«قطعان الخيال» تجتاح شوارع لندن في نداء فنّي لإنقاذ المناخ

رحلة عالمية لدمى بالحجم الطبيعي توظّف التعاون المجتمعي لإيقاظ الوعي البيئي

جسدٌ من ورق وقلب من احتجاج (إ.ب.أ)
جسدٌ من ورق وقلب من احتجاج (إ.ب.أ)
TT

«قطعان الخيال» تجتاح شوارع لندن في نداء فنّي لإنقاذ المناخ

جسدٌ من ورق وقلب من احتجاج (إ.ب.أ)
جسدٌ من ورق وقلب من احتجاج (إ.ب.أ)

احتضنت شوارع لندن مشهداً آسِراً تمثَّل في موكب من التماثيل الحيوانية بالحجم الطبيعي، تجوب المدينة مثل قطعان فوق رقعة فنّية نادرة. وصيغت الدمى من خامات مُعاد تدويرها، حاملةً في ثناياها حركة وإيقاعاً ورسالة بيئية صارخة، ضمن رحلة عالمية تُجسّد نداءً جمالياً لإنقاذ المناخ.

بدأت رحلة القطيع في لندن من جسرها الشهير، وواصل المسير عبر حي "سوهو"، و"سومرست هاوس"، وحدائق كورام فيلدز للأطفال، والشارع الرئيسي بحي كامدن، وستراتفورد، ليلتقي خلال الطريق براقصين وموسيقيين وعروض مسرحية. وتحوَّلت المساحات العامة في المدينة إلى مسارح متحرّكة للخيال والتأمّل، فشهدت منطقة "كامدن تاون" عرض صيد رمزياً يجمع بين المجاز البيئي والمسرح التفاعلي في الشارع، في حين أضاف راقصو فرقة «سادلرز ويلز إيست» طاقتهم الحركيّة للمسيرة في ستراتفورد.

القطيع لدى وصوله إلى لندن (إ.ب.أ)

لكن لندن لم تكن نقطة البداية لهذه الرحلة، وإنما محطة في مسار فنّي أطول بكثير. فقد بدأ القطيع مسيرته في 9 أبريل (نيسان) بكينشاسا، عاصمة الكونغو الديمقراطية، وهي منطقة تعاني بشدة من التدهور البيئي. ومن هناك، واصلت المسير شمالاً عبر مدن أفريقية كبرى مثل لاغوس، وداكار، ومراكش، والدار البيضاء، والرباط. وفي كلّ محطة، تعاون فنانون محلّيون ونشطاء بيئيون وراقصون وموسيقيون مع المشروع، مما عمَّق رسالته الثقافية والبيئية.

جانب من استعراض "القطيع" في لندن (أ.ب)

وصلت «القطعان» إلى أوروبا في 1 يونيو (حزيران) الحالي، بدءاً من مدينة سان فيرناندو بإقليم قادش في إسبانيا، حيث استُقبِلت برقصة الفلامنكو أدّتها فرقة «هيرماناس فيليز». وفي مدريد، تفاعلت مع أعمال الفنان الحضري الشهير «سوسو 33»، ورقصت مع الفرقة الوطنية للرقص في موقعٍ كان في السابق سوقاً للماشية، وأُعيد تخيّله على أنه مركز للفنون الإبداعية. وفي آرل بفرنسا، ابتكرت فرقة «غرات سييل» عرضاً هوائياً بهلوانياً احتفالاً بوصوله، وفي فينيسيا شاركت ضمن «بينالي دانزا 2025»، في عرض من تصميم أنطوني ماتسينا.

دمى الحيوانات بالحجم الطبيعي في لندن بعد رحلتهم من حوض الكونغو إلى الدائرة القطبية الشمالية (أ.ف.ب)

أما في باريس، فاستقرَّت في ظلال فندق «هوتيل دو فيل» خلال احتفالات «عيد الموسيقى»، وامتزجت مع النسيج العمراني العريق للمدينة في مشهد شاعري. وبعد لندن، سيتابع القطيع رحلته نحو مانشستر الكبرى، ليكون جزءاً من فعاليات «مهرجان مانشستر الدولي» بالشراكة مع أوركسترا «مانشستر كاميراتا»، ثم سيمرّ عبر روتشدايل وويغان، قبل التوجُّه إلى الدول الإسكندنافية.

تشمل أبرز محطات الشمال عرضاً ليلياً طويلاً في آرهوس، من تأليف كريستيان إيدنيس أندرسن، واستعراضاً مسرحياً في ساحة أوفيليا في كوبنهاغن بالتعاون مع المسرح الملكي الدنماركي. وفي استوكهولم، سيقتحم القطيع مركز «سكيرهولمن» التجاري قبل أن يحتلّ ساحة «سيرغيلس توري». وسيكون ختام الرحلة في تروندهايم، من 28 إلى 30 يوليو (تموز)، إذ سيُدمج القطيع في طقوس الشعب السامي الأصلي ضمن فعاليات مهرجان «أولافسفيست»، استعداداً لاختفائه باتجاه الدائرة القطبية الشمالية.

"القطيع" يصل إلى "تاور بريدج" بلندن (أ.ف.ب)

الدمى المصمَّمة على هيئة حيوانات، مثل الزرافات والفيلة والظباء والأُسود، صُنعت من الكرتون والخشب المُعاد تدويره، لتُجسّد مفهوم الاستدامة البيئية بروح فنّية خلاقة. ومع كل محطّة، تُضاف إلى القطيع كائنات جديدة تُصنع محلّياً، في تعبير عن المرونة والتكيُّف في وجه التغيّرات البيئية. كما تنضمّ إلى الرحلة حيوانات تُمثّل التنوّع البيولوجي في كلّ منطقة، من قرود «الفرفت» في نيجيريا، إلى الغزلان والذئاب في أوروبا، والرنة في النرويج.

ويصف المخرج الفنّي أمير نزار زعبي هذا العرض بأنه «نداء حيّ يتنفس، ويجتاح القارات مثل صرخة تحضُّ على العمل».

بالنسبة إليه وإلى فريقه في «ذا ووك برودكشنز»، فإنّ الفنّ ليس حالة سلبية، بل محفِّز. ومن خلال جذب الجمهور إلى مساحات وتجارب مشتركة، يدعو «القطعان» الناس للتفكير فيما يُفقَد، وما لا يزال بالإمكان حمايته، وما يجب التحرّك العاجل من أجله.

رحلة عالمية توظّف الفنّ الحيّ لإيقاظ الوعي (إ.ب.أ)

إلى جانب العروض، يتضمَّن المشروع برامج تعليمية، وورشات عمل لصنع الدمى للأطفال، وورشات توعية بالمناخ، بعضها بإشراف طلاب من كلية ويمبلدون للفنون الذين ساعدوا في تصميم النماذج الأولية. وهو يُعرض رقمياً من خلال منصة «بلومبرغ كونكتس»، ليُتيح للناس الاطّلاع على كواليس هذه الهجرة الفنّية الضخمة.

في كلّ مدينة، يترك «القطيع» أثراً أعمق من مجرّد خطوات على الأرض؛ إنه يوقظ الأسئلة ويثير الأحاسيس ويبني جسوراً بين الخيال والواقع، بين الفنّ والنشاط، بين الصمت والاحتجاج. ومع اقترابه من الشمال الهشّ، فإنه يحمل معه ليس فقط جمال الفنّ، وإنما أيضاً رسالة بيئية عاجلة.


مقالات ذات صلة

حريق أحراش شمال مدريد يأتي على 13 ألف هكتار

أوروبا طائرة مروحية تساعد في إطفاء حرائق الغابات في مالقة بإسبانيا (د.ب.أ)

حريق أحراش شمال مدريد يأتي على 13 ألف هكتار

أعلنت السلطات الإسبانية أن حريقاً اندلع الخميس على مسافة حوالي مائة كيلومتر شمال مدريد أتى على 13 ألف هكتار، متسبباً بإجلاء مئات الأشخاص.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
يتجمع رواد الشاطئ في «بلاج دي بروفيت» بمرسيليا (أ.ف.ب)

فرنسا تواجه موجات الحر بنظام شبكات البرد الحضري

تُقدَّم شبكات البرد الحضري الفرنسية التي تتيح إنتاج مياه مجمّدة وتوزيعها في شبكات من الأنابيب لخفض حرارة المباني خلال موجات الحر كحلّ فعّال وغير باهظ التكلفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا رجال إطفاء يعملون في موقع حريق غابات في أوريس شمال منطقة أراغون بإسبانيا 15 يوليو 2026 في هذه اللقطة المأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

ماكرون يحذّر من صيف «شديد» فيما تستعر حرائق الغابات في أوروبا

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، إن بلاده تشهد أشد حرائق غابات ضراوة منذ الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا ترش فرق الإطفاء نحو 9000 لتر من الماء على الأجزاء الرئيسية من مدرج المطار في النرويج (رويترز)

بالطائرات المسيرة والطلاء الأبيض... أوروبا تحاول حماية البنية التحتية من الحر

تلجأ الدول الأوروبية إلى مجموعة متنوعة من الحلول لمواجهة موجات الحرارة القياسية.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان مع وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي ورئيس مؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين «COP31» مراد قوروم (وزارة الطاقة)

السعودية وتركيا تعززان التنسيق المناخي قبيل مؤتمر «كوب 31»

بحث وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان مع وزير البيئة والتخطيط العمراني والتغير المناخي التركي مراد قوروم، التعاون المشترك في مجال العمل المناخي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)