«معاً لأجل فلسطين» يكسر الحواجز في عاصمة الضباب

12 ألف متفرج وعشرات الفنانين والدبكة والزغاريد أصبحت لغةً مشتركة

المغنية بالوما فيث ورداء الكوفية الفلسطينية (غيتي)
المغنية بالوما فيث ورداء الكوفية الفلسطينية (غيتي)
TT

«معاً لأجل فلسطين» يكسر الحواجز في عاصمة الضباب

المغنية بالوما فيث ورداء الكوفية الفلسطينية (غيتي)
المغنية بالوما فيث ورداء الكوفية الفلسطينية (غيتي)

ما حدث في لندن مساء الأربعاء كان استثنائياً، في حجمه ودلالته، وشكّل لحظة مفصلية. ففي أمسية تاريخية على مسرح ويمبلي أرينا «Wembley Arena»، ثاني أكبر صالة داخلية في لندن، اجتمع أكثر من 12 ألف متفرج، وشارك نحو 40 من ضمنهم بعض أشهر فناني العالم ناهيك عن عشرات العازفين الموسيقيين والمتحدثين.

ريتشارد غير ألقى كلمة في الحفل (غيتي)

شارك في الحفل الذي أقيم لجمع التبرعات، تحت عنوان «معاً لأجل فلسطين»، فلسطينيون من أطياف مختلفة، اعتلى المسرح أطباء ومغنون وراقصون وصحافيون ورياضيون، كلٌّ يروي على طريقته، كيف تُدمّر إسرائيل وتُفكّك المجتمع الغزّي بشكل ممنهج. لكن، وللمفارقة فإن الحفل بحماس الجمهور والفنانين بمختلف جنسياتهم، تحول مهرجاناً للثقافة الفلسطينية. حضور شديد التنوع من حيث الأعمار والأعراق والخلفيات اللغوية والثقافية، لكن مع ذلك، كانت الكوفيات تعتلي أكتاف الكثيرين، والدبكة والزغاريد أصبحت لغةً مشتركة لكل من يرى نفسه إنساناً قبل أي شيء. هكذا تحولت أشياء فلسطين اليومية وعاداتها، في تلك الأمسية العامرة، رموزاً للصمود.

شارك في الحفل نحو 40 من ضمنهم بعض أشهر فناني العالم إضافة إلى عشرات العازفين الموسيقيين والمتحدثين (غيتي)

تمكّن المنظِّم براين إينو، الموسيقي البريطاني الذي صادف أنّه وُلد في 15 مايو (أيار) 1948، في يوم ذكرى النكبة، من جذب نجوم عالميين من غربٍ يحاول ممارسة الضغط على حكوماته، مثل باستيل (Bastille) وبالوما فايث (Paloma Faith)، ومن شرقٍ يتبعثر سكانه ويقاومون في آن، أمثال سانت ليفانت، وإليانا، وناي البرغوثي وفرج سليمان. كما شارك فنانون وفرق ناشئة كالأوركسترا العربية في لندن التي أدّت من التراث الفلسطيني، والمغنية كات برنز (Cat Burns) التي غنّت لمعاناة كل من هو مختلف، فقالت: «يا ليتني لم أُجبر أن أرتقي قمّتين كي يلمحوني... أليس جنوناً أن يُشترى الاعتراف بمثل هذا العناء؟».

المغنية كات برنز (غيتي)

بين الفقرات الفنية، ألقى بعض المشاهير، كالممثلة جميلة جميل والصحافي الوثائقي المعروف بأعماله مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) لوي ثيرو، خطابات مؤثرة تذكّر الحضور بمسؤوليتهم تجاه ما يحصل. «لنستعيد حقنا بأن نحلم، فالاستسلام ليس بخيار»، قالت فرانشيسكا البانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تحولت في الفترة الأخيرة نجمةً بسبب مواقفها الإنسانية الصلبة دفاعاً عن أهل غزة. ولعل أكثر الفقرات استثنائية كانت مشاهدة الممثل البريطاني الشهير بينيدكت كامبرباتش، المعروف عالمياً بدوره في مسلسل «شرلوك هولمز»، وهو يلقي قصيدة محمود درويش الشهيرة «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» مترجمة إلى الإنجليزية، ويستذكر بتأثر: «خَوْفُ الطُّغَاةِ مِنَ الأُغْنِيَاتْ».

بينديكت كمبرباتش ألقى قصيدة لمحمود درويش (غيتي)

طيلة الحفل، تحوّل المسرح متحفاً حيّاً للتاريخ والواقع الفلسطينيين، وذلك عبر سلسلة من اللوحات التشكيليّة، حديثة ومعاصرة، عُرضت على شاشة عملاقة خلف الفنانين. أكثر من اثني عشر رساماً ورسامة من مختلف مراحل التاريخ الحديث، جمعتهم المديرة الفنّية للحدث ملاك مطر. وهي رسامة غادرت غزة في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 للدراسة في لندن. بعض الرسامين الذين عرضت أعمالهم كانوا قد قتلوا جراء الحرب الأخيرة على فلسطين، فتردّدت كلمات الشاعر الفلسطيني رفعت العرعير — الذي درس في جامعة لندن (UCL) قبل أن يعود إلى غزة حيث قُتل في غارة إسرائيلية في ديسمبر (كانون الأول) 2023 — «إنْ كان لا بد أن أموت، فعليك أن تحيا، لكي تروي حكايتي (...) إنْ كان لا بد أن أموت، فليكن موتي أملاً، فليكن حكايةً تُروى».

تحوّل المسرح متحفاً حيّاً للتاريخ والواقع الفلسطينيَين وذلك عبر سلسلة من اللوحات التشكيليّة (غيتي)

أُعلن أن الحفل جمع أكثر من مليون ونصف المليون جنيه إسترليني في ليلة واحدة لصالح منظمات الإغاثة الفلسطينية، مبيّناً مدى فاعلية التضامن الفني والإنساني. وتميّز الحفل بحداثة الطرق التي اعتمدها لجمع التبرعات، حيث نُقل الحفل مباشرة عبر موقع «يوتيوب» الذي وافق على هذه الخطوة بعد جهد طويل، وأُطلق متجر إلكتروني لبيع ملابس صُمّمت خصيصاً من أجل المناسبة. لكن، لا بد، أن الأثر الأعمق للحفل، هو في كسره حواجز المحظورات؛ إذ أصبحت، بعد تلك الأمسية غير المسبوقة في لندن من أجل مساعدة غزة، المجاهرة بالدفاع عن فلسطين – في المدينة نفسها التي صدر منها وعد بلفور – أمراً عادياً ومألوفاً.

الممثلة الآيرلندية لورا ويتمور أثناء مشاركتها في حفل «معاً من أجل فلسطين» بلندن (غيتي)

مع العلم أنه في عام 1988، نُظّم في ملعب ويمبلي احتفالاً بعيد ميلاد نيلسون مانديلا السبعين الذي كان لا يزال مسجوناً للسنة السادسة والعشرين على التوالي، وكان يراه البعض إرهابياً، قبل أن يتحوّل في عيون الغرب في السنين اللاحقة أيقونةً في الدفاع عن حقوق الإنسان.

على بعد أمتار من الملعب، وبعد أكثر من أربعين عاماً على حفل مانديلا، يأمل براين إينو أن يكون لحفله تأثير مماثل. ويستشهد بالكاتب المصري - الكندي عمر العقّاد: «سيأتي يوم، حين يصبح قول الحقيقة آمناً، وحين لا يعود هناك ثمن شخصي لِتسمية الأشياء بأسمائها، وحين يفوت الأوان لمحاسبة أيّ أحد، سيصبح الجميع قد كانوا دائماً ضد ما حدث».


مقالات ذات صلة

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

يوميات الشرق عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

أعلنت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ مقاضاة أحد الأطباء اتهمته بـ«الإساءة للعندليب»، وذلك بالتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الـ49 لرحيله.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)

أنغام تتألَّق في جدة... إطلالة جديدة وتفاعل جماهيري واسع

حظي الحفل بتعليقات متنوّعة أشادت بأداء أنغام وإحساسها في الغناء...

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق نجاة والمسلماني في أحدث ظهور لها (الهيئة الوطنية للإعلام)

«صورة مزيفة» تعيد الفنانة نجاة الصغيرة للواجهة

عادت الفنانة المصرية نجاة الصغيرة للواجهة، بسبب صورة مزيفة، وتصدرت «التريند»، على موقع «إكس»، الخميس، في مصر.

داليا ماهر (القاهرة)

سرقة أكثر من 400 ألف قطعة شوكولاته «كيت كات» في إيطاليا

عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)
عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

سرقة أكثر من 400 ألف قطعة شوكولاته «كيت كات» في إيطاليا

عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)
عبوة من بسكويت «كيت كات» المغطى بالشوكولاته معروضة في صالة عرض شركة «نستله» السويسرية العملاقة للأغذية في مدينة فيفي (أرشيفية - أ.ف.ب)

قالت شركة الأغذية السويسرية العملاقة «نستله» إنه تمت سرقة نحو 12 طناً أو 413793 قطعة شوكولاته تحمل علامتها التجارية «كيت كات» بعد انتقالها من موقع الإنتاج في إيطاليا إلى بولندا في وقت سابق من الأسبوع الحالي.

واختفت شحنة الحلوى المقرمشة الأسبوع الماضي بينما كانت في الطريق بين موقعي الإنتاج والتوزيع. وكان من المقرر أن يتم توزيع قطع الشوكولاته على مستوى أوروبا.

وقالت الشركة التي يقع مقرها في بلدة فيفي في سويسرا في بيان إنه «لم يتم العثور على المركبة أو حمولتها». وذكرت الشركة أن قطع الحلوى المفقودة يمكن أن تدخل في قنوات بيع غير رسمية عبر الأسواق الأوروبية، لكن إذا حدث هذا يمكن أن يتم تتبع جميع المنتجات عبر كود فريد مخصص لكل قطعة، وفق ما نقلت وكالة «أسوشييتد برس».

وقال متحدث باسم شركة نستله لصحيفة «الغارديان» إن الشركة تُجري تحقيقاً في الحادثة بالتعاون مع السلطات المحلية وشركاء سلسلة التوريد.

وأكَّد المتحدث عدم وقوع أي إصابات خلال عملية السرقة.

وأفادت شركة «نستله» في بيان لها، مستوحيةً شعار «كيت كات»: «لطالما شجعنا الناس على أخذ استراحة من (كيت كات)، ولكن يبدو أن اللصوص أخذوا الرسالة حرفياً وسرقوا أكثر من 12 طناً من شوكولاتتنا».

أفادت صحيفة «ذا أثليتيك» أن ألواح الشوكولاته المسروقة كانت من خط إنتاج «كيت كات» الجديد بنكهة الـ«فورمولا 1»، والذي جاء بعد أن أصبحت «كيت كات» الراعي الرسمي لشوكولاته «فورمولا 1» العام الماضي. وقد صُممت هذه الألواح على شكل سيارات سباق، مع احتفاظها برقائق الشوكولاته الشهيرة المغطاة بالشوكولاته.


المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
TT

المتحف المصري الكبير ضمن قائمة عالمية لأفضل المعالم السياحية في 2026

المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)
المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

جاء المتحف المصري الكبير ضمن الأماكن التي اختارها تقرير عالمي للزيارة خلال 2026، وفقاً لما نشرته مجلة «Time»، مسلطة الضوء على أفضل المعالم السياحية والأثرية على مستوى العالم التي يُنصح بزيارتها خلال عام 2026، وكان المتحف ضمن هذه القائمة.

ووفق بيان لوزارة السياحة والآثار، السبت، أشاد التقرير بالمجموعات الأثرية التي تُعرض بالمتحف، ووصفها بـ«الاستثنائية التي تجسّد عراقة الحضارة المصرية عبر آلاف السنين»، مشيراً إلى أن هذا الصرح الثقافي يمثّل إضافة نوعية وداعماً رئيسياً لقطاع السياحة في مصر.

وأضاف التقرير الذي نشرته «تايم»، أن المتحف يُجسّد نقلة نوعية في أساليب حفظ الآثار وصونها، حيث تم تزويد قاعاته بأحدث تقنيات التحكم البيئي بما يضمن الحفاظ الأمثل على القطع الأثرية، لافتاً إلى كنوز الملك توت عنخ آمون التي تُعدّ من أبرز ما يميّز المتحف.

وأشار التقرير إلى أن جاذبية المتحف بالنسبة للعديد من الزائرين تكمن في تقديم تجربة فريدة تجمع بين البساطة والعمق، حيث يتيح لهم فرصة مشاهدة أشهر كنوز الحضارة المصرية في موطنها الأصلي.

افتتاح المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

ويُعدّ المتحف المصري الكبير أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة «حضارة مصر القديمة»، ويمتد على مساحة 490 ألف متر مربع، ويضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تروي تاريخ مصر عبر العصور، وتعود أقدم قطعة أثرية فيه إلى 700 ألف عام قبل الميلاد، في حين يرجع تاريخ أحدث قطعة إلى عام 394 ميلادياً. ويضم بهواً رئيسياً به تمثال للملك رمسيس الثاني، بالإضافة إلى الدرج العظيم الذي يمتد على مساحة نحو 6 آلاف متر مربع، بارتفاع يعادل 6 طوابق، وفق بيان سابق لرئاسة مجلس الوزراء المصري.

كما يضم المتحف 12 قاعة عرض رئيسية بمساحة نحو 18 ألف متر مربع، وقاعات عرض مؤقتة بمساحة نحو 1700 متر مربع، وكذلك قاعات لعرض مقتنيات الملك توت عنخ آمون على مساحة تقارب 7.5 ألف متر مربع، وتشمل أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك تُعرض مجتمعة لأول مرة، بالإضافة إلى متحف الطفل بمساحة نحو 5 آلاف متر مربع، ومن المتوقع أن يجذب المتحف نحو 5 ملايين زائر سنوياً.

وعدّ الخبير الأثري والمتخصص في علم المصريات، أحمد عامر، المتحف المصري الكبير «صرحاً متكاملاً يجمع بين الآثار والحضارة والتاريخ والعراقة والتصميم الحديث»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن المتحف «يمثّل نقلة حضارية لعرض الآثار به، ويتفرد ويتميز بأسلوب العرض المتحفي. كما يضم المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، بالإضافة إلى ما يقرب من 20 ألف قطعة أثرية تُعرض لأول مرة».

وأشار عامر إلى أن المتحف قد حصد العديد من الجوائز منها جائزة «فيرساي» العالمية في عام 2024، إذ تم تصنيفه ضمن أجمل 7 متاحف في العالم خلال احتفالية نظمتها «اليونيسكو» في باريس، تقديراً لتميزه المعماري الذي يدمج التراث المصري بالمعايير البيئية العصرية، بالإضافة إلى جائزة الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك) عام 2024، وأحدث انتعاشة كبيرة للسياحة الثقافية في مصر منذ افتتاحه.

وافتتح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 في حفل أسطوري حضره 119 وفداً دولياً تضمّن رؤساء وملوك وأمراء عدد من الدول، وشهدت الأيام الأولى لافتتاح المتحف أمام الجمهور زخماً كبيراً في الحضور، بمعدل نحو 19 ألف زائر يومياً، وفق ما أعلنه في ذلك الوقت الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف. في حين توقعت وزارة السياحة والآثار أن يزور المتحف يومياً نحو 15 ألف زائر.


رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
TT

رحيل سمير غريب مؤرخ السريالية المصرية

سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)
سمير غريب (وزارة الثقافة المصرية)

عن عمر يناهز 72 عاماً، غيّب الموت في القاهرة مؤرخ السريالية المصرية، وأحد أبرز قيادات وزارة الثقافة المصرية سابقاً الكاتب سمير غريب، صاحب البصمات الواضحة ومؤسس العديد من المؤسسات الثقافية المصرية مثل صندوق التنمية الثقافية الذي شهدت فترة إدارته ازدهاراً، كما أسس جهاز التنسيق الحضاري ووضع إطار عمله، ولم يتمكن من تفعيل دوره بسبب قلة الإمكانات، وفق قول الفنان التشكيلي محمد عبلة، الذي أضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «سمير غريب أول من كتب عن السريالية في مصر، ووضعها في بؤرة الاهتمام. فحين كان في باريس تعرف على أعمال عدد من فنانيها، وكتب مجموعة من المقالات أصدرها في كتاب فيما بعد، كان وقتها ما زال عدد من فناني السريالية المصريين على قيد الحياة مثل أنور كامل، وكامل التلمساني، وهو ما ساعده في سبر أغوار كثير من الأمور لإصدار كتاب (السريالية في مصر) الذي يعد أهم وثيقة عن السريالية المصرية».

وقام سمير غريب بتنظيم معرض خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) من عام 1987 بعنوان كتابه «السريالية في مصر» في المركز المصري للتعاون الثقافي الدولي بوزارة الثقافة بالقاهرة. وكان هذا المعرض هو الوحيد الذي جمع أعمالاً فنية ووثائق ومتعلقات شخصية لرواد السريالية في مصر، حصل عليها غريب من أُسر الفنانين رمسيس يونان، وفؤاد كامل، وكامل التلمساني، وسمير رافع، وإنجي أفلاطون، وبن بهمان، وإيمي نمر.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الكاتب سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري، وقالت في بيان أصدرته الوزارة، السبت، إن مسيرة الكاتب الراحل حافلة بالعطاء الثقافي والفكري. وكان أحد القامات الثقافية البارزة، وصاحب إسهامات مهمة في دعم الحركة الثقافية في مصر، وأسس وأدار صندوق التنمية الثقافية، وتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية، قبل أن يُكلَّف برئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وصولاً إلى تأسيسه ورئاسته لجهاز التنسيق الحضاري.

وأشارت وزيرة الثقافة إلى أن «سمير غريب كان مثقفاً متفرداً جمع بين الفكر والنقد والعمل المؤسسي، وأثرى الثقافة بعدد كبير من المؤلفات، وكرّس جهده لخدمة الثقافة المصرية، والدفاع عن الهوية الحضارية، ما يجعله واحداً من الرموز التي ستظل حاضرة في الوجدان الثقافي».

سمير غريب خلال مناقشة كتابه «السريالية في مصر» (صفحته على «فيسبوك»)

ولد سمير غريب عام 1954 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، وتلقى تعليمه في مدارسها، قبل أن يلتحق بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، حيث حصل على بكالوريوس الصحافة في مايو (أيار) 1975، وبدأ حياته العملية صحافياً في جريدة الأخبار، وفي منتصف الثمانينات كتب مقالات نقدية في الفن التشكيلي عن السريالية في مصر بمجلة الكواكب، ثم أصدرها في كتاب، قبل أن ينتقل للعمل بوزارة الثقافة التي تقلد فيها مناصب عديدة منها وكيل وزارة الثقافة ورئيس قطاع مكتب الوزير، ثم أسس صندوق التنمية الثقافية وتولى رئاسته في أهم فترات ازدهاره، وتولى خلال مسيرته منصب رئيس دار الكتب والوثائق القومية، ورئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، ومدير الأكاديمية المصرية للفنون في روما، وعضو مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر في مجلس الكاتب الكبير سعد الدين وهبة 1997.

وقال مدير مهرجان الإسكندرية السينمائي، الأمير أباظة، إنه عرف الراحل سمير غريب في منتصف الثمانينات عندما كان يكتب مقالاته عن «السريالية في مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «التقينا خلال هذه المرحلة وتوثقت علاقتنا إلى أن جاء الفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق وعينه وكيلاً للوزارة، ثم رئيساً لصندوق التنمية الثقافية، وقتها بدأ اهتمامه الحقيقي بدعم السينما حيث أسس أرشيفاً للصور السينمائية، وقام بشراء نيجاتيف هذه الصور، ودعم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط».

و«أعاد سمير غريب مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام الوثائقية والروائية القصيرة بعد توقف سنوات، وعين الناقد السينمائي سمير فريد رئيساً له، كما أشرف على طباعة بانوراما السينما المصرية الروائية التي كانت حجر الأساس في حفظ تاريخ السينما المصرية والتي قام بها الناقد والمؤرخ السينمائي أحمد الحضري والناقد محمد عبد الفتاح، كما أنه قام بإعادة المهرجان القومي للسينما ودمجه مع المهرجان القومي للأفلام القصيرة»، وفق قول أباظة.

وأصدر الكاتب الراحل العديد من المؤلفات النقدية خلال مشواره انصب معظمها على الفن التشكيلي منها «السريالية في مصر» 1986، و«راية الخيال» 1993، و«نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي» 1997، و«في تأريخ الفنون الجميلة» 1998، و«كتاب الفن» 2003.