«مسرح إيطالي جديد في العالم» يُقدّم 4 قراءات بيروتية للجسد والذاكرة

«فيلوميلا» تُضيء المسافة بين الكلمة والمحو في عرض مؤثّر لريتا حايك ورودني الحداد

مشهد من مسرحية «فيلوميلا» حيث تتداخل لغة الإشارة مع الشِّعر والضوء (الشرق الأوسط)
مشهد من مسرحية «فيلوميلا» حيث تتداخل لغة الإشارة مع الشِّعر والضوء (الشرق الأوسط)
TT

«مسرح إيطالي جديد في العالم» يُقدّم 4 قراءات بيروتية للجسد والذاكرة

مشهد من مسرحية «فيلوميلا» حيث تتداخل لغة الإشارة مع الشِّعر والضوء (الشرق الأوسط)
مشهد من مسرحية «فيلوميلا» حيث تتداخل لغة الإشارة مع الشِّعر والضوء (الشرق الأوسط)

جمعت قاعة «غلبنكيان» داخل الجامعة اللبنانية الأميركية، 4 مسرحيات قصيرة في إطار أسبوع اللغة الإيطالية في العالم، تحت عنوان مُوحَّد هو «مسرح إيطالي جديد في العالم». شكَّلت الأمسية مساحة للتأمُّل في تحوّلات طرأت على المسرح المعاصر، وكيفية استمرار النصوص الإيطالية في استحضار أسئلتها القديمة عبر لغات أداء جديدة.

هذه النصوص، وإنْ تباينت أساليبها، التقت في جوهرها عند سؤال الإنسان المعاصر عن قدرة الكلمة أو الجسد على استعادة معناهما وسط انكسار التجربة وارتباك العالم. من هنا، بدا هذا الرباعي المسرحي صدى لأزمنة تتنازعها الذاكرة، فتُفتّش عن خلاص في الفنّ لا في الآيديولوجيا.

صراع الحبّ والحرّية جسَّدته ريتا حايك باختناق أنثوي لا يكاد يُحتَمل (حسابها الشخصي)

افتُتحت العروض بـ«فيلوميلا» من كتابة الإيطالية فلفيا تشييبولاري، وإخراج حنان الحاج علي. النصّ يستند إلى أسطورة يونانية قديمة انتقلت إلى الأدب الإيطالي عبر أوفيد ودانتي وغيرهما، عن شابة تُغتصَب ثم يُقطع لسانها كي تصمت، فتبتكر لغة بديلة تُطرّز بها حكايتها على قماش لتُفهم. في التفسير الإيطالي الحديث للأسطورة، تتخطّى «فيلوميلا» رمزية الضحية، لتصبح نموذجاً للتشبُّث عبر الخَلْق الفنّي، إذ تتحوَّل اللوعة إلى شكل من أشكال التعبير. هذا التحوُّل هو ما التقطته تشييبولاري في نصّها، مُصوِّرة الجسد على هيئة ذاكرة واللغة محاولة للخلاص.

باستبدال لغة الإشارة الحديثة بالنسيج القديم، صارت اليد بديلاً عن اللسان، والحركة وسيلة للكلام بعد فقدان الكلمة. ريتا حايك، في أول ظهور مسرحي لها وطفلٌ يخفق في أحشائها، ترجمت هذه الثنائية بجسد يحتوي الحضور والكتمان في آن. كونها حاملاً فعلياً جعل التجربة أكثر صدقاً واتحاداً بين الدور والحياة. راح جسدها يختبر معنى الخَلْق من الألم، حين أدَّت الشخصية بوعي للوجع ولحدود النُّطق، فبدت كلّ حركة محسوبة، وكلّ نظرة امتداداً لجملة غير منطوقة. إلى جانبها، قدَّم رودني الحداد حضوراً متّزناً يُكمل الصراع الداخلي؛ صراع الكلمة مع النزف، والرغبة في التعبير أمام هاوية الانفجار بالصوت.

تتحوَّل اللوعة إلى شكل من أشكال التعبير (حساب ريتا حايك)

لحظة الذروة جاءت في المشهد الذي تتداخل فيه لغة الإشارة مع الشِّعر المكتوب على الشاشة. برؤية إخراجية لافتة، تقاطعت قصائد التحية لموهبة الشاعرة الراحلة أمل جنبلاط التي أنهت حياتها انتحاراً وهي تكتب عن الحبّ المفقود والغياب الأبدي، مع قصائد الشاعرة الإيطالية أنطونيا بوتزي التي انتحرت أيضاً بسنّ الـ26. هذا التوازي بين النصّين خلق حواراً مكبوتاً بين «فيلوميلا» القديمة والمرأة الحديثة التي تسأل عن جدوى الحبّ إذا كان لا يُنقذ. الضوء كان حليفاً ثالثاً للنصّين، إذ استُخدم أداة للترجمة الداخلية، فصار الوميض والمحو نوعاً من الترجمة العاطفية بين الكلام المستحيل والبوح الممكن.

في هذا التكوين، تحوّلت «فيلوميلا» إلى حكاية عن الإنسان المقهور الذي يُحرَم من لغته ويبحث عن بدائل للبقاء. وهذا التوجُّه يُذكّر بجذور المسرح الإيطالي الطليعي الذي وُلد بعد الحرب، حين صار الجسد أداة فلسفية وليس فقط حاملاً للنصّ.

وأنطونيا بوتزي التي تورَّطت بقصّة حبّ مع أستاذها (أدّى دوره رودني الحداد) وحملت منه ثم فقدت جنينها، لم يُنشر أي نصّ من كتاباتها. أضاف تسلُّط الأب (رودني الحداد أيضاً) مرارة إلى مأساتها. فقد كَتَم صوتها وحرمها التعبير بالكتابة. صراع الحبّ والحرّية والقلب والسلطة، جسَّدته ريتا حايك باختناق أنثوي لا يكاد يُحتَمل.

فضيحة معاصرة تُعرَض على «السجادة الحمراء» (حساب جنى أبي غصن)

المسرحية الثانية، «السجادة الحمراء» من كتابة الإيطالية جوليا تريفيرو. عملٌ مأسوي يستعيد روح التراجيديا الإغريقية في قالب معاصر، مُستلهماً حكاية عائلة أتريدس القديمة التي اتّحد فيها الدم بالذنب والانتقام.

الإعلام في النصّ أداة تُمجّد المأساة وتحوّلها إلى استعراض، مُطالبة بمزيد من مشهدية الدمّ. هكذا تصبح «السجادة الحمراء» رمزاً للتجميل الكاذب للمأساة وللواجهة التي تُخفي خلفها وحشية الواقع.

الممثلتان جنى أبي غصن وباميلا الهاشم أدّتا شخصيتَيْن تتنازعان بين إرث العائلة والرغبة في التحرُّر منه. في إخراج ميشال زلوعا، يتّخذ النص منحىً بصرياً مكثّفاً، تمهيداً لاختلاط المأساة القديمة بفضيحة معاصرة تُعرَض على «السجادة الحمراء» كأنها حفل موت يلمع تحت الأضواء.

واجه العرض ضعفاً في الإيصال الصوتي وافتقاراً إلى طبقات أداء تمنحه عمقاً إضافياً رغم جهد جنى أبي غصن لإحياء شخصية «إلكترا». ومع ذلك، احتفظ ببذرة رؤية تسعى إلى تحويل فكرة الشهرة إلى مرثية للإنسان المُجرّد من حقيقته.

الأمسية أحيت روح المسرح الإيطالي في الجامعة اللبنانية الأميركية (حساب ريتا حايك)

في «البوابة» للكاتبة إليانا روتيلا وإخراج ضنا مخايل، يقف الممثلان دانيال دافي ووسام دلاتي في فضاء مُغلق تحكمه العتمة. الأصوات المُسجّلة لنزهة حرب وألان سعادة تخلق طبقة من الحوار الداخلي، والفكرة تحمل طاقة عالية، لكن الأداء المُبالغ فيه أفقدها تماسُكها. بدا أنّ النصّ يتحرّك وحده بلا حامل جسدي كافٍ. ومع ذلك، تميَّز المشهد الأخير حين غطّت بودرة التجميل وجه الممثلة، فحوّلت الضوء إلى ضباب بصريّ يُشبه الانمحاء، في لحظة أعادت للمسرح دوره الأول في أن يُفكّر بالصورة كما يفكّر بالكلمة.

ثم اختار عرض «الزمن مفكّك» لجاكوبو جاكوموني، بإخراج علية الخالدي وتمثيل رفعت طربية وطوني فرح، الاشتغال على السؤال الميتافيزيقي حول الزمن والذاكرة. تَقدَّم الحوار كأنه تفكير بصوت مرتفع، تخلّلته لحظات من التكرار المقصود. الرؤية الإخراجية اعتمدت على تداخُل الأزمنة في فضاء واحد، فبدت الشخصيتان مثل مَن يعيدان تركيب صور تائهة من ماضيهما. رغم غياب الذروة، أوصل طربية إحساس الشخصية، وبقي في العرض شيء من التوازن بين الفكر والإيقاع.


مقالات ذات صلة

«إيزيس لمسرح المرأة» يراهن على تجارب نسائية عابرة للحدود

يوميات الشرق عرض «شنب البنات» للمعهد العالي للفنون المسرحية (إدارة المعهد)

«إيزيس لمسرح المرأة» يراهن على تجارب نسائية عابرة للحدود

يستعيد مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في دورته الرابعة سيرة الفنانة المصرية الراحلة سناء جميل.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)

«يلّا أنماتش» مسرحية رومانسية ترفيهية تلامس هواجس الجيل الجديد

سبق أن شاركت جنى أبي غصن في أكثر من عمل مسرحي، بينها «سباحة بالهوا»، و«سجن النساء»، و«شهرزاد»...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)

الطاهر عيسى: «لا موضة» صرخة ضد المباهاة التي فرضتها العولمة

قال المخرج التونسي الطاهر عيسى، مخرج العرض المسرحي «لا موضة- Show Off»، إن عرضه يعكس حالة التداخل الثقافي التي يعيشها الإنسان المعاصر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)

فيرا بولياكوفا - ماكي تعيد اكتشاف عالم بوشكين من بوابة الحب الأول

منحت المخرجة البيلاروسية فيرا ألكساندروفنا بولياكوفا - ماكي كل شخصية رئيسية أغنية خاصة تكشف مشاعرها من دون الاستعانة بكلمات بوشكين.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أداء حركي مميّز في العرض (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

«بماذا يحلم الناجون؟»... أحياء يحملون آثار الكارثة

تبدو الشخصيات كأنها كائنات فقدت بوصلة الطريق وهي تبحث عن المعنى والهوية...

رشا أحمد (القاهرة )

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.


«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.