ماذا نعرف عن جيورجيو أرماني ملك الموضة؟

ظل مراقباً لكل التفاصيل إلى آخر رمق

أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)
أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)
TT

ماذا نعرف عن جيورجيو أرماني ملك الموضة؟

أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)
أيقونة الموضة العالمية جيورجيو أرماني (د.ب.أ)

غيّب الموت أحد أعمدة الموضة العالمية: جيورجيو أرماني، الملقب بـ«ملك الموضة». ونعت مجموعة أرماني الراحل في بيان رسمي أمس، من دون الإفصاح عن الكثير من التفاصيل، كأن الأمر بحد ذاته يكفي، خصوصاً بعد تراجع صحته في الأشهر الأخيرة، التي أدت إلى تغيبه عن عرضين مهمين: الأول كان للأزياء الرجالية ضمن أسبوع الموضة في ميلانو في يونيو (حزيران) الماضي، والثاني خلال عرض «أرماني بريفيه» (Armani Prive) في باريس في يوليو (تموز) الماضي.

جيورجيو أرماني يختتم عرض أزياء ربيع/صيف 2025 في باريس (رويترز)

ورد في البيان فقط، أن أرماني «عمل حتى أيامه الأخيرة، وكان محاطاً بأحبائه»، وأضافت المجموعة: «في هذه الشركة، شعرنا دائماً كأننا عائلة. واليوم، نواجه فراغاً عميقاً خلَّفه الرجل الذي أسس هذه العائلة ورعاها برؤية وشغف وتفانٍ».

ربما تكون دوناتيلا فيرساتشي، المديرة الإبداعية السابقة في دار «فيرساتشي»، أكثر من لخص حجم الفقد، قائلة إن العالم خسر «عملاقاً».

بالنسبة لمتابعي الموضة، لم يكن الخبر مفاجئاً. فقد تسابقت وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة الماضية على نشر لقاءات معه بحجة الاحتفال معه بمرور 50 عاماً على تأسيسه دار «جيورجيو أرماني»، وكأنها تستبق النهاية المحتومة.

جيورجيو أرماني يحيي الجمهور في ختام عرض 2024 بميلانو (أ.ف.ب)

غيابه المتكرر في الآونة الأخيرة أثار قلقاً واسعاً، فحتى مع بلوغه الـ91 عاماً، كان يحرص على الإشراف شخصياً على أدق التفاصيل ومقابلة ضيوفه ولو مستنداً على أحد، لكن للعمر أحكامه. والسؤال الذي ظل يلوح دوماً: من سيخلفه؟ فقد رفض المصمم لفترة طويلة تعيين خليفة رسمي له.

بموته يفقد عالم الموضة أحد أعمدته، وواحداً من أبرز مصممي القرن الماضي، وأكثرهم نجاحاً من الناحيتين الفنية والتجارية، رغم استقلاليته، رافضاً إدراج أسهم المجموعة في البورصة. فقد أدار شركته على مدى 50 عاماً، التي تحقق حالياً نحو 2.3 مليار يورو (2.7 مليار دولار) سنوياً. لم يقتصر نشاطه على الأزياء فحسب، بل امتدت أعماله إلى العطور ومستحضرات التجميل والفنادق والديكورات المنزلية.

نعومي كامبل وجيورجيو أرماني في عرض «أرماني بريف» ببيفرلي هيلز 2007 (أ.ب)

رغم تجاوزه التسعين، ظل أرماني يراقب كل تفصيلة ويؤثر على الذوق العام بهدوء ودون صخب، وتابع تطورات العصر وتغيراته، من دون تغيير جله كلياً، بل ظل وفياً لتفاصيله الدقيقة، وكانت النتيجة أنه نجح في استقطب جيلي البنات والأمهات على حد سواء. ظل أسلوب مشبعاً بروح العمارة، يستلهمه تارة من الهندسة وتارة من الضوء والظل.

في أحد لقاءاته، أبدى إعجابه بالراحلة كوكو شانيل، قال «إنها قدوته». وبالفعل، نجح في ما نجحت فيه. كما أبدعت هي الجاكيت التويد، نجح هو في وضع بصمته على البدلة بأن خففها وجعلها بمثابة زي رسمي للجنسين.

تشرح ديبورا نادولمان لانديس، مصممة أزياء ومؤرخة، ومديرة مركز «ديفيد سي كوبلي» لتصميم الأزياء في جامعة كاليفورنيا: «كانت تصاميم السيد أرماني محايدة للجنسين، فخمة وأخاذة، وتشغل موقعاً وسطاً بين الزي الرسمي الممل الذي كان منتشراً بين المديرين التنفيذيين الذكور في ذلك الوقت، وسترات (التنورة) الأنيقة التي تفضلها نساء مهنيات كثيرات. وكانت تصاميمه أسلوباً بديلاً للأزياء التي تُظهر القوة».

جيورجيو أرماني في افتتاح معرضه «A Retrospective» بلندن 2003 (د.ب.أ)

ما سيُحسب له وستتذكره به كتب الموضة أنه لم يغير الموضة فقط بل مفهوم الأناقة نفسها، جعلها أسلوب حياة لأنه جمع بين ذوق المصمم ومهاراته الفنية وفطنة رجل الأعمال.

البدايات

ولد جيورجيو أرماني عام 1934 في عائلة متواضعة؛ أب يعمل في الشحن، وأم ربة منزل علّمته حس الجمال والتنظيم. كان يحلم بدراسة الطب والتحق بجامعة ميلانو ليدرس علم الأحياء، لكنه ترك الجامعة بعد 3 سنوات، خدم في الجيش، ومن ثَمّ عمل مساعداً في تصميم نوافذ متجر «لاريناتشينتي» الشهير في ميلانو.

بسرعة تطورت مهاراته، ولنتقل للعمل مصمماً داخلياً ومشرفاً على المشتريات، حتى التحق بدار «نينو تشيروتي» في أوائل الستينات للعمل في قسم التصميم الرجالي، حيث ازداد حبه للتصميم.

وفي عام 1975، وبعمر يقترب من الأربعين، أطلق ماركته الخاصة «جيورجيو أرماني»، مدركاً أن تميزه سيكون مفتاحه لفرض مكانته بين الكبار، ولا بدّ من قيامه بثورة.

جيورجيو أرماني وجوليا روبرتس في حفل جوائز الموضة 2019 بلندن (أ.ف.ب)

أدرك أن قوته تكمن في التفصيل الرجالي فركز عليها، وأعاد تشكيل البدلة، فأخرجها من جمودها بتفكيكها وتحريرها. خفف من سماكة البطانة، وتخلص منها تماماً، وجعل الأكتاف أكثر نعومة وانسيابية. كما ابتكر ألوانه الترابية والمحايدة التي أصبحت علامته المميزة في الثمانينات والتسعينات.

المرأة والتمكين

لم يغفل المرأة أبداً، بل كان رفيقها وداعمها في الثمانينات، حين بدأت تخطو بقوة نحو ميادين العمل لتنافس الرجل على المناصب التنفيذية العليا. كانت البدلة التي صممها لها بمثابة «جواز ثقة»، تجمع بين القوة والنعومة في آن واحد. لقد حقق المعادلة التي لم يحققها كثيرون: أن تكون قوية دون أن تُفقد أنوثتها.

جيورجيو أرماني مع عارضات في عرض ربيع/صيف 2018 بميلانو (رويترز)

مؤسس علاقة الموضة بالسينما

في الثمانينات، ومع انطلاق ثورته الناعمة في عالم الأزياء الرجالية، كانت السينما الباب الذي اختاره لاستقطاب جمهور عالمي. صمم جميع بدلات الممثل ريتشارد غير في فيلم «American Gigolo»، وبفضل هذا العمل تغيّرت قواعد الموضة الرجالية بين ليلة وضحاها. أضفت الألوان الترابية والرماديات جاذبية على الإطلالات، فيما كانت الأكتاف الناعمة تنساب على الجسم بخفة وثقة، فكسرت القواعد التقليدية وأصبحت محط أنظار الجميع. كان هذا الفيلم نقطة انطلاق مشرقة له، إذ أصبح اسم أرماني مرتبطاً بالسينما، وظهرت تصاميمه في نحو 200 فيلم تقريباً، من بينها «وول ستريت» لليوناردو دي كابريو. كما ارتداها نجوم كبار مثل آل باتشينو، وشون كونري، وتوم كروز في السينما وعلى السجاد الأحمر، كلهم وقعوا تحت سحر خطوطه الأنيقة والسلسة.

جيورجيو أرماني خلال عرض «إمبريو أرماني» في ميلانو عام 1998 (أ.ب)

في عام 2005، توسع أرماني رسمياً من تصميم الأزياء الجاهزة إلى عالم «الهوت كوتور» بإطلاقه خط «أرماني بريفيه»، الذي أسر قلوب نجمات السينما. أصبحت له مخلصات مثل كايت بلانشيت، ونيكول كيدمان، وبيونسيه. وكان أرماني، بحسه التجاري الثاقب، يعرف أن هذا الخط أصبح ضرورة في زمن انفتحت فيه أسواق جديدة تتوق إلى قطع فريدة، فحرص على تلبية متطلبات هذه الأسواق وأخذ لنفسه نصيباً من هذه الفرصة الكبيرة.

وتمكن من منافسة من سبقوه بعقود في هذا المجال، ومع ذلك ظل وفياً لجيناته. ابتعد عن بهرجة الألوان وعرض التفاصيل المبالغ فيها، وجعل أزياء هذا الخط مشبعة بالفخامة، متقنة في أدق تفاصيلها، متعاملاً معها بعقلية مهندس معماري وبصيرة جراح تجميل، ليحافظ على التوازن بين الفن والدقة المطلقة.

أشخاص أمام منزل جيورجيو أرماني في ميلانو بعد وفاته عن 91 عاماً (رويترز)

وداعاً الأسطورة

بعد إعلان خبر وفاته، صرح وزير الثقافة الإيطالي أليساندرو جولي قائلاً: «برحيل جيورجيو أرماني، يغيب أحد رموز الثقافة الإيطالية، الذي عرف كيف تحوّل الأناقة إلى لغة عالمية. لقد أعاد بأسلوبه البسيط والمبتكر تعريف العلاقة بين الموضة والسينما والمجتمع».

أما شركته، فأعلنت أنها ستجهز قاعة في ميلانو لإقامة الجنازة يومي السبت والأحد، تليها جنازة خاصة لم يُحدد موعدها بعد، لتبقى ذكرى عرضه الأخير في ميلانو خالدة، ولو من دونه هذه المرة.


مقالات ذات صلة

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

يوميات الشرق الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

كل الإشارات تدل على عودة قريبة للفنانة العالمية سيلين ديون بعد ابتعاد طويل بسبب إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبس». ويبدو أن باريس ستستضيف العودة الغنائية.

كريستين حبيب (بيروت)
الوتر السادس نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز (أ.ف.ب)

بريتني سبيرز تبيع حقوق أعمالها الموسيقية

باعت نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز حقوق استغلال أعمالها الموسيقية لشركة النشر الموسيقي المستقلة «برايماري ​ويف».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء p-circle 02:00

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

بعد سنوات من التهجّم عليه، تنغمس مغنية الراب نيكي ميناج أكثر فأكثر في دعم دونالد ترمب. فهل هي ساعية خلف الجنسية الأميركية؟ أم أكثر من ذلك؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حيوانات غريبة وغير أليفة على أكتاف المشاهير وفي غرف نومهم

حيوانات غريبة وغير أليفة على أكتاف المشاهير وفي غرف نومهم

غرائب المشاهير تطول حيواناتهم غير الأليفة ولا المألوفة؛ الأمر لا يقتصر على أفعى أو قرد، بل يشمل أسداً وأخطبوطاً وبومة وخنازير وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)

«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
TT

«لوميير... السينما!»... قصيدة حب للأخوين اللذين جعلا من السينما فناً

مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)
مشهد من الفيلم الوثائقي «لوميير... السينما!» (آي إم دي بي)

في العصر الحالي تتضمن معظم الأفلام عناصر عديدة: أصواتاً، ألواناً، مؤثرات، موسيقى، وغيرها. لكنّ العنصر الأساسي في السينما هو الصورة المعروضة على الشاشة. تخيّل حتى لو استغنينا عن كل شيء عدا الصور، سيبقى لدينا فيلم.

يكمن فن السينما في تأطير العالم للجمهور، ومساعدتهم على رؤيته بطريقة جديدة تماماً. وهذا يعني أن من طوروا أساليب التصوير السينمائي اليوم لهم دور بالغ الأهمية، ليس فقط في صناعة الأفلام، بل في الثقافة الإنسانية جمعاء. هذه هي الفكرة التي يطرحها المخرج تيري فريمو في فيلمه الوثائقي الرائع والساخر «لوميير... السينما!» (الذي يُعرض الآن).

يُعرف فريمو لدى عشاق السينما بصفته رئيس «مهرجان كان السينمائي». وهو أيضاً مدير معهد لوميير في ليون بفرنسا، وهو متحف يُكرّم الأخوين أوغست ولويس لوميير، اللذين يُعتبران من رواد السينما. حتى لو كنتَ من هواة السينما العاديين، فمن المحتمل أنك على دراية بإحدى أشهر الأساطير في بدايات السينما: أن الجمهور الذي شاهد فيلم الأخوين لوميير عام 1896 «وصول قطار إلى لا سيوتات»، شعر بالذهول لدرجة أنهم صرخوا وركضوا إلى مؤخرة القاعة. يقول بعض المؤرخين إن هذا ربما يكون مبالغة، لكن تأثير الأخوين على تاريخ السينما يتجاوز هذه القصة، أو أفلاماً أخرى مثل «عمال يغادرون مصنع لوميير» (1895).

كان إسهامهما الأهم بلا شك اختراع جهاز السينماتوغراف، وهو جهاز يدوي محمول قادر على تصوير الأفلام وتحميضها وعرضها. مع ذلك، يرغب فريمو في طرح فكرة أوسع: أن الأخوين لوميير - ولا سيما لويس، الذي كان العقل المبدع وراء العديد من الأعمال المنسوبة إليهما - كانا فنانين بحد ذاتهما؛ إذ طورا لغة سينمائية سيتبناها ويبني عليها عشرات المخرجين اللاحقين. حتى لو كان شخص آخر قد اخترع هذه التقنية، فإن الطرق التي استخدمت بها أفلامهما تقنيات مثل اللقطات الطويلة والتأطير الدقيق، تؤهلهما لمكانة مرموقة في تاريخ السينما.

في بداية الفيلم الوثائقي، يوضح فريمو قائلاً: «سنصنع فيلماً واحداً للوميير من عدة أفلام لهما»، وهذا في الواقع تبسيط مفرط؛ فالفيلم يجمع 100 فيلم صورها الأخوان، ولاحقاً، متعاونون معهما، وقد خضعت جميعها لعملية ترميم دقيقة. لا نرى فقط التقنيات التي طورها الأخوان، بل نشاهد صورة نابضة بالحياة للحياة في مطلع القرن العشرين، من أعمال الريف الشاقة إلى مشاهد باريس الصاخبة، مروراً بمشاهد من مختلف أنحاء آسيا. تتضمن الصور جنوداً يسيرون وآخرين يلهون، ونجارين ورياضيين وأطفالاً رضعاً... بعض اللقطات معروفة، وبعضها الآخر لم يُعرض من قبل (بما في ذلك مقطع مذهل مصور بتقنية 75 ملم لم يكن بالإمكان عرضه حتى عند تصويره عام 1900). إنه فيلم طريف وجميل وحيوي.

فريمو هو الراوي، يروي (بالفرنسية) ما نشاهده، موضحاً المحتوى والسياق، ويشير أحياناً إلى تقنيات سيكررها لاحقاً مخرجون مثل فيديريكو فيليني وجون فورد. في النهاية، ينغمس فريمو في فلسفة غاية هذا الفن، الذي يصوره كفن إنساني بأبهى صوره.

وهكذا، فإن صناعة فيلم كهذا، الذي يُعيد إحياء بعض رواد السينما الأوائل ويحتفي بهم، هو وسيلة للإيمان بالإنسانية. يقول: «السينما تُعرّفني بنفسي وتُعرّفني بالآخرين. إن رعاية مستقبلها هي رعاية لأنفسنا».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
TT

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)
تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت قبل نحو ثلاث سنوات ونصف السنة، عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده، وكان هذا الصديق يعتقد أن والده ربما عاش حياة سرية مرتبطة بعالم التجسس، لكنه لم يكن يملك دليلاً واضحاً على ذلك.

وأضاف سكاتفولد لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الفكرة أثارت فضوله منذ اللحظة الأولى، خصوصاً بعد أن كشف الابن عن وجود صندوق في علّية منزل العائلة يحتوي على أشرطة فيديو قديمة ووثائق شخصية تركها والده، وهو ما بدا نقطة انطلاق مناسبة للبحث في هذه القصة الغامضة».

ويرصد الفيلم الوثائقي «حيوات أبي» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» رحلة ابن يحاول كشف حقيقة حياة والده بعد عثوره في علّية المنزل على أرشيف مخفي يضم أشرطة فيديو ووثائق ورسائل شخصية تعود لسنوات طويلة.

ومع تصفح هذه المواد تبدأ الشكوك حول الماضي الحقيقي للأب، يقود هذا الاكتشاف الابن إلى تحقيق طويل في حياة والده، حيث تتداخل روايات عن العمل الصحافي مع ادعاءات بالانخراط في عالم الاستخبارات الدولية، لتتحول القصة بحثاً إنسانياً معقداً عن الحقيقة داخل عائلة عاشت سنوات طويلة في ظل الأسرار.

ويقول سكاتفولد إن والد بطل الفيلم كان صحافياً تلفزيونياً نرويجياً عمل لسنوات طويلة في تغطية الحروب والصراعات حول العالم، وخلال مسيرته المهنية سافر إلى مناطق عدّة، مشيراً إلى أن فريق العمل بدأ في رقمنة الأشرطة القديمة بهدف حفظها، إلا أن مشاهدة هذه المواد كشفت تدريجياً عن مشاهد بدت مثيرة للتساؤل، فقد ظهرت لقطات للأب في مواقع وظروف لا تبدو مرتبطة مباشرة بعمل صحافي؛ وهو ما دفع صناع الفيلم إلى التفكير في احتمال وجود قصة أخرى خلف هذه المواد، ومع استمرار البحث في الأشرطة والوثائق بدأت تتكشف ملامح حياة أكثر تعقيداً مما كان يتخيله أفراد العائلة أنفسهم.

احتوى الفيلم على لقطات عدة من وثائق الأب (الشركة المنتجة)

وأوضح سكاتفولد أن رحلة البحث قادتهم في النهاية إلى بلغاريا، حيث كان الأب يعيش خلال السنوات الأخيرة من حياته، وهناك بدأت مرحلة جديدة من التحقيق؛ إذ حاول الفريق طرح أسئلة مباشرة حول ماضيه والظروف التي أحاطت بعمله في مناطق مختلفة من العالم، ومع مرور الوقت بدأ الرجل يتحدث عن حياته بصورة أكثر وضوحاً؛ ما فتح الباب أمام رواية مختلفة تماماً عن الصورة التقليدية التي كانت لدى العائلة.

وأضاف أن الأب كشف خلال هذه الأحاديث عن أنه جُنّد في منتصف ثمانينات القرن الماضي للعمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وظل يعمل في مجال الاستخبارات لما يقرب من ثلاثين عاماً، مشيراً إلى أن الفيلم يتابع رحلة الابن ديدريك في محاولة فهم هذه القصة المعقدة، ومحاولة التحقق مما إذا كانت حقيقية بالكامل أم أنها خليط من الوقائع والتفسيرات الشخصية التي أحاطت بحياة والده؟

وأوضح سكاتفولد أن الجانب الأكثر حساسية في العمل لم يكن مرتبطاً بموضوع التجسس بقدر ما كان مرتبطاً بالعلاقة الإنسانية داخل العائلة، فالقصة في جوهرها تدور حول ابن يحاول فهم والده بعد سنوات طويلة من الغموض؛ وهو ما جعل العمل يحمل بعداً عاطفياً واضحاً، مؤكداً أن هذا الجانب الإنساني كان مهماً بالنسبة إليه أثناء صناعة الفيلم؛ لأنه يمنح القصة عمقاً يتجاوز مجرد كشف أسرار مهنية أو سياسية مع حرصه منذ البداية على التعامل مع الموضوع بحذر؛ لأن القصة تمس حياة أفراد الأسرة بشكل مباشر؛ ولذلك كان من الضروري التفكير في كيفية تقديم هذه الحكاية بطريقة مسؤولة تحافظ على التوازن بين كشف الحقيقة واحترام الجانب الشخصي للعائلة.

المخرج النرويجي (الشركة المنتجة)

وأضاف المخرج أن التحقيق كشف أيضاً عن أن الأب كان يستخدم في بعض الأحيان برامج شبابية اسكندنافية غطاءً للسفر إلى دول يصعب على الأميركيين الوصول إليها في تلك الفترة، وأن هذه المعلومات دفعت فريق الفيلم إلى محاولة التحقق من طبيعة الدور الذي كان يؤديه الأب في تلك الرحلات؛ ولهذا الغرض استعان الفريق بعدد من الخبراء في مجال الاستخبارات لتحليل بعض الوثائق والمواد التي قدمها الرجل، كما حاولوا مراجعة الأحداث التاريخية المرتبطة بتلك الفترات لمعرفة ما إذا كانت روايته تتقاطع مع وقائع معروفة في عالم الاستخبارات الدولية.

وأشار إلى أن الأب قدَّم لصناع الفيلم آلاف الصفحات من الوثائق والرسائل والمواد المرتبطة بعمله، وهو ما تطلب وقتاً طويلاً لفحصها وترتيبها، مشيراً إلى أن عملية مراجعة هذه المواد كانت ضرورية لفهم القصة بشكل أكثر دقة، ولتحديد ما يمكن استخدامه داخل البناء السردي للفيلم.

وأضاف أن الفريق لم يكتفِ بالوثائق التي قدمها الأب، بل حاول الحصول على معلومات إضافية من مصادر أخرى، فقد تقدم بطلبات رسمية للحصول على بعض الوثائق وفق قانون حرية المعلومات في الولايات المتحدة، كما أجرى مقابلات مع عدد من الأشخاص الذين كانت لهم صلة بحياة الرجل، وشملت هذه المقابلات أفراداً من العائلة وشخصيات أخرى عملت معه خلال سنوات مختلفة.


أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)
صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)
TT

أحمد قعبور... صوت رافق التحوّلات وبقي في الذاكرة

صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)
صوتٌ يشبه اليد الممدودة... يمكن أن يُشعَر به (مواقع التواصل)

يرحل أحمد قعبور وتبقى سيرته قابلة لقراءة تتجاوز تعداد الأعمال إلى تأمُّل معنى حضوره في لحظة عربية كثيفة التحوّلات. خبر وفاته بعد قسوة المرض، يُعيد وضع اسمه في سياق جيل حمل الأغنية إلى مساحة أبعد من الاستهلاك الفنّي، وجعل منها أداة تماسّ مع الواقع وأسئلته.

صوته لم يكن أعلى من الواقع... ربما كان أصدق منه (أ.ف.ب)

تبدو تجربة قعبور متداخلة مع سياقها إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الصوت والمرحلة. الأغنية عنده شكَّلت انعكاساً مباشراً لهذا الواقع ومحاولة لإعادة صياغته بلغة أكبر قدرةً على البقاء. اكتسب حضوره طابعاً خاصاً داخل جيله؛ إذ انشغل ببناء علاقة بالمتلقّي تبحث عن المعنى في تفاصيل تفلت غالباً من الخطابات الكبيرة.

وُلد في بيروت عام 1955، في زمن كانت فيه المدينة تعيش تأرجحها بين حداثة مُتعثّرة وتاريخ مُثقل بالصراعات. في تلك البيئة، تشكَّلت حساسيته الفنّية متأثرةً بالمسرح وبالمناخ الثقافي الذي كان يرى في الفنّ امتداداً للشأن العام. منذ بداياته، اتّجه صوته نحو الإنسان في لحظاته الصعبة، لا نحو الصورة اللامعة للفنان، فصار هذا الصوت توثيقاً للحدث ومرافقاً له، يُوازيه من دون أن يعلو عليه.

كان يغنّي كما لو أنّ واحداً فقط يستمع... فاستمع الجميع (مواقع التواصل)

انحيازه إلى القضية الفلسطينية شكَّل أحد مفاتيح فَهْم تجربته. لم يأتِ هذا الانحياز على هيئة موقف طارئ، فقد مثَّل جزءاً من وعي تشكَّل مع جيله، حيث التقت الأغنية بالنصّ الشعري والسياق السياسي. هذا ما يُفسِّر علاقته بنصوص الشاعر توفيق زيّاد التي شكَّلت مدخلاً إلى صياغة خطاب فنّي يتجنَّب المُباشرة ويبحث عن أثر أعمق في المتلقّي.

كان يقترب من الكلمات... فتقترب منا (مواقع التواصل)

«أناديكم» هي الأغنية الألصق باسمه؛ لاختصارها إلى حدّ بعيد ملامح مشروعه. هذا العمل يشتغل على تحويل النداء إلى مساحة مشتركة. التكرار فيه يعمل مثل آلية تثبيتٍ لمعنى التضامن، حيث يتحوّل الصوت الفردي إلى ما يُشبه الجماعة. ومع الوقت، خرجت «أناديكم» من إطارها الأصلي لتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية، تُستعاد في سياقات مختلفة وتُحمَّل في كلّ مرّة دلالات جديدة.

في «يا رايح صوب بلادي»، يتقدَّم الغياب ليصبح موضوعاً آخر من موضوعات أحمد قعبور المركزية. فالخطاب في الأغنية يعمل على تقليص المسافة رمزياً. «الرايح» يُستدعى ليحمل معه صورة المكان إلى حيث هو، لعلَّه يُعاد توزيع الذاكرة بين مَن بقي ومَن غادر. في هذا التبادل، تتخفَّف فكرة الغياب من بُعدها النهائي وتتحوَّل حالةً قابلة للمُشاركة يتقاسمها الأفراد على اختلاف مواقعهم.

هذا البناء يمنحها أثراً إنسانياً يتجاوز سياقها المباشر. فهي تتوجَّه إلى كلّ مَن عرف معنى الابتعاد القسري أو الاختياري، وكلّ مَن اضطرّ إلى إعادة تعريف علاقته بالمكان من خلال التذكُّر. بذلك، تصبح الكلمات وسيطاً لإبقاء الرابط قائماً، عبر إعادة صياغته في الوعي وتثبيته ليكون جزءاً من الهوية الشخصية والجماعية.

تميَّز أحمد قعبور بأسلوب موسيقي يقوم على الحدّ الأدنى من العناصر، وعلى مكانة خاصة للعود، وصوت يقترب من النبرة اليومية. خيار جمالي أسهم في بناء علاقة مختلفة بالجمهور، وعبَّر في الوقت نفسه عن تواضع شخصي تجلَّى في ابتعاده عن الزخرفة والاكتفاء بما يخدم المعنى.

وإلى جانب مسيرته الفنّية، مرَّ بتجربة إعلامية من خلال عمله في «تلفزيون المستقبل»، مُقدِّماً برامج ذات طابع ثقافي شعبي، حافظ فيها على اهتمامه بالمحتوى الذي يربط الفنّ بالسياق الاجتماعي. أضاء هذا المسار الموازي جانباً آخر من شخصيته، فبدا أقرب إلى المُراقب الذي يقرأ المشهد بقدر ما يُشارك فيه.

وقدَّم أعمالاً أخرى مثل «بيروت يا بيروت» و«بيروت زهرة»، واصل فيها اشتغاله على ثيمات الخراب والنجاة. وإنما حضوره بقي مرتبطاً في الوعي العام بأعمال بعينها تحوَّلت إلى علامات.

أحمد قعبور جزء من زمن كامل حيث كانت الأغنية تطرح الأسئلة وتُعبّر عن المشاعر. تبقت من تجربته مجموعةُ أعمال، وأيضاً طريقةٌ في النظر إلى الفنّ ترى فيه مساحة للمعنى. «أناديكم» و«يا رايح صوب بلادي» وجماليات أخرى، تستمرّ في التداول؛ شاهدةً على صوت اختار أن يُخفّف حدّة الزمن ويترك أثره حيث يمكن للذاكرة أن تحتفظ به طويلاً.