الشامي يُحيي «أعياد بيروت» ويزفُّ العاصمة عروس الصيف

جمهور شبابي هتف وغنّى حتى اللحظة الأخيرة

استقبله في «أعياد بيروت» جمهور غفير (الشرق الأوسط)
استقبله في «أعياد بيروت» جمهور غفير (الشرق الأوسط)
TT

الشامي يُحيي «أعياد بيروت» ويزفُّ العاصمة عروس الصيف

استقبله في «أعياد بيروت» جمهور غفير (الشرق الأوسط)
استقبله في «أعياد بيروت» جمهور غفير (الشرق الأوسط)

الزمان: العاشرة مساء، والمكان: الواجهة البحرية في العاصمة، والمناسبة: مهرجان «أعياد بيروت»، أما المشهد فسريالي بامتياز، بطله الفنان الشامي. بهذه الكلمات يمكن اختصار حفل الفنان السوري، الذي كانت العاصمة على موعد معه للسنة الثانية على التوالي، وبزحف بشري هائل افتتحه. البعض حجز مكاناً له وقوفاً قرب المسرح، والبعض الآخر جلس على المدرّجات. أما وجه التشابه الوحيد بين الجميع فكان الحماسة الفائقة.

معظم الحضور كان من جيل الشباب الذي حفظ كلمات أغنيات الشامي وتماهى مع موسيقاها. وكأنّ التاريخ يعيد نفسه ضمن مشهدية بصرية لم تتبدّل. فالعام الماضي، اكتظَّ مسرح «أعياد بيروت» بمحبّي هذا الفنان، فأحاطوا بالخشبة وملأوا المقاعد ليُشكلوا أمواجاً بشرية لا تكفّ عن الغناء معه منذ بداية السهرة حتى نهايتها. وهذه السنة، المشهد يعيد نفسه وتنجح «أعياد بيروت» مرة جديدة بخياراتها الفنّية، فتُقدّم سهرة من العمر مع فنان حقَّق حالة فنّية فريدة من نوعها.

في ختام السهرة غنّى «دكتور» للمرة الثانية (الشرق الأوسط)

بالأبيض، أطلَّ الشامي على جمهور غفير راح يصرخ فرحاً إيذاناً ببداية الحفل. وبعد إنشاده أولى أغنيات الأمسية، «جيناك»، ألقى التحية على الحضور: «تقبرني هالوجوه الحلوة وهالمسا الرايق»، ليقدّم بعدها أغنيته الثانية «خدني» على وقع هتافات متتالية من محبّيه. ولعلّ عبارة «قامت الدنيا ولم تقعد» تختصر مجريات هذه السهرة منذ بدايتها حتى نهايتها، فالشامي زفَّ بيروت عروس الصيف، ووشّحها بالفرح الذي افتقدته مدّة طويلة. فجاءت «أعياد بيروت» لتعيد إليها مكانتها الفنية الرائدة، بمشهد تلألأت فيه ملامح العاصمة التي لا تُقهَر. وضخَّ في عروقها الشباب الدائم، فنفضت عنها غبار زمنٍ أسود إلى غير رجعة.

لوَّن الشامي الحفل بأنغام أعماله المختلفة وتفاعل معها رقصاً أحياناً، كما في «خدني» المصرية، وليشكّل حماسة الجمهور خلفية تُلازمه مثل ظلّه. فهو حفظ كلمات أغنياته، وراح يردّدها معه مثل كورال متمرِّس بإنجاز مهمّته.

وعلى مدى ساعة، أبقى الحضور على أجهزة «الموبايل» مضاءة، تنقل الحدث بالصوت والصورة. ولم يتوانَ كثيرون عن رميها على الخشبة، على أمل أن يردّها لهم الشامي بعد «سِيلفي» سريعة يلتقطها لنفسه.

رحَّب الشامي بأهالي بيروت ومختلف المناطق اللبنانية الذين شاركوه نكهة الاحتفال. وسأل عمّا إذا كان بين الحضور مَن جاء من الشام، فتعالت الصيحات جواباً واضحاً على سؤاله.

وصف الشامي حفله في «أعياد بيروت» بالمميّز بسبب حضور والديه (الشرق الأوسط)

وحضَّ جمهوره أكثر من مرة على المشاركة بأداء أغنياته بصوت مرتفع، مذكّراً الجالسين في المقاعد الخلفية بذلك. وعندما أعلن نيّته غناء «دكتور»، سبقه الحضور إلى ترداد كلماتها: «رميتني من حصاني ويا ميمي أنا خيال، خابوا كل ظناني ويا ويلو شو خوان. رميتني من حصاني ويا ميمي أنا خيال، خابوا كل ظناني ويا ويلو شو خوان، دكتور».

أغاني الشامي التي تحصد منذ بداية مشواره نجاحات متتالية، هي من كلماته وألحانه. وتتميَّز بفرادة نغماتها وعباراتها، ولا تُشبه الأعمال الفنّية على الساحة. فابن الأعوام الـ23 خلق حالة وصفها البعض بأنها شبيهة بتلك التي حققها عمالقة الفنّ في السبعينات. وهو اشتهر بأسلوب غنائي يمزج بين الموسيقى الشرقية والغربية، بصوته القوي وأدائه العاطفي الذي يلامس القلوب. ولم تفلت أيُّ من أغنياته من تحقيق ملايين المشاهدات. وشكّلت أغنيته «يا ليل ويا العين» باكورتها، فحصدت نجاحاً باهراً منذ اللحظة الأولى لإصدارها، محقّقةً مشاهدات عالية على وسائل التواصل الاجتماعي.

لم يكن حفل «أعياد بيروت» بالنسبة إلى الشامي مناسبة عادية، وخلاله أعلن سعادته الكبيرة بحضور والديه بين الجمهور. فبعد غياب طويل عنهما، التقاهما في لبنان، واستطاعت «أعياد بيروت» أن تتوّج هذا اللقاء ليبقى ذكرى لا تُنسى في قلب الفنان، كما قال خلال السهرة.

لم تتبدَّل مشهدية الحماسة والتفاعل مع الشامي منذ بداية الحفل حتى نهايته، وارتفعت إلى ذروتها مع أغنيات «صبرا صبرا»، و«يا ليل ويا العين»، و«ملكة جمال الكون». واختار من ألبومه الجديد «بس ما تفل»، التي يؤدي فيها النمط الرومانسي للمرّة الأولى.

وكذلك غنّى «سميتك سما» و«ليلى»، وأعاد غناء «دكتور» مرة ثانية قبل أن يعلن ختام السهرة مؤدياً «شوفي نجمك ماما»، واصفاً هذه الليلة بأنها فريدة من نوعها: «كل السهرات التي سبق أن أحييتها بكفّة، وهذه الحفلة بكفّة أخرى، لأن والديّ يحضرانها».

ردَّد الحضور كلمات أغنياته منذ بداية السهرة حتى نهايتها (الشرق الأوسط)

وتستمر حفلات «أعياد بيروت» ببرنامجها الفني المنوّع، من تنظيم «ستار سيستم» و«غات» و«تويو توسي»، فيعتلي خشبتها الفنان جوزيف عطية في 22 يوليو (تموز). وفي اليوم التالي، يقدّم الكوميدي جون أشقر مسرحيته، ليشارك في الحدث للسنة الثانية على التوالي. وفي 24 منه، يحيي «أعياد بيروت» الفنان آدم، ويقدّم غي مانوكيان في 25 ليلة موسيقية بعنوان «بيروت إلى الأبد». أما مسك الختام فيكون مع إليسا في 28 من الحالي، وتحمل الأمسية الفنّية التي تحييها عنوان «حبّك متل بيروت».


مقالات ذات صلة

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))
يوميات الشرق المخرج أشرف فايق يعلن انسحاب الوفد المصري (حسابه في فيسبوك)

خلاف بين مخرج مصري وإدارة «مهرجان نينوى» يثير الجدل حول مشاركة النجوم

أكدت إدارة المهرجان اعتزازها بمشاركة الفنانين المصريين في دورتيه.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق من «المواطن أسامة» (فيلكام)

في ختام مهرجان تورنتو: 430 فيلماً وعشرة أعمال تستحق المشاهدة

يصل مهرجان تورنتو السينمائي، اليوم (الأحد)، إلى ختام دورته الحادية والخمسين، في نسخة استثنائية يصعب وصفها إلا بأنها أكبر من قدرة حتى أكثر عشاق السينما شغفاً…

محمد رُضا (تورنتو - كندا)
يوميات الشرق نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)

«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

للمرة الثالثة عشرة على التوالي، يجتمع أهل الفن من أجل الاحتفاء بالسينما في طرابلس. هذه المرة كان الجمع أكبر في افتتاح «مهرجان طرابلس للأفلام».

سوسن الأبطح (بيروت)
شؤون إقليمية رسم على جدار في أسدود بجنوب إسرائيل يصور مخرجَيْ فيلم «نازا» وقد كُتبت عليهما كلمة «خائنان» بالعبرية (رويترز)

الغضب الإسرائيلي من فيلم «نازا»... هل يستطيع دفن معلوماته الصادمة؟

تعهَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسن قانون يقضي بإسقاط الجنسية عن كل من يشوه سمعة جنود إسرائيل وبتكبيده خسائر مالية فادحة.

نظير مجلي (تل أبيب)

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
TT

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)

تُعرَض في باريس، اليوم الاثنين، مجموعة من المقتنيات الشخصية للممثلة الفرنسية الراحلة بريجيت باردو، في مزاد يستعيد محطات من حياةِ واحدة من أشهر نجمات السينما الفرنسية في القرن العشرين، ويكشف جانباً من تفاصيل حياتها بعيداً عن الأضواء التي رافقتها خلال عقود من الشهرة، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار مزادات «ميلون» إن أكثر من 280 قطعة من مقتنيات باردو ستُطرَح للبيع، بينها تماثيل صغيرة ودُمى محشوة وتذكارات شخصية وأغراض استخدمتها في حياتها اليومية. وتأتي المعروضات من عقارات كانت تملكها الممثلة في سان تروبيه، ولا مادراج، ولا جاريج، إضافة إلى شقتها الباريسية في شارع رو دو لا تور.

ومِن أبرز القطع المعروضة آلة كاتبة من ماركة «أوليفيتي»، استخدمتها باردو في كتابة الجزء الثاني من مذكراتها، إلى جانب أحذية باليه من علامة «ريبيتو»، وصور وتذكارات ومجموعة من الأغراض الشخصية الصغيرة التي تعكس تفاصيل من حياتها الخاصة.

وتتراوح القيمة التقديرية للقطع بين 20 يورو و10 آلاف يورو، في حين تقل قيمة معظم المعروضات عن 100 يورو. وتذهب عائدات المزاد إلى مؤسسة بريجيت باردو، وإلى ابنها الوحيد نيكولا-جاك شارييه.

كانت باردو، التي تُوفيت في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن 91 عاماً، قد صنعت شهرتها في خمسينات وستينات القرن الماضي، وأصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية في السينما الفرنسية. وجاءت انطلاقتها العالمية خصوصاً مع فيلم «وخلق الرب المرأة» في عام 1956، من إخراج روجيه فاديم، الذي منحها حضوراً لافتاً على الشاشة وجعل اسمها معروفاً خارج فرنسا.

وخلال مسيرتها السينمائية، شاركت باردو في عشرات الأفلام؛ من بينها «الحقيقة» و«الاحتقار» للمخرج جان-لوك غودار، إلى جانب أعمال كوميدية ودرامية رسخت صورتها بوصفها واحدة من أبرز نجمات السينما الأوروبية في تلك المرحلة.

لكن باردو قررت، في سن مبكرة نسبياً، الابتعاد عن صناعة السينما، مُنهية مسيرتها الفنية وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، لتتجه، بصورة متزايدة، إلى الدفاع عن حقوق الحيوانات. وفي عام 1986، أسست مؤسسة تحمل اسمها، كرّست جهودها لحماية الحيوانات ومناهضة إساءة معاملتها.

ويمنح المزاد الحالي فرصة لجمهور السينما وهواة جمع التذكارات للاطلاع على مقتنيات مرتبطة بمراحل مختلفة من حياة باردو؛ من سنوات الشهرة السينمائية، إلى حياتها الخاصة ونشاطها في مجال الرفق بالحيوان. وبين آلة كاتبة وأحذية باليه وصور وتذكارات بسيطة، تستعيد القطع المعروضة جانباً شخصياً من حياة نجمة بقي حضورها مرتبطاً بتاريخ السينما الفرنسية، حتى بعد مغادرتها الشاشة.


«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
TT

«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ليست كل الأفلام الوثائقية تُولد من فكرة سينمائية، فبعضها يخرج من قلب تجربة شخصية يصعب على أصحابها فهمها قبل روايتها، ومن بينها الوثائقي السويسري «أحبك... وأتركك» (I LOVE YOU, I LEAVE YOU)، للمخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، الذي يقترب من الاضطراب ثنائي القطب عبر أكثر زواياه حساسية، ليس من منظور المريض وحده، بل من منظور الصديق الذي يقف عاجزاً وهو يشاهد شخصاً يعرفه منذ سنوات طويلة يتبدل أمام عينيه.

لا ينشغل الفيلم الذي عرض في «مهرجان لوكارنو السينمائي» بسويسرا بتفسير المرض أو البحث عن أسبابه، بقدر ما يتأمل أثره في العلاقات الإنسانية، حيث تصبح الصداقة امتحاناً يومياً، ويتحول السؤال الأكثر إلحاحاً إلى: كيف يمكن الوقوف إلى جوار من نحب، من دون أن نصادر حريته أو نفقده في الوقت نفسه؟

تنطلق أحداث الفيلم مع الموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو، الذي يعود إلى أنغولا، مسقط رأس والده، بعد أكثر من 15 عاماً من الغياب، لإحياء حفل موسيقي، غير أن الرحلة، التي تبدأ بوصفها عودة إلى الجذور واستعادة لجزء من هويته العائلية، تتحول تدريجياً إلى مواجهة مع أسئلة الانتماء والذاكرة، قبل أن تقوده إلى نوبة هوس جديدة تقلب حياته رأساً على عقب.

ومع عودته إلى سويسرا، يجد أفراد أسرته وأصدقاؤه أنفسهم أمام واقع شديد التعقيد، وهم يحاولون مساعدته على تجاوز نوبة الهوس وإبعاده عن العودة إلى المستشفى النفسي. ومن خلال تلك الرحلة، يقترب الفيلم من جميع الشخصيات من دون أحكام مسبقة، فلا ينحاز إلى طرف على حساب آخر، ولا يبحث عن بطل أو ضحية، بقدر ما يتتبع الأعباء التي يفرضها المرض على كل من يحيط بالمصاب، حيث يصبح كل قرار، مهما بدا صائباً، قابلاً للتشكيك، ولا تبدو أي إجابة نهائية أو مطمئنة.

المخرج السويسري اعتمد على تجربة شخصية مع أحد أصدقائه (الشركة المنتجة)

ويكشف المخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، في لقاء عبر «زووم» لـ«الشرق الأوسط» عن أن الفيلم بدأ كامتداد لعلاقة صداقة تجمعه بالموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو منذ أكثر من 20 عاماً.

ويقول إنهما كبرا معاً، وشهدا محطات كثيرة في حياة كل منهما، بما في ذلك النوبات التي مر بها دينو، وهو ما جعل فكرة تحويل هذه التجربة إلى فيلم قراراً بالغ الحساسية بالنسبة له، لأن الكاميرا هذه المرة كانت ستقترب من صديق يعرفه جيداً، وليس من شخصية يلتقيها من أجل التصوير فقط.

ويضيف أن «المبادرة جاءت من دينو نفسه، بعدما خرج من أحد المستشفيات النفسية، حيث كان يقضي فترة علاج تخللتها أيام من العزل، وما إن استعاد هاتفه الجوال حتى أرسل إلي رسالة قصيرة كتب فيها (حان وقت الجزء الثاني)».

ويوضح أن هذه العبارة لم تكن مفهومة إلا لهما، إذ سبق أن أنجزا قبل أكثر من 10 أعوام فيلماً روائياً قصيراً استوحياه من أول نوبة هوس مر بها دينو، وكانت تلك التجربة محاولة لاستيعاب ما عاشاه معاً أكثر من كونها مشروعاً سينمائياً، لذلك، أدرك فور قراءته الرسالة أن صديقه لا يقترح مجرد فيلم جديد، وإنما يدعوه إلى استكمال حكاية بدأت قبل سنوات، لكن هذه المرة من قلب الواقع، لا عبر إعادة تمثيله.

ويقر فرايبورغهاوس بأنه لم يشارك صديقه حماسه منذ اللحظة الأولى، إذ زاره بعد خروجه من المستشفى، لكنه خرج مقتنعاً بأن دينو لا يزال تحت تأثير نوبة الهوس، وأن أي قرار يتخذه في تلك المرحلة لا يمكن اعتباره تعبيراً كاملاً عن إرادته.

قدم المخرج توثيقاً لمعاناة صديقه من الاضطراب ثنائي القطب (الشركة المنتجة)

ويضيف أن «المشروع تأجل قرابة 6 أشهر، حتى استعاد دينو قدراً من الاستقرار، وعندها فقط بدأ العمل الحقيقي على الفيلم، لكن حتى في تلك المرحلة لم يكن الشكل النهائي قد تبلور بعد، إذ كانت الخطة الأصلية مختلفة تماماً عما شاهده الجمهور لاحقاً».

ويكشف أن تصوره الأول كان يقوم على إعادة بناء النوبة السابقة من خلال مقابلات مع أفراد العائلة والمقربين، والاستعانة بالوثائق الطبية، بحيث يعود الفيلم إلى الماضي ويحاول تفكيكه، غير أن مسار الأحداث فرض اتجاهاً آخر، فبينما كان يجري مقابلات بحثية مع دينو وأسرته، تعرض الأخير لنوبة هوس جديدة، وهو ما دفع الفريق إلى إعادة التفكير في المشروع بأكمله.

ويرى المخرج أن «تلك اللحظة كانت نقطة التحول الحقيقية، لأن الفيلم توقف عن استعادة ما حدث، وبدأ يعيش ما يحدث بالفعل»، مشيراً إلى أن «قرار التصوير جاء استجابة لواقع فرض نفسه على الجميع، ولذلك اكتسب العمل صدقه، لأنه لم يحاول صناعة الدراما، بل وجدها تتكشف أمامه يوماً بعد آخر»، وفق قوله.

غير أن التحول الأكبر، بحسب فرايبورغهاوس، لم يكن فنياً بقدر ما كان أخلاقياً، فكلما تقدمت مراحل العمل، وجد نفسه يواجه سؤالاً أكثر تعقيداً من أي سؤال سينمائي: هل يحق له أن يكشف هذا القدر من خصوصية أقرب أصدقائه أمام الجمهور؟

ويقول إنه «خلافاً لما قد يعتقده البعض، كنت الشخص الأكثر تردداً داخل المشروع، إذ لم أتوقف عن سؤال دينو إذا ما كان متأكداً من رغبته في إنجاز الفيلم، ثم في عرضه أمام الجمهور، فالتصوير مرحلة يمكن التراجع عنها، أما إطلاق الفيلم فيعني أن الحكاية ستصبح ملكاً للمشاهدين».

ويستعيد فرايبورغهاوس أصعب لحظة واجهها خلال التصوير، مؤكداً أنها لم تكن مرتبطة بصناعة الفيلم بقدر ما كشفت عن هشاشة الحدود الفاصلة بين المخرج والصديق، لافتاً إلى أن المشهد الأكثر قسوة وقع عندما أوقفت الشرطة دينو أمام عينيه خلال إحدى نوبات الهوس، بينما وجد نفسه عاجزاً عن الاقتراب منه أو حتى التدخل لمساعدته، مكتفياً بمراقبة ما يحدث من بعيد.

ويؤكد أن تلك الواقعة دفعته إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ينبغي أن تُروى بها القصة، إذ رفض البحث عن صور بديلة أو إعادة تمثيل ما جرى، مفضلاً أن ينقل الحدث كما هو، من خلال نص قصير يظهر على الشاشة، تاركاً للمشاهد مساحة لتخيل تفاصيله، بدلاً من فرض صورة قد تنتقص من صدقه الإنساني.


«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.