الرسّام رفيق الحريري: الصحة النفسية قضيّتي الفنية

الفنان اللبناني يحوّل صفحته إلى ملجأ دافئ للمتعبين نفسياً

من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)
من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)
TT

الرسّام رفيق الحريري: الصحة النفسية قضيّتي الفنية

من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)
من خلال الفن البصري يتطرق الرسّام إلى قضايا نفسية يتماهى معها المتابعون (صفحة rafikillustration)

لم تحظَ الصحة النفسية يوماً باهتمام كما هي الحال في هذه الآونة. بعد أن كانت موضوعاً يُعتبر من المحرّمات في الماضي القريب، ها هي تتحوّل إلى تريند. فمع كل تصفّحٍ لمنصات التواصل الاجتماعي تطالعك الفيديوهات والمقولات المحفّزة نفسياً إلى درجةٍ مبالغٍ فيها أحياناً. إذ يبدو وكأنّ الجميع بات خبيراً في الشأن النفسي، يوزّع نصائحه بأهميةِ تخطّي الأزمات، والاعتناء بالذات، مع العلم بأنّ فائض الإيجابية وكثرة النُّصح تضرّ بالمُتعَبين نفسياً أكثر ممّا تنفعهم.

من دون مبالغة ولا ضجيج، حمل الرسّام المتخصص في الفن البصري رفيق الحريري بيُمناه ريشته متعددة الألوان. وبيُسراه، التقط قلبَه المُثقل بالندوب. التحفَ موهبته الفنية ومعاناته النفسية ليجعل من صفحته مساحةً تنبت منها زهور الأمل واللطف. يطرح محتوىً مختلفاً عن السائد، من خلال فيديوهات تقدّم فناً هادفاً نفسياً.

رغم عدد متابعيه الذين فاقوا الـ110 آلاف على «إنستغرام»، يتجنّب الحريري ركوب موجة «تريند» الصحة النفسية. يخبر «الشرق الأوسط» كيف أن رحلته الشخصية مع اضطرابات الأكل ذات الخلفيّة النفسية أخذته إلى حيث هو الآن؛ مؤثّرٌ يتماهى مع محتواه الكثيرون، فيجدون «الدفء» في رسوماته، وعباراته العميقة، على بساطتها.

عناصر الرسم مألوفة، والخطوط واضحة. هنا يدان مضمّدتان تخترقهما زهور صفراء، ترافقها عبارة: «اكتشفت إنو كل الوجع كان زراعة كرمال ازدهر». وهناك فنجان قهوة تخرج منه حكمةٌ بسيطة: «تعلّمت إنو ما حدا بيخلّيك تعيس من دون إذنك»، ويُستكمل الفيديو بقلبٍ سقط أرضاً بعد أن تحطّم الإناء الذي كان يؤويه.

بالتزامن مع جائحة كورونا «التي عزّزت التكاتف الاجتماعي والشعور بالآخر»، وفق الحريري، وبالتوازي مع خضوعه لعلاجٍ نفسي بسبب معاناته مع اضطراب الأكل، بدأ الرسّام يسكب مشاعره وأفكاره على صفحات التواصل. كان الهدف الأساسيّ إفراغ ما في صدره من مشاعر، وما في رأسه من أفكار، الأمر الذي يساعد في العلاج.

«عندما بدأت بهذه المذكّرات البصرية، لم يكن الهدف التوعية النفسية بقدر ما كان سرد قصة شخصية. لكن الناس صاروا يتفاعلون بالقول إنهم اختبروا الأمر نفسه، وفهمت هنا أنهم جاهزون للتلقّي. ومثلما وجدت راحة نفسية في إخراج ما في داخلي من معاناة، وجد المتلقّون كذلك راحة نفسية عبر متابعة المحتوى». كلّما كان يغوص أكثر في العلاج النفسي، لاحظ أنّ الفن الذي يقدّم يزداد صدقاً، ويتخفف من المواربة، والخجل.

رفيق الحريري رسّام لبناني متخصّص في الفن البصري (الشرق الأوسط)

منشور تلو آخر، يتّضح أن الصحة النفسية باتت قضية الحريري الفنية. على طريقته، يمسّد على آلام الناس. من خلال فيديوهاته، يوجّه لهم رسائل محدّدة: «التركيز على الاعتناء بالنفس، اكتشاف الذات وعدم القسوة عليها، والاستمرار رغم الانكسار».

لاقى النداء صدىً، فالرسائل التي تصل إلى الفنان الشاب تتحدّث عن «دفء» يشعرون به كلّما شاهدوا محتواه. في المقابل، يبوح بأنه يقظٌ إلى المسؤولية التي يحملها لناحية مراعاة مشاعر المتابعين: «أوّلاً أتجنّب فائض الإيجابية، فهذا لا يساعد كثيراً مَن يعانون نفسياً. وفي الوقت ذاته أضيء على فكرة عدم الهروب من المعاناة عندما نمر بها، بل الغوص فيها».

قلبٌ محطّم لكنه قابل للترميم (صفحة rafikillustration)

«حلو التخلّي عن الندم، عن العبء، عن الوجع، ونكفّي الطريق». بكلماتٍ أليفة ومطَمئنة، يحادث الحريري متابعيه. يتّخذ التخلّي هيئة يدٍ تلوّح للغيم العابر من نافذة السيارة، ثم يطير الندم مع بالون أحمر تحرّر من قبضة يد، يلحق به العبء الخارج من حقيبة المدرسة على شكل مغلّفات رسائل. أما الوجع فقلبٌ نابضٌ صغير تحتضنه كفّانِ بحنان، لتخفّفا من قلقه.

الرقّة هي أكثر ما يحتاجه المتألّمون نفسياً، وقد أدرك الفنان رفيق الحريري ذلك. يتواصل معهم بصرياً من دون أن يفلسف الأمور. «اللحظة التي أشعر فيها بأنني لست صادقاً، أو بأنني أُرغم نفسي على الرسم، أتوقّف وأتراجع خطوة إلى الخلف كي لا ألطّخ المحتوى الذي أقدّم».

قبل اختراق عالم السوشيال ميديا، انطلق مشوار الرسّام اللبناني على الورق. ففي عام 2018، نشر كتاباً بعنوان: «Indigo» موجّهاً إلى الأطفال، ويعالج موضوع التنمّر، مقدّماً اللطف كقوّة خارقة. لحقَه كتابٌ آخر اتّضحت فيه أكثر الرسائل النفسية الكامنة خلف الرسم. وضعَ «I Found a Heart» (وجدتُ قلباً) الحريري على قائمة «فوربس 30 تحت الـ30» عام 2021. «شكّل ذلك التصنيف نقطة تحوّل في مسيرتي، وقد غاص الكتاب في الأفكار، والتحليلات التي تراود المرء في وحدته».

كتاب I Found a Heart أدخل الحريري إلى قائمة فوربس 30 تحت الـ30 (صور الفنان)

أما في كتاب 3 AM، فعالج الحريري الأفكار التي تراود الإنسان قبل النوم، وخلاله، وتأخذه إلى عوالم نفسية موازية. أثمر هذا النتاج خبرةً أتاحت للفنان اللبناني التعاون مع منظّمات دولية، مثل الأمم المتحدة، و«أطباء بلا حدود»، ضمن مشاريع تحفّز على الاعتناء بالصحة النفسية في المجتمعات المهمّشة، والنامية.

يطمح الحريري إلى «المزيد في مجال الصحة النفسية»، كأن يطرح مواضيع أكثر جرأةً مثل التحرّش، والاضطرابات الغذائية، وضرورة وضع الحدود الجسدية مع الآخرين.

ساعدته موهبته على التخفّف من أحمالٍ كثيرة. الحِمل الوحيد الذي لم ينزل بعد تماماً عن كتفَيه اسمُه المُثقل بالخلفيّات السياسية. عن رئيس الحكومة اللبنانية الشهيد رفيق الحريري أخذ الفنان الشاب الاسم: «ثمة مَن يحبونني بسبب اسمي، فيما يكرهني آخرون لأنني أحمله. أما أنا فلا أريد أن أعلّم في ذاكرة الناس سوى من خلال فنّي».


مقالات ذات صلة

القلق من الحروب... كيف نحمي صحتنا النفسية في زمن الصراعات؟

يوميات الشرق سيدة تشاهد الأخبار (أرشيفية - رويترز)

القلق من الحروب... كيف نحمي صحتنا النفسية في زمن الصراعات؟

يُثير عدم الاستقرار الاقتصادي الناجم عن الحرب الإيرانية قلقاً اجتماعياً متزايداً يؤثر على الصحة النفسية للكثيرين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

الطفل يشعر ولو لساعات بأنه خرج من ضيق النزوح إلى فسحة أوسع. يومه لا يمرّ كالأيام العادية.

فاطمة عبد الله (بيروت)
صحتك عادات بسيطة... لكنها تضع عقلك في ضباب (جامعة روتشستر)

«ضباب الدماغ» يبدأ من يومك... عادات صغيرة تُشوِّش ذهنك

إذا شعرت يوماً بأنك نسيت سبب دخولك الغرفة، أو واجهت صعوبة في العثور على الكلمة المناسبة، فمن المُحتمل أنك مررت بما يُعرف بـ«ضباب الدماغ».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أبطال مسلسل «friends» (رويترز)

راحة بين الحلقات... كيف تساعد مشاهدة مسلسلاتك القديمة على تحسين صحتك النفسية؟

تشغل مسلسل «Friends» أو «house» أو «لن أعيش في جلباب أبي». فجأة تشعر بخفة الحياة وسعادة أكبر. ربما شاهدت تلك المسلسلات ألف مرة من قبل، ولكن لا يهم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

بعد 53 عاماً... «ناسا» تُعيد البشر إلى عتبة القمر

4 رواد فضاء يحملون إلى السماء حكاية عودةٍ طال انتظارها (إ.ب.أ)
4 رواد فضاء يحملون إلى السماء حكاية عودةٍ طال انتظارها (إ.ب.أ)
TT

بعد 53 عاماً... «ناسا» تُعيد البشر إلى عتبة القمر

4 رواد فضاء يحملون إلى السماء حكاية عودةٍ طال انتظارها (إ.ب.أ)
4 رواد فضاء يحملون إلى السماء حكاية عودةٍ طال انتظارها (إ.ب.أ)

بدأت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، الاثنين، العدّ التنازلي لأول إطلاق بشري صوب القمر منذ 53 عاماً.

ووفق «أسوشييتد برس»، يتأهَّب صاروخ «نظام الإطلاق الفضائي»، البالغ ارتفاعه ما يعادل 32 طابقاً، للانطلاق، مساء الأربعاء، وعلى متنه 4 رواد فضاء. وبعد قضاء يوم كامل في مدار حول الأرض، ستعمل كبسولة «أوريون» على دفعهم في رحلة ذهاب وإياب إلى القمر. وهي رحلة مباشرة من دون توقُّف، تتضمَّن فقط الدوران حول القمر والعودة سريعاً، لتنتهي المهمّة التي تستغرق 10 أيام تقريباً بالهبوط في مياه المحيط الهادئ.

بين الأرض والفضاء يُعاد رسم الطريق التي لم تُنسَ (رويترز)

وفي تصريح لها، قالت مديرة الإطلاق، تشارلي بلاكويل ثومبسون: «بذل فريقنا جهوداً مضنية للوصول بنا إلى هذه اللحظة، وتؤكد جميع المؤشرات الحالية أننا في وضع ممتاز جداً».

وأفاد مديرو المهمّة بأنّ الصاروخ في حالة جيدة عقب آخر جولة من الإصلاحات، في حين أشار خبراء الأرصاد الجوّية إلى أنّ الأحوال الجوّية ستكون مواتية للإطلاق.

رحلة بلا هبوط لكنها مليئة بما يكفي من المعاني (أ.ف.ب)

وكان من المفترض انطلاق مهمة «أرتميس 2» في فبراير (شباط)، وإنما أُرجئت بسبب تسريبات في وقود الهيدروجين. ورغم معالجة تلك التسريبات، واجهت المهمّة عائقاً آخر تمثّل في انسداد خط ضغط الهيليوم، مما اضطر الفريق إلى إعادة الصاروخ إلى الحظيرة أواخر الشهر الماضي. وقد عاد الصاروخ إلى منصة الإطلاق قبل أسبوع ونصف الأسبوع، في حين وصل الطاقم الأميركي الكندي المشترك إلى موقع الإطلاق، الجمعة.

وعلى نقيض برنامج «أبولو»، الذي أرسل الرجال فقط إلى القمر بين 1968 و1972، يضم الطاقم الافتتاحي لمهمة «أرتميس» امرأة، وشخصاً من ذوي البشرة الملوَّنة، ومواطناً غير أميركي.

بين الأرض والفضاء يُعاد رسم الطريق التي لم تُنسَ (رويترز)

وصرّح قائد مهمة «أرتميس 2»، فيكتور غلوفر، بأنه يأمل أن يراهم الشباب ويشعروا بـ«قوة الفتيات»، وأن ينظر إليه الأطفال ذوو البشرة السمراء قائلين: «مهلاً، إنه يشبهني، وانظروا ماذا يفعل!».

وفي الوقت ذاته، يتطلع غلوفر، وهو من ذوي البشرة السمراء، إلى اليوم الذي «لا نضطر فيه إلى الحديث عن هذه الإنجازات الأولى»، ليصبح استكشاف الكون جزءاً غير متجزئ من «تاريخ البشرية».

يُذكر أنّ لدى «ناسا» مهلة تمتدّ خلال الأيام الستة الأولى من أبريل (نيسان) لإطلاق مهمة «أرتميس 2» قبل أن تضطر إلى التوقُّف والانتظار حتى نهاية الشهر.


«80 صحافياً غاضباً»... وثائقيّ يرصد انهيار مؤسسة إعلامية مجرية

صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)
صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)
TT

«80 صحافياً غاضباً»... وثائقيّ يرصد انهيار مؤسسة إعلامية مجرية

صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)
صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)

قال المخرج أندراش فولدش إن فيلمه الوثائقي «80 صحافياً غاضباً» وُلد من قلب لحظة مهنية حرجة عاشها بنفسه داخل واحدة من كبرى غرف الأخبار في المجر، مشيراً إلى أنه كان يمارس عمله اليومي بشكل طبيعي، قبل أن يفاجَأ بدخول شخصيات قريبة من السلطة المؤسسةَ وإعلانهم السيطرة عليها، وهو ما عدَّه بداية واضحة لانهيار الاستقلال التحريري.

وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أنه لم يتردد في التقاط الكاميرا فوراً، مدفوعاً بغريزته الصحافية، وشعر بأن ما يحدث ليس مجرد تغيير إداري عابر، بقدر ما يمكن أن يكون لحظة مفصلية تستحق التوثيق، لافتاً إلى اعتقاده، في البداية، أن التصوير سيستمر لأيام قليلة، لكن مع تصاعد الأحداث يوماً بعد يوم، تحولت التجربة إلى مشروعٍ استمر 5 سنوات كاملة جرى خلالها التصوير في سرية تامة؛ خوفاً من الضغوط والتهديدات القانونية.

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية عدة (الشركة المنتِجة)

يتناول الوثائقيُّ، الذي عُرض ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية»، لحظة حاسمة في تاريخ الصحافة المَجرية، حين تتعرض منصة إخبارية مستقلة، تُعدّ من كبرى المؤسسات الإعلامية المستقلة بالبلاد، لضغوط سياسية متصاعدة تنتهي بتغيير إدارتها والتأثير المباشر على خطها التحريري.

ومن داخل غرفة الأخبار، تُوثق الكاميرا تفاصيل هذا الانهيار التدريجي، حيث تتصاعد التوترات بين الصحافيين والإدارة الجديدة، إلى أن يصل المشهد إلى ذروته باستقالة جماعية لأكثر من 80 صحافياً؛ في خطوة احتجاجية دفاعاً عن استقلالهم المهني.

يتتبع الفيلم فترة ما بعد الانهيار، حيث يخوض الصحافيون تجربة شاقة لإعادة بناء كيان إعلامي مستقل من الصفر، عبر تأسيس منصة جديدة تعتمد على دعم الجمهور، في مواجهة واقع سياسي وإعلامي أكثر تعقيداً.

ومن خلال شهادات شخصية ولقطات حية، يتحول الفيلم إلى رحلة إنسانية تكشف صراعاً ممتداً بين الرغبة في الحفاظ على القِيم المهنية وضغوط السلطة، ليطرح في النهاية سؤالاً أوسع حول قدرة الصحافة على البقاء حرة في بيئات تتآكل فيها الضمانات الديمقراطية.

يقول المخرج المجري إن «تصوير هذه اللحظات لم يكن مخططاً أو مُعدّاً له مسبقاً، بل جاء بشكل طبيعي وسط حالة من الارتباك والغضب داخل غرفة الأخبار، حيث كان الصحافيون يعيشون صدمة إقالة رئيس التحرير وتبدُّل ملامح المؤسسة»، موضحاً أن زملاءه لم يكونوا منشغلين بالكاميرا بقدر انشغالهم بمصيرهم، وهو ما أتاح تسجيل لحظات إنسانية شديدة الصدق، وتقبلوا لاحقاً فكرة تحويل هذه المادة إلى فيلم، باعتبار أن توثيق ما حدث جزء من مسؤوليتهم المهنية.

ويرصد الفيلم لحظة انهيار موقع «Index.hu» من داخل المؤسسة، وهو من أبرز المنصات الإعلامية المستقلة بالمجر. وأكد المخرج أنه واجه صعوبات كبيرة في إنجاز الفيلم، خاصة على مستوى التمويل، حيث رفضت المؤسسات داخل المجر دعم المشروع بسبب طبيعته النقدية، كما ترددت دُور العرض نفسها في استضافة الفيلم، ما اضطره لنقل الإنتاج إلى الخارج والاعتماد على دعم أوروبي.

وثّق الصحافي والمُخرج المجري ما حدث في جهة عمله (الشركة المنتجة)

وأشار إلى تعرضه لتهديدات قانونية خلال التصوير، وهو ما أكد له أن العمل على هذا المشروع لم يكن مجرد تجربة فنية، بل مواجهة حقيقية مع الواقع، لافتاً إلى أنه شعر بحاجته إلى مسافة فنية عن القصة، فاستعان بالمُخرجة آنا كيش لتُشاركه في الإخراج؛ لكونها لم تكن جزءاً من الوسط الصحافي، مما منح الفيلم نظرة أكثر توازناً وإنسانية، وساعد على تحويل المادة الخام إلى سرد قادر على الوصول إلى جمهور أوسع.

وقال: إن «التحدي الأكبر كان في التعامل مع الكمّ الهائل من المواد المصورة التي تجاوزت 140 ساعة، قبل أن تُكثَّف في نسخة نهائية مُدتها 94 دقيقة»، مضيفاً أنهم اختاروا التركيز على البعد الإنساني للقصة، بدلاً من تقديمها كتحليل سياسي مباشر؛ لأن ذلك يجعلها أكثر قرباً وتأثيراً.

واختتم حديثه بتأكيد أن الفيلم لا يخصّ المجر وحدها، فهو يحمل دلالة أوسع؛ لأن الضغوط على الإعلام لم تعد ظاهرة محلية، مؤكداً أن «الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في أن مواجهة هذه الضغوط تحتاج إلى التماسك الجماعي، وأن قوة أي مؤسسة أو مجتمع تكمن في القدرة على البقاء والاتحاد في مواجهة الأزمات».


محمد رجب: سعيت لتغيير جلدي الفني في «قطر صغنطوط»

الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)
TT

محمد رجب: سعيت لتغيير جلدي الفني في «قطر صغنطوط»

الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان محمد رجب تحدث عن مشروعاته المقبلة (صفحته على «فيسبوك»)

قال الممثل المصري محمد رجب إنَّه يستعدُّ للعودة إلى السينما خلال الفترة المقبلة من خلال فيلمَين جديدَين سيقدمهما مع المنتج أحمد السبكي، أحدهما سيبدأ تصويره قريباً بعد الاستقرار على تفاصيله الفنية، مشيراً إلى أنَّ حرصه على تقديم أدوار مختلفة وراء التدقيق في اختياراته الفنية.

وأضاف رجب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنَّ مسلسله «قطر صغنطوط» الذي عُرض في رمضان الماضي كان بالنسبة له خطوةً مختلفةً يسعى إليها منذ سنوات، لكون شخصية «ياسين أبو النجا» ظلت حلماً يطارده لفترة طويلة، إذ بدأ التحضير لها قبل نحو 4 سنوات، وكان يفكِّر خلالها في كيفية العودة إلى الجمهور بشكل جديد ومغاير لما قدَّمه مؤخراً.

وأوضح أنَّه خلال السنوات الماضية انشغل بتقديم أعمال اجتماعية وأدوار تقليدية ارتبطت بصورة «الأخ الكبير» أو الشخصيات الجادة. وتابع: «هذا جعلني أشعر بحاجة ملحة لتغيير جلدي الفني، لذا وجدت في العمل الرمضاني فرصةً لتقديم تجربة مختلفة لم أقدِّمها منذ فيلم (الباشا تلميذ) الذي شاركت فيه مع كريم عبد العزيز قبل أكثر من 22 عاماً».

وأكد أنَّ فكرة العمل ظلَّت مُؤجلَّةً رغم جاهزيتها نسبياً؛ بسبب ارتباطه بأعمال أخرى، إلى أن جاءت اللحظة المناسبة لتقديمها، لافتاً إلى أنَّ تأجيل تنفيذ المشروع في السابق لم يكن له أي علاقة بعوائق إنتاجية، بل بسبب عدم اكتمال ملامح الشخصية بالنسبة له، نظراً لتعقيدها، مما استلزم العمل عليها لفترة طويلة وصلت إلى 8 أشهر بالتعاون مع الكاتب سمير مبروك، والمخرج هاني حمدي، إلى أن خرجت بالشكل الذي يرضيه.

محمد رجب على الملصق الترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

ونفى رجب أن يكون العمل قد أُنجز على وجه السرعة بسبب انطلاق تصويره في وقت متأخر قبل بداية رمضان، ولكن فريق العمل استفاد من التحضيرات الكثيرة التي سبقت انطلاق التصوير، مؤكداً أنَّه يشعر بتقديم تجربة درامية متكاملة ومختلفة في تفاصيلها، عكست المجهود المبذول فيها.

وعن الانتقادات التي تعرَّض لها المسلسل فور إعلان اسمه «قطر صغنطوط»، أبدى رجب تعجبه من الهجوم على العمل فور إعلان اسمه، في حين يشير الواقع إلى ارتباط الاسم بالأحداث بشكل أساسي، وهو ما كشفت عنه الحلقات.

وأكد رجب عدم التفاته إلى محاولات السخرية التي تسعى لتحقيق نسب مشاهدة بمواقع التواصل الاجتماعي، لأنَّ هذا النوع من النقاشات والأحاديث لا علاقة له بالواقع، مشيراً إلى أنَّه يستمع للنقد القائم على مشاهدة العمل من متخصصين، وحديثهم عن التجربة والتعليقات التي يبدونها على دوره بشكل خاص، وعلى العمل بشكل عام، «لأن هذا النوع من النقد يساعد الممثل على تطوير أدواته».

المسلسل عُرض خلال رمضان الماضي (الشركة المنتجة)

وأوضح رجب أن «طبيعة العمل الفني تحتمل وجود رؤى مختلفة في التقييم، وحتى في تقديم الفكرة والمعالجة نفسها، وهناك أعمال وتجارب قد تواجه ظروفاً أو مؤثرات تجعل صُنّاعها يقدمونها بشكل مغاير».

ونفى أن تكون التعليقات السلبية والساخرة عن المسلسل قد تركت أثراً فيه على المستوى الشخصي، وعدَّ أن بعضها أسهم في الترويج للعمل بدافع فضول الجمهور لمشاهدة المسلسل، مما كان له تأثير إيجابي في ارتباط الجمهور بالعمل والأحداث ومتابعته حتى النهاية.

رجب لم ينفِ وجود بعض الأخطاء في الجوانب التقنية التي رُصدت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها ظهور الكاميرا في بعض المشاهد، وهو الأمر الذي أرجعه لضغوط التصوير وسرعة تنفيذ العمل للالتزام بموعد العرض المحدد، مشيراً إلى أنَّ هذه الأخطاء، وإن كانت بسيطة، لم تؤثر على العمل، فإنها استوجبت منه، بوصفه ممثلاً، ومن فريق العمل الاعتذار عنها.