توتراً. بعضهنّ توقَّفن عن التدخين ورُحنَ ينتظرن موعد العمل كما ينتظر المرء نافذة هواء في غرفة مكتظّة». هنا فهمتْ أنّ المشروع هو بداية طريق. ليس لحظة عابرة ولا مبادرة ظرفية.

وربما، على نحو غير مُعلَن، كان ذلك أيضاً مشروعاً تعويضياً في حياة امرأة أغرقتها سنوات القانون والمؤسّسات والمُرافعات. فداخل المحامية التي تزن الكلمات بميزان العدالة، بقيت نار الفنّ تشتعل. آن ماري ماضي مُولعة بالثقافة وباللمسة الفنّية التي تُعيد للإنسان إحساسه بالوجود؛ تقول: «أحبُّ مهنتي، لكنّ الشغف شيءٌ آخر. الفنّ يُعيد لي ما أخذه منّي الزمن المهني الطويل».

هكذا حملت المبادرة اسم «صنّارة»، أي إبرة الصوف وصنّارة الصيد. اسمٌ يُشبه الفكرة: لا سمكة تُلتَهم وتنتهي، إنما أداة لتعلُّم الصيد وامتلاك الغد. تعاونت مع جمعية «مار منصور دي بول» في برج حمود، التي موَّلت تدريب 15 امرأة، ثم توسَّعت الرؤية. هذا المشروع أصبح جمعية تستمرّ وتتحوّل إلى شبكة دعم نفسي ومالي واجتماعي.

تُطفئ هذه الأيدي فتيل اليأس بخيط (صور آن ماري ماضي)

يُرافق مُدرّبٌ النساء في رحلة التعلُّم والإنتاج، فتقول: «السيدات يقبضن ثمن القطعة فوراً، وهذا حقّهن سواء استطعتُ بيعها أم لا. الفكرة أن يشعرن بالجدوى والقدرة، ويتحوَّل الجهد إلى قيمة». كثيرات من المُشاركات عُدن اليوم إلى بيوتهنّ ليعملن من هناك، تاركات المكان لأخريات. الدورة تتوسَّع والخيط يطول.

مع الوقت، صار المشروع مرّة أخرى مساحة علاج. التركيز على الغَرْز، اختيار الألوان، صَبْر اليد... كلُّ ذلك فعل شفاء. تشرح: «العمل اليدوي يفصل الإنسان عن الضوضاء. يُشغّل الخيال ويمنح سلاماً. حين بدأتُ، كان الهدف علاجاً نفسياً قبل أي شيء». في بلد أنهكته الأزمات، قد يكفي أن تستيقظ امرأة صباحاً، ترتدي ثياباً جميلة، وتخرج لتعمل، حتى تستعيد شيئاً من صوتها الداخلي.

في عين كلّ سيدة انتصار صغير (صور آن ماري ماضي)

لم يعد الأمر مادياً فحسب. صداقات تولد. أحاديث مُلهمة عن الإبداع بدل قصص الحرب والقلق. نساء يشعرن بأنفسهن من جديد، خصوصاً اللواتي لم يُكملن تعليمهن الجامعي. المشروع يمنح حرفةً وأيضاً مساراً جديداً للحياة، ومساواة في القدرة على الإنتاج وقيمة في الفعل نفسه.

ولا يتوقّف طُموح «صنّارة» عند حدود المَشغل. فآن ماري ماضي تعمل على فتح نافذة أخرى على الثقافة. زيارة للمتحف الوطني قيد التحضير، فتقول: «أريد أن أضعهنّ على تماس مع معرفة جديدة. أن ينقلن ذلك إلى أبنائهنّ. هذه خطوات لكَسْر دائرة قد تكون مُغلقة». وفي الأفق خطُّ ملابس صغير مُواكب للموضة، وموسم أعياد يَعِد بمعرض لبيع ما يُصنِّعنه.

في ورشة صغيرة أدركت نساء كثيرات أنّ الأمل يبدأ بغَرْزة (صور آن ماري ماضي)

الدعم لا يزال ضرورياً اليوم، من تبرّعات ومبادرات ومساحات مشاركة، لكن الهدف الواضح هو بلوغ استقلال اقتصادي خلال المرحلة المقبلة وتمويل ذاتي عبر الإنتاج. الحلم كبير والخطّة طَموحة: «في نهاية عام 2030، أطمح أن تكون معنا نحو 300 سيدة».

وما بين خيط وآخر، تغيَّرت آن ماري نفسها. تعترف بابتسامة: «جرّبتُ أن أُغيّر حياتهنّ، لكنّ حياتي أنا تغيَّرت. لا السفر ولا السهر ولا التسوُّق أعطاني هذه السعادة. ما أحبّه هو أن أرى إنساناً يُطوّر نفسه».

تبدو «صنّارة» فعلاً يواجه اليأس بالألوان، والفراغ بالعمل، والصدمة بإعادة حياكة الروح. مشروع صغير في حجمه، هائل في أثره، يقف ضدّ فكرة الاستسلام. يبدأ بخيط، ثم يصبح شبكة. يبدأ بغَرْزة، ثم يتحوَّل إلى حكاية. ومثل جميع الأشياء التي تُولد تحت النار ثم تنجو، يحمل هذا المشروع عناداً على شكل ضوء لا يُطفأ أبداً.


مقالات ذات صلة

أسرار العادات الصغيرة... خطوات بسيطة لراحة ذهنية أكبر كل يوم

يوميات الشرق ما هي فكرة العادات الصغيرة جداً أو «الميكرو عادات»؟ (بكسلز)

أسرار العادات الصغيرة... خطوات بسيطة لراحة ذهنية أكبر كل يوم

تُظهر أبحاث الصحة النفسية الحديثة أن التغييرات الكبيرة في الروتين ليست دائماً الحل الأمثل لإدارة التوتر وتحسين المزاج.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)

«الإيموفيليا»... حين تقودك المشاعر إلى علاقات غير مستقرة

قد يبدو الوقوع في الحب بسرعة أمراً رومانسياً، لكنه قد يخفي وراءه نمطاً سلوكياً يُعرف بـ«الإيموفيليا».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق يرتفع القمر بدراً خلف تماثيل الملائكة في كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، روسيا (أ.ب)

الحقيقة خلف «جنون البدر»... هل فعلا يحرّك القمر مشاعرنا؟

«لا بد أنه القمر المكتمل (Full Moon)». كم مرة نستخدم هذه العبارة عندما نواجه سائقين متهورين أو تقلبات في المزاج أو سلوكيات غريبة أو ارتفاع الحوادث.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)

كيف تعرف أن طفلك يعاني من نقص الثقة بالنفس؟ 3 علامات تحذيرية

في عالم يمتلئ بالمقارنات والضغوط يصبح الانتباه إلى إشارات ضعف الثقة بالنفس لدى الأطفال أمراً بالغ الأهمية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.