قراصنة «إكس» يُقحمون «إلمو» المحبوب في شَرَك السياسة

كيف تحوّلت دمية «عالم سمسم» إلى شخصية مؤثّرة يتابعها الكبار قبل الصغار؟

شخصية «عالم سمسم» المحبوبة «إلمو» ضحية قرصنة على منصة «إكس» (أ.ب)
شخصية «عالم سمسم» المحبوبة «إلمو» ضحية قرصنة على منصة «إكس» (أ.ب)
TT

قراصنة «إكس» يُقحمون «إلمو» المحبوب في شَرَك السياسة

شخصية «عالم سمسم» المحبوبة «إلمو» ضحية قرصنة على منصة «إكس» (أ.ب)
شخصية «عالم سمسم» المحبوبة «إلمو» ضحية قرصنة على منصة «إكس» (أ.ب)

استفاق مستخدمو منصة «إكس» صباح الاثنين، على منشوراتٍ صادمة صادرة من حساب «إلمو»، شخصية «عالم سمسم» المحبوبة.

أمام أكثر من 650 ألف متابع، دعا «إلمو» إلى «إبادة اليهود» ضمن مجموعة من المنشورات المعادية للساميّة: «يقول إلمو إن كل اليهود يجب أن يموتوا. اليهود يحكمون العالم ويجب أن يُبادوا». وجّه سهامه كذلك ضد دونالد ترمب قائلاً إنه «دمية نتنياهو؛ لأنه موجود في ملفات إبستين»، في إشارة إلى فضائح جيفري إبستين الجنسية التي وقع ضحيتها أطفال وقُصّر.

لكن لماذا تُقحم الدمية الحمراء ذات الشعبية العالمية نفسها في قضايا سياسية شائكة؟ سارعَ صنّاع المسلسل إلى الإجابة بتأكيد أنه جرى اختراق حساب «إلمو» ونشر «رسائل عنصرية مقرفة» من خلاله، وقد عمدوا إلى محو المنشورات بعد نصف ساعة على عملية القرصنة.

منشورات عنيفة ومعادية للساميّة نُسِبت إلى «إلمو» بعد اختراق حسابه (إكس)

«إلمو يطمئنّ فقط»

بدت تلك المنشورات نافرة ومستغربة؛ ليس لمحتواها العنيف فحسب؛ بل لأنّ سمة «إلمو» الأساسية هي اللطف. وغالباً ما تُوظّف هذه الشخصية في حملاتٍ توعويّة خاصة بالصحة النفسية.

يتصدّر صفحة «إلمو» على منصة «إكس» منشور يتواصل فيه مع متابعيه: «إلمو يطمئنّ فقط! كيف حال الجميع؟». أثار ذاك السؤال البسيط الذي طُرح في نهاية يناير (كانون الثاني) 2024 عاصفة من التفاعل آنذاك، وكأنّ الناس وجدت في هذا الرأس الأحمر اللطيف المبتسم، الشخص الذي يكترث لحالِهم بصِدق. شارَكوه همومهم المتعلّقة بالعمل، بينما اشتكى آخرون من غلاء المعيشة، وذهب بعضهم إلى الحديث عن مشكلاتهم العائلية.

جمعَ المنشور أكثر من 20 ألف إجابة، و62 ألف إعادة نشر، إضافة إلى 163 ألف إعجاب من أصل 224 مليون مُشاهدة.

الاستراتيجية خلف الشخصية

صحيح أن «إلمو» يتوجّه أساساً إلى الأطفال، ولكن فورة وسائل التواصل الاجتماعي قرّبته خلال السنوات الأخيرة من الجمهور البالغ. وقد أدرك فريق «عالم سمسم» أنّ الكبار يتماهون مع المحتوى المتعلّق بالصحة النفسية، فجعلوه اختصاص «إلمو».

في نهاية 2024، ظهر الممثل أندرو غارفيلد، المعروف بأداء شخصية «سبايدرمان»، في فيديو إلى جانب «إلمو». في حوارٍ جمع بين البراءة والحكمة، تحدّثا عن مواجهة الفراق والحِداد على وفاة شخصٍ قريب. فتح غارفيلد قلبه لـ«إلمو»، وأخبره أنه مشتاق لوالدته التي توفيت قبل فترة وجيزة. بدا الكائن الأحمر الصغير مستمعاً جيداً، مُظهراً لغارفيلد كثيراً من التفهّم والتعاطف.

حصد ذلك الفيديو 14 مليون مشاهَدة على «إنستغرام»، مكرّساً «إلمو» مرة جديدة سفيراً للّطف والاهتمام بالآخرين وبصحتهم النفسية.

منذ انطلاقته عام 1969، تحوّل مسلسل «عالم سمسم» (Sesame Street) الأميركي إلى ظاهرة ثقافية. تخطّى حدود التلفزيون، فانتقلت شخصياته إلى الكتب، والسلع التجارية، وألعاب الفيديو، ولاحقاً إلى صفحات التواصل الاجتماعي.

وعندما انضمّ «إلمو» إلى المجموعة عام 1985، سلب الأضواء من بقية الشخصيات، فصار الأحبّ إلى القلوب. لمسَ المعدّون شعبيّته، فابتكروا له فقرته الخاصة والثابتة مع تبدّل المواسم. ثم بات يتنقّل ضيفاً من برنامجٍ تلفزيوني إلى آخر، ويشارك في أفلام هوليوودية. أما عام 1996، فغزت دمية «Tickle Me Elmo» الأسواق، وسعى الصغار والكبار على حدٍّ سواء إلى اقتنائها.

تخطّت شعبية «إلمو» حدود البرنامج التلفزيوني فتحول إلى شخصية عامة (رويترز)

أسرار جاذبية «إلمو»

من الإطلالة الأولى، ارتبطت شخصية «إلمو» باللون الأحمر الفاقع، وبالأنف الأصفر الكبير، والعينين الجاحظتين. هذا المظهر الثابت والجذّاب بفرائه الناعم والابتسامة التي لا تفارق ثغره الواسع، لعب دوراً أساسياً في تفاعل الجمهور مع الشخصية. تُضاف إلى ذلك نبرة الصوت العالية والضحكة الرنّانة التي يتميّز بها.

أما عندما يتحدّث عن نفسه، فيستخدم «إلمو» صيغة الغائب: «إلمو يحبّك»: «إلمو يريد تناول المثلّجات»... وهذه الصيغة تزيده تحبُّباً.

يتميز «إلمو» بمظهره الخارجي الذي التصق في ذاكرة الكبار والصغار (إنستغرام)

من بين الأمور التي جعلت «إلمو» مختلفاً عن سواه من شخصيات السلسلة، تهذيبُه وكثرة استخدامه لعبارات مثل: «لو سمحت»، و«شكراً». تأثّر الصغار بهذا اللطف الذي لمس الكبار كذلك. مع العلم بأنّ «إلمو» صُمم أساساً بهدف التوجّه إلى الأطفال المتراوحة أعمارهم بين سنتين و4 سنوات، إلا أنه نجح في الوصول إلى الفئات السنِّية كافة.

على المستوى النفسي، تكمن أهمية «إلمو» كذلك في تناوله مواضيع إنسانية، كالصداقة، والمشاعر المتنوعة التي تنتاب المرء من الحزن إلى الفرح، مروراً بالغضب، وغيرها من عواطف إنسانية أساسية. وفي وقتٍ يساعد هذا الأمر الأطفال على التعبير عمّا يختلج نفوسهم، يسهّل كذلك على الكبار تقبّل فكرة أن التعبير العاطفي مشروع، مقابل ثقافة كبت المشاعر والاستقواء عليها.

جذب «إلمو» إلى عالمه مشاهير كُثراً. إلى جانبه ظهرت سيدة أميركا الأولى السابقة هيلاري كلينتون، وكذلك فعلت نظيرتها ميشيل أوباما. كما انضمّ إلى حلقاته ممثلون، مثل: روبن ويليامز، وآدم ساندلر، وجنيفر غارنر، وووبي غولدبرغ. وللمغنّين حصتهم كذلك، ومن بينهم: برونو مارس، وأليشيا كيز، وكيتي بيري، وبيونسيه.

الممثل الراحل روبن ويليامز برفقة «إلمو» (موقع عالم سمسم)

بلغت رسالة «إلمو» الإنسانية ذروتها عام 2011، من خلال وثائقي تناول سيرته بوصفه دمية متحرّكة، بعنوان «Being Elmo: A Puppeteer’s Journey». وقد أضاء الفيلم على السعادة التي يجلبها «إلمو» للأطفال في مراحل مرضهم المتقدّمة والأخيرة.

تلعب شخصية «إلمو» دوراً محورياً في التخفيف عن الأطفال المرضى جسدياً ونفسياً (موقع عالم سمسم)

الدعم العاطفي في الزمن الافتراضي

بلغ «إلمو» عامه الأربعين؛ لكنه لم يعرف شباباً كالذي يعيشه اليوم. فبفضل منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك»، أعيد إحياء الشخصية، وقد وجد جيل الألفيّة وجيل «زد» على حدٍّ سواء متعة في شخصيته البريئة والذكية في آن.

يحب الجميع صدقه العاطفي، وقدرته على الدهشة، وعزفه الفوضوي على البيانو، وحتى غضبه العابر، وردود فعله التي تحولت إلى «ميمز» واسعة الانتشار.

«إلمو» مزيج فريد بين شخصية تثقيفية للصغار وشخصية مُريحة ومضحكة وأليفة للبالغين الباحثين عن الطفولة، أو الضحك، أو عن القليل من الدعم العاطفي.


مقالات ذات صلة

«أكواريبيا القدية» يستقبل زواره 23 أبريل

يوميات الشرق يضم متنزه «أكواريبيا القدية» 22 لعبة وتجربة مائية مبتكرة (واس)

«أكواريبيا القدية» يستقبل زواره 23 أبريل

حدَّدت مدينة القدية (جنوب غربي الرياض)، الخميس 23 أبريل الحالي، موعداً للافتتاح الرسمي لثاني أصولها الترفيهية، متنزه «أكواريبيا» المائي الأكبر بالشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق شهد قطاع الترفيه في السعودية تنظيم 1690 فعالية بإجمالي 75 ألفاً و661 «يوم فعالية» خلال عام 2025 (موسم الرياض)

قطاع الترفيه السعودي يجذب 89 مليون زائر خلال 2025

جذب قطاع الترفيه في السعودية خلال عام 2025 أكثر من 89 مليون زائر؛ مما يعكس حجم الحراك والنمو الذي يشهده، ضمن منظومة تستهدف رفع جودة التجربة، وتعزيز الامتثال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق احتفالات وفعاليات ممتعة ضمن فعاليات العيد في «بوليفارد وورلد» (موسم الرياض)

العيد في السعودية: فعاليات متنوعة وعروض فنية تُغطي مختلف المناطق

عزَّزت «الهيئة العامة للترفيه» الأجواء الاحتفالية، من خلال باقة من الفعاليات والتجارب، مع الحرص على تحقيق الشمولية والتنوع خلال أيام العيد.

إبراهيم القرشي (جدة)
يوميات الشرق الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

قبل عقود على تسونامي الموسيقى الكورية الذي اجتاح العالم، ثلاث فتيات جلبن رياحاً كوريّة إلى لاس فيغاس. من هنّ «الشقيقات كيم»؟

كريستين حبيب (بيروت)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.