20 عاماً على اغتيال سمير قصير... صُور الحرّية غير المُكتملة

معرض فوتوغرافي يروي المصير اللبناني من ربيع 2005 إلى أزمات اليوم

مدينة تتشظّى في الانفجار لكنّ عدسة الكاميرا تعيد لها ملامحها (كارمن يحشوشي)
مدينة تتشظّى في الانفجار لكنّ عدسة الكاميرا تعيد لها ملامحها (كارمن يحشوشي)
TT

20 عاماً على اغتيال سمير قصير... صُور الحرّية غير المُكتملة

مدينة تتشظّى في الانفجار لكنّ عدسة الكاميرا تعيد لها ملامحها (كارمن يحشوشي)
مدينة تتشظّى في الانفجار لكنّ عدسة الكاميرا تعيد لها ملامحها (كارمن يحشوشي)

مرَّت 20 سنة على اغتيال سمير قصير. 20 عاماً على محاولة إسكات قلم تمرَّد على الخوف وفتح أفقاً للحرّية. غير أنّ الحكاية لم تنتهِ في الثاني من يونيو (حزيران) 2005. تتردَّد أصداؤها في الأزقّة والساحات والوجوه. وحضور الصحافي والمفكر اللبناني لا يزال يتجلَّى في كلّ اعتراض على الكذب ومحوٍ للذاكرة. ولعلَّ معرض «20 عاماً من أجل الحرية... مسيرة لم تكتمل»، الذي استضافه غاليري «آرت أون 56» في الجمّيزة البيروتية، جاء ليؤكد أنّ اغتيال الجسد لم يوقف المسيرة، وأنّ الصورة قادرة على إعادة بناء السردية من تحت الركام.

كل صورة سؤال: ماذا سنفعل بما تبقّى من حرّية؟ (الشرق الأوسط)

8 مصوّرين صحافيين من أجيال مختلفة حملوا الكاميرا؛ كلٌّ منهم بطريقته، ليصنعوا أرشيفاً بصرياً يصعب تجاوزه. من خلال عدساتهم، نرى العقدين الأخيرين من تاريخ لبنان: لحظات النضال، انكسارات الناس، بقايا الأمل، الدموع التي سقطت على الأرصفة. صُورهم تتجاوز التوثيق البارد، لتغدو مراثي وبيانات احتجاج وصيحات حبّ في وجه النسيان.

اتّخذ النضال من أجل الحرية في لبنان وجوهاً متعدّدة: هدير الساحات في ربيع 2005 حين ارتفعت الأصوات مُطالبة بالسيادة، مواكب الشموع لأرواح ضحايا الاغتيال السياسي، مسيرات النساء الداعيات إلى المساواة والحق في الحضانة، المظاهرات ضدّ الفساد والإفقار والوصاية الطائفية. ثم كانت لحظة الخراب الأكبر، مع دمار بيروت بعد انفجار المرفأ، ومع حرائق الغابات تحت القصف، ومع الانهيار الاقتصادي الذي التهم أرواح الناس قبل أرزاقهم. في كلّ ذلك، كانت الكاميرا شاهداً، تُعيد للضحايا كرامتهم حين جرَّدهم السياسيون منها، وتمنح الذاكرة جسداً حين حاول الطغاة محوها.

وجهٌ واحد يكفي ليختصر هدير ساحة بأكملها (ربيع ياسين)

الصور في المعرض كانت صراعاً مع الواقع، وليست فقط انعكاساً له. فهي تُظهر ما يُخفيه الخطاب الرسمي: دمعة أمّ، صلابة مُتظاهر، وجهاً في حشد، جداراً صار ساحة، أو قبلة في زمن مقموع. إنها تُحوّل اللحظة العابرة إلى شهادة، والوجع الإنساني إلى صلابة في وجه الطمس. لذلك يبدو المعرض كأنه متحف للذاكرة الحيّة؛ يُذكّرنا بأنّ الأوطان تُبنى أيضاً بالصور، وبأنّ الفوتوغرافيا فعل نضال ضدّ العدم.

من بين المعروض، يطلُّ محمد ياسين بصورة تُوثّق حريق غابات الجنوب في أغسطس (آب) 2024، حين اجتاحت القنابل الإسرائيلية والفوسفور الأبيض الطبيعة، فأحرقت أشجار الصنوبر وخنقت الطيور والحيوانات. تتخطّى الصورة كونها تسجيلاً لحادثة، لتصبح شهادة على موت الطبيعة نفسها تحت القصف، كأنها تُذكّرنا أنّ الأرض أيضاً ضحية. وهو المصوّر ذاته الذي التقط صورة لمخيّم لاجئين في زحلة وقد ابتلعته النار، فلم يبقَ من حياة الناس سوى رماد.

غابة تحترق والسماء شاهدة على موت الطبيعة معنا (محمد ياسين)

أما كارمن يحشوشي، فتعود بنا إلى 5 أغسطس 2020، بعد أيام على جريمة المرفأ، حيث المظاهرة الكبرى التي ملأها الغضب والغاز المسيّل للدموع. التقطت لحظة الغليان كأنها تقول إنّ المدينة تصرخ. إلى جانبها، نسمع صوت تمارا سعادة التي تروي كيف كادت عيناها تعجزان عن الرؤية تحت الدخان، لكنّ إصبعها ظلَّ يضغط على زرّ الكاميرا بإصرار، لتُثبت أنّ الشهادة أحياناً أهم من الراحة، وفعل التصوير نفسه نوع من الشجاعة.

ويحضر حسين بيضون بصورة جندي يُراقب المتظاهرين من ثغرة ضيقة في جدار عازل خلال احتجاجات 2015 ضدّ تراكم النفايات. صورة تختصر المسافة بين دولة تحتمي بالأسوار وشعب يبحث عن هواء نظيف. في المقابل، يُقدّم ربيع ياسين صورة من ديسمبر (كانون الأول) 2020 لمواجهة عنيفة بين محتجّين وقوات الأمن، يصفها بأنها نقطة مفصلية للثورة، حين تَحوّل الحلم إلى صِدام مفتوح.

صورة تتجاوز التوثيق البارد لتغدو بيان احتجاج (مروان طحطح)

ولأنّ الحرية ليست مطلباً سياسياً فقط، يوقفنا حسن شعبان أمام صورة لقُبلة وسط مظاهرة تُطالب بالزواج المدني، وأخرى لنساء يهتفن ضدّ قوانين الحضانة المُجحفة وقد حُرمن من أطفالهن. هنا تصبح الصورة دعوة للحبّ بقدر ما هي دعوة للعدالة. أما جمال السعيدي، فيحفظ صورة لكشك صحف في شارع الحمراء، مثل مَن يوثّق مكان الكلمة المطبوعة في زمن الخفوت، فيما يُرينا مروان طحطح ريشة مُلقاة على الأسفلت؛ رمزية كئيبة للكتابة والصحافة وقد تُركت وحيدة، خفيفة، فوق أرض صلبة بلا رحمة.

ريشة على الإسفلت... كأنّ الكتابة نفسها سقطت جريحة (مروان طحطح)

صحف في شارع الحمراء مثل مَن يوثّق مكان الكلمة المطبوعة في زمن الخفوت (جمال السعيدي)

لا يُقدّم هذا المعرض ماضياً مؤطَّراً بقدر ما يفتح أبواب الحاضر على أسئلته. بالنسبة إلى «مؤسّسة سمير قصير»، هو فعل استمرارية أكثر منه تذكاراً. الرسالة ثابتة: الدفاع عن حرّية التعبير، عن مساحة تُقال فيها الحقيقة بلا خوف، وعن ذاكرة لا تُمحى بالتضليل. وكما يوضح مديرها التنفيذي أيمن مهنّا، فإنّ مسار الحرّية ليس خطّاً صاعداً. فكلّ مكسب يتعرَّض للانتقاص، وكلّ خطوة إلى الأمام تُواجه تهديداً بالتراجع. والتحدّيات اليوم، من انهيار اقتصادي إلى خطر الحرب وعودة الانقسام الطائفي، كلّها تُحذّر بأنّ الحرّية نضال يومي، وليست على الإطلاق حقاً مضموناً.

جندي يراقب من ثغرة ضيّقة صورة بلد يختنق (حسين بيضون)

يترك التجوّل بين الصور شعوراً مزدوجاً: فهي من جهة وثائق لزمن انقضى، ومن جهة أخرى أسئلة عن زمن يتشكَّل: ماذا سنفعل بالحرّية التي لا تزال في أيدينا؟ متى تكتمل المسيرة التي حلم بها سمير قصير؟ وهل يمكن لبلد يصرّ على التغاضي أن يكتب مستقبلاً مختلفاً؟

الصورة، في جوهرها، صرخة ضدّ النسيان. ذاكرة متجسّدة، وحصن يُعاند المحو. لذلك، يبدو المعرض كلّه كأنه نداء: الحرّية لا تُمنح مرة واحدة؛ هي تُستعاد مراراً. والذاكرة ليست خياراً؛ إنها شرطٌ للبقاء.


مقالات ذات صلة

تقرير: انشغال طيارين بالتصوير انتهى باصطدام مقاتلتين في سيول

يوميات الشرق مقاتلة كورية جنوبية من طراز «إف-15 كيه» (أ.ب)

تقرير: انشغال طيارين بالتصوير انتهى باصطدام مقاتلتين في سيول

كشف تقرير رسمي أن طائرتين مقاتلتين كوريتين جنوبيتين اصطدمتا في الجو عام 2021 بسبب قيام الطيارين بالتقاط صور ومقاطع فيديو.

«الشرق الأوسط» (سيول)
يوميات الشرق ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

يواجه معرض «بين الأنفاس» فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من توقيع الاتفاق لتحويل رواية «القبيلة التي تضحك ليلاً» إلى فيلم (الشرق الأوسط)

السينما السعودية تمدّ جسورها إلى الأدب في معرض جدة للكتاب

لم يعد سؤال صنّاع السينما يدور حول عدد العناوين، بل حول أيّ الروايات تصلح لأن تُروى على الشاشة...

سعيد الأبيض (جدة)
يوميات الشرق الرسومات الملونة على نوافذ المبنى القديم (الشرق الأوسط)

«بوابة البوابات»... معاذ العوفي وتصوير تاريخ باب البنط بجدة

«بوابة البوابات» معرض يُقام حاليا بجدة يقدم مشروع بصري من تصوير الفنان السعودي معاذ العوفي وتنسيق الكاتب فيليب كاردينال يستكشف مبنى «باب البنط» قبل إعادة تأهيله

عبير مشخص (جدة)
يوميات الشرق معرض «الرحيل» في «المركز الثقافي الفرنسي» حتى 15 فبراير (الشرق الأوسط)

معرض «الرحيل»... حكاية حنين عميقة إلى الوطن بعدسة أنس خلف

تأخذ الجولة في المعرض الزائر إلى معالم دمشق المختلفة: المسجد الأموي، وأزقّتها وأحيائها القديمة.

فيفيان حداد (بيروت)

هل حصل هاني شاكر على «وداع لائق»؟

شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
TT

هل حصل هاني شاكر على «وداع لائق»؟

شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)
شهدت الجنازة حضوراً شعبياً (الشرق الأوسط)

أعادت الانتقادات التي صاحبت جنازة وعزاء هاني شاكر (1952-2026) الحديث حول ما إذا كان المطرب المصري الملقب بـ«أمير الغناء العربي» قد حصل على «وداع لائق» يناسب مكانته الفنية من عدمه.

وأقيمت مراسم الجنازة والعزاء في مسجد «أبو شقة» داخل أحد التجمعات السكنية في ضاحية السادس من أكتوبر، وهو مسجد بعيد نسبياً عن حركة المواطنين ويصعب الوصول إليه من دون سيارة خاصة.

ورغم حضور المئات من محبي الفنان الراحل لصلاة الجنازة والعزاء يومي الأربعاء والخميس، فإن انتقادات وجهت لاختيار المسجد باعتبار أن موقعه واختياره تسببا في غياب الكثير من جمهور الفنان الراحل الذي كان يرغب في توديعه والمشاركة في مراسم الجنازة والعزاء.

ومن بين المنتقدين لاختيار المسجد، المخرج السينمائي خالد يوسف الذي كتب تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» تحت عنوان «لماذا حرموك من مشهد مهيب في وداعك يا هاني؟» عادّاً اختيار المسجد حرم الراحل من مشهد «وداع مزدحم بجماهيره»، مؤكداً أن الفنانين الكبار الباقين في ذاكرتنا تهافتت الجماهير على المشاركة في تشييعهم.

واعتبر أن ما حدث باسم «التنظيم» و«الرغبة في تجنب المتطفلين» أو «الزحام المحتمل» ليست أسباباً كافية وأن أسرته كان عليها تحمل التعب والإرهاق لخروج الجنازة بصورة تليق به.

جنازة هاني شاكر (نقابة الصحفيين المصريين)

وشهدت جنازة وعزاء هاني شاكر إجراءات «منضبطة» مع تخصيص أماكن للصحافيين والمصورين، بجهود مشتركة بين نقابة الصحافيين والشركة المسؤولة عن تنظيم العزاء من نقابة الموسيقيين، وهو ما حدّ بشكل كبير من التجاوزات التي كانت تُرصد في جنازات وعزاءات المشاهير خلال الفترة الماضية.

وأكد الناقد المصري أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بالرغم من كون الدخول والخروج من المسجد أمراً سمح به دون مشكلات، فإن اختيار موقعه تسبب في الحد بشكل كبير من الحضور الجماهيري المتوقع لنجم مثل هاني شاكر»، مشيراً إلى أن «ما حدث حوّل العزاء والجنازة لتكون نخبوية بحضور الشخصيات العامة وزملائه».

واتشحت مواقع التواصل الاجتماعي بحالة من الحزن مع استذكار مقاطع فيديو للقاءات سابقة أجراها هاني شاكر بها أحاديث عن حياته وحبه لزوجته واللحظات الصعبة في حياته، ومن بينها رحيل ابنته دينا بعد صراع مع مرض السرطان في شبابها، بالإضافة لصدمته في الوفاة المفاجئة لوالدته في يوم عيد الأم نفسه.

وقالت الناقدة الفنية مها متبولي إن «الراحل كان يستحق جنازة شعبية حقيقية نظراً لتاريخه الفني الطويل ومسيرته التي لم تشهد خلافات، وأعماله الفنية التي ستظل خالدة في الوجدان العربي وليس المصري فقط»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الأمر تمثل في حضور عدد كبير من الفنانين للعزاء والجنازة».

جنازة هاني شاكر (نقابة الصحفيين المصريين)

وشهد العزاء الذي أقيم مساء الخميس، حضور عدد كبير من الفنانين، منهم أنغام، ويسرا، ومصطفى قمر، وحمادة هلال، ولبلبة، ونادية الجندي، وإلهام شاهين، وسلاف فواخرجي، ووائل جسار، ومحمد الحلو، وماجد المصري، وكارول سماحة، فيما تلقى نجله شريف العزاء برفقة والدته التي استقبلت السيدات المعزيات.

وكان لافتاً عبر مواقع التواصل الاهتمام بغياب حضور الفنان عمرو دياب للجنازة والعزاء، وكذلك أحمد سعد الذي تعاون مع هاني شاكر في مشاريع فنية أخيراً، لكن سعد كان لديه حفل غنائي في توقيت العزاء نفسه، مما عرضه لانتقادات «سوشيالية».

وتؤكد مها متبولي أن «الحضور الكبير في العزاء من نجوم مصريين وعرب عبّر بشكل واضح عن مكانة هاني شاكر الذي يُعد من أهم نجوم الغناء»، لافتة إلى أن كل شخص يكون لديه ظروف خاصة أو ارتباطات قد تحول بينه وبين حضور العزاء.

وهنا يشير أحمد سعد الدين إلى أن «مكانة هاني شاكر لدى جمهوره وزملائه كبيرة والتعبير عنها إن تعذر بحضور الجنازة أو العزاء بشكل مباشر نظراً لمكان إقامتهما فإن التدوينات التي كتبت عبر مواقع التواصل، سواء لذكريات مع أغانيه أو ذكريات وتأثير لها لا يزال مستمراً، أكبر دليل على مكانته التي كان تحتم وداعاً له بشكل أفضل».


رحيل «عميد الأغنية المغربية»... عبد الوهاب الدكالي يودع «كان يا ما كان»

الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)
الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)
TT

رحيل «عميد الأغنية المغربية»... عبد الوهاب الدكالي يودع «كان يا ما كان»

الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)
الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (ويكيبيديا)

غيَّب الموت، صباح اليوم الجمعة، الموسيقار المغربي عبد الوهاب الدكالي عن عمر ناهز 85 عاماً، بعد صراع مع المرض لم يمهله كثيراً، ليرحل تاركاً وراءه خزانة موسيقية تعد من أنفس ذخائر الفن العربي المعاصر، وصفحة مطوية من زمن الريادة الذي صاغ هوية الأغنية المغربية الحديثة.

وبوفاة الدكالي، تفقد الساحة الفنية العربية، ليس فقط مطرباً وملحناً، بل «مؤسسة فنية» متكاملة الأركان، فالرجل الذي لُقب بـ«العميد»، لم يكن مجرد مؤدٍّ للألحان، بل كان مثقفاً موسيقياً استطاع بعبقريته الفذة أن ينقل الأغنية المغربية من نطاقها المحلي الضيق إلى رحابة العالمية، جامعاً في نسيجه اللحني بين أصالة المقامات الشرقية، وخصوصية الإيقاع المغربي، وروح التجديد الغربي.

فلسفة اللحن والأداء

بدأت رحلة الدكالي في مدينة فاس العريقة عام 1941، حيث تشبع بروح الأندلس وعمق التراث، لكن طموحه كان يرمي دوماً إلى ما وراء الأسوار. انطلق في أواخر الخمسينات، وفي حقبة الستينات والسبعينات، كان قد نجح بالفعل في نحت شخصية فنية فريدة، فهو «المسرحي» الذي يجسد الأغنية بحركات جسده وتعبيرات وجهه، وهو «التشكيلي» الذي يرسم باللحن صوراً شعورية معقدة.

خلّف الراحل إرثاً يصعب حصره، لكن تظل أيقونته «مرسول الحب» بمثابة النشيد العابر للأجيال والجغرافيا، وهي الأغنية التي كسرت حواجز اللغة واللهجة، وظل يرددها العرب من المحيط إلى الخليج لعقود. كما شكلت أعمال مثل «كان يا ما كان»، و«ما أنا إلا بشر»، و«أنا والغربة»، محطات فاصلة في تاريخ التلحين العربي، حيث قدم فيها الدكالي حلولاً موسيقية مبتكرة، تميزت بالدراما والعمق الفلسفي.

الموسيقار المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي (و.م.ع)

تتويج بمداد الذهب

لم تكن مسيرة الدكالي مجرد أرقام أو سنوات، بل كانت سلسلة من الإنجازات التي وثقتها أرقى الجوائز والأوسمة. فقد توج الراحل بـ«الأسطوانة الذهبية» عن رائعته «ما أنا إلا بشر»، التي لا تزال تتردد في جنبات العالم العربي كواحدة من أيقونات الموسيقى الإنسانية.

وفي المغرب، ظل الدكالي رقماً صعباً في معادلة الإبداع، حيث انتزع الجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية بالمحمدية عام 1985 عن أغنيته الخالدة «كان يا ما كان»، ليعود ويؤكد علو كعبه بحصده الجائزة ذاتها في مهرجان مراكش عام 1993 عن أغنية «أغار عليك»، التي جسدت قدرته على تطويع المقامات الموسيقية برؤية عصرية.

ريادة عابرة للحدود

تجاوزت شهرة الدكالي الحدود الجغرافية، حيث فرض حضوره في القاهرة، قلب العروبة النابض بالفن، وظفر بـالجائزة الكبرى لمهرجان القاهرة سنة 1997 عن عمله الفلسفي «سوق البشرية». هذا الحضور الطاغي جعل الأنظار تتجه صوبه بوصفه رمزاً ثقافياً؛ إذ اختير أفضل شخصية في العالم العربي لعام 1991، بناءً على استفتاء أجرته مجلة «المجلة» الصادرة عن «الشركة السعودية للأبحاث والنشر»، وهو التكريم الذي يعكس مكانته المرموقة في وجدان الجمهور والمثقفين العرب على حد سواء.

تكريم الفاتيكان

ولم يتوقف صدى فنه عند حدود المنطقة العربية، بل امتد ليتلقى تقديراً عالمياً استثنائياً، حيث تم تكريمه من قبل الفاتيكان في مناسبتين، في لفتة تبرز البعد الإنساني والرسالة الحضارية التي كان يحملها في نوتاته الموسيقية، بوصفه فناناً يدعو للحب والسلام والتعايش.

وبين مرسمه في الدار البيضاء ومسارح العالم التي صفق لها الجمهور طويلاً، يترجل الفارس اليوم، لكن صدى صوته سيظل يتردد في أزقة فاس، وساحات الرباط، وقاعات الأوبرا، بوصفه سفيراً فوق العادة للجمال المغربي في أبهى تجلياته.

وبرحيله، تغيب شمس «الكان يا ما كان» التي أضاءت سماء الفن المغربي، لكن ألحانه ستظل حية، تحكي قصة فنان لم يكتفِ بالعزف على أوتار العود، بل عزف على شغاف قلوب الملايين.


فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
TT

فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)

في وقت تزايد المخاوف العالمية من الأمراض الفيروسية الناشئة، أعاد تفشّي فيروس «هانتا» على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، المتجهة من الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، إلى الواجهة التساؤلات بشأن احتمالية ظهور وباء جديد شبيه بجائحة «شبح كورونا»، بعدما أسفر الحادث عن ثلاث وفيات وعدد من الإصابات المؤكدة بين الركاب.

وبينما سارعت منظمة الصحة العالمية، الخميس، إلى التأكيد أن الوضع الراهن لا يشكّل «بداية جائحة» أو «وباء»، وأن خطر الانتشار الواسع لا يزال منخفضاً، يثير ظهور سلالة «الأنديز» - الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر - قلق الأوساط الصحية، خصوصاً مع تنقّل الركاب بين دول عدة قبل اكتشاف الإصابات.

وفيروس «هانتا» هو مجموعة من الفيروسات التي تنتقل أساساً من القوارض إلى الإنسان، وتسبب أمراضاً قد تصيب الجهاز التنفسي أو الكلى بدرجات متفاوتة من الخطورة. وتحدث العدوى غالباً عند استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز أو لعاب القوارض المصابة، خصوصاً في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية، كما يمكن أن تنتقل عبر ملامسة الأسطح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم، وفي حالات نادرة عبر عضّات القوارض.

ومعظم سلالات فيروس «هانتا» لا تنتقل بين البشر، إلا أن سلالة «الأنديز» الموجودة في أميركا الجنوبية تُعدّ الاستثناء الوحيد المعروف بقدرتها على الانتقال من شخص إلى آخر من خلال المخالطة الوثيقة.

ويضع هذا التفشّي المحدود العالم مجدداً أمام اختبار يتعلق بسرعة الاستجابة، وفاعلية أنظمة المراقبة الصحية، والاستعداد لاحتمالات تحوّل الفيروسات النادرة تهديدات أوسع نطاقاً.

هل يتحول جائحةً؟

وينتقل هذا المرض النادر والقاتل عادة عبر براز أو بول أو لعاب القوارض المصابة، غير أن منظمة الصحة العالمية أكدت عدم العثور على أي قوارض على متن السفينة.

ويقول اختصاصي الأمراض المعدية الدكتور ويليام شافنر إن فيروسات «هانتا» تنتقل عادة عبر ملامسة بول أو براز القوارض الصغيرة، موضحاً أن معظم سلالات الفيروس لا تنتقل من شخص إلى آخر.

لكنه أشار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلالة غير المعتادة المرتبطة بتفشّي العدوى على متن السفينة السياحية تختلف عن غيرها؛ إذ تمتلك القدرة على الانتقال بين البشر، وهي سلالة «الأنديز» المنتشرة في أميركا الجنوبية.

وأضاف أن التفشّي الحالي لا يزال محصوراً في عدد محدود من ركاب السفينة، ورغم احتمال تسجيل إصابات إضافية خلال الفترة المقبلة، فإنه من غير المرجح أن ينتشر الفيروس على نطاق واسع، مؤكداً أن الوضع الحالي لن يتحول جائحة أخرى مثل «كوفيد - 19».

جهود دولية للحد من انتشار فيروس «هانتا» (رويترز)

وأوضح شافنر أن فيروسات «هانتا» معروفة منذ فترة طويلة وليست فيروسات جديدة، كما أنها مستقرة جينياً ولا تتحور بسهولة، لافتاً إلى أنه من المتوقع ظهور معلومات إضافية مع استمرار التحقيقات بشأن التفشّي، لكن انتقال العدوى من الركاب إلى نطاق أوسع سيظل محدوداً على الأرجح.

بينما أكد استشاري الحساسية والمناعة، الدكتور مجدي بدران، أن فيروس «هانتا» يُعدّ من الفيروسات الخطيرة التي قد ترتفع معدلات الوفاة الناتجة منها في بعض الحالات، لكنه لا يمتلك حتى الآن الخصائص الوبائية التي تجعله قادراً على التحول إلى جائحة عالمية واسعة الانتشار على غرار فيروس كورونا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن معظم الإصابات تحدث نتيجة التعرض لبول القوارض أو فضلاتها أو لعابها، في حين يظل انتقال العدوى بين البشر نادراً للغاية ومحصوراً في ظروف محددة.

وأشار إلى أنه لا توجد حتى الآن أي أدلة علمية مؤكدة على ظهور طفرات جديدة في فيروس «هانتا» تزيد قدرته على الانتقال الفعّال بين البشر، مؤكداً أن «الفيروس لا يتمتع بسرعة انتشار عالية أو بقدرة وبائية واسعة».

ولفت إلى أن «فيروس الأنديز» في أميركا الجنوبية يُعدّ السلالة الوحيدة المعروفة التي ثبتت قدرتها المحدودة على الانتقال من شخص إلى آخر، إلا أن هذا الانتقال يحدث بشكل نادر جداً، وغالباً بعد مخالطة وثيقة ومطولة، خصوصاً بين أفراد الأسرة أو المخالطين المقربين.

وأضاف بدران أن «التاريخ سجل بالفعل حالات انتقال محدودة ومؤكدة للفيروس بين البشر، خصوصاً في الأرجنتين وتشيلي، لكن التحقيقات الوبائية أظهرت أن سلاسل العدوى كانت قصيرة ومحدودة، ولم تتطور إلى انتقال مجتمعي واسع أو مستدام كما حدث مع (كوفيد -19). كما ظلت العدوى المرتبطة بالمستشفيات والرعاية الصحية نادرة للغاية، في حين بقيت معظم الإصابات عالمياً مرتبطة بالتعرض المباشر للقوارض الملوثة بالفيروس».

وأوضح أن هناك عوامل عدة تمنع فيروس «هانتا» حالياً من التحول وباءً عالمياً سريع الانتشار، أبرزها أن الفيروس يعتمد أساساً على القوارض عائلاً طبيعياً، وليس على الانتقال البشري المستمر، كما أن معظم سلالاته لا تمتلك قدرة عالية على الانتشار عبر الهواء، إضافة إلى ضعف كفاءة انتقال العدوى بين البشر حتى في حالة فيروس الأنديز.

وأشار بدران إلى أن التفشّيات المسجلة تنتهي عادة بسرعة ولا تستمر داخل المجتمعات، فضلاً عن عدم رصد أي طفرات جينية تمنح الفيروس قدرة أكبر على العدوى البشرية.

وبيّن أن شدة المرض نفسها قد تحد من انتشاره؛ إذ تؤدي الأعراض القوية إلى تقليل حركة المصابين واختلاطهم بالآخرين، في حين يحتاج انتقال العدوى غالباً إلى ظروف بيئية محددة، مثل استنشاق جزيئات ملوثة بمخلفات القوارض.

وأضاف أن المصابين لا يفرزون كميات كبيرة من الفيروس تسمح بانتشاره على نطاق واسع، في حين تسهم إجراءات الصحة العامة، مثل مكافحة القوارض والعزل السريع للمصابين، في الحد من أي تفشّيات محتملة. وشدد بدران على أن المخاوف من حدوث «كورونا جديد» لا تدعمها أي مبررات علمية كافية.

خطر محتمل

بينما يشير أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة بجامعة مصر الدولية، الدكتور إسلام عنان، إلى أن فيروس «هانتا» يصنّف على أنه خطر وبائي محتمل، رغم أن ظهوره يعود إلى عقود طويلة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «بدايات اكتشاف المرض تعود إلى خمسينات القرن الماضي، عندما أُصيب عدد من الجنود خلال الحرب الكورية بأعراض غامضة، قبل أن يُشتق اسم الفيروس من نهر (هانتان) الفاصل بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، في حين لم يتمكن العلماء من عزل الفيروس معملياً إلا عام 1978».

وأضاف أن الفيروس عاد إلى الواجهة بقوة عام 1993، بعدما توفي عدد من الشباب في الولايات المتحدة نتيجة فشل تنفسي حاد، حيث جرى حينها اكتشاف سلالة شديدة الخطورة وصلت معدلات الوفاة فيها إلى نحو 50 في المائة، وكانت العدوى تقتصر على الانتقال من القوارض إلى الإنسان.

وتابع عنان أن «التحول الأبرز حدث عام 1995 مع ظهور سلالة (الأنديز) في أميركا الجنوبية، وهي السلالة الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر، وهي نفسها السلالة المرتبطة بالتفشّي الذي شهدته السفينة السياحية مؤخراً؛ ما أعاد المخاوف المتعلقة بإمكانية انتشار المرض إلى الواجهة الدولية».

وأوضح أن «العدوى تنتقل إلى الإنسان غالباً عبر استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز القوارض، خصوصاً بعد جفاف هذه المخلفات وتحولها جسيمات دقيقة قابلة للانتشار في الهواء؛ ما يزيد احتمالات انتقال الفيروس. كما توجد سلالات مختلفة من فيروس (هانتا) حول العالم؛ إذ تنتشر بعض السلالات في آسيا وأوروبا وتهاجم الكلى مسببة حالات فشل كلوي، في حين تنتشر سلالات أخرى في الأميركيتين وتستهدف الرئتين؛ ما قد يؤدي إلى فشل تنفسي حاد وسريع».

وعن احتمالات تحول الفيروس وباءً عالمياً، يشير عنان إلى أنه رغم تأكيد منظمة الصحة العالمية أن مستوى الخطر العالمي لا يزال منخفضاً، فإن هناك مخاوف متزايدة من تأثيرات التغير المناخي، خصوصاً مع احتمال تسبب ارتفاع درجات الحرارة في اتساع نطاق انتشار القوارض الحاملة للفيروس ووصولها إلى مناطق جديدة.

وفيما يتعلق بالعلاج، أوضح أنه «لا يوجد حتى الآن علاج نوعي مخصص لفيروس (هانتا)؛ إذ تعتمد الرعاية الطبية الحالية على علاج الأعراض وتقديم الرعاية الداعمة، مع إمكانية استخدام بعض مضادات الفيروسات في حالات محددة. كما لا يتوافر لقاح معتمد للمرض حتى الآن، إلا أن هناك لقاحات عدة لا تزال قيد التطوير والدراسة».