«صنّارة»... مبادرة تمنح نساء لبنانيات خيطاً يشدّهن للحياة

المحامية آن ماري ماضي تُحوّل الألم الجماعي إلى ورشة قوة وتمكين وشفاء

كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)
كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)
TT

«صنّارة»... مبادرة تمنح نساء لبنانيات خيطاً يشدّهن للحياة

كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)
كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)

في خريف 2024، حين كان صوت القصف الإسرائيلي يهبط على لبنان، فتهتزّ البيوت وتهيم العائلات النازحة بحثاً عما يُهدّئ قسوة الليالي، وُلدت فكرة «صنّارة». كأنّ بذرةً صغيرةً أصرَّت أن تنبت في أرض تحترق، لتُعلن أنّ الخراب ليس الخاتمة. فاليد التي تحمي رأس طفل مذعور تستطيع أيضاً أن تُمسك بخيط وتحوك معنى جديداً.

آن ماري ماضي، مؤسِّسة جمعية «صنّارة»، محامية لبنانية تُمارس مهنتها منذ 25 عاماً، وجدت نفسها في قلب المشهد. كانت تقضي الصيف في الجبل، وتزور بصفتها عضواً في نادي «روتاري بيروت سيدرز» مراكز الإيواء لتفقُّد حاجات الناس.

ما يبدو بسيطاً للعين تختبئ خلفه إرادة كاملة (صور آن ماري ماضي)

بين صفوف المدارس الرسمية التي تحوَّلت إلى ملاجئ، رأت وجوهاً أنهكها الخوف، وملامح نساء طمرها الإحباط. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان المشهد ثقيلاً. أمَّنت الجمعيات الطعام والفُّرش، لكنّ شيئاً أبعد من المساعدة المباشرة ظلَّ ناقصاً. رأيتُ نساء معزولات داخل الخوف ونظرات فقدت الأمل».

الصور لم تُغادرها. فكّرت في ما يمكن أن تُقدّمه خارج إطار اللوازم اليومية. شيءٌ يُخفّف التوتّر ويُعيد الحركة إلى الأصابع والروح. ببساطة، خطرت الفكرة: لماذا لا تتعلَّم النساء شغل الصوف؟ تلك الفكرة الصغيرة لمعت في رأسها مثل شرارة حياة. اشترت أكياس خيوط بتمويل من «الروتاري»، نسَّقت مع إدارات الملاجئ، وقسمت النساء إلى مجموعات. بدأت الورشة الأولى بشغف راح ينمو. بعضهنّ خِطْنَ ملابس للأطفال بخبرة متواضعة، فاشترتها منهنّ مع أعضاء من النادي، لتدور من هنا عجلة اقتصادية ولو بحجم قبضة يد. ثم واصلت آن ماري ماضي الطريق وحدها، مُمسِكة بالخيط لنَسْج المشروع بحزم وشغف.

«صنّارة» تُخاطب الجروح بالتروّي فيهدأ القلب وتُرمَّم الروح (صور آن ماري ماضي)

لكن ما حدث، كما تقول، تجاوز التوقُّع: «بعد وقف إطلاق النار وعودة النازحات إلى المنازل، بقيت صورهنّ في ذهني. الفرح الذي رأيته في عيونهنّ كان فريداً. شعرتُ أنَّ شيئاً فيهنّ تبدَّل. أصبحن أقلّ غضباً وأقلّ توتراً. بعضهنّ توقَّفن عن التدخين ورُحنَ ينتظرن موعد العمل كما ينتظر المرء نافذة هواء في غرفة مكتظّة». هنا فهمتْ أنّ المشروع هو بداية طريق. ليس لحظة عابرة ولا مبادرة ظرفية.

وربما، على نحو غير مُعلَن، كان ذلك أيضاً مشروعاً تعويضياً في حياة امرأة أغرقتها سنوات القانون والمؤسّسات والمُرافعات. فداخل المحامية التي تزن الكلمات بميزان العدالة، بقيت نار الفنّ تشتعل. آن ماري ماضي مُولعة بالثقافة وباللمسة الفنّية التي تُعيد للإنسان إحساسه بالوجود؛ تقول: «أحبُّ مهنتي، لكنّ الشغف شيءٌ آخر. الفنّ يُعيد لي ما أخذه منّي الزمن المهني الطويل».

هكذا حملت المبادرة اسم «صنّارة»، أي إبرة الصوف وصنّارة الصيد. اسمٌ يُشبه الفكرة: لا سمكة تُلتَهم وتنتهي، إنما أداة لتعلُّم الصيد وامتلاك الغد. تعاونت مع جمعية «مار منصور دي بول» في برج حمود، التي موَّلت تدريب 15 امرأة، ثم توسَّعت الرؤية. هذا المشروع أصبح جمعية تستمرّ وتتحوّل إلى شبكة دعم نفسي ومالي واجتماعي.

تُطفئ هذه الأيدي فتيل اليأس بخيط (صور آن ماري ماضي)

يُرافق مُدرّبٌ النساء في رحلة التعلُّم والإنتاج، فتقول: «السيدات يقبضن ثمن القطعة فوراً، وهذا حقّهن سواء استطعتُ بيعها أم لا. الفكرة أن يشعرن بالجدوى والقدرة، ويتحوَّل الجهد إلى قيمة». كثيرات من المُشاركات عُدن اليوم إلى بيوتهنّ ليعملن من هناك، تاركات المكان لأخريات. الدورة تتوسَّع والخيط يطول.

مع الوقت، صار المشروع مرّة أخرى مساحة علاج. التركيز على الغَرْز، اختيار الألوان، صَبْر اليد... كلُّ ذلك فعل شفاء. تشرح: «العمل اليدوي يفصل الإنسان عن الضوضاء. يُشغّل الخيال ويمنح سلاماً. حين بدأتُ، كان الهدف علاجاً نفسياً قبل أي شيء». في بلد أنهكته الأزمات، قد يكفي أن تستيقظ امرأة صباحاً، ترتدي ثياباً جميلة، وتخرج لتعمل، حتى تستعيد شيئاً من صوتها الداخلي.

في عين كلّ سيدة انتصار صغير (صور آن ماري ماضي)

لم يعد الأمر مادياً فحسب. صداقات تولد. أحاديث مُلهمة عن الإبداع بدل قصص الحرب والقلق. نساء يشعرن بأنفسهن من جديد، خصوصاً اللواتي لم يُكملن تعليمهن الجامعي. المشروع يمنح حرفةً وأيضاً مساراً جديداً للحياة، ومساواة في القدرة على الإنتاج وقيمة في الفعل نفسه.

ولا يتوقّف طُموح «صنّارة» عند حدود المَشغل. فآن ماري ماضي تعمل على فتح نافذة أخرى على الثقافة. زيارة للمتحف الوطني قيد التحضير، فتقول: «أريد أن أضعهنّ على تماس مع معرفة جديدة. أن ينقلن ذلك إلى أبنائهنّ. هذه خطوات لكَسْر دائرة قد تكون مُغلقة». وفي الأفق خطُّ ملابس صغير مُواكب للموضة، وموسم أعياد يَعِد بمعرض لبيع ما يُصنِّعنه.

في ورشة صغيرة أدركت نساء كثيرات أنّ الأمل يبدأ بغَرْزة (صور آن ماري ماضي)

الدعم لا يزال ضرورياً اليوم، من تبرّعات ومبادرات ومساحات مشاركة، لكن الهدف الواضح هو بلوغ استقلال اقتصادي خلال المرحلة المقبلة وتمويل ذاتي عبر الإنتاج. الحلم كبير والخطّة طَموحة: «في نهاية عام 2030، أطمح أن تكون معنا نحو 300 سيدة».

وما بين خيط وآخر، تغيَّرت آن ماري نفسها. تعترف بابتسامة: «جرّبتُ أن أُغيّر حياتهنّ، لكنّ حياتي أنا تغيَّرت. لا السفر ولا السهر ولا التسوُّق أعطاني هذه السعادة. ما أحبّه هو أن أرى إنساناً يُطوّر نفسه».

تبدو «صنّارة» فعلاً يواجه اليأس بالألوان، والفراغ بالعمل، والصدمة بإعادة حياكة الروح. مشروع صغير في حجمه، هائل في أثره، يقف ضدّ فكرة الاستسلام. يبدأ بخيط، ثم يصبح شبكة. يبدأ بغَرْزة، ثم يتحوَّل إلى حكاية. ومثل جميع الأشياء التي تُولد تحت النار ثم تنجو، يحمل هذا المشروع عناداً على شكل ضوء لا يُطفأ أبداً.


مقالات ذات صلة

الاضطرابات النفسية الشديدة قد تزيد خطر الوفاة بأمراض جسدية خطيرة

صحتك المصابون باضطرابات نفسية شديدة أكثر عرضة للوفاة بأمراض جسدية خطيرة (رويترز)

الاضطرابات النفسية الشديدة قد تزيد خطر الوفاة بأمراض جسدية خطيرة

كشفت دراسة جديدة أن البالغين الذين يعانون من مشكلات صحية عقلية واضطرابات نفسية حادة، أكثر عرضة بشكل كبير للوفاة بأمراض جسدية خطيرة قبل سن 75 مقارنة بأقرانهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق عبارات شائعة قد تبدو عادية في بيئة العمل لكنها تحمل تأثيراً نفسياً سلبياً (بكسلز)

منها «أنت حساس»... 6 عبارات مؤذية لا تقلها لزملائك في العمل

قد تبدو بعض العبارات المتداولة في مكان العمل عابرة أو غير مقصودة، لكنها قد تترك أثراً أعمق مما يبدو، وتبقى عالقة في الذاكرة لفترة طويلة حتى بعد مغادرة الوظيفة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق 8 علامات تكشف أن المدير الودود الذي قابلته خلال مقابلة التوظيف يخفي جانباً ساماً (بكسلز)

لا تنخدع بوده الكاذب... 8 علامات تكشف أن مديرك الجديد سام

8 علامات تكشف أن المدير الودود الذي قابلته خلال مقابلة التوظيف يخفي جانباً ساماً.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك سيدة تحتسي فنجاناً من القهوة (بيكسلز)

مزاج أفضل قبل أول رشفة؟ سرّ قد يكون في رائحة القهوة

قد لا تكون القهوة الصباحية مجرد جرعة من الكافيين تساعدك على بدء يومك، إذ يبدو أن تأثيرها في مزاجك قد يبدأ حتى قبل أن ترتشفها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاستجابة المستمرة لطلبات الآخرين قد تنتهي بك إلى الاحتراق الوظيفي (بيكسلز)

حين تصبح «لا» ضرورية... 3 طرق لقولها بأناقة

قد تبدو كلمة «لا» بسيطة، لكنها في كثير من المواقف قد تكون من أصعب الكلمات التي يمكن قولها، خصوصاً عندما يكون الرفض موجّهاً إلى مدير أو زميل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.


«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.