«المصيف» يتجاوز إمكانات كثير من المصريين بسبب الغلاء

مواطنون يُقلّصون المدة... وآخرون يستغنون عن البحر

مصريون يستمتعون بإجازتهم الصيفية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)
مصريون يستمتعون بإجازتهم الصيفية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)
TT

«المصيف» يتجاوز إمكانات كثير من المصريين بسبب الغلاء

مصريون يستمتعون بإجازتهم الصيفية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)
مصريون يستمتعون بإجازتهم الصيفية بالإسكندرية (الشرق الأوسط)

استغنى إسلام عادل (28 عاماً) وأسرته عن رحلتهم الصيفية إلى مرسى مطروح الساحلية (شمال غربي مصر) بسبب موجة الغلاء التي يعاني منها الكثير من المصريين.

يقطن إسلام في منطقة إمبابة بالجيزة (غرب القاهرة)، ويعمل مدرساً للموسيقى صباحاً، وفي المساء يعطي دروساً فيها لتحسين دخله. في العام السابق، تكلفت رحلته مع شقيقين وأب وأم نحو 20 ألف جنيه (كان سعر الدولار نحو 48 جنيهاً)، لكن هذا الرقم «يحتاج إلى 5 آلاف جنيه زيادة على الأقل هذا العام حتى نستطيع تكرار هذه الرحلة ولو بعدد أيام أقل»، مشيراً إلى أنه «اعتاد أن يساهم هو وأشقاؤه في تكاليف الرحلة مع والدهم (على المعاش)، لكن ذلك لم يعد متاحاً مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ومحاولته الادخار للزواج».

الباعة المتجولون إحدى سمات الشواطئ الشعبية (الشرق الأوسط)

وسجّلت مصر نسبة تضخم على أساس سنوي في يونيو (حزيران) الماضي بلغت 14.9 في المائة، في وقت تشهد البلاد أزمة اقتصادية ممتدة منذ عام 2016، دفعت الحكومة إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي مرتين؛ الأولى في 2016، والأخرى في 2023.

أسرة إسلام واحدة من ضمن العديد من الأسر، من شرائح اجتماعية مختلفة، ضمت المصيف إلى «قائمة الاستغناء» بسبب ارتفاع الأسعار، أو غيّرت نمط قضائه، بعدما أصبحت مصاريفه تفوق طاقتها.

وللتكيف مع ارتفاع الأسعار، غيّر البعض وجهته الصيفية بالتوجه إلى «العين السخنة» بدلاً من «الساحل» أو الغردقة، وآخرون قلّصوا عدد الأيام التي يقضونها ليومين أو ثلاثة بدلاً من أسبوع، أو استأجروا «شاليه» (شقة) بدلاً من النزول في فندق 5 نجوم كامل الخدمات، وغيرهم استبدلوا بالمصيف رحلة يوم واحد إلى أحد الشواطئ، أو مدينة ألعاب مائية.

أحد فنادق مدينة الغردقة عام 2024 (الشرق الأوسط)

أما من تخلّوا عن رحلة المصيف ككل، فلم تستطع إمكاناتهم استيعاب أيّ من خططه، ومن ضمنهم آلاء محمد (33 عاماً)، وهي ربة منزل تقطن في منطقة الهرم، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «منذ 4 أعوام لم نسافر للمصيف، آخر مرة كانت في الغردقة بفضل عرض وفّره لنا شقيقي الذي كان يعمل في مجال السياحة».

وتضيف: «شقيقي مقيم حالياً خارج مصر، وأسعار الفنادق مرتفعة لا نستطيع تحملها، خصوصاً أن لديّ 3 أطفال».

«شاطئ النخيل» في الإسكندرية يشهد زحاماً لافتاً خلال الصيف (الشرق الأوسط)

ويبلغ متوسط سعر ليلة الفندق في مدينتَي العين السخنة ورأس سدر (شرق القاهرة) نحو 3 آلاف جنيه للفرد في غرفة مزدوجة، مع وجبتَي إفطار وعشاء، ضمن ما رصدته «الشرق الأوسط» عبر مواقع الحجز وإعلانات الشركات، خلال ذروة فصل الصيف في يوليو (تموز) الجاري، وأغسطس (آب) المقبل. وتصنّف المدينتان ضمن شريحة متوسطة.

وبذلك تحتاج عائلة آلاء إلى 15 ألف جنيه نظير الليلة الواحدة بخلاف مصاريف المواصلات والتنزه: «من الواضح أن هذا الصيف سيمضي مثل سابقيه، ويظل المصيف رغبة مؤجلة كل عام»، مشيرة إلى أن «زوجها يعمل في مجال النظارات الطبية في دولة عربية»، نظير توفير حد أدنى من الحياة الكريمة لهم، والتي «لا تتضمن الرفاهيات مع الارتفاعات المستمرة في الأسعار».

ويعوّل العديد من الأسر على الرحلات التي تنظمها النقابات المهنية والعمالية، والمعسكرات الصيفية، كملاذ لقضاء عطلة صيفية أقل تكلفة من سعر السوق. لكن هذا الأمر لم ينفع الثلاثينية آمنة عبد العظيم، هذا العام، وهي تعمل صحافية، مع ارتفاع أسعار الشقق التي أعلنت عنها نقابة الصحافيين. تقول آمنة لـ«الشرق الأوسط»: «العام الماضي سافرت أنا وأمي مع شقيقي في رحلة تتبع عمله كانت تكلفتها 10 آلاف جنيه فقط لقضاء أسبوع في مرسى مطروح، والعام الأسبق 2023 سافرنا أنا ووالدتي وبنت أخي في رحلة مع نقابة الصحافيين، سعر الفرد في فندق كامل الخدمات كان 2700 جنيه فقط».

الغلاء يجبر مصريين على التخلي عن الرفاهية (الشرق الأوسط)

وأضافت أن «هذا العام طُرحت الرحلة في نفس الفندق بـ6 آلاف جنيه للفرد الواحد»، وهو ما يفوق طاقتها، مشيرة إلى أنها بحثت عبر مواقع البحث والشركات ووجدت الأسعار 3 أضعاف العام السابق؛ لذا قررت الاستغناء عن المصيف.

وأكدت المصادر الثلاثة أهمية هذه الرحلة بالنسبة لهم؛ كونها «تجدد الطاقة»، معتبرين أن الاستغناء عنها ليس سوى جزء من سلسلة تقليص الرفاهيات المستمرة مع ارتفاعات الأسعار.

وبلغت نسبة إنفاق المصريين على بند «الثقافة والترفيه» 2.4 في المائة فقط من مجمل إنفاقهم، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن العام المالي 2019/2020.

وترى أستاذة علم الاجتماع سامية خضر، أن «استغناء بعض الأسر عن المصيف مع ارتفاع الأسعار يعد تمريناً عملياً على فكرة المرونة والتكيف»، مطالبة الأهالي بـ«تعليم أبنائهم هذه القيمة من خلال الموقف».

وتضيف خضر لـ«الشرق الأوسط» أن «الأسر تلجأ عادة لبدائل أخرى، حتى لا تحرم أبناءها من الترفيه إذا لم تستطع تلبية طموحاتهم في السفر لمدن ساحلية، سواء بنزهات أمام النيل، أو بأخرى في حديقة عامة، أو حتى التمشية ليلاً». لكن آلاء ترى أنه «حتى البدائل ليست دائماً متاحة؛ فأنا لا أستطيع التحرك بـ3 أطفال في أعمار متقاربة في المواصلات العامة، وأي نزهة الآن تحتاج إلى مصاريف سيارة خاصة، وأخرى لتلبية احتياجات الأطفال؛ لذا عادة ما تكون خروجاتنا لزيارة الأقارب».

الإسكندرية وِجهة مفضلة لآلاف المصريين خلال الصيف (الشرق الأوسط)

وقال الباحث الاقتصادي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد رمضان، إن الأنشطة الترفيهية، ومن ضمنها المصيف، يتحكم فيها ما يتبقى من ميزانية الأسر بعد الإنفاق على بنود الحياة الأساسية من مأكل وملبس وتعليم وصحة وغيرها، مشيراً إلى أنه في مقابل زيادة الإنفاق على هذه البنود بفعل ارتفاع الأسعار، يتراجع هامش الترفيه لدى الأسر وتتغير أشكاله.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأسر تتكيف مع ميزانيتها المتغيرة؛ فتتجه مثلاً إلى قرية في (الساحل الشمالي) أقل تكلفة من (مراسي) لو كانت تعتاد قضاء المصيف فيها، أو تغيّر وِجهتها تماماً إلى مدن ساحلية أخرى أقل تكلفة مثل شرم الشيخ، أو الإسكندرية، وهكذا».

واعتبر رمضان أن «تراجع نسب الإنفاق على الترفيه في مصر يعكس بشكل مباشر الأزمة المعيشية لدى العديد من الطبقات».


مقالات ذات صلة

العثور على جثث 3 مصريين في نهر بكرواتيا

شمال افريقيا صورة من خليج يليناك في كرواتيا يوم 17 يوليو 2026 (رويترز)

العثور على جثث 3 مصريين في نهر بكرواتيا

قالت الشرطة في كرواتيا إنها عثرت على جثامين ثلاثة مصريين في نهر قرب العاصمة زغرب الثلاثاء، بعد يومين من الإبلاغ عن فقدانهم بعد ذهابهم للسباحة.

«الشرق الأوسط» (زغرب)
شمال افريقيا «سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

إشادة إسرائيلية بـ«سد النهضة» الإثيوبي وسط تصاعد التوتر مع مصر

دخلت إسرائيل بطريقة غير مباشرة على خط أزمة "سد النهضة" بين القاهرة وأديس أبابا، وأشادت بهذا البناء الضخم المطل على نهر النيل ودوره في مستقبل إثيوبيا.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح بعض مشروعات «منصة مصر الرقمية» في نوفمبر الماضي (الرئاسة)

شراكات في الذكاء الاصطناعي... تعاون أميركي لتعزيز البنية الرقمية المصرية

قال نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لانداو إن الولايات المتحدة ترى مصر شريكاً طبيعياً في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا وفد من لجنة حقوق الإنسان بالبرلمان الأوروبي تزور مصر (وزارة الخارجية المصرية)

«حقوق إنسان» البرلمان الأوروبي تثمِّن جهود مصر في تحمل «أعباء» اللاجئين

ثمَّن وفد برلماني أوروبي جهود مصر في تحمل «أعباء» استضافة اللاجئين، مؤكداً تفهمه للتحديات الاقتصادية والإقليمية التي تواجهها البلاد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا تطمينات حكومية مصرية بتوافر السلع الاستراتيجية مع عودة التوترات الإقليمية (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

مصر: تطمينات حكومية بتوافر السلع الاستراتيجية مع عودة التوترات الإقليمية

قدمت الحكومة المصرية تطمينات جديدة بتوافر مخزون كافٍ من السلع الاستراتيجية مع عودة التوترات الإقليمية.

عصام فضل (القاهرة )