«الإنتاج الباهظ» يعوق ظهور مسلسلات السير الذاتية بمصر

«مصطفى محمود» يدخل دوامة التعثر بعد «مدّاح القمر» و«طلعت حرب»

تعثر إنتاج مسلسل الراحل مصطفى محمود (أرشيفية)
تعثر إنتاج مسلسل الراحل مصطفى محمود (أرشيفية)
TT

«الإنتاج الباهظ» يعوق ظهور مسلسلات السير الذاتية بمصر

تعثر إنتاج مسلسل الراحل مصطفى محمود (أرشيفية)
تعثر إنتاج مسلسل الراحل مصطفى محمود (أرشيفية)

دخل مسلسل «العالم والإيمان» الذي يروي سيرة العالم والطبيب والكاتب المصري د. مصطفى محمود دوامة التعثر بعد أن كانت الشركة المنتجة قد قامت بعمل «البرومو الترويجي» له قبل سنوات، وظهر فيه الفنان خالد النبوي عبر مشهد يقدم من خلاله إحدى حلقات برنامج د. محمود الأشهر «العلم والإيمان».

وكتب مؤلف المسلسل وليد يوسف عبر حسابه بـ«فيسبوك» قبل أيام أنه «لأجل تعب 3 سنوات ما بين تحضير وكتابة مسلسل السيرة الذاتية للدكتور مصطفى محمود المتوقف منذ 13 عاماً وحتى لا يذهب تعبي هباءً أفكر أن أنشر هنا كل يوم نصف حلقة من حلقات المسلسل مع ذكر المراجع والتسجيلات الصوتية والمرئية والمستندات التي لدي بخط الدكتور مصطفى محمود»، وأضاف: «أعتقد أنها ستكون تجربة جديدة من نوعها فمن يتشوق لقراءة المسلسل؟». وقد تلقى عدة ردود من زملائه ومتابعين له تطالبه بعدم اليأس والتمسك بالأمل، وأنه سيأتي وقت ويُنتج المسلسل، في حين طالبه آخرون بنشر الحلقات في كتاب.

العالم المصري الراحل مصطفى محمود (أرشيفية)

وكشف وليد يوسف أنه لا يشعر باليأس بل بالقهر، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المسلسل تعثر لأن تكلفته الإنتاجية كبيرة جداً، ويتطلب تحضيرات طويلة وتصويراً بـ5 دول أوروبية وعربية، لأن صاحبه كان شخصية موسوعية في الصحافة والفلك والطب والفن والأدب وله صداقات بعدد من رؤساء الدول العربية».

وقال إنه «ظل يعمل على تحضيرات المسلسل وكتابته لمدة ثلاث سنوات سجل خلالها مع كل من كان له علاقة بمصطفى محمود، وكانوا على قيد الحياة، في جهد كبير خلاف أي مسلسل أو فيلم كتبه علاوة على المراجع التي وصلت لـ155 كتاباً ما بين مؤلفاته وكتب لآخرين وتسجيلات صوتية له و400 حلقة من برنامجه (العلم والإيمان)، كما التقى ابنيه أمل وأدهم اللذين منحاه تفويضاً لكتابة المسلسل كما قدما له أوراقاً بخط يد والدهما».

مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية (إدارة المدينة)

وأكد يوسف أنه التقى المنتج أحمد عبد العاطي وانضم لهما الفنان خالد النبوي وتحمسوا جميعاً للعمل وجمعهم حلم تقديم سيرة مصطفى محمود، وتم تصوير «برومو» المسلسل في 2013، وتمت الاستعانة بماكييرة أميركية اقتربت جداً من ملامح الشخصية كما ظهر بالبرومو وكانت ستخرجه كاملة أبو ذكري.

ولفت إلى أن ميزانية العمل في 2012 كانت 60 مليون جنيه، وكان سعر الدولار وقتها نحو 6 جنيهات، أي ما يوازي 10 ملايين دولار، لكن مع تدهور الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية وارتفاع أسعار الإنتاج حالياً ارتفعت التكلفة المتوقعة إلى 16 مليون دولار، ما جعلني أشعر بالقهر لضياع حلمنا مع مضي السنوات لرجل يعد قدوة كبيرة لأجيال جديدة لم تعرفه.

وكتب وليد يوسف أعمالاً تليفزيونية وسينمائية على غرار مسلسل «الزئبق»، وأفلام «ليه خلتني أحبك»، و«وش تاني»، و«أهواك»، و«يوم من الأيام»، وغيرها.

سيرة بليغ حمدي

وكان مسلسل «مداح القمر» الذي يروي سيرة الموسيقار الراحل بليغ حمدي قد واجه تعثراً إنتاجياً أدى إلى توقفه على مدى 18 عاماً، وقد شهد في البداية حماساً من مدينة الإنتاج الإعلامي وكتبه الصحافي محمود الرفاعي وكان سيخرجه مجدي أحمد علي الذي أكد في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط» أنه ما زال متمسكاً بالعمل لإخلاصه لشخصية الموسيقار الراحل بليغ حمدي الذي يعد شخصية ملحمية مثيرة للجدل ولإخلاصه لصديقه المؤلف الذي رحل قبل أن يرى العمل.

الموسيقار المصري الراحل بليغ حمدي (صفحة محبي بليغ حمدي على فيسبوك)

«طلعت حرب» ينتظر

فيما يواجه مسلسل «طلعت حرب» الذي يروي سيرة رائد الاقتصاد المصري طلعت حرب أزمة مماثلة بعد أن تعثر إنتاجه، ويؤكد مؤلفه الكاتب محمد السيد عيد لـ«الشرق الأوسط»، أن «المسلسل يواجه هذه الأزمة منذ 15 عاماً حيث كانت ستنتجه مدينة الإنتاج الإعلامي ثم توقف الإنتاج الدرامي بها، وتكرر الموقف مع شركة (صوت القاهرة) التي توقفت بدورها عن الإنتاج عقب ثورة يناير 2011، وقد استرد المسلسل مؤكداً أنه بحوزته حالياً، وقامت بعض الشركات الخاصة بعرضه على «الشركة المتحدة» التي أبلغه أحد مسؤوليها بأن «موضوع المسلسل محلي ولا يمكن تسويقه وأنهم يعملون بمبدأ الربح والخسارة».

وحول لقائه وأحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، في مارس (آذار) الماضي، يقول المؤلف: «لقد طلب المسلماني المسلسل لإنتاجه وأبديت رغبة في التعاون معه لكنني أظن أنهم يعانون من بعض الأمور المالية».

المؤلف محمد السيد عيد خلال لقائه مع المسلماني (الهيئة الوطنية للإعلام)

ويضيف محمد السيد عيد قائلاً: «رغم كل شيء لست متشائماً، لأن المسلسلات ليست مثل الطعام ستُفسد، وأثق أنه سيأتي وقت وترى النور»، مؤكداً أن أعمال السيرة الذاتية لا تتكلف مالياً مثل أعمال كبيرة أنتجتها «الشركة المتحدة»، مؤكداً من خلال تجربته كمؤلف مختص في هذه النوعية من المسلسلات التي كتبها مثل «قاسم أمين»، و«د. مصطفى مشرفة»، و«الإمام الغزالي» أنه كان يتم تسويقها لكثير من الدول العربية ولم تحقق أي خسائر مادية، على حد تعبيره.

وشددت الناقدة ماجدة مويس على أهمية تقديم مسلسلات السيرة الذاتية كونها دراما مهمة لأنها تقدم المثل والقدوة للمجتمع عبر شخصيات حققت إنجازات كبيرة في مجالها، وأبدت دهشتها لعدم تقديم سير شخصيات مثل د. أحمد زويل ونجيب محفوظ ود. مجدي يعقوب والعالمة المصرية سميرة موسى، وغيرهم من الشخصيات المؤثرة.

وتلفت موريس إلى أنه في ظل ارتفاع تكلفة إنتاج هذه المسلسلات، وفي ظل سيطرة المسلسلات القصيرة، يمكن تقديم سير هذه الشخصيات في 15 أو 10 حلقة لأنه من المهم أن نطرح قصصهم ورحلة كفاحهم، ليكونوا قدوة طيبة لأجيال عديدة.


مقالات ذات صلة

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

يوميات الشرق ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

«ماسبيرو» يستعد لتقديم مسلسل تلفزيوني تاريخي عن سيرة حياة وفكر الإمام المصري جلال الدين السيوطي، على أن يُعرض خلال موسم رمضان المقبل.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة المصرية إنجي كيوان تراهن على الأدوار الجديدة (حسابها على فيسبوك)

إنجي كيوان: «وننسى اللي كان» نقطة تحول في مسيرتي

قالت الممثلة المصرية إنجي كيوان إن دورها في مسلسل «وننسى اللي كان» كان محطة فارقة في مسيرتها الفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

لم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته.

انتصار دردير (القاهرة )
خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

خاص كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.