دانيال داي لويس يعود بعد اعتزال طويل... مثله فعل كبار الممثلين

فيلمه الجديد ينطلق قريباً بالتعاون مع ابنه كتابةً وإخراجاً

دانيال داي لويس يعود بعد اعتزال طويل... مثله فعل كبار الممثلين
TT

دانيال داي لويس يعود بعد اعتزال طويل... مثله فعل كبار الممثلين

دانيال داي لويس يعود بعد اعتزال طويل... مثله فعل كبار الممثلين

يحبّ دانيال داي لويس لعبة الاعتزال بقَدر ما يحب لعبة السينما. يبتعد سنوات ليعود بشكلٍ مفاجئ كما هو الحال الآن. فبعد 8 أعوام على إعلانه اعتزال التمثيل، يطلّ الفنان البريطاني على الشاشة الكبيرة من جديد في فيلم Anemone (شقائق النعمان) من إخراج ابنه رونان داي لويس.

لولا الأبوّة، لما تمّت العودة على الأرجح. بشخصية «راي ستوكر»، يضرب داي لويس (68 عاماً) موعداً مع جمهوره المشتاق إلى أداءٍ استثنائيّ استحق عنه الممثل 3 جوائز أوسكار خلال مسيرته. وليس الدور غريباً عمّا اختبره داي لويس خلال السنوات الماضية، فهو يؤدّي شخصيةً اعتزلت الضوضاء، وحضارة البشر، وذهبت للعيش في عزلة تامة وسط الغابة.

عاد من أجل ابنه

شارك داي لويس ابنه رونان (27 عاماً) كتابة السيناريو، وقال بوضوح على هامش العرض العالمي الأول للفيلم في نيويورك: «كنت متردداً في العودة إلى الضوء من جديد، لكن رونان كان قاطعاً بأنه لن يصنع فيلماً إن لم أشارك فيه». وفي حوار مع مجلة «رولينغ ستون»، أقرّ داي لويس بأنه نادم على إعلانه الاعتزال عام 2017: «كان من الأفضل بالتأكيد أن أبقي فمي مغلقاً»، قال.

الممثل دانيال داي لويس يعود إلى السينما بعد اعتزال استمر 8 أعوام (الشركة المنتجة Focus Features)

المرة الأولى التي أعلن فيها داي لويس الاعتزال لم يأخذ الجمهور والنقّاد قراره على محمل الجدّ. فهو قال حينها إنه سيترك التمثيل ويذهب إلى إيطاليا لاحتراف صناعة الأحذية. حدث ذلك عام 1997. اختفى بعدها الرجل 5 سنوات ليظهر من جديد عام 2002 خالي الوفاض من أي أحذية، إنما عاد حاملاً شخصية «بيل اللحّام» في فيلم مارتن سكورسيزي Gangs of New York. أما الاعتزال الثاني فقرره عام 2017 بعد تقديمه فيلم Phantom Thread.

يؤكد داي لويس أن عشقه للتمثيل لم يخفت أبداً، موضحاً أنه توارى بسبب أسلوب العيش الذي تفرضه تلك المهنة، والذي لم يلائمه منذ بداياته حتى اليوم. لكنه لم يتصوّر أن يدخل ابنه المجال فيما هو بعيد عنه، لذلك اقتضت العودة.

داي لويس قبل الاعتزال الثاني عام 2017 في فيلم Phantom Thread (الشركة المنتجة)

أودري هيبورن اعتزلت في الـ38

ليس دانيال داي لويس الممثل العالمي الوحيد الذي اتّخذ قرار الاعتزال ثم رجع عنه. إنها ظاهرة عابرة للأجيال في عالم هوليوود الذي يأخذ من الممثل بقَدر ما يمنحه.

وهي بعدُ في أوج عطائها وشبابها، قررت أيقونة السينما أودري هيبورن أن تنسحب من تحت الأضواء وتقفل باب الشهرة. ففي عام 1967، وهي كانت حينها في الـ38 من العمر، أعلنت هيبورن الاعتزال من أجل التفرّغ لعائلتها. لم تَعُد سوى بعد 10 سنوات، واقتصرت أدوارها حينذاك على 3 إطلالات سريعة.

عادت لتغيب مرة أخرى ما بين 1981 و1989 لتختتم مسيرتها إلى جانب المخرج ستيفن سبيلبرغ في فيلم Always. مع العلم أن معظم سنوات الاعتزال أمضتها هيبورن منشغلةً بمهماتها الإنسانية، إذ كانت سفيرة لمنظمة اليونيسف.

أيقونة السينما أودري هيبورن خلال سنوات عملها إلى جانب اليونيسف (أ.ب)

زلزال فاعتزال

أسطورة أخرى من أساطير هوليوود، الممثلة شيلي دوفال، أمضت 21 عاماً في الاعتزال ما بين 2002 و2023. أما الأسباب التي دفعت بها إلى ذلك القرار في سن الـ53، فكانت أولاً صعوبة التآلف مع أسلوب العيش الذي يفرضه عالم النجومية، وثانياً دمار منزلها على أثر زلزال لوس أنجليس عام 1994، ما اضطرّها إلى الانتقال للعيش في تكساس. أمضت سنوات الاعتزال هناك وسط الطبيعة وحيواناتها الأليفة، وهي لم تعُد إلى هوليوود سوى مرة واحدة وأخيرة عام 2023 للظهور في فيلم الرعب The Forest Hills. حدث ذلك قبل سنة من وفاتها، وهي قالت حينذاك إنها وجدت في تلك الإطلالة مناسبة لإعادة إحياء ما انقطع بينها وبين الصناعة السينمائية.

الممثلة الأميركية الراحلة شيلي دوفال في صورة من عام 1983 (أ.ب)

جين فوندا عادت في الـ68

15 سنة أمضتها جين فوندا في الاعتزال. ففي 1991 وبعد تقديمها فيلم Stanley and Iris، فاجأت الممثلة الأميركية جمهورها والإعلام بقرارها الابتعاد عن التمثيل. قالت حينذاك إنها ما عادت تستمتع بالأمر. طوَت فوندا صفحة نجوميةٍ استثنائية وغابت خلال 14 عاماً، لتكسر في 2005 قرار الاعتزال وتطلّ في فيلم Monster-in-Law عن سن 68. قالت إنها شعرت ببساطة برغبة العودة إلى التمثيل، ومنذ ذلك الحين ما زالت فوندا تقدّم فيلماً كل سنتَين تقريباً، انطلاقاً من رفضها التمييز على أساس السن، والذي يقع ضحيته مَن تخطّوا الـ60 من بين ممثلي هوليوود.

عادت جين فوندا إلى التمثيل بعد 14 سنة من الاعتزال (رويترز)

دفع ضريبة الشهرة المبكرة

هو أشهر الممثلين الأطفال على الإطلاق في تاريخ هوليوود. ماكولاي كالكن الذي أحدث عاصفة عالمية في فيلم «هوم ألون» بجزأيه مطلع التسعينات، اختار شبهَ اعتزال مبكر جداً. بعد إطلالته في «ريتشي ريتش» عام 1994، اختفى الولد عن الشاشة، ولم يعد سوى بعد 10 سنوات ضمن أفلام معدودة.

كالكن الذي غالباً ما أعلن أنه تعرض للاستغلال المادي من قِبَل والده الذي كان يُرغمه على العمل، سدّد غالياً ثمن الشهرة المبكرة. أمضى سنواتِ مراهقته وشبابه ضحيةً للإدمان، وهو لذلك ما عاد يلهث خلف الأدوار الكبيرة، بل يكتفي بإطلالات سينمائية قليلة تفصل بينها 6 سنوات أحياناً.

اختار ماكولاي كالكن الابتعاد عن الأضواء بعد أن أنهكته الشهرة المبكرة (شركة «سوني» للإنتاج)

«أفضل 10 سنوات في حياتي»

في الـ42 من عمرها، قررت كاميرون دياز اعتزال التمثيل. حدث ذلك في 2014، وهو العام الذي شاركت فيه بـ3 أفلام مختلفة. شعرت الممثلة المحبوبة بالحاجة إلى التركيز على نفسها وعائلتها، مشيرةً إلى أنها لم تستطع التأقلم وسط متطلبات السفر والعمل المستمرين. وصفت فترة انقطاعها التي استمرت عقداً من الزمن بـ«أفضل 10 سنوات» في حياتها.

بتشجيعٍ من زوجها وزملائها، استأنفت دياز نشاطها من خلال فيلم «Back in Action» على «نتفليكس» عام 2024، وأكدت أنها ستقدّم المزيد في عودةٍ نهائية عن قرار الاعتزال.

قالت الممثلة كاميرون دياز إن السنوات الـ10 من الاعتزال كانت الأفضل في حياتها (أ.ب)

«بريدجت جونز» العائدة أبداً

ليس كل ابتعادٍ عن الشاشة اعتزالاً، لكنّ بعض الممثلين يغيب لفتراتٍ طويلة جداً إلى درجة أنّ متابعيهم يظنّون أنهم اعتزلوا فعلاً. هكذا حصل مع رينيه زلويغر التي ربما ما كانت لتطلّ من جديد لولا شخصية «بريدجت جونز» التي اشتُهرت بها.

عام 2010، وهي في ذروة مسيرتها، قررت الممثلة البريطانية أخذ استراحة طويلة من التمثيل، بسبب تعب المهنة، ورغبةً منها في إعادة تقييم مسيرتها. عادت بعد 6 سنوات لتقديم الجزء الثالث من سلسلة «بريدجت جونز»، ثم أطلّت في بعض الأفلام لتغيب 6 أعوام جديدة في 2019. لم ترجع زلويغر إلى الشاشة سوى في 2025، وذلك لتقديم الجزء الرابع من الفيلم الجماهيري.

رينيه زلويغر خلال العرض الأول للجزء الرابع من «بريدجت جونز» (رويترز)

حالاتٌ مشابهة من الاعتزال المؤقّت عبرت في مسيرة ممثلين كثر، من بينهم ميغ راين، وبرندان فريزر وجو بيشي.


مقالات ذات صلة

عضّت أحد أفراد الطاقم ولكمت آخر... توقيف ممثلة أميركية بعد مشادة على متن طائرة

يوميات الشرق تغادر سلمى بلير المحكمة في نيويورك أمس (أ.ب)

عضّت أحد أفراد الطاقم ولكمت آخر... توقيف ممثلة أميركية بعد مشادة على متن طائرة

أوقفت السلطات الممثلة الأميركية سلمى بلير، بعد مشادة مزعومة خلال رحلة جوية من لوس أنجليس إلى نيويورك، أسفرت عن إصابة اثنين على الأقل من أفراد طاقم الطائرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق آر جيه ميت (أرشيفية - أ.ب)

وفاة الممثل آر جيه ميت نجم «بريكنغ باد» عن عمر 34 عاماً

توفي الممثل الشاب آر جيه ميت المعروف بشخصية والتر وايت جونيور في المسلسل التلفزيوني الشهير «بريكنغ باد»، عن عمر ناهز 34 عاماً.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق بيرس بروسنان وجوني ديب وأدريان برودي وأنتوني هوبكنز برعوا في الرسم كما في التمثيل

جوني ديب يبيع لوحاته بالملايين وأنتوني هوبكنز يرسم ليشفى... ممثّلون من أمام الكاميرا إلى أمام اللوحة

من أنتوني هوبكنز إلى سيلفستر ستالون مروراً بجوني ديب وغيرهم... نجوم هوليوود يفجّرون مواهب خفيّة بالريشة والألوان.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الممثل الأميركي أدريان برودي الحائز على جائزتَي أوسكار (رويترز)

مِن أكْل الديدان إلى العزلة في فندق... أدريان برودي يتجاوز المعقول من أجل أدواره

هو أحد أكثر نجوم هوليوود تطرُّفاً في التمثيل. لا يتوانى أدريان برودي عن وضع نفسه في مواقف وتجارب خارجة عن المألوف، كي يجهِّز نفسه لدورٍ ما.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من اليسار الممثلة نيكول كيدمان، والممثلة هيلاري سوانك خلال حملهما، وكارول سماحة مع ابنتها (رويترز- انستغرام)

الأمومة لا عمر لها... مشاهير أنجبن بعد سن الأربعين

نجمات من العرب ومشاهير هوليوود يثبتن أن الأمومة لا عمر لها.

يسرا سلامة (القاهرة)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.