كشفُ سرّ الضوء الخافت الذي يشعّ من الدماغ

في الأعماق الصامتة للمخّ يلمع نور لا تراه العين

العقل أيضاً يشعّ (غيتي)
العقل أيضاً يشعّ (غيتي)
TT

كشفُ سرّ الضوء الخافت الذي يشعّ من الدماغ

العقل أيضاً يشعّ (غيتي)
العقل أيضاً يشعّ (غيتي)

الضوء سرّ من أسرار الحياة، وعنصر رئيسي في استمرارية مختلف الأنظمة البيئية على الأرض، حتى إنّ بعض الكائنات الحيّة مثل الديدان والأسماك تشعّ ضوءاً من تلقائها. ويُفسّر العلماء هذه الظاهرة بما يُطلق عليه اسم «الفوتونات الحيوية»، وهي جسيمات مضيئة تنبعث نتيجة للعمليات الكيميائية الحيويّة، وتقترن بتوليد الطاقة داخل الخلايا الحيّة. وكلما زادت كمية الطاقة التي تستهلكها الخلايا، ازدادت كمية الضوء المنبعثة من الأنسجة الحيّة.

في هذا السياق، توصّل فريق بحثي كندي إلى أنَّ المخّ البشري يشعّ ضوءاً خافتاً خلال عملية التفكير، وطبيعة انبعاث الفوتونات الحيويّة تتغيّر في أثناء أداء العمليات المعرفية المختلفة داخل العقل. ورغم أنَّ العلاقة بين انبعاث هذا الضوء الخافت في المخّ وبين الأنشطة المعرفية لا تزال غير واضحة تماماً، يعتقد باحثون من جامعة ويلفريد لاورير في مدينة أونتاريو الكندية أنّ هذه الجسيمات المضيئة تلعب دوراً مهماً في وظائف المخّ المتعدّدة.

ونقلت «وكالة الأنباء الألمانية» عن رئيسة فريق الدراسة نيروشا موروغان، المتخصّصة في علوم الفيزياء الحيويّة، قولها إنّ علماء معنيين بدراسة الأنسجة الحيّة، بما فيها الخلايا العصبيّة، رصدوا انبعاثات ضعيفة من الضوء ناجمة عن تولّد بضع عشرات إلى مئات عدّة من الفوتونات داخل عيّنات من الأنسجة الحيّة بحجم سنتيمتر مربع في الثانية الواحدة، وذلك ضمن أوعية الاختبار المعملية.

ومنذ القرن الماضي، يُعتقد أنّ الفوتونات الحيويّة تلعب دوراً في التواصل بين الخلايا. فعام 1923، أثبت العالم الروسي ألكسندر غورويتش أنَّ وضع حواجز لحجب الفوتونات داخل جذور البصل يمنع نمو النبات. وقد أكدت دراسات عدّة خلال العقود الماضية أنّ هذه الجسيمات الضوئية تؤثر في نمو الكائنات الحيّة وتطوّرها.

وانطلاقاً من ذلك، بدأت موروغان وفريقها البحثي بتتبّع هذه الظاهرة في العقل البشري، وتقصّي أسبابها عبر قياس كمية الفوتونات التي يبعثها المخّ خلال العمل. وفي إطار التجربة التي نُشرت في الدورية العلمية «آي ساينس»، ارتدى 20 متطوّعاً أغطية رأس مزوّدة بأقطاب لتسجيل النشاط الكهربائي للمخّ، بالإضافة إلى تثبيت أنابيب خاصة على الرأس لتضخيم أيّ انبعاث ضوئي خلال التفكير، ما أتاح إمكان رصد هذه الانبعاثات.

ووجد الباحثون أنّ عناقيد الفوتونات المضيئة تتركّز في منطقتين أساسيتين من المخّ: الفصوص القذالية في الجزء الخلفي من الرأس، وهي المنطقة المسؤولة عن معالجة الصور البصرية؛ والفصوص الصدغية على جانبي الرأس، وهي الجزء المعنيّ بمعالجة الأصوات. وتقول موروغان لموقع «ساينتيفيك أميركان» المتخصّص في البحوث العلمية: «أول نتيجة لهذه التجربة هي أنّ الفوتونات تنبعث فعلاً من المخّ، وتحدُث هذه العملية بشكل مستقلّ، وليست خداعاً بصرياً ولا عملية عشوائية».

بعد ذلك، اتجهت موروغان إلى قياس ما إذا كانت كثافة هذه الانبعاثات تتغيَّر مع اختلاف العملية المعرفية التي ينخرط فيها المخّ. ونظراً إلى أنّ المخ عضو شرِه في استهلاك الطاقة، افترضت أنَّ كثافة الفوتونات المنبعثة ستزداد كلما شارك في أنشطة معرفية تتطلَّب طاقة أكبر، مثل معالجة الصور البصرية.

ووجد الباحثون أنّ التغيرات في كمية الجسيمات المضيئة ترتبط بتغيُّر الوظائف المعرفية التي يؤدّيها المخّ، كما يحدُث عند إغلاق العين ثم فتحها مجدداً، ما يشير إلى وجود علاقة ما بين التحوّلات الذهنية وكميات الفوتونات الحيويّة المنبعثة من العقل.

وتطرح هذه التجربة مزيداً من التساؤلات بشأن الدور الذي تؤدّيه الفوتونات المضيئة داخل المخّ. ويقول اختصاصي الفيزياء الحيويّة في جامعة أوبورن بولاية ألاباما الأميركية، مايكل غرامليش، لموقع «ساينتيفيك أميركان»: «أعتقد أنّ ثمة كثيراً من أوجه الغموض التي لا تزال تنتظر التفسير، لكن السؤال الجوهري هو: هل تمثّل الجسيمات المضيئة آلية نشطة لتغيير النشاط العقلي؟ أم أنّ دورها يقتصر على تعزيز آليات التفكير التقليدية؟».

ويتساءل اختصاصي الفيزياء الحيوية في جامعة بولونيا الإيطالية، الباحث دانيل ريمونديني، عن المسافة التي يمكن أن تقطعها الفوتونات الحيوية داخل الأنسجة الحيّة، إذ إنّ الإجابة على هذا السؤال قد تُضيء على العلاقة بين الوظائف العقلية وانبعاث الضوء في مناطق مختلفة من المخّ.

وتسعى موروغان وفريقها إلى استخدام أجهزة استشعار دقيقة لرصد مصدر انبعاث الفوتونات داخل المخّ. في هذا الإطار، يعمل فريق بحثي من جامعة روشستر في نيويورك على تطوير مسبارات متناهية الصغر لتحديد ما إذا كانت الألياف العصبية في الدماغ تنتج هذه الجسيمات المضيئة.

وبصرف النظر عمّا إذا كان هذا الضوء الخافت الذي ينبعث بانتظام من المخّ مرتبطاً بوظائف عقلية أم لا، فإنّ تقنية قياس حجم الفوتونات الحيويّة المضيئة وعلاقتها بالإشارات الكهربائية للمخ، والمعروفة باسم «Photoencephalography»، قد تُصبح يوماً ما وسيلة فعّالة لعلاج اضطرابات الدماغ بطرق غير تدخّلية.

يختم غرامليش: «أعتقد أنّ هذه التقنية ستُعمَّم على نطاق واسع خلال العقود المقبلة، حتى وإن لم تُثبَت النظرية المتعلّقة بدور الفوتونات في دعم الأنشطة العقلية».


مقالات ذات صلة

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

علوم بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

طور فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين، في ما وصفاه بأنه تقدم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سيارة تابعة ﻟ«مكتب التحقيقات الفيدرالي» الأميركي (إف بي آي) أمام مقره في واشنطن يوم 3 فبراير 2025 (رويترز)

فنزويلا تسلم مطلوباً لدى «إف بي آي» إلى الولايات المتحدة

سلمت فنزويلا مواطناً مطلوباً لدى مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي «إف بي آي» إلى الولايات المتحدة لمحاكمته

«الشرق الأوسط» (كاراكاس)
يوميات الشرق رأسان يتقاسمان دهشة الولادة (مركز نيو إنغلاند للحياة البرّية)

سلحفاة برأسين... واحدة أم اثنتان؟

شارك مركز «كيب للحياة البرّية»، في بارنستابل بولاية ماساتشوستس الأميركية، صورةً لسلحفاة من نوع «ألماسية الظهر» برأسين.

«الشرق الأوسط» (ماساتشوستس )
يوميات الشرق الكارثة كبيرة... أما الممر إليها فبحجم صرصور (بي آر إيميج)

«صراصير مسعفة» تشقّ طريقها تحت الأنقاض

تُجرى تجارب على صراصير عملاقة مزودة بكاميرات ومحاقن طبية، لتدريبها بوصفها «مستجيبة أولية» مُحتَملة في حالات الزلازل...

«الشرق الأوسط» (كوينزلاند - أستراليا)
يوميات الشرق مرّت الحياة من غرفة العمليات (جامعة ليفربول)

إنقاذ الثعبان «جودي فوستر» من السرطان

احتفت حديقة حيوانات بريطانية، الجمعة، بشفاء ثعبان من نوع البايثون الشبكي، سُمّي تيمناً بنجمة هوليوود «جودي فوستر»، من السرطان...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حنان حوحو ترسم ما تتركه السنوات في النساء

ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)
ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)
TT

حنان حوحو ترسم ما تتركه السنوات في النساء

ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)
ما أثقل ما نحمله من أنفسنا (الشرق الأوسط)

لمنتصف العمر قسوة مصدرها أنّ الإنسان يصل إليه وقد أصبح بارعاً في العيش على نحو معيّن. تتوزَّع أيامه على التزامات يعرفها جيداً. تستقرّ علاقاته وتتكرَّر عاداته حتى يغدو التغيير أشبه بمساسٍ بالنظام الذي أمضى سنوات في إقامته. بالنسبة إلى المرأة خصوصاً، قد يكون ثمن هذا الاستقرار باهظاً. فالقدرة على تلبية حاجات الآخرين كثيراً ما تُكافَأ بمزيد من المَطالِب، إلى أن يصير العطاء صفةً متوقَّعَة منها، والتعب شأناً خاصاً عليها تدبّره وحدها.

في معرض «Midlife» (منتصف العمر) الذي تُقدّمه الفنانة اللبنانية حنان حوحو في غاليري «وادي 99» بوسط بيروت، بتنسيق لارا سلمان، يشهد الجسد على هذا التاريخ. نساء ممتلئات يسترحن أو يتعانقن أو ينظرن إلى انعكاساتهن. أخريات يجلسن فوق حقائب أو ينكفئن على أنفسهن. في هذه المَشاهد، تطفو إلى السطح مشاعر راكمتها سنوات من الانشغال بالآخرين، حتى اعتادت المرأة تأجيل الالتفات إليها.

تمنح حوحو أجساد نسائها أحجاماً كبيرة وتترك لرؤوسهن حيّزاً ضئيلاً. تستحوذ الأجساد على مساحة اللوحة، فيما تتشابه الوجوه إلى حدّ يصعب معه تمييز امرأة عن أخرى. وقد يُرى أثرُ حياةٍ أصبح فيها الجسد مطالَباً بأكثر ممّا تستطيع صاحبته الإفصاح عنه. إنه الجسد الذي يعمل ويحتمل ويتقدَّم في السنّ تحت أنظار الآخرين. وفي الوقت نفسه، هو مَوْضع قلق دائم لدى امرأة تعلَّمت منذ صغرها أن تُراقِب مظهرها وتربط شيئاً من قيمتها بقدرتها على الحفاظ عليه.

العمر يمضي... والمقاييس تبقى (الشرق الأوسط)

تستمرّ المقاييس الخارجية في أداء عملها بعد غياب أصحابها. فالمرأة التي اعتادت مقارنة جسدها بصورة مرغوبة اجتماعياً قد تحتفظ بتلك الصورة حتى حين تصبح أقلّ اهتماماً برأي الآخرين. تكبُر وهي تنظر إلى نفسها بعين تشكَّلت في شبابها. عندئذ يصبح الزمن تجربة انقسام بين الجسد الذي تعيش فيه والصورة التي لا تزال تطلب منه مطابقتها.

وفي المعرض حضور لفكرة الأداء. تُقابِل الملابس الأنيقة والأحذية العالية، أجساد تستسلم للجلوس وأحذية متروكة على الأرض. وراء هذا الحرص على المظهر، جهدٌ تبذله المرأة لتحافظ على هيئة مقبولة حتى في أشدّ لحظات الإرهاق. ويصير خلع الحذاء فعلاً يحمل رغبة في الخروج مؤقتاً من واجب الظهور المُتماسِك. فالإنسان يحتاج أحياناً إلى مكان يستطيع فيه أن يكون مُتعَباً من دون أن يُبرّر تعبه.

أما النساء المُتلاصقات والمُتشابِهات فينقلن الاهتمام إلى علاقة الفرد بالجماعة. فالأدوار التي تتبنّاها المرأة داخل الأسرة والمجتمع تدخل تدريجياً في تكوينها. وقد تصبح الأم أو الزوجة أو المسؤولة عن الآخرين عاجزة عن تصوُّر نفسها خارج هذه الصفات، حتى حين تشعر بأنها استنفدت جزءاً كبيراً من طاقتها. وما يجعل مراجعة تلك الأدوار مؤلِمة، أنّ الروابط التي صنعتها حقيقية ومحبوبة. فالاستقلال يحمل معه احتمال جَرْح أشخاص ارتبطت بهم حياتها، ويحتاج إلى إعادة توزيع للمسؤوليات اعتاد الجميع استقرارها على نحو واحد.

وتشير الحقائب المُتراكمة في بعض اللوحات إلى ما تحمله المرأة من مراحل سابقة. فالأعباء القديمة قد تصبح أيضاً مألوفة إلى درجة يصعب التخلّي عنها. يتعلَّم الإنسان التعايُش مع ما يُثقله، وقد يشعر بالضياع حين يُطلَب منه أخيراً أن يضعه جانباً.

وُلدت حنان حوحو عام 1970، وترأس قسم الهندسة الداخلية في كلية الفنون الجميلة والعمارة بالجامعة اللبنانية. وقد جعلت من الجسد الأنثوي الممتلئ مفردةً أساسية في تجربتها الفنّية. وفي هذا المعرض، تستحضر أفكار المحلّل النفسي اليونغي جيمس هوليس عن النصف الثاني من الحياة، حيث يبدأ الإنسان بمراجعة الأدوار التي عاش من خلالها والتوقّعات التي ورثها.

نساء أثقلتهنّ الأدوار أكثر من السنوات (الشرق الأوسط)

لكن التحدّي الذي تُواجهه أعمالها يتّصل بقدرتها على تحويل هذا التصوُّر النفسي إلى تجربة تشكيلية مستقلّة. فالتشابه بين الشخصيات يتكرَّر أحياناً من دون أن ينتج اختلافاً كافياً في معانيه. وتُقدّم بعض اللوحات أفكارها من خلال إشارات شديدة الوضوح، ثم تأتي النصوص المُرافِقة لتشرحها مرّة أخرى. ويترك ذلك انطباعاً بأنّ المعرض يعرف ما يريد قوله قبل أن يبدأ الرسم، والصورة تتولّى في بعض الأحيان تأكيد الفكرة أكثر من تعميقها.

ثمة أعمال تسمح فيها الأجساد المُتداخلة والعلاقات المكانية بقراءات متعدّدة. أما حين تتحوّل الحقيبة إلى مُرادف للعبء، أو شريط القياس إلى اختصار للحُكُم الاجتماعي، فتضيق قدرة الصورة على مفاجأة المُتلقّي. وتبقى قوة المعرض الفكرية أكبر من تماسُك لغته التشكيلية.

تأتي مرحلة في حياة المرأة تتغيَّر فيها علاقتها بنظرة الآخرين إليها، ويصبح رضاها عن نفسها أكثر إلحاحاً من رضاهم عنها. ومع السنوات، تخفّ الرغبة في إثبات شيء للعالم، ويصبح العيش وفق القناعات الشخصية أكثر أهميةً من نيل إعجابه.


معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
TT

معالجة علمية جديدة لأبرز مراجع التاريخ السعودي

اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)
اعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر مع مقابلة عدة نسخ أخرى (الشرق الأوسط)

دشنت «دارة الملك عبد العزيز» في الرياض نسخة محققة جديدة من كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» للمؤرخ عثمان بن بشر، بعد أن حظي الكتاب بمعالجة علمية اعتمدت على نسخة بخط المؤلف نفسه أساساً للتحقيق، مع مقابلتها بعدة نسخ أخرى، إلى جانب أعمال المراجعة والتدقيق التي شملت تصحيح المفاهيم، وتوضيح المصطلحات، وإثراء الهوامش والتعليقات العلمية، بما يخدم النص التاريخي، وييسر قراءته والإفادة منه.

ورعى الأمير فيصل بن سلمان بن عبد العزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، رئيس مجلس إدارة الدارة، الأربعاء، حفل تدشين «برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد»، وإطلاق أول إصداراته المتمثل في هذا الكتاب.

وقال تركي الشويعر الرئيس التنفيذي للدارة، إن المؤرخين الأوائل تركوا تراثاً علمياً نفيساً، حفظ أخبار الدولة والمجتمع وسير الرجال وتحولات الزمان والمكان، وأصبح إنتاجهم شاهداً على تاريخ الوطن.

وأضاف في كلمته، خلال حفل التدشين، أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز شجَّع على إيداع المصادر لدى الدارة، إيماناً منه بقيمتها التاريخية، وأرسى من خلال الدارة نهجاً مؤسسياً لجمع المصادر وحفظها والاستفادة منها.

من جهته، أوضح اللواء علي البشر، في كلمة أسرة المؤرخ، أن التاريخ عند ابن بشر لم يكن سرداً للوقائع بل عبرة لمن يعتبر، مضيفاً أن «ابن بشر ارتبط بصلات مع أئمة الدولة السعودية وحضر مجالس عدد منهم، وكان شاهداً على تاريخ الدولة، وقد أدرك أهمية كتابة التاريخ، ونهض بهذه الأمانة، وتثبت فيما ينقل من الأخبار».

من حفل تدشين الدارة لـ«برنامج الأعمال الكاملة للمؤرخين الرواد» وإطلاق أول إصداراته (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن «كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أهم مصادر تاريخ الدولة السعودية، وقد بناه مؤلفه على الحوليات، ووثق الحوادث عبر السنين، ذاكراً أحداثها السياسية والاجتماعية».

ويأتي البرنامج ضمن جهود الدارة لحفظ الإرث التاريخي الوطني، وإثراء مصادره، عبر مشروع علمي يُعنى بجمع أعمال المؤرخين الرواد وحصرها ودراستها وتحقيقها وتوثيقها، ونشرها وفق منهج علمي رصين، بما يشمل مؤلفاتهم ومخطوطاتهم ووثائقهم وغيرها من المواد التاريخية، وإتاحتها للباحثين والمهتمين، بما يعزز الإفادة منها في الدراسات، ويسهم في صون هذا الإرث المعرفي للأجيال القادمة.

ويُعد كتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» أحد أبرز المصادر التاريخية القريبة زمنياً من أحداث تأسيس الدولة السعودية، وسجلاً مهماً لتاريخ نجد والجزيرة العربية؛ لما يتضمنه من توثيق للأحداث والتحولات التاريخية التي شهدتها المنطقة، مما يمنحه مكانة علمية بارزة لدى الباحثين والدارسين في التاريخ السعودي.

واعتمد التحقيق الجديد للكتاب على نسخة أحفاد ابن بشر أساساً، مع مقابلة عدد من النسخ الأخرى وإثبات الفروق بينها في الهوامش، وتضمنت المعالجة تصحيح المفاهيم، وشرح المصطلحات غير المفهومة، وإثراء هوامش الكتاب، وتنظيم المادة التاريخية.

وتولى تحقيق الكتاب ودراسته الدكتور فهد السماري، والدكتور ناصر الجهيمي، والأستاذ أيمن الحنيحن، وصدر العمل في ثلاثة مجلدات.

سيرة بن بشر ونتاجه

وُلد المؤرخ عثمان بن بشر، في بلدة جلاجل عام 1210 هجري (1795م)، ونشأ فيها، ثم انتقل إلى الدرعية طلباً لعلوم الشريعة من علمائها، وحظي بمكانة مرموقة بين أهل العلم والمجتمع، وارتبط بعلاقات وثيقة مع آئمة الدولة السعودية وحضر مجالسهم.

وأخذ ابن بشر العلم عن عدد من العلماء البارزين في نجد، وتوثقت صلته بأهل العلم بالمراسلات واللقاءات العلمية، وتنوع نتاجه بين التاريخ والفلك والأنواء والخيل والأدب والتراجم، مع ما جمعه من وثائق ومخطوطات ذات قيمة علمية.

وسجَّل ابن بشر في كتابه أحداثاً من تاريخ نجد والجزيرة العربية والدولة السعودية، ويعد من المصادر التاريخية المهمة، ويتناول الأحداث التاريخية من سنة 850 هجرية، ويتسلسل في سرده التاريخي حتى أحداث سنة 1267 هجرية، وفق تنظيم زمني منهجي.

وتوفي ابن بشر في جلاجل سنة 1290 هجرية (1873م) عن نحو ثمانين عاماً، تاركاً وراءه مسيرة علمية حافلة بالمؤلفات والوثائق والمخطوطات.

ويشكّل هذا الإصدار انطلاقة لمرحلة جديدة من جهود الدارة في جمع تراث المؤرخين الرواد وتحقيقه ونشره، وتعزيز حضوره في المشهد البحثي والمعرفي، وإتاحة مصادر التاريخ السعودي وفق أسس علمية موثقة.


دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
TT

دنيا سمير غانم تفتح صفحة غنائية جديدة عبر «الله يعيني»

الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)
الملصق الدعائي لأغنية «الله يعيني» (حسابها على فيسبوك)

تفتح الفنانة المصرية دُنيا سمير غانم صفحة جديدة في مسيرتها باعتبارها مطربة عبر أحدث ألبوماتها «الدلال» الذي اختارت أن تطرحه في موسم الخريف لتغرد منفردة بعيداً عن الصيف الذي كان مزدحماً بألبومات النجوم.

وطرحت دُنيا أولى أغنيات الألبوم الثلاثاء بعنوان «الله يعيني» وكتبت عبر حسابها على «إنستغرام»: انتظروا أغنيتي الجديدة «الله يعيني» من ألبوم «الدلال»، التي طرحتها على «يوتيوب» وجميع منصات الديجيتال.

وتُعد «الله يعيني» أغنية عاطفية تجمع بين العتاب واللوم وإحساس الخذلان الذي تواجهه امرأة من حبيبها فتتمنى أن يعينها الله على نسيانه.

الأغنية من كلمات الشاعر مصطفى ناصر وألحان عمرو مصطفى وتوزيع النابلسي، وتعد الأغنية اللقاء الثاني بين مصطفى ناصر وصوت دنيا سمير غانم بعد أن جمعتهما أغنية «أسيب نفسي وأغني» قبل 3 سنوات، والتي عادت بها دنيا للغناء بعد رحيل والديها، وقد أهدتها لهما.

دنيا سمير غانم تراهن على ألبومها الجديد (حسابها على فيسبوك)

وكشف ناصر كواليس أغنية «الله يعيني»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن «الأغنية بدأت عبر ثيمة لحنية وضعها الملحن عمرو مصطفى وأنه كتب كلماتها بمجرد أن استمع إلى اللحن»، مؤكداً أنه انتهى منها خلال نصف ساعة فقط، لافتاً إلى أن «كيمياء خاصة تجمعه بعمرو مصطفى، حيث قدما معاً أكثر من 45 أغنية، من بينها (أكتر وأكتر) لعمرو دياب، و(مشيتي) لمحمد حماقي، و(سيبوه يفكر في زمان) التي غناها عمرو مصطفى، و(كداب) لسميرة سعيد».

ولفت إلى أن دنيا تحمست بمجرد أن استمعت إليها من المُلحن وقررت أن تغنيها، ويرى مصطفى ناصر أن الأغنية تعبر عن حالة شخص تلقى كثيراً من الوعود الحالمة وصدقها ثم استيقظ ليجد نفسه أمام وعود زائفة، مشيراً إلى أن التوزيع الموسيقي الذي قام به «النابلسي» على إيقاعات المقسوم والإيقاعات الشرقية حقق الحالة الكاملة للأغنية كما لو كانت «رقصة على الأحزان».

ووصف ناصر دنيا سمير غانم بأنها «فنانة متعددة المواهب»، وقال إنها نجحت كونها مطربة، مثلما نجحت ممثلة، واصفاً صوتها بأنه من «أكثر الأصوات دفئاً وشجناً وإحساساً، فهو قادر على توصيل الحالة الغنائية للمتلقي بشكل صحيح»، لافتاً إلى أنها «كونها مطربة لم تغب عن الغناء بل تحرص في أغلب أعمالها الدرامية على الغناء»، مشيداً بذكاء اختيارها لهذا التوقيت لطرح ألبومها، لا سيما أن شهور الصيف كانت مليئة بالألبومات، وقد تلقى الجمهور جرعة دسمة منها، واختارت هي توقيتاً منفرداً، معولة على جمهورها وموهبتها واختياراتها»، حسبما يقول.

دنيا مع الملحن عمرو مصطفى (حسابها على إنستغرام)

وأصدرت دنيا سمير غانم الأغنية التي أطلقت شهرتها «مش قادرة أصدق» ضمن ألبوم «فري ماكس 4» عام 2005، وطرحت ألبوماً في 2013 ضم 9 أغنيات، وجمعت ببراعة بين الغناء والتمثيل لا سيما في أعمالها الاستعراضية، كما شاركت بالغناء مع الفنان أحمد مكي في أغنيتي «دور بنفسك» و«الحلم».

وعَدّ الناقد الموسيقي أحمد السماحي دنيا من «الأصوات الفطرية والسليمة في الأداء الغنائي والصادقة في كل ما تقدمه، سواء في أغنيات بها شقاوة أو دراما»، لافتاً إلى أن «أغنية (الله يعيني) أغنية درامية تراهن على تجربة للتعبير العاطفي القريب من الجمهور»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المُلحن عمرو مصطفى قد استفاد من مرونة صوت دنيا وقدرتها على المزج بين الإحساس والعفوية، كما بدت كلمات مصطفى ناصر فرصة لتقديم حالة وجدانية تلامس المستمع».

دنيا سمير غانم تعود للغناء مجدداً (حسابها على إنستغرام)

ورأى السماحي أن البطل في هذه الأغنية هو موزعها النابلسي، حيث جاء توزيعه متميزاً جداً وتمكن من توصيل الهوية الصوتية لدنيا سمير غانم مع أعمال المكساج والماستر لخالد سند، لافتاً إلى أن أغنية «الله يعيني» تلعب على ثيمة أغنية «حكايتي مع الزمان» التي كتبها الشاعر الكبير محمد حمزة، وغنتها الفنانة وردة في السبعينات.

وشدد السماحي على أنه في ظل صوت محبوب مثل دنيا وتوافر عناصر إنتاج مختلفة فإن الأغنية تتميز بـ«صدق الأداء» و«خصوصية اللحن» و«ابتكار التوزيع» لكنها ليست «أغنية عظيمة». على حد تعبيره.