ضمادة ذكية من «الهلام»... ثورة في علاج الجروح المزمنة

فريق بحثي سويسري يبتكر إسفنجة دقيقة تستهدف الالتهاب

الباحثة الرائدة بورتي إيمير أوغلو (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)
الباحثة الرائدة بورتي إيمير أوغلو (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)
TT

ضمادة ذكية من «الهلام»... ثورة في علاج الجروح المزمنة

الباحثة الرائدة بورتي إيمير أوغلو (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)
الباحثة الرائدة بورتي إيمير أوغلو (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)

طوَّر فريق من الباحثين في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ جلاً مائياً يُشبه الإسفنج، يمكنه تقليل الإشارات الالتهابية وتعزيز شفاء الجروح المزمنة بفاعلية كبيرة.

وكان هدف الباحثة الرائدة بورتي إيمير أوغلو، التي قادت الفريق البحثي، تطوير ضمادة جروح ذكية يُمكن أن تُؤثّر بفاعلية في عملية التئام الجروح المزمنة، عبر التقاط الإشارات الالتهابية من الأنسجة، وفي الوقت عينه دعم عمليات تجدُّد تلك الأنسجة.

قالت أوغلو: «نريد توجيه الجرح للخروج من حالة الالتهاب وإعطائه التعليمات الصحيحة للشفاء. نريد مساعدة الأنسجة على إرسال إشارة بأنّ الوقت قد حان للتجدُّد مرة أخرى».

وأضافت لموقع المعهد: «من الناحية التقنية، تتكوَّن الإسفنجة من جزيئات هلامية دقيقة، تُعرف باسم الهلاميات الدقيقة، لا تُرى بالعين المجرَّدة. وعند جمعها بأعداد كبيرة، تُكوّن بنية ناعمة تشبه الإسفنج الذي يملك قدرة امتصاص عالية».

تتكوّن الضمادة من هيدروجيل حُبيبي يلتقط إشارات الالتهاب (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)

واستطردت: «يمكن تزويد هذه البنية بما يُسمى بالربيطات، وهي جزيئات سطحية تستهدف جزيئات إشارات محدّدة كي ترتبط بها. هذا يُمكّن الإسفنجة من التمييز بين الإشارات المفيدة والضارة».، مضيفةً: «لا نريد امتصاص أي شيء وكلّ شيء، كما تفعل إسفنجة المطبخ؛ وإنما نحتاج إلى إزالة الجزيئات المسبِّبة للالتهابات بشكل انتقائي، وهي التي تُلحِق الضرر بالأنسجة المصابة، بالتزامن مع بدء العمليات الحيوية التي تُعزّز الشفاء».

وتُعدُّ الجروح المزمنة، مثل تلك المرتبطة بداء السكّري أو اضطرابات الدورة الدموية، مشكلة طبّية واسعة الانتشار. إذ يعاني عدد من المصابين من آفاتٍ جلدية مفتوحة بالكاد تلتئم لأشهر حتى سنوات. وغالباً ما يكون السبب استجابة مناعية مبالغاً فيها، فبدلاً من التقدّم نحو التجدّد، يبقى الجسم عالقاً في حلقة مستمرّة من النشاط الالتهابي المفرط.

مؤسِّسا «إيمونوسبونج» إيمير أوغلو وأبورف سينغ (المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا)

وكما أفادت دراستهم المنشورة في مجلة «مواد الرعاية الصحية المتقدّمة»، تُشكّل الجروح المزمنة تحدّياً طبّياً كبيراً يُثقل كاهل أنظمة الرعاية الصحية بتكاليف تُقدَّر بمليارات الدولارات سنوياً.

ومن هنا، جاءت أهمية شركة «إيمونوسبونج» الناشئة، التي أسّسها كل من إيمير أوغلو وأبورف سينغ، الباحثَيْن في مختبر البروفسور مارك تيبيت لهندسة الجزيئات الكبيرة في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا.

توضح أوغلو: «بإمكاننا توسيع الوحدات البنائية للابتكار الجديد، ما سيسمح لنا في المستقبل بتخصيص تقنيتنا لمختلف فئات المرضى والأمراض الأخرى».

ووفق نتائج الدراسة، يمكن استخدام الهلاميات المائية الحُبيبية القابلة للحقن على الجروح كونها ضمادة، إذ يمكن لانتشار السيتوكينات الالتهابية والتقاطها، إلى جانب إطلاق العوامل المحفّزة لتكوين الأوعية الدموية، أن يُحسِّن من نتائج التئام الجروح.

وبينما يُركّز الباحثون حالياً على جروح الجلد المزمنة، يُمكن لهذه التقنية أن تُساعد أيضاً في علاج تلف الأنسجة الداخلية، كما هي الحال في التئام العظام أو الغضاريف أو الأوتار.

وعلى عكس الطرق الحالية، مثل أجهزة الشفط الميكانيكية أو ضمادات الجروح غير المخصصة، التي تُجفّف الجرح تماماً، فإنّ ضمادة الجروح التي ابتكرتها أوغلو تستهدف السبب الجذري.

«نتعلّم الآن كيف تعمل السوق، وما يحتاج إليه الأطباء، وكيف يمكننا تحويل بحوثنا إلى منتج فعّال»، تقول أوغلو، التي تضيف أنّ هذا يُغيّر أيضاً منظورها: «نحن نتحدَّر من خلفية بحثية بحتة، إذ نادراً ما نتواصل مع المستخدمين. الآن، نتحدّث إلى الأطباء والممرّضين ورجال السوق وغيرهم من المهنيين، ونتعرَّف إلى وجهات نظرهم».

وتتابع: «نُراعي عامل الوقت في التطوير. فالأمر لا يتعلَّق بطرح منتج في السوق بأسرع وقت ممكن، وإنما بخلق منتج ذي قيمة طويلة الأجل».


مقالات ذات صلة

حيل غذائية للحفاظ على العضلات مع تقدم العمر

صحتك وجبة الإفطار الصحية المتوازنة لا بد أن تكون غنية بالبروتين (مجلة بريفنشن)

حيل غذائية للحفاظ على العضلات مع تقدم العمر

مع التقدم في العمر، يصبح الحصول على كمية كافية من البروتين أكثر أهمية للحفاظ على الكتلة العضلية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك عالج مرضى سرطان المستقيم عادةً بإجراء جراحي معقد يُسمى استئصال المساريق الكلي (TME) (بيكساباي)

تجربة سريرية تقدم أملاً في العلاج غير الجراحي لسرطان المستقيم

أظهرت دراسة سريرية واسعة النطاق أن مرضى سرطان المستقيم قد يتمكنون من تجنب الجراحة الكبرى والحاجة إلى كيس فغر القولون.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قصر النظر أحد اضطرابات الرؤية الشائعة (جامعة هدرسفيلد)

دراسة جديدة تعزز فاعلية الليزك في تصحيح الإبصار

توصلت مراجعة علمية دولية إلى أن جراحة الليزك قد تتفوق على العدسات اللاصقة من حيث رضا المرضى، وانخفاض معدلات المضاعفات لدى المصابين بقصر النظر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق الاختبار الجديد يساعد في تحديد السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر (جامعة واشنطن في سانت لويس)

اختبار جديد يحدد مؤشرات ألزهايمر بدقة عالية

أجازت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) تسويق اختبار دم مبتكر للمساعدة في تقييم الإصابة بمرض ألزهايمر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك قد يبدأ ضغط الدم بالانخفاض خلال أسبوع واحد من تقليل استهلاك الملح (بيكسلز)

ماذا يحدث لضغط الدم عند تقليل تناول الملح؟

قد يبدأ ضغط الدم بالانخفاض خلال أسبوع من تقليل الملح، فيما يتطلب بلوغ التأثير الكامل أسابيع عدة، وتختلف الاستجابة بين الأشخاص.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)

كشفت دراسة أميركية عن أن تطبيق «تيك توك» لعرض مقاطع الفيديو يُسهم في تشكيل شهية المراهقين.

وحسب الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية «Journal of Nutrition Education and Behavior»، المتخصصة في التغذية والعلوم السلوكية، فقد لُوحظ أن مشاهدة مقاطع الفيديو على «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين وتثير اهتمامهم من أجل تجربة أنواع جديدة من المأكولات.

وذكرت الباحثة من جامعة مينيسوتا، أدريانا بيل، أن «المراهقين يصفون (تيك توك) باعتباره بيئة جاذبة للغاية حيث تستحوذ مقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات على اهتمامهم بسرعة، وتثير رغبتهم في تجربة أصناف جديدة من الأطعمة»، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتؤكد الدراسة أن الآباء يمكنهم توفير الحماية للمراهقين من مخاطر هذه التطبيقات عن طريق متابعة المحتوى الذي يشاهده الأبناء، ومدى تأثير هذا المحتوى على سلوكياتهم.

وشملت الدراسة مجموعة من المتطوعين في سن المراهقة، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و16 عاماً من إحدى المدارس الثانوية من الغرب الأوسط الأميركي. وكشف المتطوعون في التجربة عن أنهم يشاهدون عدداً كبيراً من المقاطع التي تتناول تقييمات للمطاعم ووصفات للمأكولات، فضلاً عن نصائح وإعلانات بشأن الوجبات اليومية، وأكدوا أن هذه المقاطع تثير شهيتهم نحو تناول بعض الأطعمة والمأكولات.

وبالنسبة إلى المؤثرين على شبكة الإنترنت، ذكر بعض المراهقين في التجربة أنهم قد يرغبون في تناول بعض الأطعمة إذا كان المؤثر الذي يعرضها على الإنترنت يتسم بمظهر جيد.

ونقل الموقع الإلكتروني «هيلث داي»، المتخصص في الأبحاث الطبية، عن الباحثة أدريانا بيل قولها إن «الآباء يلعبون دوراً مهماً في منع التعرض لمقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات، وفتح نقاشات نقدية مع الأبناء بشأن هذا المحتوى».


رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
TT

رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)

رحل سليمان منصور عن 79 عاماً من حبِّ فلسطين وسَردِ حكايتها ألواناً وخطوطاً ووجوهاً. وُلدَ والنكبة بفارق سنة، هو يكبرها ببضعة أشهر. وكأنَّه أتى إلى الدنيا في تلك اللحظة تحديداً، كي يوثّق أحمال البلاد وجراحَها الكثيرة وذاكرتَها المعرّضة للتشويه والطمس.

قبل شهرٍ من موعد الرحيل، كان الرسام والفنان التشكيليّ يحتفل بعيد ميلاده. قال لمتابعيه الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه كلّما أطفأَ شمعةً شعر بأنه صغُرَ سنة. كان يحاول ممازحة المرض وتأجيل الموت؛ لأنه ومن قلب تعبِه كان يشدُّ على الريشة ويعزّ عليه أن تفلتَ منه.

خلال أيامه الأخيرة، كان لا يزال ينشر لوحاتٍ من أرشيفه على «إنستغرام». ثم تدهورت حالته الصحية ما دفع بابنه إلى التمنّي على مُحبّيه أن يذكروه في صلواتهم، قبل أن يعلن خبر الوفاة ناعياً والده بالقول إنه «ترك خلفه حياةً ملؤها الجمال، وإرثاً محفوراً في ذاكرة كل من عرف فنَّه».

أمضى سليمان منصور العمر وهو يرسم فلسطين حتى النفس الأخير (إنستغرام الفنان)

وُلد سليمان منصور في بيرزيت - فلسطين صيف 1947. أمضى جزءاً من طفولته وشبابه في الريف الفلسطيني مع أمّه التي تولّت الاعتناء به وبإخوته، بعد وفاة والده وهو في الرابعة من عمره. تأثّر بألوان الأرض، وبأيادي الفلّاحين. لعب بين أشجار الزيتون وتنشّق زهر الليمون. وبعد أن اكتنزت حواسُّه بطبيعة فلسطين، بدأ يسكبها على الورق.

في حوارٍ مع «الشرق الأوسط» سبق رحيله بسنتَين، استذكرَ كيف أن الأهل والجيران ظنّوا بدايةً أنه مجرّد طفلٍ يلهو بالأقلام والأوراق، إلى أن فاز بمسابقة رسم نظَّمتها الأمم المتحدة وهو في الـ13 من العمر.

بعثت ألوان سليمان منصور مزيداً من الحياة في صور أرض فلسطين (إنستغرام الفنان)

كَبُر سليمان منصور ليفهم أن حكاية فلسطين لا تُختصَر بأشجار الزيتون والليمون، وبمَشاهد حصاد القمح، وبالفساتين المطرّزة بخيطان الفرح. أيقنَ الشاب أنه آتٍ من أرضٍ مثقلة بالدم والظلم، أرضٍ كلّما زُرعت فيها غرسةُ حياة جاءت آلة القتل الإسرائيلية لتقتلعها.

من دون أن يتوقّف عن توثيق جمال الأرض، بدأ سليمان منصور يروي فصلاً جديداً من تاريخ فلسطين؛ فصل الثورة والكرامة والتمسّك بالجذور. ورغم قسوةِ الفصول التي توالت على البلاد، لم يغرق الفنان يوماً في السواد، ولم يبدّل الرقّة بالقسوة. «أردتُ رسمَ فلسطين بأسلوب رومانسي، ومن دون شوائب»، هكذا شرح خياره الفني لـ«الشرق الأوسط». صار منصور أحد روّاد الرمزيّة الواقعيّة بلوحاته التي تعكس مفهوم الصمود الفلسطيني.

رغم ظروف فلسطين الحالكة لطالما لمع الأمل من لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

من بين اللوحات، جاءت واحدةٌ لتشكِّل علامة فارقة ونقطة تحوّل في مسيرته. كان سليمان منصور في الـ26 يومَ رسم «جمل المحامل». مع تلك اللوحة التي تجسّد مسنّاً يحمل القدس والمسجد الأقصى على ظهره، دخل منصور كل بيتٍ فلسطينيّ حول العالم. كرّسه ذلك العمل أحد أبرز سفراء الفن الفلسطيني.

كان يعزّ على منصور أن العمر انقضى والفلسطينيّ ما زال يحمل مآسيه على كتفَيه ويجوب بها العالم. هو الذي واكبَ كل حقبةٍ من المأساة، لم يتصوَّر أن تبلغ الوحشيّة ذروتها وأن تمرّ من دون عقاب في زمن الإعلام العصريّ والتواصل الحديث. «كل فلسطيني يعرف أن الحركة الصهيونية ستسعى إلى طرده من أرضه عندما تحين الفرصة، لكني لم أتصوَّر أن تكون عملية الطرد بهذه الوحشيَّة. ظننتُ أن عصر النكبة قد ولَّى، وأن وسائل التواصل ستحمينا ولو قليلاً، لكني كنت على خطأ»، هكذا علَّق على حرب غزّة والمجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق الغزيين.

أعاد تاريخ الحقد الإسرائيلي نفسه في لوحات سليمان منصور من النكبة إلى مجازر غزة (إنستغرام الفنان)

جال سليمان منصور بفنِّه قارات العالم. فتحت له كبرى العواصم أبواب معارضها. حاضرَ في الرسم والتشكيل ولم يبخل بخبرته وموهبته على الأجيال الصاعدة. لكنه لم يرسم يوماً سوى فلسطين. هو ريشة فلسطين التي جمعت بين الرقّة والثورة، وصنعت معجزة الفرح رغم الأحزان المتكدِّسة عبر الأجيال. كانت للرسّام الفلسطيني اليدُ الطولى في الحفاظ على هوية بلاده وتعريف الشعوب بها.

لوحة سليمان منصور هي ابنةُ أرضها. تستعين بعناصرها الطبيعية وبرموزها بوصفها موادَّ أولية ومصادرَ وحي، فتأتي النتيجة محاكاةً للإرث الفلسطيني تاريخاً وجغرافيا.

لوحة «قطاف الزيتون» من عام 1990 بريشة سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

عام 1980، وتعبيراً عن الصمود والاكتفاء بخيرات الأرض، رسمَ سليمان منصور لوحة «إفطار فلسطيني»، وهي مائدة عليها خبز الطابون والطماطم والبصل والزيتون.

ومع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وكموقفٍ سياسيّ يترجم الاكتفاء الذاتي تزامناً مع مقاطعة البضائع الإسرائيلية، راح منصور يبحث عن مواد من الطبيعة لاستعمالها في الفن. صار يخلط الطين بمكوّنات الطعام مثل السمّاق، والكمّون، والقهوة، والحنّاء. «كانت أعمالي في تلك الفترة تجريدية، ولاحقاً ركزت على الطين ودلالاته الإنسانية والسياسية ليعود فنّي إلى الواقعية».

تعدّدت المواد والتقنيات وبقيَت الرموز الفلسطينية ثابتة في لوحات سليمان منصور، كالزيِّ التقليدي المطرز، والكوفية، وطيور الحمام، وشجر الزيتون، وسنابل القمح، وقبة الأقصى، والعائلة المقدسة.

تعبِّر لوحة «إفطار فلسطيني» عن مفهوم الصمود والاكتفاء الذاتي (إنستغرام الفنان)

من أبرز الرموز التي اكتنزت لوحات سليمان منصور، المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرّز والمنديل الطويل الذي يغطّي شعرها. المرأة في لوحاته هي الأرض والأمومة والخصوبة والثمر. كان في طليعة أهدافه «تقديم الإنسان الفلسطيني بأجمل صورة، خصوصاً من خلال المرأة التي هي رمز الوطن. لا أراها سوى جميلة بعنقها الممشوق الذي يرمز إلى شموخها. كما يجب أن تكون يداها قويّتَين تجسيداً لارتباطها بالأرض والعمل، ثم يأتي الثوب التقليدي ليكمِّل هويتها الفلسطينية».

المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرَّز من أبرز رموز لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

أدرك سليمان منصور مبكراً أن أحد تكتيكات الحرب الإسرائيلية هي محاولة شيطنة الفلسطيني وتشويه صورته، فوقف بريشتِه بالمرصاد. من بين أساليب المواجهة التي اعتمدها، التذكير بأن العائلة المقدسة هي فلسطينية فألبسَ السيّد المسيح الكوفية. «تجسيد العائلة المقدّسة كعائلةٍ فلسطينية، هو جزء من جهد إعادة الإنسانية إلى الفلسطينيين، وهو تذكير بأن المسيح كان فلسطينياً بثقافتَيه المادية والمعنوية، بغضِّ النظر عن هوية إيمانه».

سليمان منصور هو الرسام الذي ألبسَ المسيح الكوفية الفلسطينية (إنستغرام الفنان)

في حواره الأخير مع «الشرق الأوسط»، والذي سُجِّل بعد أشهرٍ على اندلاع حرب غزة، سألتُ سليمان منصور عن اللوحة الحلم التي لم يرسمها بعد. أجاب: «أنا أحلم برسم فلسطين محرّرة وجميلة من دون عمليات تجميل».

أخذَ الحلم معه ورحل من دون أن يعرف ربما أنه تجاوزَ بريشته الواقع الأليم والتاريخ الدامي، فرسمَ فلسطين عروساً لا ينضب جمالُها، وأرضاً من الزهر والطيب لا تقدرُ عليها آلةُ التشويه المتوحشة.


السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
TT

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

وذكرت وزارة الثقافة السعودية أن المركز سيشكّل منصة للتعريف بالثقافة السعودية، وإبراز عمقها التاريخي وتنوعها الإبداعي، من خلال تنظيم البرامج الثقافية النوعية، وإشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته.

وسيعمل المركز على دعم حضور الممارسين الثقافيين السعوديين دولياً، وتعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين في البلدين، وبناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الثقافية السعودية والفرنسية، بما يتيح تبادل الخبرات، وتنفيذ المبادرات المشتركة.

ويجسّد إنشاء المركز ما تشهده علاقات البلدين من تطور مستمر، ويؤكّد حرص السعودية على تعزيز حضورها الثقافي الدولي، وتقديم صورة ثقافية أصيلة تعرّف العالم بإرثها الحضاري، وإنتاجها الإبداعي المعاصر.