كيف غيّر المتحف المصري الكبير الجغرافيا المحيطة به؟

استعدادات مكثفة لافتتاحه رسمياً بعد أيام

المتحف المصري الكبير (مجلس الوزراء المصري)
المتحف المصري الكبير (مجلس الوزراء المصري)
TT

كيف غيّر المتحف المصري الكبير الجغرافيا المحيطة به؟

المتحف المصري الكبير (مجلس الوزراء المصري)
المتحف المصري الكبير (مجلس الوزراء المصري)

«قبل 10 أعوام كانت المنطقة التي تحيط بالمتحف المصري الكبير الذي يجاور أهرامات الجيزة (غرب القاهرة) تعاني من أكوام الركام والقمامة والأرصفة المحطمة، لكنها اليوم باتت غاية في النظام والجمال، حيث الأرصفة والشوارع الممهدة والأشجار الخضراء». بحسب وصف محمد مصطفى، عميد سابق بالقوات المسلحة المصرية، وأحد سكان «مدينة الضباط» المجاورة للمتحف. مضيفاً، وهو يلتقط أنفاسه على مقاعد رخامية قريبة من المتحف: «لم توجد مثل هذه المقاعد الرخامية أو النخيل أو الاهتمام بإضاءة المكان ونظافته من قبل، فالمتحف جعل محيطه أكثر إنسانية».

ولم يقتصر المظهر الإنساني والحضاري على المحيط القريب للمتحف، إذ قامت الحكومة خلال الشهور الماضية بتنفيذ مشروع «لتحسين الصورة البصرية للطرق والمحاور المؤدية للمتحف المصري الكبير، وزراعة 4 آلاف شجرة وألفي نخلة، ودهان نحو 3 آلاف عقار، ورسم مئات الرسومات على واجهات العمارات»، وفق تصريحات محافظ الجيزة عادل نادر.

وبفضل المشروع الحكومي، تغيرت معالم كثير من المناطق المحيطة، على نحو يخدم المواطنين المترددين على المنطقة بشكل يومي، فضلاً عن السُياح المرتقب توافدهم، بعد افتتاح المتحف في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

تمثال جديد يستقبل زوار المتحف القادمين من مطار سفنكس غرب القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وتابع الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء ووزير السياحة، السبت، «موقف تنفيذ مشروعات تطوير المنطقة المحيطة بالمتحف، ضمن الاستعدادات الجارية للافتتاح».

وكان رئيس الحكومة مصطفى مدبولي قام في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بجولة ميدانية للاطمئنان على أعمال تطوير المنطقة المحيطة بالمتحف، وتشمل «تنفيذ شبكات الري، وحفر الآبار ومغطيات التربة (لري الأشجار والنخيل)، بالإضافة إلى الانتهاء من فرد الكابلات الكهربائية، وتركيب كشافات الإنارة».

يملك العميد العسكري المتقاعد ذاكرة للمكان، حيث مدينة الضباط ومحيطها في عمق محافظة الجيزة، إذ يتردد عليها من محل سكنه الدائم في أسيوط منذ 40 عاماً، حين حصل على شقة في المنطقة، قائلاً: «كانت في البداية منطقة قليلة الخدمات وصعباً الوصول إليها، ومع الوقت والزحف العمراني والتوسع في البناء بمدينة 6 أكتوبر، توفرت المواصلات. وظلت الطرق غير ممهدة، وتعاني من نقص في الإضاءة والنظافة».

السبعيني محمد مصطفى يستريح على مقعد أمام الأشجار بعد تطوير محيط منزله (تصوير: رحاب عليوة)

لكن منذ عامين، وبالتزامن مع العمل في المتحف المصري الكبير، بدأ مصطفى يلمس التغيرات في المنطقة. وعن ذلك يقول: «تم رصف الشارع المؤدي لمدينة الضباط حيث تقع شقتي، وتركيب المقاعد، وزرع النخيل، حتى أصبحت على هذا النحو الجميل المريح للنظر».

ورصدت «الشرق الأوسط» تحسن جودة الطرق المؤدية إلى الطريق الدائري (طريق يحيط بالعاصمة من جميع الاتجاهات) والطريق السياحي، وكذلك طريق الفيوم المتاخم للمتحف، الذي يضم الآن المدخل الرئيسي لمنطقة الأهرامات بعد تطويرها.

وبالإضافة إلى رصف الطرق، وتحسين الإضاءة فيها، والتشجير، كان لافتاً «مشروع تحسين المظهر الحضاري للطريق الدائري»، بوضع ملصقات لصور ملوك فرعونية، وأخرى دعائية للمتحف المصري الكبير، على واجهات المباني المُطلة على الطريق في مساراته المؤدية للمتحف، وتُضاء ليلاً بمظهر جمالي.

مصر بذلت جهوداً كبيرة لتطوير محيط المتحف في العامين الماضيين (مجلس الوزراء المصري)

وعلى طريق الفيوم، وفي الجهة المقابلة لمدينة «حدائق الأهرام» التي تبعد نحو 3 كيلومترات عن المتحف، رصدت «الشرق الأوسط» قيام عمال إنارة بتعليق إضاءة على أشجار النخيل، قبل أيام قليلة من افتتاح المتحف.

وأكّد أحد العاملين في تركيب الإضاءة أنه «تم تنفيذ هذه العملية في أكثر من شارع محيط بالمتحف، مستبعداً أن تتم إزالتها بعد انتهاء الافتتاح، لكنه تخوف من أن تتم سرقتها».

وداخل مدينة حدائق الأهرام نفسها، لم تتغير الأوضاع كثيراً فيما يتعلق بالإنارة أو النظافة، لكن لاحظ السكان زيادة في وجود قوات الأمن، سواء داخل المدينة أو خارجها. وقال محمد عادل، وهو صحافي يسكن المدينة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأهالي يتوقعون أن ترتفع أسعار وحداتهم السكنية بعد افتتاح المتحف، باعتبار أن المنطقة أصبحت أكثر حيوية، وفي بؤرة الاهتمام الرسمي».

مساكن مدينة الضباط المطلة على المتحف المصري بعد رصفها وتشجيرها (تصوير رحاب عليوة)

بينما توقع السمسار وليد صلاح، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن يتزايد الطلب على تأجير وحدات سكنية في المنطقة مستقبلاً، مع توافد الأفواج السياحية إلى مصر، خصوصاً أن بعض السُياح لا يفضلون الإقامة في فنادق، ويبحثون عن أماكن تنقل لهم تجربة الحياة في مصر بكل تفاصيلها.

في السياق نفسه، تترقب «مدينة الضباط» زيادة أسعار العقارات بفضل المتحف، وفق الأربعيني محمد رجب، وهو صاحب مغسلة في المدينة، ويقطن بها منذ 25 عاماً، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» إن «الأسعار ارتفعت بشكل كبير في المكان، حتى إن سعر الوحدة بها يتراوح بين مليون ومليون ونصف مليون جنيه (الدولار 47.5 جنيه)، وفق المساحة، مرجعاً ذلك إلى أنها أصبحت في منطقة حيوية، وقريبة من المواصلات كافة.

مدخل الشارع المؤدي إلى المتحف يطل على الأهرامات (تصوير رحاب عليوة)

وقرّرت الحكومة المصرية منح العاملين في الدولة يوم افتتاح المتحف إجازة رسمية. ونوّه المتحدث باسم رئاسة مجلس الوزراء المستشار محمد الحمصاني، خلال تصريحات تلفزيونية، 21 أكتوبر الحالي، إلى وضع شاشات عرض كبيرة في الميادين العامة يوم الافتتاح، ليتمكن الجميع من متابعة الحدث بأفضل صورة، لافتاً إلى أهمية الحفاظ على المظهر الحضاري للمحافظات المعنية، من خلال التشجير والإنارة العامة ونظافة الشوارع.

بانرات لملوك الفراعنة تزين الطريق الدائري قبل افتتاح المتحف(تصوير رحاب عليوة)

وأشاد عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، عبد الرحيم ريحان، بالمجهودات الكبرى التى قامت بها محافظة الجيزة في تطوير محيط المتحف الكبير، الذي تضمن رفع كفاءة وتطوير طرق، ووضع أعمدة إنارة وأعمدة ديكورية.

وأضاف ريحان لـ«الشرق الأوسط» أن التطوير تضمن دقّ 6 آبار تغذي المسطحات الخضراء التي تمت زراعتها، ما يعكس ديمومتها، واستمراريتها، دون ارتباطها بالافتتاح فقط، وكذلك وجود محطات توليد كهرباء لتشغيل الآبار. وثمّن اللمسة الفنية الخاصة بعمل مجسمات لشخصيات قدماء المصريين على الطريق الدائري والبانرات.

عمال يعلقون الإنارة على النخيل في الطريق المؤدي إلى المتحف المصري الكبير (تصوير رحاب عليوة)


مقالات ذات صلة

الصين تحذّر مواطنيها من السفر إلى اليابان في عطلة رأس السنة القمرية

آسيا حشد من السياح بمعبد في كيوتو غرب اليابان 30 مارس 2023 (رويترز)

الصين تحذّر مواطنيها من السفر إلى اليابان في عطلة رأس السنة القمرية

حذّرت الصين مواطنيها، الاثنين، من السفر إلى اليابان لقضاء عطلة رأس السنة القمرية في فبراير (شباط)، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني، في ظل توترات حادة بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (بكين)
يوميات الشرق مخاوف من تأثيرات على حركة السياحة المنتعشة بمصر بسبب قرار «جمارك الجوال» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

مصر: مخاوف من تأثير «جمارك الجوال» على حركة السياحة

أثار قرار فرض «جمارك الجوال» على المصريين المغتربين في الخارج والأجانب، الذي يشترط سداد رسوم وجمارك على الهواتف، مخاوفَ في القطاع السياحي.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مدينة العلمين الجديدة تستهدف استقبال مزيد من السائحين (حساب المدينة على فيسبوك)

مصر تروج لشواطئ العلمين الجديدة في إسبانيا

بعد تحقيقها زيادة لافتة في استقبال أعداد السائحين خلال العام الماضي تسعى مصر إلى تعظيم الاستفادة من ساحلها الشمالي الغربي خصوصاً مدينة العلمين الجديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

مصر: تراجع عجز الحساب الجاري 45 % خلال الربع الأول من العام المالي الجاري

أعلن البنك المركزي المصري، الأربعاء، انخفاض عجز الحساب الجاري بمعدل 45.2 في المائة إلى 3.2 مليار دولار خلال الربع الأول من العام المالي الجاري 2025-2026.

صبري ناجح (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

مصر تسعى إلى زيادة حصتها السياحية من السوق الصينية «الضخمة»

نظمت مصر قافلة سياحية للترويج للمقصد السياحي المصري بالسوق الصينية عبر ثلاث مدن كبرى بالصين هي بكين وشنغهاي وغوانزو في إطار جهود جذب السائحين 

محمد الكفراوي (القاهرة )

«سفر العذارى» ليوسف زيدان تثير «زوبعة» في «القاهرة للكتاب»

معرض الكتاب استقبل مئات الآلاف في دورته الجديدة (الشرق الأوسط)
معرض الكتاب استقبل مئات الآلاف في دورته الجديدة (الشرق الأوسط)
TT

«سفر العذارى» ليوسف زيدان تثير «زوبعة» في «القاهرة للكتاب»

معرض الكتاب استقبل مئات الآلاف في دورته الجديدة (الشرق الأوسط)
معرض الكتاب استقبل مئات الآلاف في دورته الجديدة (الشرق الأوسط)

فجَّرت رواية «سفر العذارى» للكاتب يوسف زيدان «زوبعة» في الدورة الـ57 من «معرض القاهرة الدولي للكتاب»؛ فبينما أكد زيدان سحب روايته من جناح «دار (ن) للنشر»، وإلغاء حفل توقيعها ومناقشتها، نفى المدير التنفيذي للمعرض، أحمد مجاهد، «ادعاءات زيدان».

وأثار هذا السجال لغطاً وجدلاً كبيرَيْن في الوسط الثقافي المصري، وسط اتهامات من قِبَل بعض المتابعين لدار النشر وزيدان بـ«تعمُّد إثارة بلبلة للترويج للرواية وتحقيق مبيعات كبيرة منها». لكن مدير «دار (ن)» ناشر الرواية، أحمد حنفي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الادعاء غير منطقي، لأن الرواية لا تحتاج إلى ترويج؛ فقد نفدت 4 طبعات منها منذ صدورها قبل عدة أشهر».

وأضاف حنفي: «تم بالفعل رفع رواية (سفر العذارى) من جناحنا بالمعرض، وجرى إلغاء ندوة مناقشتها وتوقيعها، مساء الخميس، حيث دعتنا إدارة المعرض لاسترداد المبلغ الذي دفعناه لحجز القاعة».

ويؤكد أن الرواية «لا يوجد بها أي محظورات تعرضها للمنع أو التحفُّظ، كما أنها حاصلة على كل الموافقات الخاصة بالنشر. ومنذ صدورها، تحرص كل منافذ البيع على عرضها، وتباع في كل مكان، ولا أعرف السبب وراء طلب إدارة المعرض رفعها من جناح الدار».

وفي المقابل، نشر الدكتور أحمد مجاهد، المدير التنفيذي لمعرض الكتاب، صورة لنسخ عديدة من رواية زيدان، عبر حسابه على «فيسبوك»، وقال إنها ما زالت تُباع للجمهور، وإنه مسؤول عما يقول، مضيفاً أن «حفل توقيعها ليس ضمن برنامج المعرض الرسمي أساساً، والبرنامج موجود على كل المواقع، ولا نعرف أي معلومات بشأن هذا الموضوع».

غلاف الرواية المثيرة للجدل (دار نشر ن)

وأعلن في تصريحات صحافية عن «تحديه لدار النشر لإثبات حديثها عن (منع الرواية)، وذِكْر اسم مَن أمر برفع الكتاب من أروقة المعرض».

وأعاد مجاهد نشر تعليق للدكتور شوكت المصري، أستاذ مساعد في النقد الأدبي الحديث بأكاديمية الفنون بالقاهرة، على حسابه بـ«فيسبوك»، الذي قال فيه إن «دار نشر (ن) لم تقم بحجز أي مواعيد لتوقيع رواية (سفر العذارى)، بل حجزت مواعيد لتوقيع كتب أخرى»، وأرفق إيصال دفع، متهماً زيدان بـ«عمل محاولات للترويج لروايته».

لكن زيدان نفى اتهامه بـ«تعمد إثارة الجدل للترويج لروايته»، قائلاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «رواياتي تُطبَع بكميات كبيرة، و(دار الشروق) ودار (ن) تصدران من رواياتي طبعات عديدة تنفد في وقت قياسي، وأقل طبعة تكون عشرة آلاف نسخة، وهذا يعني أنني لا أحتاج للدعاية ولا للترويج، لأن رواياتي مطلوبة».

وأوضح أن «(سفر العذارى) صدرت منذ شهور قليلة، والطبعة الحالية بالمعرض تُعدّ الرابعة، فما الداعي هنا لافتعال أزمات لترويجها، وفق ما يزعمون؟!»

صورة نشرها أحمد مجاهد المدير التنفيذي لـ«معرض القاهرة للكتاب» (حساب مجاهد على فيسبوك)

وعدّ زيدان قرار «رفع» روايته «سفر العذارى» من معرض الكتاب «تصرفاً فردياً»، مشيراً إلى أن «فكرتها عادية لا تدعو لمصادرتها، كما أن لديَّ كتباً عديدة تُباع في أجنحة أخرى، وهذا يعني أنه لا يوجد موقف من أعمالي».

وتتناول رواية «سفر العذارى» تاريخ مصر على مدى قرنين من الزمان، من خلال خمس شخصيات رئيسية، بداية من الجد «بطّاي»، وتمثل أجيالاً مختلفة من عائلته، وتبدأ أحداثها مع الحملة الفرنسية على مصر، وتنتهي عند ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

وتعرَّض زيدان لانتقادات سابقة على خلفية طرحه عدداً من المؤلفات، على غرار رواية «عزازيل» الحاصلة على «جائزة البوكر العربية (2009)». وتعرَّض للهجوم كذلك عقب تدشينه مع عدد من الكتاب مؤسسة «تكوين»، قبل أن يستقيل منها بعد جدل واسع في مصر.


«نجوم الأمل والألم»... صراع الحياة والحب في قلب بيروت

مونيا عقل وحسن عقيل في مشهد من الفيلم (إم سي برودكشن)
مونيا عقل وحسن عقيل في مشهد من الفيلم (إم سي برودكشن)
TT

«نجوم الأمل والألم»... صراع الحياة والحب في قلب بيروت

مونيا عقل وحسن عقيل في مشهد من الفيلم (إم سي برودكشن)
مونيا عقل وحسن عقيل في مشهد من الفيلم (إم سي برودكشن)

بمستوى سينمائي رفيع وصورة متألّقة وإخراج متقن تدور أحداث فيلم «نجوم الأمل والألم» للمخرج سيريل عريس. وفي صراع دائم بين الأمل والألم، يأخذنا العمل في رحلة شيّقة تنبع من واقع كل لبناني.

يستعيد الفيلم حقبات ومحطات ومواقف عاشها لبنان منذ سبعينات القرن الماضي حتى اليوم، فيشعر المشاهد وكأنه يتابع شريط حياته على مدى ساعتين، ويغادر صالة العرض كمن خرج للتو من ذلك الزمن، محمّلاً بمشاعر الطفولة والبراءة الجميلتين. وابتداء من اليوم الخميس 29 يناير (كانون الثاني) الحالي تبدأ عروض الفيلم في صالات السينما اللبنانية.

بإيقاع يتأرجح بين المؤثّر والعاطفي والإنساني، يُشيّد كاتبه ومخرجه سيريل عريس قطعة فنية تُصنَّف ضمن خانة الـ«Master piece»؛ ويكتمل هذا المشهد مع فريق تمثيلي يشهد له بصدق الأداء، وإدراك ووعي لافتين.

فهي تعكس صلابة الفرد اللبناني وشغفه بالحياة، وقدرته الدائمة على تجاوز كل الحواجز. ليعود ويبدأ من الصفر مرة جديدة متسلّحاً بالرجاء.

تدور أحداث الفيلم في بيروت على مدى 3 عقود، ويتابع المُشاهد خلالها قصة حب تحاول الصمود في وجه الزمن والحروب والانهيارات، في حين يسعى الحبيبان (نينو) و(ياسمينا) إلى بناء حياة وأسرة وسط مأساة الواقع اللبناني. وهو من تمثيل المخرجة مونيا عقل، وحسن عقيل، وكميل سلامة، وجوليا قصار، وتينو كرم، ونديم شلهوب، ومن إنتاج شركة «أبوط برودكشن».

يحمل الفيلم قصة بيروت وتاريخ لبنان الحديث، مروراً بمرحلة الحرب في السبعينات والثمانينات، ثم مرحلة الازدهار، وصولاً إلى الأحداث الأخيرة منذ عام 2019. ويمرّ على ثورة أكتوبر (تشرين الأول)، والأزمة الاقتصادية، وانفجار مرفأ بيروت. وتشكل هذه الأحداث خلفية لعلاقة الثنائي الذي ترافق منذ طفولته. وقد اعتمد عريس على كاستينغ رباعي لاختيار ممثلين يجسدون الحبيبين في الطفولة والشباب حتى يصبحا زوجين.

فاز فيلم «نجوم الأمل والألم» (A Sad and Beautiful World) بجائزة اليسر لأفضل سيناريو في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي» 2025. وبجائزة الجمهور في مهرجان «فينيسيا السينمائي»، كما رُشِّح رسمياً لتمثيل لبنان في مسابقة «الأوسكار»، ليُصبح من أبرز الأعمال العربية المشاركة في المهرجانات الدولية.

الثنائي يترافق منذ الصغر باحثاً بين الحروب على محطات سلام (إم سي برودكشن)

ولعلّ المشهد الافتتاحي للفيلم، الذي يجسّده ولدان، صبي وفتاة، يركضان معاً، يختصر معانيه كاملة. فهذا الثنائي يشكّل نموذجاً عن قصص عاطفية وتحدّيات يخوضها اللبناني. تتقطّع أنفاسهما من الركض والهروب، بحثاً عن بقعة يستريحان فيها، قبل أن يعودا إلى الركض من جديد نحو مستقبل غامض، لا يُدركان إلى أين يقودهما.

تُقدّم مونيا عقل دوراً يرتكز على تمازج واضح بين العقلانية والانفعال. فننسى للحظات أنها تطلّ للمرة الأولى أمام الكاميرا لا خلفها. تؤدِّي دورها بثبات وحضور لافت، بأسلوب تمثيلي متماسك يضع التفاصيل في مكانها الصحيح. وتخفّف بابتسامتها من حدّة مشاهدها، مانحة الشخصية بُعداً إنسانياً يواكب ما تمرّ به من صدمات.

ومع حسن عقيل، تؤلّف ثنائياً سينمائياً متناغماً. هو يرسم الحلم، وهي تدقّق في ألوانه، تطير على هدوئه وتجاوره بملامح هادئة، فيشدّها إلى عالمه الحالم المليء بالتحديات. يتحكّم حسن عقيل بلغة جسده ويقدّم أسلوباً تمثيلياً سينمائياً متماسكاً. وقد طبع ذاكرة اللبنانيين سابقاً بدور «روي» في مسلسل «ورد جوري»، حيث قدّم شخصية مركّبة وأجاد تجسيد تناقضاتها بحرفية واضحة.

في المقابل، يضيف حضور كلّ من كميل سلامة وجوليا قصّار خبرةً ونضجاً إلى العمل، من خلال أداء هادئ ومتقن يرسّخ بعده السينمائي، ويمنح المشاهد إحساساً بعمق التجربة اللبنانية من دون مبالغة.

اختار سيريل عريس نصاً مشحوناً بالحب، غنيّاً بالعاطفة، ويشبكه بصورة لبنان بين الحرب وفترات الازدهار والانهيارات المتلاحقة. ويتوقّف عند معضلة قلّما تُطرح، عبر سؤال أساسي: هل يمكن الحلم بتأسيس عائلة في لبنان وتربية أطفال في ظروف يظلّ مصيرها غير واضح؟ فالمجتمع اللبناني يتأرجح بين واقعين تتقاطع فيهما الحرب والازدهار. ويعكس الفيلم هذا التفاوت في شريط يدعو إلى التأمّل والمراجعة الذاتية.

يستعين العمل برموز مألوفة من الذاكرة اللبنانية، من علبة عصير «الهرم» إلى المناقيش بالزعتر، مروراً بزوايا بيروت الضيّقة وحوانيتها. وتستند قصته إلى مخزون شخصي لدى المخرج، تحرّكه شخصيات عرفها ونشأ معها، كما ذكر في حديث سابق لـ«الشرق الأوسط». فتنعكس ذكريات قريبة من سيرته الذاتية، أتاحت له ملامسة التجربة اللبنانية بصدق، ليشعر المشاهد وكأنه يطالع جانباً من حياته الخاصة. كما حرص عريس على إبقاء المشاعر خيطاً رابطاً بين الأزمنة، فحافظ الفيلم على حسّ شاعري متوازن رغم واقعيته القاتمة.


ماريلين نعمان... من زمن آخر

تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)
تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)
TT

ماريلين نعمان... من زمن آخر

تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)
تقف ماريلين نعمان كما لو أنّ الزمن توقّف عند إيقاع آخر (صور الفنانة)

ليس من السهل على فنان شاب محاكاة الذاكرة من دون أن تنزلق تجربته إلى تقليد مُستَهلك أو حنين بلا معنى. في أغنيتها الجديدة «تعا نسهر سوا»، تفعل ماريلين نعمان ذلك من موقع متأنٍّ. تضع الماضي في مواجهة الحاضر، كما لو أنها تسأل من داخل الصورة والصوت عمّا خسرناه ونحن نُسرِع. تبدو الأغنية للوهلة الأولى خفيفة، لكنها تحمل طبقات من التجرّؤ، وتستعيد زمناً كان فيه التلفزيون مساحة مشتركة، والحبّ في بداياته أقرب إلى التردُّد.

في هذا الاستدعاء البصري، تطلّ ماريلين كأنها خرجت للتوّ من أرشيف تلفزيوني يعود إلى مطلع الألفية. شَعرها مُصفَّف بتسريحة مستقرّة، مكياجها خفيف يترك للملامح أن تقول ما تشاء، وثيابها بسيطة أقرب إلى أناقة يومية كانت تُعتمد أمام الكاميرا من دون وعي لثقل «الصورة» كما نعرفه اليوم. تقف أمام العدسة بثبات مذيعة ربط فقرات؛ تلك الشخصية التي كانت تظهر لدقائق بين برنامج وآخر. في هذه الوقفة، تُحرّك نعمان حنيناً جماعياً إلى أسلوب حياة كان له إيقاع مختلف.

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط» إنّ علاقتها بالناس تغيَّرت في السنتين الأخيرتين. تشعر بأنّ صوتها بات مسموعاً على نطاق أوسع من تجربتها الشخصية، وأنّ كثيرين، ولا سيّما الفتيات من جيلها، يجدون في تجربتها ما يُلامسهم. هذا الإحساس يُحمّلها مسؤولية ويستدعي وعياً مضاعفاً. «تعا نسهر سوا» تأتي في هذا السياق. خطوة محسوبة نحو التجرّؤ، ومحاولة واعية لتوسيع دائرة القول. الأغنية (كلمات نبيل خوري وألحانه) تعود إلى أجواء البوب في بدايات الألفية، وهي حقبة تقول نعمان إنها تسكنها نوستالجياً. «كانت الأشياء أبسط، رغم كلّ ما أُخذ على تلك المرحلة فنّياً. كان الوطن أكثر أماناً، والإنسان أقلّ ارتهاناً للتكنولوجيا». من هنا جاء خيار التصوير في مقرّ «تلفزيون لبنان»، حين كان التلفزيون الرسمي مساحة فاعلة والبثّ حدثاً جماعياً لا يُختزل بشاشة هاتف.

في الكليب، تُجسِّد شخصية مذيعة ربط الفقرات، المهنة التي اختفت مع التحوّل الرقمي. تربط بين البرامج وتغادر، ومع ذلك كانت عنصراً مألوفاً في المشهد اليومي للشاشة. «اتّسمت هذه الشخصية بحضور انعكس في إطلالتها وطريقة أدائها أمام الكاميرا»، تقول، مشيرةً إلى أنّ العودة إلى تلك الصورة تعكس قلقاً راهناً من التحوّلات التي يعيشها الإنسان اليوم، لا سيّما في ظلّ الذكاء الاصطناعي. فبرأيها، حمل الماضي منظومة قيم مختلفة، من لبنان وتلفزيونه، وصولاً إلى الإنسان المعاصر الذي بات أكثر عُرضة للتهديد.

تُحاكي الأغنية حبّ البدايات والخجل الذي يرافق اللقاء الأول، وهو شعور ترى نعمان أنه بات نادراً اليوم. من هنا، يكتسب البُعد التمثيلي في العمل أهميّته. فهي ممثّلة أيضاً، لكنها توضح أنّ التمثيل غالباً ما يضعها داخل نصّ مكتوب ورؤية مُخرج، ولا يتيح لها دائماً هامشاً واسعاً من الحرّية. مع المخرجة لين طويلة، وهي أيضاً مديرة أعمالها، وجدت مساحة مختلفة أتاحت لها الاستمتاع بالتمثيل خارج القيود، وتمرير أفكار تفضّل أن يُعبَّر عنها عبر الفنّ وحده. فهي لا تميل إلى إبداء آراء سياسية مباشرة مثلاً، ولا إلى الخطاب العلني، وتتمنّى، بصفتها مواطنة لبنانية، أن ينهض التلفزيون الوطني ويبقى الإنسان في موقع لا يستبدله أيّ ذكاء.

تشعر ماريلين نعمان بأن فنّها بات أكثر تأثيراً، ممّا يفرض عليها سؤال الاستخدام والمسؤولية. لا ترى نفسها في موقع تشريعي أو تنفيذي، لكنها تؤمن بأنّ الفنّ قادر على إحداث أثر يتجاوز منطق القوانين. وحين دخل عالمها الموسيقي إلى سياق درامي، تأكّدت أنه قابل للانتقال والتلقّي. وفي مشروع «تلفزيون لبنان»، ذهبت خطوة أبعد، فلم تعد الموسيقى وحدها حاملة المعنى، لأنّ الصورة أصبحت جزءاً أساسياً من الرسالة.

ماريلين نعمان ولين طويلة تستدعيان زمناً كانت فيه الشاشة أكثر إنسانية (صور الفنانة)

من جهتها، تروي لين طويلة لـ«الشرق الأوسط» أنّ فكرة الكليب تشكّلت بالتراكُم، فبدأت صغيرة وراحت تتّسع تدريجياً. ومع الاستماع إلى الأغنية، عادتا تلقائياً إلى أجواء بدايات الألفين فحضرت النوستالجيا بشكل طبيعي. تبادلتا الأفكار، فتبلورت صورة التلفزيون ومذيعة ربط الفقرات. «هذه مهنة انقرضت ونحن الجيل الأخير الذي شهد عليها»، تقول طويلة، المولودة عام 1996، مشيرةً إلى أنّ مَن وُلدوا في منتصف الألفية لم يتعرّفوا إلى هذه الشخصية.

اختيار «تلفزيون لبنان» منسجم مع الروح التي يحملها العمل. هو تلفزيون عريق، شهد مراحل ذهبية، وكان مساحة لبرامج تركت أثرها في زمنها، فجرى التواصل لاستخدام شعاره القديم، وتقديم ماريلين بصورة تُحاكي بدايات الألفية. تقنياً، صُوّر الكليب بلقطة واحدة من دون قطع، كي يحتفظ بإحساسه الطبيعي. «في الحياة، لا يوجد (Cut). نعيش المشهد من أوّله إلى آخره، بتفاصيله المملّة أحياناً»، تشرح المخرجة، مضيفةً أنّ هذا الخيار يمنح مذيعة ربط الفقرات قيمة إضافية، ويجعل العلاقة بينها وبين الكاميرا أقرب إلى ولادة بريئة.

أرادت لين أن ينغمس الجمهور في التجربة من دون انقطاع. ضمن لقطة واحدة طويلة، تنتقل ماريلين نعمان بين حالات شعورية متعدّدة، بتركيز عالٍ يفرض إعادة التصوير من البداية عند أيّ خطأ. بالنسبة إلى الاثنتين، يلتقي هذا الخيار عند شغف مُشترك بالتجريب وبقدرة كلّ منهما على حَمْل الفكرة إلى أقصاها. وفي التلاقي بين الرؤية والأداء، يُرسّخ العمل خصوصيّته، ويكشف عن موهبة شابتين تعرفان ما تريدان قوله وكيف تقولانه.