«البؤساء» في الأربعين: قصة نجاح غير متوقعة

أكثر من 15500 عرض في لندن

ترجمت «البؤساء» إلى 22 لغة وعُرضت في 53 دولة (نيويورك تايمز)
ترجمت «البؤساء» إلى 22 لغة وعُرضت في 53 دولة (نيويورك تايمز)
TT

«البؤساء» في الأربعين: قصة نجاح غير متوقعة

ترجمت «البؤساء» إلى 22 لغة وعُرضت في 53 دولة (نيويورك تايمز)
ترجمت «البؤساء» إلى 22 لغة وعُرضت في 53 دولة (نيويورك تايمز)

في اليوم التالي لعرض «البؤساء» الأول في مسرح باربيكان بلندن قبل أربعين عاماً، اجتمع فريق العمل الإبداعي للاحتفال بأول ظهور ناجح للمسرحية. لكن سرعان ما تحول الاحتفال إلى مناسبة محزنة، كما يتذكر جون كايرد، الذي أخرج العمل مع تريفور نان.

وبينما كان الحضور يطالعون صحف ذلك اليوم، اتضح أن المسرحية الموسيقية لم تحظَ بقبول نقاد المسرح البريطانيين.

وصفتها صحيفة «إيفنينغ ستاندارد» بأنها «أوبرا كئيبة» تناسب العصر الفيكتوري أكثر من بريطانيا في ثمانينات القرن الماضي.

وأعربت صحيفة «ديلي ميل» عن أسفها لأن كايرد ونان حوّلا «موجة المشاعر العارمة» في رواية فيكتور هوغو إلى «موجات من المشاعر الرخيصة». ومما زاد من الضغط، أن كاميرون ماكنتوش، المنتج الرئيس للمسرحية، لم يكن أمامه سوى 48 ساعة ليقرر ما إذا كان سيدفع ثمن نقلها إلى حي المسارح في لندن (ويست إند). وإلا اختفت المسرحية الموسيقية بعد أسابيع قليلة من انتهاء عرضها في باربيكان. ولحسن حظ الفريق، لم يكن للنقاد الكلمة الفصل.

يتذكر كايرد في مقابلة أجريت معه مؤخراً في منزله بحي هايغيت بلندن: «كانت السمعة الطيبة التي أحاطت بالعرض مذهلة». اضطر الباربيكان إلى توسيع فريق شباك التذاكر بسرعة للرد على مكالمات رواد المسرح الباحثين عن تذاكر. قال كايرد: «استمر القلق يومين أو ثلاثة. ثم اتضح أن هذا الأمر لا يمكن إيقافه». اليوم، تُعتبر مسرحية «البؤساء» -قصة جان فالجان، السجين السابق، الذي يُطارده جافير، ضابط الشرطة عديم الرحمة، بلا هوادة- رمزاً للمسرح الموسيقي. عُرضت لأكثر من 15500 عرض في لندن، وهي عنصر أساسي في برامج المسرح المدرسي في الولايات المتحدة. كما تُرجمت إلى 22 لغة، وعُرضت في 53 دولة. ومن المقرر افتتاح عروضها الشهر المقبل في مدريد، وشنغهاي.

كانت فكرة تحويل رواية فيكتور هوغو الشاملة، المؤلفة من 1400 صفحة، والتي تتناول الفقر والاضطرابات الاجتماعية في فرنسا في القرن التاسع عشر، إلى مسرحية موسيقية في الواقع من ابتكار فرنسيين -الملحن كلود ميشيل شونبيرغ والشاعر آلان بوبليل- اللذين استلهما من المسرحيات البريطانية والأميركية، وأبدعا مسرحية «البؤساء» عام 1980، وقدّماها على خشبة المسرح في باريس. بعد نحو ثلاث سنوات، استمع ماكنتوش إلى تسجيل صوتي لطاقم التمثيل، فانبهر بالموسيقى، فقرر نقلها إلى لندن. وبالمثل، تذكر كايرد أنه «أُسر تماماً بالطابع المسرحي والعاطفي» للأغاني، وخاصةً لأغنيتي «On My Own» و«I Dreamed a Dream».

بالإضافة إلى جاذبية الأغاني وعاطفتها الجريئة فإن جزءاً من جاذبية مسرحية «البؤساء» يكمن في دلالاتها السياسية (نيويورك تايمز)

مع ذلك، قال كايرد إن الفريق الإبداعي أدرك أن المسرحية الموسيقية الفرنسية بحاجة إلى إعادة صياغة شاملة: لم تكن أكثر من مجرد «سلسلة من اللوحات»، وتتطلب من الجمهور فهم كتاب هوغو من الداخل والخارج. لذا، سرعان ما بدأ كايرد ونون وشونبرغ وبوبليل، إلى جانب الشاعر جيمس فينتون، في قراءة كتاب هوغو الضخم، ومحاولة إيجاد هيكل جديد، وقرروا في النهاية افتتاح المسرحية الموسيقية بمشهد يسرق فيه جان فالجان شمعدانات فضية من أسقف، ليغفر له الأسقف. وفجأة، قال كايرد إن دوافع الشخصية أصبحت واضحة: فالجان يؤمن بفكرة الغفران في العهد الجديد، بينما التزم جافير، مطارده، بصيغة عدالة أكثر صرامة في العهد القديم. كان التقدم بطيئاً في البداية. استغرق فينتون، الساعي للكمال، وقتاً طويلاً في كتابة نص المسرحية الموسيقية، مما اضطر ماكنتوش لتأجيل الافتتاح المخطط له لمدة عام، وفقاً لكتاب إدوارد بير «الكتاب الكامل لمسرحية البؤساء». في النهاية، تولى هربرت كريتزمر، كاتب نص المسرحية الموسيقية والناقد في صحيفة «ديلي ميل»، المهمة. قال كايرد إن الفريق دأب على تغيير النص الموسيقي أثناء التدريبات. في أحد أيام الجمعة قبل أسابيع قليلة من الافتتاح، على سبيل المثال، قرروا أن الممثل كولم ويلكنسون، الذي جسد شخصية فالجان في الأصل، بحاجة إلى أغنية حماسية «لتطلق العنان لصوته». في يوم الاثنين التالي، عزف شونبيرغ للجميع لحن «أعيدوه إلى المنزل» اللطيف، إحدى أكثر أغاني المسرحية الموسيقية شعبية. حتى التغييرات الصغيرة كانت حاسمة. خلال مقابلة أجريت معه مؤخراً في منزله الكبير -والتي قال فيها كايرد إن نجاح المسرحية الموسيقية مكنه من ذلك- قام بتصفح صناديق ملاحظاته التدريبية. أشار إلى أن أشهر أغنية في المسرحية الموسيقية كانت قد استُهلت بـ«هل تسمعون الناس يغنون/ يغنون أغنية عامة الناس». أثناء التدريبات، غيّر كريتزمر كلمات الأغنية إلى «أغنية رجال غاضبين».

بحلول العرض الأول، تذكر كايرد أن جميع المشاركين اعتقدوا أن لديهم شيئاً مميزاً، لذا كان اختلاف آراء النقاد بمثابة صدمة. كانت لين غاردنر، من أقدم نقاد المسرح البريطانيين، من بين الذين انتقدوا المسرحية في البداية، حيث كتبت في مجلة «سيتي ليميتس» أن المسرحية الموسيقية «هراء عاطفي عتيق». في مقابلة حديثة، قالت غاردنر إن هناك «الكثير من التعالي» حول العرض الأصلي، نظراً لكونه إنتاجاً مشتركاً لفرقة شكسبير الملكية، وكان العديد من النقاد يعتقدون أن الفرقة الموقرة لا ينبغي أن تشارك في المسرحيات الموسيقية في ويست إند. قالت غاردنر إنها متمسكة بتقييمها الأصلي، لكنها أدركت الآن أن عرض «البؤساء» يتمتع بسحر كبير. وقالت: «إنه يفعل ما تفعله جميع المسرحيات الموسيقية العظيمة: إنه يجعلك تشعر»، مضيفة: «لا يجعلك تفكر كثيراً».

بالإضافة إلى جاذبية الأغاني وعاطفتها الجريئة، فإن جزءاً من جاذبية مسرحية «البؤساء» يكمن في دلالاتها السياسية، مع مشاهد طلاب يحاولون الإطاحة بالحكومة الفرنسية. في السنوات الأخيرة، غنى المتظاهرون في أماكن مثل هونغ كونغ وفنزويلا: «هل تسمعون الشعب يغني؟». قال دان فينك، المنتج الذي ساهم في إنتاج لوس أنجليس الأصلي لمسرحية «البؤساء»، إنه يعتقد أن رسالة المسرحية الموسيقية المتمثلة في «النضال من أجل ما تؤمن به» لامست وتراً حساساً لدى الجمهور. وتذكر ليلةً في يونيو (حزيران) 1989 عندما شاهد الممثلون، خلف الكواليس خلال الاستراحة، تغطيةً إخباريةً تلفزيونيةً مباشرة للدبابات وهي تقتحم ميدان تيانانمن في بكين بينما كانت الحكومة الصينية تحاول وقف المظاهرات المناهضة للحكومة بقيادة الطلاب. ويتذكر فينك أن تلك اللقطات بدت وكأنها تعكس قصة المسرحية الموسيقية، وسرعان ما صعد على خشبة المسرح، متسلقاً حاجزاً حاملاً علماً في يده. يتذكر فينك: «واصلنا العمل، وشعرنا بالحاجة إلى التنفيس عن غضبنا إزاء ما يحدث لهؤلاء الناس في الصين. كنا نغني لتمكينهم». وأضاف: «لم أستمتع بليلة أكثر حماساً في المسرح من هذه الليلة». وقال كايرد إن الدلالات السياسية للقصة كانت واضحة للفريق الإبداعي، لكن في رأيه، يعود نجاح المسرحية الموسيقية إلى عالمية الشخصيات: أشخاص يكافحون ضد الظلم وعقباتهم الشخصية. وقال: «في أعماقهم يشعر الكثير من الجمهور بنفس الشعور بالقدر أو المصير تجاه رحلات حياتهم». وأضاف كايرد: «لهذا السبب تحديداً استمرت مسرحية (البؤساء) 40 عاماً»، مضيفاً: «لن تزول أبداً، أليس كذلك؟».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

تداعيات الحرب الإيرانية تتسبب في تغيير فعاليات فنية بمصر

يوميات الشرق دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)

تداعيات الحرب الإيرانية تتسبب في تغيير فعاليات فنية بمصر

شهدت فعاليات فنية في مصر تغييرات في مواعيد إقامتها المعلن عنها مسبقاً بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق من الإعلان الترويجي للمسرحية (يوتيوب)

«ما تصغروناش»... مسرحية كوميدية عن طفولة تُولد بعمر الشيخوخة

احتضن المسرح العربي في جدة العرض المسرحي المصري «ما تصغروناش» على مدار 3 ليالي عرض رفعت شعار «كامل العدد».

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)

مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

الإقبال الجماهيري على المسرح يؤكد حيوية الفن المصري، ويعكس قدرة العروض الجيدة على جذب الجمهور.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع...

داليا ماهر (القاهرة)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.