«جبال السروات» سجل تاريخي وثقافي حيّ

تزخر بكثير من النقوش والرسوم الصخرية التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة

البرق يعانق قمم جبال السروات بمنطقة الباحة (واس)
البرق يعانق قمم جبال السروات بمنطقة الباحة (واس)
TT

«جبال السروات» سجل تاريخي وثقافي حيّ

البرق يعانق قمم جبال السروات بمنطقة الباحة (واس)
البرق يعانق قمم جبال السروات بمنطقة الباحة (واس)

تمتد السلسلة الجبلية بمحاذاة الساحل الشرقي للبحر الأحمر وكانت مسرحاً لنهضة العديد من المجتمعات التاريخية التي أبقت لها أثراً شاهداً على حياتها بين القمم والصخور.

من الغابات، إلى القمم المطيرة، مروراً بالقرى التراثية العتيقة، والمزارع السخيّة، وقصور الحضارات الشاهقة، والنقوش التاريخية، تتشكل حكايات سلسلة جبال السروات، التي تمثل سجلاً تاريخياً وثقافياً حيّاً، ومتحفاً شاهداً على حكاية تكيّف الإنسان مع الظروف والبيئة والتحديات.

وتمتدّ السلسلة الجبلية بمحاذاة الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وتشمل جبال فيفاء، وعسير، والطائف، والحجاز، في الجزء الغربي من شبه الجزيرة العربية، وتكوّن بامتدادها الطولي الذي يبلغ 1550 كيلومتراً تقريباً داخل السعودية، وعرضها الذي يتراوح بين بضعة كيلومترات و140 كيلومتراً، مسرحاً لنهضة كثير من المجتمعات التاريخية التي أبقت لها أثراً شاهداً على حياتها بين القمم والصخور.

السحب البيضاء تغلّف جبال السروات في هدا الطائف (واس)

حكاية تكيف الإنسان مع البيئة

يقول أحمد بن إبراهيم، الذي عمل لنحو عقدين في تتبع المظاهر الطبيعية والبيئية في القطاع الجنوبي من سلسلة جبال السروات، إنها بيئة حيوية سخيّة بالتفاصيل، لا تكاد تبلغ الوسع في الإلمام بجزء مما احتفظت به الجبال في سفحها وتهامتها، إلا ناولتك آفاقاً جديدة للمعرفة والاكتشاف، التي تعكس حكاية تكيُّف إنسان المكان مع بيئته وظروفه وتحدياته، مضيفاً: «ما نجده من أشكال البناء، وإبداع أشكال المزارع، والأدوات التقليدية التي طورها الإنسان مع الوقت لأداء وظائفه اليومية بكفاءة تشكّل لنا صورة شِبه مكتملة عن طبيعة هذا التكيُّف، وهي تعبير عن تطلعات وتوقعات الإنسان من نفسه وبيئته».

ويشير بن إبراهيم إلى القرى التراثية الحجرية والحصون، التي شُيّدت في الأودية، وفي سفوح الجبال، وعلى القمم. وقد زار أغلب تلك القرى في المرتفعات الجنوبية للسروات، ويقول إن الخصائص الجغرافية الفريدة والمناخ المميز، وفّرت بيئة آمنة ومزدهرة للاستقرار والزراعة ومحطات للتجارة المحصنة عبر التاريخ.

ويضيف: «المظاهر الطبيعية والثقافية التي نلمس آثارها اليوم، هي ثمرة تكامل وتفاعل بين العناصر الطبيعية والبشرية، التي وظّفت بعبقرية ووعي، كل الفرص التي توفرها التضاريس المحلية والموارد الطبيعية على أكمل وجه».

وعلى مرّ الأجيال، طوّرت المجتمعات البشرية، المدعومة ببرودة الطقس وغزارة الأمطار، نظاماً زراعياً رائعاً، سمح بتنمية البساتين والحدائق على قمم الجبال والوديان شديدة الانحدار، ووجّهت المياه، وبنت مخازن حبوب أبراجية وخلايا نحل ضخمة مبنية من الحجر، شكّلت المشهد الطبيعي وتركت آثاراً مهمة، لا سيما في قرى، مثل ذي عين بمنطقة الباحة، التي يعود تاريخها إلى نهاية القرن العاشر الهجري، وقرية رجال ألمع، ويعود تاريخها إلى نحو 900 عام.

مقاري النحل الأثرية في قرى ميسان بني الحارث مصممة بطريقة هندسية متقنة (واس)

كما تزخر جبال السروات بكثير من النقوش والرسوم الصخرية التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة، مما يجعلها منطقة ذات أهمية أثرية وتراثية كبيرة.

ومن أهم النقوش والرسوم التي رصدها الباحثون في جبال السروات، النقوش الثمودية والنبطية، والرسوم الصخرية القديمة، بما في ذلك نقوش لحيوانات، مثل الأبقار والثيران. وقد شوهدت النقوش والرموز والعلامات المحفورة على الجبال، بالإضافة إلى الكهوف ومسارات الأودية التي تنتشر في المنطقة.

وتضم المرتفعات الغربية والجنوبية وسهولها وتهامتها عدداً من الأودية التي هيَّأت لانتشار مجموعات من النباتات والغابات والأشجار المثمرة، التي تعتمد على مياه الأمطار التي تهطل عليها في مواسم عدة خلال العام، بينما تضمّ جبالها مخزوناً من المعادن والصخور الصلبة الثمينة، وتتزين بالتكوينات الطبوغرافية المتنوعة والظواهر الجغرافية الغنيّة، التي يعود تكوينها لمئات الملايين من السنين، ومثلت حالة من التميُّز والتفرُّد للتشكيل الجمالي والتنوع الحيوي النباتي والحيواني العالي من حيث الكثافة والندرة.

ويزيد عدد الأنواع النباتية المسجَّلة في بعض المناطق المحمية على امتداد السروات، على 500 نوع من الأشجار والشجيرات والحشائش والنباتات الحولية والمعمرة. من أهمها أشجار العرعر والعتم والإبراه واللثب والعدن الصومل والظهيان والتمر الهندي، بالإضافة إلى مجموعة من النباتات الطبية والعطرية، مثل شجر الشث والبرك والريحان والعثرب.

بأحجار السروات... مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد يُجدّد مسجداً عمره 13 قرناً في الباحة (واس)

الهوية العمرانية لجبال السروات

عبر التاريخ، انعكس تنوُّع المناطق الجبلية والمناظر الطبيعية الثقافية الريفية لجبال السروات، في تقاليد معمارية غنية ومتعددة الأوجه، ووظَّف أبناء تلك المناطق بمهارة وكفاءة وذكاء مواد البناء المحلية (الخشب والحجر والطين) لبناء هوية عمرانية فريدة. وأدى المناخ المتميز بالصيف الحار، والشتاء البارد، والأمطار الموسمية، إلى تطور عِمَارَة تكيفت مع الطبيعة الجبلية وعكست توازناً اختاره الإنسان سبيلاً للتعايش والاستقرار.

حصون وقلاع شامخة شاهدة على أهمية ما قدمه الآباء والأجداد (واس)

وحسب «خريطة العمارة السعودية»، التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، والتي تشمل 19 طرازاً معمارياً مستوحى من الخصائص الجغرافية والثقافية للمناطق السعودية، فإن العمارة في جبال السروات تتسم بالمباني التقليدية المتضامة وذات الهيكل الهندسي من الحجر بأنماطه المميزة، حيث يتم استخدام الأحجار المحلية بألوانها المتعددة التي تتفاوت بين الأسود والبني إلى درجات البني والرمادي والأبيض.

وتتميز النوافذ بصغر حجمها مقارنةً بمساحة الجدران الكلية، وتكون غالباً عبارة عن فتحات صغيرة ذات إطار حجري أبيض، تضفي إحساساً بالمتانة والخصوصية. وعلى الرغم من أن البناء التقليدي في المناطق الجبلية يتخذ دوره الوظيفي، أساساً، لتلبية احتياجات السكان المحليين والتعامل مع الظروف المحيطة، فإنه لم يخلُ من البُعد الفني في رص الأحجار واختيار الأشكال، الأمر الذي ترك تراثاً عمرانياً مزدهراً وشاهداً على ثقافة إنسان المكان.


مقالات ذات صلة

«الخطوط السعودية» تمدد إلغاء رحلات إلى 4 مارس بسبب الأوضاع الراهنة

الخليج إحدى الطائرات التابعة لـ«الخطوط السعودية» (الموقع الإلكتروني للشركة)

«الخطوط السعودية» تمدد إلغاء رحلات إلى 4 مارس بسبب الأوضاع الراهنة

أعلنت «الخطوط السعودية» تمديد فترة إلغاء رحلاتها من وإلى عمّان، والكويت، وأبوظبي، ودبي، والدوحة، والبحرين، وموسكو، وبيشاور؛ وذلك بسبب استمرار الأوضاع الراهنة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج أثبتت منظومة الدفاع الجوي الملكي السعودي كفاءاتها خلال السنوات الماضية (وزارة الدفاع)

الدفاع الجوي السعودي... خبرة واحترافية معززة بأحدث التجهيزات

استطاعت السعودية بناء «مظلّة» دفاع جوي طبقية تجمع بين الاعتراض بعيد المدى، والدفاع المتوسط، والحماية القريبة للمنشآت الحيوية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

فيصل فرحان يناقش مع سعيدوف وتورك التطورات الإقليمية

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي مع نظيره الأوزبكي بختيار سعيدوف، ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، التطورات الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج أكدت وزارة الداخلية أن أمن المملكة وزوارها والمقيمين على أراضيها على رأس أولوياتها (الشرق الأوسط)

«الداخلية» السعودية: الأوضاع الأمنية في المملكة مطمئنة

أكّدت وزارة الداخلية السعودية أنه في ضوء ما تشهده المنطقة من أحداث وتطورات إقليمية، فإن الأوضاع الأمنية في المملكة مطمئنة، وإن الحياة اليومية تسير بصورة طبيعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزراء دول الخليج جددوا إدانتهم بأشد العبارات الاعتداءات السافرة وغير المبررة التي قامت بها إيران (التعاون الخليجي)

«الوزاري الخليجي» يؤكد الاحتفاظ بحق الرد على الاعتداءات الإيرانية

أكد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماع استثنائي عقد، الأحد، احتفاظ دولهم بحقها القانوني في الرد على الاعتداءات الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

7 هوايات يومية تعزّز الصلابة النفسية وتخفف التوتر بعيداً عن العلاج المكلف

الكتابة المنتظمة تساعد على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر (جامعة جورج تاون)
الكتابة المنتظمة تساعد على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر (جامعة جورج تاون)
TT

7 هوايات يومية تعزّز الصلابة النفسية وتخفف التوتر بعيداً عن العلاج المكلف

الكتابة المنتظمة تساعد على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر (جامعة جورج تاون)
الكتابة المنتظمة تساعد على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر (جامعة جورج تاون)

في ظل ارتفاع تكاليف العلاج النفسي وصعوبة الوصول إليه لدى كثيرين، تشير تجارب شخصية وأبحاث حديثة إلى أن بعض الهوايات اليومية البسيطة يمكن أن تشكّل أدوات فعّالة لبناء الصلابة النفسية، وبتكلفة أقل بكثير من جلسة علاج واحدة.

ويؤكد الخبراء أن الصلابة النفسية لا تُبنى بالحلول السريعة، بل عبر ممارسات مستمرة تُنمّي الوعي الذاتي والانضباط والمرونة العاطفية. ولا تقتصر هذه الأنشطة على تخفيف التوتر، بل تسهم أيضاً في إعادة تشكيل طريقة استجابة الدماغ للضغوط، وتعزز القدرة على التكيف مع الأزمات، وفق مجلة VegOut الأميركية.

فيما يلي 7 هوايات مدعومة بتجارب واقعية وأبحاث علمية، يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً في الصحة النفسية:

الكتابة اليومية

تساعد الكتابة المنتظمة على تهدئة التفكير وتفريغ المشاعر، بدلاً من ترك الأفكار السلبية تدور بلا توقف. وتشير الأبحاث إلى أن الكتابة التعبيرية قد تقلل أعراض القلق والاكتئاب، وتحسّن المناعة، وتسهم في التعافي من الصدمات بشكل أسرع. ويمكن البدء بخمس دقائق يومياً فقط، مع الكتابة بحرية ومن دون قيود أو أحكام.

الجري أو المشي

سواء كان جرياً على المسارات الطبيعية أو مشياً يومياً، فإن الحركة المنتظمة تخفّض مستويات هرمون التوتر (الكورتيزول)، وتحسّن المزاج، وتنشّط الإبداع. كما يساعد الإيقاع المتكرر للحركة الدماغ على معالجة المشاعر.

البستنة

يعلّم الاعتناء بالنباتات الصبر وتقبّل الإيقاع الطبيعي للحياة؛ فالحدائق لا تنمو وفق جداول البشر، ما يعزز القدرة على الانتظار والتكيف مع الفشل والبدء من جديد. وقد أظهرت دراسات أن البستنة تقلل أعراض القلق والاكتئاب بفاعلية، بفضل مزيج النشاط البدني والتواصل مع الطبيعة والشعور بالإنجاز.

التصوير الفوتوغرافي

يدرّب التصوير الدماغ على ملاحظة التفاصيل الجميلة في الحياة اليومية، ما يعزز الحضور الذهني ويخفف التفكير القلقي. كما يرسّخ عادة البحث عن الإيجابيات حتى في الظروف العادية أو الصعبة، وهي مهارة تنعكس مباشرة على طريقة التعامل مع تحديات الحياة.

الطهي

يعلّم الطهي المرونة والتكيف مع الأخطاء؛ فاحتراق أحد المكونات أو نقص آخر يدفع إلى الارتجال وابتكار حلول بديلة. كما يمنح إعداد الطعام شعوراً بالسيطرة والإنجاز، ويعزز الترابط الاجتماعي عند مشاركته مع الآخرين.

التأمل وتمارين التنفس

التأمل ليس مجرد إفراغ للعقل، بل تدريب له على ملاحظة الأفكار دون الانجراف وراءها. وتسهم هذه الممارسة في تعزيز التنظيم العاطفي وتقوية القدرة على الحفاظ على الهدوء وسط الفوضى. ويُنصح بالبدء بدقيقتين يومياً فقط.

العمل التطوعي

يُخرج التطوع الفرد من دائرة القلق الذاتي ويضع مشكلاته في سياق أوسع. وتشير دراسات إلى أن العمل التطوعي يقلل الاكتئاب، ويزيد الرضا عن الحياة، ويحسّن الصحة الجسدية.

وإجمالاً، لا يعني ذلك أن العلاج النفسي غير مهم، لكنه ليس الطريق الوحيد لبناء الصلابة النفسية؛ فالهوايات اليومية البسيطة تمنح الفرد أدوات فعّالة لتعزيز المرونة العاطفية، مثل الصبر من البستنة، والمثابرة من الجري، والوعي الذاتي من الكتابة، والتنظيم الذهني من التأمل.


بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
TT

بعد 35 عاماً من الشغف… «ساعات الأجداد» الأثرية تُعرض في مزاد ببريطانيا

مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)
مجموعة من «ساعات الأجداد» معروضة للبيع في سوق التحف (شاترستوك)

تُطرح مجموعة خاصة من الساعات الأثرية الطويلة، المعروفة باسم «ساعات الأجداد»، للبيع في مزاد علني، بعدما جُمعت على مدى 35 عاماً بدافع شغف الاقتناء والترميم.

وتنتمي هذه الساعات إلى بلدات ديفايز، ورويال، ووتون باسيت، وكالن في مقاطعة ويلتشير البريطانية، وهي مملوكة للزوجين بول وجان سوكوني، اللذين قررا أن الوقت حان لانتقال هذه القطع التاريخية إلى «أيدٍ أمينة»، عند عرضها في مزاد تنظمه دار «RWB Auctions» في 4 مارس (آذار)؛ وفق هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وقال بول سوكوني: «لقد تجاوزت السبعين من عمري، وما زلت أعمل مستشاراً في قطاع الأغذية. شعرنا أنا وزوجتي بأن الوقت قد حان للتخلي عن بعض الساعات، ولا سيما تلك التي لا تزال تحتاج إلى ترميم. علينا التفكير في المستقبل، وليس من العملي الاحتفاظ بكل ما نملك».

وتضم مجموعة الزوجين ساعات متنوعة، إضافة إلى أجزاء ميكانيكية مرتبطة بها. وما بدأ بعملية شراء شخصية بسيطة تحوَّل مع مرور السنوات إلى شغف عمر، قادهما إلى البحث عن ساعات صنعها حرفيون محليون والعمل على ترميمها.

ويضيف بول، المقيم قرب ديفايز: «كانت لدى زوجتي رؤية رومانسية؛ أن تجلس بجوار مدفأة الحطب، تقرأ روايات توماس هاردي، في حين يملأ المكان صوت دقات ساعة عتيقة تبعث على الطمأنينة. لذلك اشتريت لها، قبل 35 عاماً، ساعة من هذا الطراز».

وتابع: «من هنا بدأت الحكاية. أصبحنا نبحث عن ساعات تحمل طابعاً محلياً وتاريخاً خاصاً؛ فلكل ساعة شخصيتها وهويتها».

ويبلغ عدد الساعات في مجموعتهما اليوم أكثر من 60 ساعة، وقد باع الزوجان عدداً منها لمشترين من مختلف أنحاء العالم، سعياً من هؤلاء إلى استعادة صلتهم بتاريخهم أو بجذورهم العائلية.

ومن المتوقع أن تحقق القطع المعروضة أكثر من ألف جنيه إسترليني عند عرضها للبيع هذا الأسبوع، وفق تقديرات دار المزاد.

وقال مساعد المزادات وخبير التقييم ويل والتر: «هذه قطع محلية لافتة للاهتمام، ومن المرجح أن تجذب هواة جمع من المنطقة، أو أشخاصاً يقيمون في الخارج لكن تربطهم صلة بهذه البلدات».

ويُنتظر أن يستقطب المزاد اهتمام المهتمين بالساعات الأثرية وتاريخ الحِرف المحلية في منطقة ويلتشير.


«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
TT

«كنوز غارقة» يعيد قراءة ذاكرةٍ ظلت قروناً تحت الماء

أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)
أسطرلاب صفوي فاخر من النحاس المذهب (الشرق الأوسط)

على طول الساحل الغربي للمملكة، يمتد تاريخ لا يمكن رؤيته من اليابسة. تحت طبقات المياه في البحر الأحمر، ترقد موانٍ قديمة، ومسارات تجارة اندثرت، وسفن توقفت رحلاتها قبل أن تصل إلى وجهتها الأخيرة. ولقرون طويلة، ظل هذا التاريخ صامتاً، ومحفوظاً في الأعماق، وبعيداً عن السرد التاريخي التقليدي.

اليوم، يحاول معرض «كنوز غارقة: التراث البحري للبحر الأحمر»، الذي افتتحه متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية، إعادة هذا التاريخ إلى المجال العام، ليس بوصفه اكتشافاً أثرياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من الهوية الحضارية للساحل السعودي. المعرض، الذي جاء ثمرة تعاون بين متحف البحر الأحمر وهيئة التراث وعدد من الشركاء البحثيين، يقدّم قراءة موسّعة لدور البحر الأحمر بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في التاريخ، حيث التقت عبره طرق الحج، والتجارة، والهجرة، وربطت موانيه الجزيرة العربية بآسيا، وأوروبا، وأفريقيا.

مديرة متحف البحر الأحمر إيمان زيدان ترى أن الحاجة إلى هذا المعرض نشأت من طبيعة الساحل السعودي نفسه، الذي وصفته بأنه ساحل غني شهد عبور الحجاج، والرحالة، وازدهار موانٍ رئيسة، مثل الشعيبة، وجدة، إلى جانب مرافق ساحلية في فرسان، والسيرين، والحفز، شكّلت عبر القرون شبكات تجارة واسعة نقلت السلع، والمعرفة، والثقافات بين القارات.

وتوضح زيدان لـ«الشرق الأوسط» أن جزءاً كبيراً من هذا الإرث ظل غير مكتشف، أو غير متاح للمجتمع، رغم أعمال المسح الأثري التي شهدتها مواقع عدة على الساحل السعودي، إضافة إلى مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه، ومن أبرزها حطام سفينة أملج التي كشفت مكتشفاتها عن روابط تجارية وثقافية امتدت من شرق آسيا إلى مواني البحر الأحمر.

أوانٍ خزفية اكتشفت في باب البنط على ساحل البحر الأحمر (الشرق الأوسط)

يضم المعرض نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، تتراوح تواريخها بين ما يقارب 1600 عام، بينها قطع خزفية، وفناجين بورسلين صينية تعود إلى فترات ازدهار التجارة البحرية، في شواهد تعكس حجم التبادل التجاري بين الصين والجزيرة العربية.

وتشير زيدان إلى أن طبيعة البحر الأحمر الجغرافية -كونه بحراً ضحلاً تحيط به الشعاب المرجانية والتيارات المتغيرة- دفعت البحارة تاريخياً إلى تطوير سفن تقليدية مختلفة في تصميمها عن غيرها من سفن العالم، كما اعتمدوا على الخرائط، وأدوات الملاحة، مثل الأسطرلاب، للاستدلال على الطرق البحرية.

وفي سياق الكشف عن حجم التراث غير المكتشف، أوضحت زيدان أن الدراسات الحالية تشير إلى وجود 40 سفينة غارقة على الساحل السعودي، وهو رقم لا يزال قيد الدراسة، ومرشح للارتفاع مع استمرار أعمال الاستكشاف والتوثيق، ما يعكس اتساع المخزون الثقافي الكامن تحت مياه البحر الأحمر.

من جانبه، أكد ماجد العنزي، مدير عام التراث الثقافي المغمور بالمياه المكلف في هيئة التراث، أن مشاركة الهيئة في المعرض تأتي ضمن جهود وطنية متواصلة في المسح والتنقيب عن مواقع التراث البحري، وحمايتها، مشيراً إلى أن الهيئة عرضت خلال المعرض عدداً من المكتشفات الناتجة عن أعمال ميدانية حديثة.

فناجين خزف صيني (الشرق الأوسط)

وأوضح العنزي، خلال الجلسة الحوارية المصاحبة للمعرض، أن فهم التراث المغمور لا يقتصر على دراسة الحطام، أو القطع المكتشفة، بل يتطلب قراءة أوسع للتغيرات البيئية والتاريخية، خصوصاً تحولات مستوى سطح البحر عبر آلاف السنين، إذ إن الحدود الساحلية التي نراها اليوم تختلف عمّا كانت عليه في العصور الحجرية، والبرونزية، ما يعني أن مواقع استيطان بشرية قديمة أصبحت اليوم تحت الماء.

وأشار إلى أن هذه الدراسات تساعد الباحثين على تحديد أماكن عيش الإنسان القديم، ومسارات الحركة البشرية والتجارية عبر الزمن، ما يمنح علم الآثار البحري دوراً متقدماً في إعادة فهم تاريخ المنطقة. ولم تغب مسألة الحماية عن النقاشات المصاحبة للمعرض؛ إذ شدد كل من زيدان والعنزي على أن التراث المغمور يمثل منظومة أثرية وبيئية متكاملة يجب الحفاظ عليها في موقعها الطبيعي، مع دعوة خاصة للغواصين والهواة بعدم العبث بحطام السفن، لأنها سجلات تاريخية قائمة بذاتها.

كما ناقشت الجلسة أهمية إشراك المجتمع في حماية هذا الإرث، عبر برامج التطوع التي تتيح للمهتمين والمتخصصين، خصوصاً الغواصين، المشاركة في أعمال التوثيق، والحفاظ على مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه. في النهاية، يكشف «كنوز غارقة» أن البحر الأحمر لا يزال يحتفظ بتاريخ لم يُقرأ كاملاً بعد.

فكل بعثة استكشاف، وكل قطعة تُكتشف، لا تضيفان معلومة جديدة فحسب، بل تعيدان رسم صورة المنطقة باعتبارها نقطة التقاء حضارات، لا مجرد ساحلٍ على خريطة. فالتاريخ هنا لم يختفِ... بل انتظر تحت الماء حتى يحين وقت ظهوره.