«معركة بعد أُخرى»... تحفة جديدة لبول ت. أندرسن

يجمع الجودة والترفيه والسياسة

ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)
ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)
TT

«معركة بعد أُخرى»... تحفة جديدة لبول ت. أندرسن

ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)
ليوناردو ديكابريو في مشهد مطاردة (وورنر)

يُحقق فيلم «معركة بعد أخرى (One Battle After Another)» حالياً إيرادات ممتازة، قياساً بأنه في نهاية الأمر ليس فيلماً تجارياً بالمقصود. إنه عمل فني قابل لأن يكون تجارياً... فيلم فكري يتمتع بقدر كبير من الترفيه. وهو فيلم لبول توماس أندرسن، الذي لم يقدّم فيلماً رديئاً طيلة مسيرته المهنية منذ بدايتها في عام 1997، لكنه مختلف عن كل أعماله السابقة من دون أن يفقد المخرج أصالته.

أنجز في أيامه الثلاثة الأولى نحو 50 مليون دولار عالمياً، والمرجّح أنه سينجز أضعافها ليس فقط لأن الفيلم يحظى ببطولة تجمع بين ليوناردو دكابريو وشون بن وبنيثيو دل تورو فقط، بل لأن ما تُعرف بـ«كلمة الفم (Word of Mouth)» ستنتقل بين المشاهدين الخارجين من الفيلم إلى آخرين لم يقرروا بعد ما إذا كانوا سيحضرونه. هذا أعلى أفلام أندرسن تكلفة (130 مليون دولار) وأكبرها نجاحاً أيضاً.

هذا فيلم يقع مرّة واحدة كل عدّة أعوام. عمل سينمائي بالغ الجودة الفنية من ناحية، والجودة الفكرية من ناحية أخرى. ينتمي إلى تاريخ أميركي، ويدلي بدلوه في ما يحدث اليوم من شؤون سياسية متشعبة محلية وعالمية. يُدين المفهوم الثابت لـ«المؤسسة» حيال مواقفها ممن يناوئها أو يناوئ سياساتها من أيام الأمس البعيد إلى الحاضر، من دون تسمية أسماء. هناك مشهد لرجل شبيه بالرئيس الأميركي الحالي (لون وطريقة تصفيف شعره)، لكن هناك من يذكّر أيضاً بريغن، وآخر يبدو مثل كتاب مفتوح لأي عسكري متعصب.

المخرج أندرسن مع ديكابريو (وورنر)

جذور

الفيلم اقتباس عن رواية توماس بينشون «Vineyard» واستيحاء لوقائع مدفونة تحت رمال التاريخ. المخرج أندرسن لم ينوِ الالتزام بالرواية ولا بالتاريخ، بل ألّف عملاً متحرراً يستمد من الرواية بعض الخيوط ومن الأحداث بعض المواقف.

تدور رواية بينشون حول ثورة مجموعة يسارية من شباب أميركا في الستينات، آلت إلى هزيمة قضاياها في الثمانينات. هذا يجري فصلاً بعد فصل بنصوص استرجاعية (فلاشباك) لتغطي مرحلتين من مراحل الرئاسة الأميركية تلك التي قادها رِتشرد نيكسون والأخرى التي قادها رونالد ريغن.

يُلغي أندرسن تلك المشاهد الاسترجاعية ويستبدل بها خيطاً واحداً قوياً يجمع الماضي (لنحو 3 أرباع الساعة من الفيلم) بالحاضر (ما تبقى من نحو 160 دقيقة) في سلاسة.

لكن الفيلم أكبر ارتباطاً بالوقائع الحقيقية التي حدثت في أواخر الستينات عندما أنشأ طلاب يساريون منظّمة أطلقت على نفسها اسم «وَذر أندرغراوند (Weather Underground)» سعت لمناهضة «السيستم» السياسي الأميركي، واصفة إياه بالفاشية. في مطلع السبعينات بدأت تلك العصبة تنفيذ عمليات تخريبية؛ مما استدعى من «مكتب التحقيقات الأميركي (FBI)» تصنيفها منظمة إرهابية محلية. هذا من بعد أن بدأت تنفيذ عمليات سطو وتفجير لمتاجر، والأهم لمبانٍ حكومية رئيسية (جناح القيادة الجوية في البنتاغون يوم 19 مايو/ أيار، سنة 1972 مثلاً). ذلك النصف الأول من العقد المذكور (السبعينات) كان أكثر سنوات المنظّمة نشاطاً. في العام 1976 تفشّى الانقسام بينها، وفي العام التالي قُبض على عدد من أعضائها. عندما أصدر الرئيس جيمي كارتر قانون العفو بين عامي 1978 و1980، سلم الأعضاء الأحرار أنفسهم للاستفادة من العقوبات المخففة.

ثورات مشابهة

لا يسرد «معركة بعد أُخرى» حكاية منظّمة في هذا الاتجاه. السيناريو الذي كتبه المخرج هو زبدة الأحداث المذكورة، مع استعارات من رواية بينشون، في الوقت الذي يحافظ فيه الفيلم على استقلاله منفصلاً عن كلا المصدرين إلى حد التأليف القائم بذاته.

يستند الفيلم إلى حقيقة أن تلك الفترة (1965 - 1975) كانت شهدت ثورات عدّة لمنظّمات مشابهة من حول العالم؛ من اليابان إلى إيطاليا، ومن فرنسا واليونان إلى البرازيل وتشيلي. هذه أرضية مهمّة لولاها لبدا الفيلم خارج نطاق الواقع ولبهتت أبعاد حكايته وبدت خيالية.

تشايس إنفينيتي في دور «ويللا»... (وورنر)

ينطلق الفيلم من تعريفنا ببطليه «بوب (ليوناردو ديكابريو)» و«برفديا (تيانا تايلور)» المنتميين إلى مجموعة اسمها «فرنش75» وهما ينفذان عملية تحرير مهاجرين لاتينيين من أقفاص اعتقال في العراء وُضعوا فيها لحين إعادتهم عبر الحدود. هما في الوقت نفسه عاشقان متحابان ويرزقان بطفلة. بعد عمليات متفرّقة، يُلقي كولونيل انضم إلى تنظيم يميني يتمتع بغطاء رسمي اسمه «ستيڤن لوكجو (شون بن)» القبض على «برفديا» التي تعترف ببعض الأسماء قسراً. بعد 16 سنة ها هي ابنتها «ويللا (تشايس إنفينيتي)» تعيش مع والدها «بوب» بعيداً قدر الإمكان عن الأعين.

رغم ذلك، فإن «ستيڤن» لا يكف عن السعي لإظهار مدى كفاءته بصفته عضواً في ذلك التنظيم الحكومي، ولاحقاً، بعد حين، يصل إلى «ويللا» ويلقي القبض عليها ويوجه البوليس للقبض على «بوب»، لكن هذا، وبمساعدة ثائر آخر (بنيثيو دل تورو)، يهرب من الأسر وينطلق بحثاً عن ابنته. «لوكجو» في ارتياب وخوف من أن تكون «ويللا» ابنته نتيجة اعتدائه على والدتها الأفرو - أميركية، وهذا يشكل عصباً مهمّاً من الحكاية.

ما سبق تلخيص لا يحرق الأحداث لمن لم يُشاهد الفيلم بعد، لكنه يلخصها للدلالة على طبيعة القوى المتناقضة بين هويّة اليسار وهويّة اليمين. كلاهما يعمد للعنف، لكن قلب الفيلم، من خلال توزيع الأحداث والأدوار، مع الفريق الأول، من دون أن يعني ذلك تجسيد انتصار لأحد.

تشويق مدروس

في مشهد نرى «بوب (ديكابريو)» يبدأ بمشاهدة فيلم جيلو بونتيكورڤو «معركة الجزائر» الذي صُنّف مباشرة منذ إطلاقه سنة 1966 أحد أفضل الأفلام السياسية في التاريخ؛ كونه يتناول ثورة الجزائر ضد الاحتلال الفرنسي. هذا المشهد العابر مرتبط بجوهر الفيلم الذي نراه، لكن ولا مرّة خلال عرض «معركة بعد أخرى» هناك أي خطابة. بول توماس أندرسن، الذي حقق تحفاً رائعة، من بينها «خيط وهمي (Phantom Thread)» و«ذَ ماستر» و«سيكون هناك دم (There Will Be Blood)»، يستعرض الأحداث هنا بتركيبة أسلوبية فذّة. ينتقل من حدث لآخر كما لو كان يهدف إلى صنع ترفيه مُطلق (وفي ثلث الساعة الأخير يقترب جداً من ذلك)، لكنه في الوقت نفسه يُبيّن تميّزه عن أقرانه؛ لأن كل لقطة هنا مدروسة ومركّبة بحيث تحيد عن وجهة الترفيه لحساب المضمون أو المضمون لحساب الترفيه.

الفيلم في جُلّه تشويقي ينتقل بسلاسة بين فترتي أحداثه، وبسلاسة مماثلة بين مشاهده. هو يروي حكاية ذات جبهة أحداث عريضة، لكنه يحتسب ألا يروي ما يسرده على نحو تقليدي. تشدنا شخصياته. ليوناردو ديكابريو في صورة جديدة له على الشاشة. فيه شبه من مارلون براندو، وفي مشهد عابر آخر يقوم بحركة تكاد تمر خاطفة تؤكد الصلة عندما يرفع يده اليسرى ليحك وجهه بالطريقة نفسها التي حكّ بها براندو وجهه في مطلع فيلم «العرّاب». بنيثيو دل تورو يُثير الإعجاب ويمنح الفيلم حيوية إضافية ثائراً من نوع واثق ومتحرر. في شخصية الكولونيل يقدّم شون بن تجسيداً لعسكري صارم، والمشهد الذي يعكس فيه خلفيّته المتشددة وقناعاته السياسية عندما تطلبه «الحكومة العميقة» لضمّه إليها يؤديه بإدراك متناهٍ. حاله في ذلك حال كل مشاهده، بما في ذلك المشهد الأخير له (قبل نهاية الفيلم) عندما تقرر القيادة التخلّص منه.

ما هو رائع أيضاً في فيلم أندرسن استخدامه الموسيقى. هذه ناحية لا يلتفت إليها نقاد كثيرون لأسباب تجتمع تحت مظلة التجاهل (أو الجهل). الموسيقى من جوني غرينوود، مؤلف العديد من موسيقى أفلام أندرسن. لاحظها وهي تصدح في مشاهد تشويق، ولاحظها في مشاهد تشويق أخرى وهي لا تتجاوز نطاق الترنيم الخفيف على البيانو ودقات طبلة. كلا الاستخدامين جميل ويثري الفيلم طوال الوقت.

بالإضافة إلى ذلك، يستعين المخرج بـ17 أغنية من الستينات إلى الثمانينات، من بينها أغنيات للوس بانشوس وتوم بَتي وتشك وَس وفرقة «ووك ذَ مون»، وأغنيتان لإيللا فتزجرالد، وكلها موجودة في مشاهد حسّاسة ومهمّة مرتبطة بما يقع على الشاشة.


مقالات ذات صلة

«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

يوميات الشرق فيلم «اعترافات سفاح التجمع» مستوحى من قصة حقيقية (الشركة المنتجة)

«اعترافات سفاح التجمع» للصالات مجدداً بعد حذف «مشاهد الأزمة»

عاد فيلم «اعترافات سفاح التجمع» لصالات العرض السينمائية في مصر بعد حصوله على الموافقات الرقابية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

أفلام سينمائية مصرية تحقق تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية

حققت أفلام سينمائية مصرية تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية بصورة أكبر مما حققته عند عرضها بالصالات السينمائية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)

الموت يُغيب المخرج والناقد المصري أحمد عاطف

غَيَب الموت المخرج والناقد المصري أحمد عاطف عن عمر ناهز 55 عاماً، إثر إصابته بمرض السرطان.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

انتقدت شركة «مصر للطيران» الناقل الوطني بمصر مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2» الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية.

أحمد عدلي (القاهرة)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.