«مسرح إيطالي جديد في العالم» يُقدّم 4 قراءات بيروتية للجسد والذاكرة

«فيلوميلا» تُضيء المسافة بين الكلمة والمحو في عرض مؤثّر لريتا حايك ورودني الحداد

مشهد من مسرحية «فيلوميلا» حيث تتداخل لغة الإشارة مع الشِّعر والضوء (الشرق الأوسط)
مشهد من مسرحية «فيلوميلا» حيث تتداخل لغة الإشارة مع الشِّعر والضوء (الشرق الأوسط)
TT

«مسرح إيطالي جديد في العالم» يُقدّم 4 قراءات بيروتية للجسد والذاكرة

مشهد من مسرحية «فيلوميلا» حيث تتداخل لغة الإشارة مع الشِّعر والضوء (الشرق الأوسط)
مشهد من مسرحية «فيلوميلا» حيث تتداخل لغة الإشارة مع الشِّعر والضوء (الشرق الأوسط)

جمعت قاعة «غلبنكيان» داخل الجامعة اللبنانية الأميركية، 4 مسرحيات قصيرة في إطار أسبوع اللغة الإيطالية في العالم، تحت عنوان مُوحَّد هو «مسرح إيطالي جديد في العالم». شكَّلت الأمسية مساحة للتأمُّل في تحوّلات طرأت على المسرح المعاصر، وكيفية استمرار النصوص الإيطالية في استحضار أسئلتها القديمة عبر لغات أداء جديدة.

هذه النصوص، وإنْ تباينت أساليبها، التقت في جوهرها عند سؤال الإنسان المعاصر عن قدرة الكلمة أو الجسد على استعادة معناهما وسط انكسار التجربة وارتباك العالم. من هنا، بدا هذا الرباعي المسرحي صدى لأزمنة تتنازعها الذاكرة، فتُفتّش عن خلاص في الفنّ لا في الآيديولوجيا.

صراع الحبّ والحرّية جسَّدته ريتا حايك باختناق أنثوي لا يكاد يُحتَمل (حسابها الشخصي)

افتُتحت العروض بـ«فيلوميلا» من كتابة الإيطالية فلفيا تشييبولاري، وإخراج حنان الحاج علي. النصّ يستند إلى أسطورة يونانية قديمة انتقلت إلى الأدب الإيطالي عبر أوفيد ودانتي وغيرهما، عن شابة تُغتصَب ثم يُقطع لسانها كي تصمت، فتبتكر لغة بديلة تُطرّز بها حكايتها على قماش لتُفهم. في التفسير الإيطالي الحديث للأسطورة، تتخطّى «فيلوميلا» رمزية الضحية، لتصبح نموذجاً للتشبُّث عبر الخَلْق الفنّي، إذ تتحوَّل اللوعة إلى شكل من أشكال التعبير. هذا التحوُّل هو ما التقطته تشييبولاري في نصّها، مُصوِّرة الجسد على هيئة ذاكرة واللغة محاولة للخلاص.

باستبدال لغة الإشارة الحديثة بالنسيج القديم، صارت اليد بديلاً عن اللسان، والحركة وسيلة للكلام بعد فقدان الكلمة. ريتا حايك، في أول ظهور مسرحي لها وطفلٌ يخفق في أحشائها، ترجمت هذه الثنائية بجسد يحتوي الحضور والكتمان في آن. كونها حاملاً فعلياً جعل التجربة أكثر صدقاً واتحاداً بين الدور والحياة. راح جسدها يختبر معنى الخَلْق من الألم، حين أدَّت الشخصية بوعي للوجع ولحدود النُّطق، فبدت كلّ حركة محسوبة، وكلّ نظرة امتداداً لجملة غير منطوقة. إلى جانبها، قدَّم رودني الحداد حضوراً متّزناً يُكمل الصراع الداخلي؛ صراع الكلمة مع النزف، والرغبة في التعبير أمام هاوية الانفجار بالصوت.

تتحوَّل اللوعة إلى شكل من أشكال التعبير (حساب ريتا حايك)

لحظة الذروة جاءت في المشهد الذي تتداخل فيه لغة الإشارة مع الشِّعر المكتوب على الشاشة. برؤية إخراجية لافتة، تقاطعت قصائد التحية لموهبة الشاعرة الراحلة أمل جنبلاط التي أنهت حياتها انتحاراً وهي تكتب عن الحبّ المفقود والغياب الأبدي، مع قصائد الشاعرة الإيطالية أنطونيا بوتزي التي انتحرت أيضاً بسنّ الـ26. هذا التوازي بين النصّين خلق حواراً مكبوتاً بين «فيلوميلا» القديمة والمرأة الحديثة التي تسأل عن جدوى الحبّ إذا كان لا يُنقذ. الضوء كان حليفاً ثالثاً للنصّين، إذ استُخدم أداة للترجمة الداخلية، فصار الوميض والمحو نوعاً من الترجمة العاطفية بين الكلام المستحيل والبوح الممكن.

في هذا التكوين، تحوّلت «فيلوميلا» إلى حكاية عن الإنسان المقهور الذي يُحرَم من لغته ويبحث عن بدائل للبقاء. وهذا التوجُّه يُذكّر بجذور المسرح الإيطالي الطليعي الذي وُلد بعد الحرب، حين صار الجسد أداة فلسفية وليس فقط حاملاً للنصّ.

وأنطونيا بوتزي التي تورَّطت بقصّة حبّ مع أستاذها (أدّى دوره رودني الحداد) وحملت منه ثم فقدت جنينها، لم يُنشر أي نصّ من كتاباتها. أضاف تسلُّط الأب (رودني الحداد أيضاً) مرارة إلى مأساتها. فقد كَتَم صوتها وحرمها التعبير بالكتابة. صراع الحبّ والحرّية والقلب والسلطة، جسَّدته ريتا حايك باختناق أنثوي لا يكاد يُحتَمل.

فضيحة معاصرة تُعرَض على «السجادة الحمراء» (حساب جنى أبي غصن)

المسرحية الثانية، «السجادة الحمراء» من كتابة الإيطالية جوليا تريفيرو. عملٌ مأسوي يستعيد روح التراجيديا الإغريقية في قالب معاصر، مُستلهماً حكاية عائلة أتريدس القديمة التي اتّحد فيها الدم بالذنب والانتقام.

الإعلام في النصّ أداة تُمجّد المأساة وتحوّلها إلى استعراض، مُطالبة بمزيد من مشهدية الدمّ. هكذا تصبح «السجادة الحمراء» رمزاً للتجميل الكاذب للمأساة وللواجهة التي تُخفي خلفها وحشية الواقع.

الممثلتان جنى أبي غصن وباميلا الهاشم أدّتا شخصيتَيْن تتنازعان بين إرث العائلة والرغبة في التحرُّر منه. في إخراج ميشال زلوعا، يتّخذ النص منحىً بصرياً مكثّفاً، تمهيداً لاختلاط المأساة القديمة بفضيحة معاصرة تُعرَض على «السجادة الحمراء» كأنها حفل موت يلمع تحت الأضواء.

واجه العرض ضعفاً في الإيصال الصوتي وافتقاراً إلى طبقات أداء تمنحه عمقاً إضافياً رغم جهد جنى أبي غصن لإحياء شخصية «إلكترا». ومع ذلك، احتفظ ببذرة رؤية تسعى إلى تحويل فكرة الشهرة إلى مرثية للإنسان المُجرّد من حقيقته.

الأمسية أحيت روح المسرح الإيطالي في الجامعة اللبنانية الأميركية (حساب ريتا حايك)

في «البوابة» للكاتبة إليانا روتيلا وإخراج ضنا مخايل، يقف الممثلان دانيال دافي ووسام دلاتي في فضاء مُغلق تحكمه العتمة. الأصوات المُسجّلة لنزهة حرب وألان سعادة تخلق طبقة من الحوار الداخلي، والفكرة تحمل طاقة عالية، لكن الأداء المُبالغ فيه أفقدها تماسُكها. بدا أنّ النصّ يتحرّك وحده بلا حامل جسدي كافٍ. ومع ذلك، تميَّز المشهد الأخير حين غطّت بودرة التجميل وجه الممثلة، فحوّلت الضوء إلى ضباب بصريّ يُشبه الانمحاء، في لحظة أعادت للمسرح دوره الأول في أن يُفكّر بالصورة كما يفكّر بالكلمة.

ثم اختار عرض «الزمن مفكّك» لجاكوبو جاكوموني، بإخراج علية الخالدي وتمثيل رفعت طربية وطوني فرح، الاشتغال على السؤال الميتافيزيقي حول الزمن والذاكرة. تَقدَّم الحوار كأنه تفكير بصوت مرتفع، تخلّلته لحظات من التكرار المقصود. الرؤية الإخراجية اعتمدت على تداخُل الأزمنة في فضاء واحد، فبدت الشخصيتان مثل مَن يعيدان تركيب صور تائهة من ماضيهما. رغم غياب الذروة، أوصل طربية إحساس الشخصية، وبقي في العرض شيء من التوازن بين الفكر والإيقاع.


مقالات ذات صلة

مقهى الحرب ومصحّها... زياد الرحباني يعود من الشاشة لتفكيك حاضر بيروت

يوميات الشرق المشهد يعرفنا أكثر ممّا نعرفه (الشرق الأوسط)

مقهى الحرب ومصحّها... زياد الرحباني يعود من الشاشة لتفكيك حاضر بيروت

مما يمنح هذه العودة معناها الأشدّ تأثيراً قدرةُ زياد الرحباني على كتابة نصوص تتقدَّم الزمن الذي خرجت منه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية بالقاهرة عرض 7 مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق حيث تبقى الكلمة ممكنة مهما اشتدَّ الخارج (الشرق الأوسط)

أسئلة النصّ المسرحي في ورشة تميل إلى الحوار

الورشة التي قدَّمتها الكاتبة المسرحية والدراماتورغ والمخرجة البريطانية بيث فلينتوف، اتخّذت من الأسئلة نقطة انطلاق...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ملصق مسرحية «روميو وجولييت»

روميو وجولييت على المسرح: سادي سينك ونوح جوب وروعة الحب الفَتيّ

في مسرحية «روميو وجولييت»، تبدو الأحداث رهناً بسوء التوقيت؛ إذ يواجه عاشقا شكسبير الشابان حظاً عاثراً بقدر ما يواجهان الواقعية السياسية لقبائلهما المتحاربة.

هومن بركت (لندن)
يوميات الشرق دينا وإيمي سمير غانم تستعدان للعمل معاً مجدداً (إنستغرام)

«ديو» دنيا وإيمي سمير غانم لأول مرة في المسرح يخطف الاهتمام

فور الإعلان عن اجتماع الفنانتين دنيا وإيمي سمير غانم في عمل مسرحي قريباً، تصدرت تفاصيل العرض «الترند».

داليا ماهر (القاهرة)

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended