مقتطفات من مذكرات محمد الشارخ الرائد الكويتي الذي عرّب الحاسوب

أسس «صخر» وهيأ للعربية مكاناً في الثورة الرقمية

الراحل محمد الشارخ
الراحل محمد الشارخ
TT

مقتطفات من مذكرات محمد الشارخ الرائد الكويتي الذي عرّب الحاسوب

الراحل محمد الشارخ
الراحل محمد الشارخ

هو الرائد الذي أدخل اللغة العربية إلى الفضاء المتنامي للحواسيب. أسس الكويتي محمد عبد الرحمن الشارخ شركة «صخر» في سنوات مبكرة من ثمانينات القرن الماضي وهيأ للغتنا الجميلة مكاناً في الثورة الرقمية وتقنياتها الحديثة. لكن سيرة الشارخ لم تقتصر على هذا الإنجاز، بل حفلت حياته بمحطات هي جزء من تاريخ بلده ومنطقة الخليج. درس في القاهرة وحافظ على صداقات مع العشرات من مثقفيها وفنانيها. أسس مشروع «كتاب في جريدة»، وساهم في تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس ونال «جائزة الملك فيصل العالمية».

الشارخ في صباه (خاص)

عاش محمد الشارخ 82 عاماً وسجّل في سنواته الأخيرة محطات من حياته، هي ما تنشر «الشرق الأوسط» مقاطع منها هنا، بعد مرور عام ونيف على رحيله. وهو قد استهل تلك المحطات بالجو الذي عاشه في طفولته وكان له أكبر الأثر في حبه للغة العربية، يكتب:

في البيت كان المتنبي في كل مكان. الوالد (تُوفي وعمري سنتان) وعمي وأخي يقرضان الشعر النبطي. وكنت أقرأ أو أطالع كل ما تقع عيناي عليه حتى قُصاصات الجرائد الملقاة في الطرقات. في الثانية عشرة قرأت للعقاد كتاب «الله». وفي الرابعة عشرة قرأت لدوستوفسكي رواية «الجريمة والعقاب»، ترجمة سامي الدروبي. وفي السادسة عشرة كتبت لحصة الإنشاء بحثاً من عشرين صفحة عن المعتزلة. تركتُ المدرسة، والتحقتُ بالعمل في دائرة السلكي واللاسلكي بعد أن تسلمتها الحكومة من الإدارة الإنجليزية. وبعد عام ندمتُ وعُدت للمدرسة لكن في المساء لأني لم أشأ التخلي عن المرتب، وأكملتُ الثانوية وتوجهتُ للقاهرة لدراسة الاقتصاد الذي لم يكن اختياري. فالملحق الثقافي الكويتي هو الذي ينسِّق دخول الطلبة للجامعات المصرية. وهو كان ابن عمتي. لم يعجبه اختياري الصحافة أو الفلسفة. وكانت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي أُنشئت قبل عام من ذلك التاريخ تمثل مطمح الآباء لأبنائهم، ولا تقبل إلا المتفوقين بالثانوية، ودرجاتي المدرسية تسمح بذلك؛ لذا قرَّر إلحاقي بهذه الكلية. وحين أتيت من الإجازة الصيفية للدراسة، وسألته لماذا غيَّر رغبتي؟ قال لي: «ما هذا الهُراء... صحافة وفلسفة...!».

ينتقل الشارخ بعد ذلك ليتحدث عن تعرفه على الموسيقى، يقول: في شقة زميلي المصري في دائرة السلكي واللاسلكي، فؤاد جرجس، سمعت الموسيقى الكلاسيكية للمرة الأولى. وكان نصحني بتدريب أذني على الاستماع للموسيقى الكلاسيكية الخفيفة مثل فالسات شتراوس وكمنجات فيفالدي. وفيما بعد عرَّفني على زميله في دائرة التلغراف بمصر الناقد الأدبي محيي الدين محمد السوداني، المصري الذي كنتُ أقرأ له نقداً في مجلة «الآداب» البيروتية. وفي أول زيارة لي للقاهرة صحبتُ محيي الدين في لقاء مع الشباب من أدباء ذاك الزمان. وفي غرفته المظلمة في عابدين مع كوب الشاي المليء بالسكر سمعت الأوبرا، وكان محيي يُردد كلماتها بالإيطالية، وقد عرفت فيما بعد أنه لا يتحدث الإيطالية. كان مدخل العمارة التي يسكن في الطابق الثاني منها مع أهله شديد الظلام، والدَّرج أكثر حلكة، وفي غرفته الصغيرة جدّاً شُباك صغير في أعلى الجدار يدخل منه نور شحيح. هناك جلست ساعات ومحيي الدين يغني أوبرا - لا أذكر الآن ما هي - ويرسمني. أول بورتريه لي في سن التاسعة عشرة.

في سن 19 بريشة الناقد محيي الدين السوداني (خاص)

حين وصل الشارخ إلى القاهرة كطالب عام 1961 ارتبط بالصداقة مع العديد من الأدباء. وهو يتذكر: كنا نلتقي كل يوم جمعة في شقة اللاجئ السياسي الأردني والمثقف الكبير الروائي غالب هلسا. كانت الجلسات تضم شباب الأدباء آنذاك كعلاء الديب، وعبد المحسن طه بدر، وأبو المعاطي وفاروق شوشة، وسليمان فيَّاض بالإضافة لمحيي الدين. وكان من بين الحضور إبراهيم منصور، النزق المتمرد الفوضوي طويل اللسان خفيف الروح ذو الذائقة الأدبية الراقية. وهو من نشر لي دون استئذاني أو إبلاغي أول قصة «قيس وليلى» في المجلة الستينية الطليعية «جاليري 68». وكنتُ قد كتبتها سنة 65 سنة تخرُّجي من الجامعة. قرأناها في إحدى تلك الجلسات في البلكونة الضيفة المطلة على شارع الدقي كثير الضجيج، ورائحة الكباب تتصاعد من كبابجي الدقي. وعن طريق هؤلاء الأدباء تعرَّفت على شباب الرسامين المصريين آنذاك مثل حسن سليمان، وأحمد مرسي، وآدم حنين، والبهجوري. ثم التقيت بصديق العمر الرسَّام الصوفي جميل شفيق الذي لا تزال ذكرى صداقته تحيط بي أينما حللت، واكتشفت بعد عمر طويل أنني كوَّنتُ ثروة دون أن أقصد وذلك باقتنائي العديد من لوحاتهم.

مع نجيب محفوظ وعدد من الأدباء في مقهى ريش (خاص)

عاد الشارخ إلى الكويت والتحق بالصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية. وبعد ثلاثة أعوام رُقِّي لمنصب نائب المدير العام. عن تلك المحطة يكتب: عملت مع جهابذة الاقتصاد: عصام عاشور، سليم الحص، إبراهيم شحاتة، زكريا نصر، صائب جارودي، أولئك الذين جمعهم مدير الصندوق نظيف اليد محب الأوبرا والرسم عبد اللطيف الحمد. وقد استفدنا آنذاك من بُعد النظر والدعم السياسي الذي منحنا إياه العروبي صاحب السمو الأمير الراحل جابر الأحمد الصباح الذي وافق آنذاك، مثلاً، على تمويل خط أنبوب الغاز الجزائري رغم معارضة وعتاب البنك الدولي وفرنسا المتشبثة باتفاقية إفيان الموقعة مع الجزائر والتي تنص على المحافظة على المصالح الفرنسية هناك، وأهمها النفط والغاز. وبعد أن تسلم الثوار الجزائريون الحكم لم يعد لتلك الاتفاقية قدسية لديهم.

ويمضي منتقلاً إلى محطة أخرى: العمل في الصندوق آنذاك كان مشحوناً بالنقاشات الاقتصادية الراقية ونحن ندرس مشاريع التنمية المختلفة في البلاد العربية التي زرت أغلبها وقابلت وزراءها ورؤساء الكثير منها، واستمعتُ وشاهدتُ ولمستُ المشاكل التي يواجهونها في تطوير بلدانهم. غير أني أردت أن أعود للدراسة فتوجهت إلى الولايات المتحدة والتحقت بكلية وليامز، الأولى تعليماً بين الكليات الأميركية. حصلت على الماجستير في الاقتصاد. تمنيت لمن أحبهم ألا يذهبوا للدراسة في تلك الكلية لصعوبتها من جهة، ولقسوة الطقس (شمال غرب ماساشوتس) من جهة أخرى. وقد اغتنمت عطلة الصيف لألتحق بمعهد هوفر للحرب والسلام في ستانفورد وتلقيت حصة في تاريخ الخليج مع المستشرق الأميركي جورج رنتز. وهو الذي عرَّفني، للمرة الأولى، على أن عائلتنا الشارخ من روضة سدير في نجد وليست من عنيزة، رغم وجود باب الشارخ هناك.

لكن المحطات المبكرة من الحياة لا تخلو من دبيب القلب. وهنا يكتب صاحب المذكرات: كنت راغباً في الزواج. ولم يكن المرتب يكفي لتكاليف حياة زوجية هانئة. وأنا بطبعي عاجز عن الإفساد، فأسست بقرض من صديق شركة تجارية قمت بتسجيلها رسميّاً باسم العالمية للإلكترونيات، وفي 10/7/1970 بعد الظهر ركبت الطائرة لأبدأ شهر عسل حقيقيّاً مع ربة الجمال والعشرة موضي محمد الصقير. تزوجنا بعد اثني عشر شهراً طويلاً من مكابدة الخطوبة بانتظار انتهاء السنة الدراسية وحصولها على الشهادة الثانوية.

الشارخ وزوجته السيدة موضي الصقير (خاص)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العمل في واشنطن مع مكنمارا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد سنتين، انتُدب الشارخ للعمل في مجلس إدارة البنك الدولي بواشنطن. كان يرأسه روبرت ماكنمارا. وشارك في اجتماعات لجنة العشرين المكلفة بإصلاح نظام النقد الدولي، ومن بين أعضائها جيسكار ديستان وهلموت شميت اللذان أصبحا فيما بعد رؤساء فرنسا وألمانيا.

يروي: أنهكني العمل في واشنطن لا بسبب كثرة السفر إلى المنطقة والحديث إلى وزراء مالية الدول التي أمثلها، وإنما لكثرة حفلات الاستقبال الدبلوماسية. فواشنطن العاصمة تحظى بكل السفارات. والوزراء العرب يزورون البنك. وعليك أن تكون مواكباً نشطاً وفعَّالاً، إن استطعت، لهذه الالتزامات المهنية والاجتماعية. كما أن عليك أن تكون يقظاً لما يجري في واشنطن هنا وهناك بسبب الارتفاع الكبير لأسعار النفط سنة 1973، وظهور مشكلة تدوير عوائده التي صورتنا في الدوائر والإعلام الغربي كما لو كنا سُرَّاق العالم. سمعنا الكلمات المؤججة، والنظرات الشزرة، والدفع الكبير بمبادرات ومشاريع لتدوير أموال النفط في أروقة البنك الدولي ودهاليز صندوق النقد حتى كان المرء يتمنى أن يكون في اليوم 40 ساعة، وأن تكون له أربع أعين وعشر أقدام ليسرع الخطى للاجتماع التالي.

ــــــــــــــــــــــــــــ

السكن في «ووترغيت»

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي ذلك الخضم في 15 أغسطس (آب) 1973 رُزِقْنا بأول مولود لنا، وحين سمعت صوته وأنا في غرفة الولادة بالمستشفى، شعرت بجسمي يرتفع عن الأرض كما لو كنت أطير. وهو شعور لم يحدث ثانيةً في حياتي. كانت الساعة الرابعة صباحاً حين مضيت مسرعاً إلى شقتي وجلست في البلكونة المطلة على نهر البوتوماك مع فنجان قهوة، وبدأت أكتب قصة عن ميلاد فهد على شكل رسالة طويلة للصديق الفنان أحمد مرسي الذي يقطن نيويورك. وفي الثانية عشرة عُدت لزوجتي لأقرأ ما كتبت، وهي تنصت وتشير بيدها احذف هذا المقطع وهذه الجملة، هذه أسرارنا الشخصية، ونشرت القصة فيما بعد بعنوان «المخاض». ولم أتوقف عن كتابة القصص. كنت أكتب حين أكتب دون تخطيط أو تأمل مسبق. إنها الكتابة. أنت لا تحتاج كقاص أن تفكر بها. هي التي تأتيك وتقودك لمطلعها ونهايتها. القص متعة. نشرت ثلاث مجموعات قصصية ورواية عن معاناة العائلة الخليجية في خضم تفاقم الثروات والانغماس بالعالم.

في شاليه بالكويت مع عدد من الفنانين والأدباء العرب (خاص)

شقة العائلة كانت في بناية «ووترغيت» التي أطاحت بالرئيس نيكسون حين أمر بالتجسس على أعمال الحزب الديمقراطي. ويكتب الشارخ أن البناية يملكها الفاتيكان ويديرها السيد وليامز، وهو شخص ضخم الجثة شديد الاحمرار، مغرم بالفتيات الآسيويات صغيرات الحجم كما كان يُردِّد. وهناك مركز كيندي للفنون حيث نذهب مشياً لنستمع للموسيقى والأوبرا كلما سنحت الفرصة. وبعد سنوات عديدة، اشتريت في لندن شقة بجانب قاعة ألبرت الملكية، حيث نمشي خطوات لنستمتع بالموسيقى والأوبرا. وفي واشنطن، في مكاتب البنك الدولي، وفي اجتماعات مجلس الإدارة... هناك شاهدتُ من فوق ومن بعيد الشرق الأوسط صغيراً وبائساً وأحياناً مضحكاً في آماله وتطلعاته التي لا تصاحبها القدرة على التنفيذ، وكأنما الأماني تتحقق بالخزعبلات. وبالرغم من مناورات ماكنمارا لبقائي في واشنطن والعمل في البنك، أو تعريفه بي في بنوك الاستثمار بنيويورك، ورغم رغبة زوجتي في البقـاء بواشنطن حيث أحبت الاستقلال من الواجبات الاجتماعيـة التي ترهق الإنسان في بلادنا، خاصة المرأة، فقد ارتأيتُ العودة للكويت لأن الأمير جابر الأحمد (رحمه الله) وكان آنذاك رئيس الوزراء، قد طلب أن أعود لأؤسس بنك الكويت الصناعي.

مع الشيخ جابر الأحمد في افتتاح البنك الصناعي الكويتي (خاص)

ــــــــــــــــــــــــــــ

تأسيس البنك الصناعي

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

شمَّرت الساعدين، وأردتها فرصة لإثبات قدرتنا على تأسيس مصارف دون الاستعانة بإدارة بنك أجنبي، كما هي العادة آنذاك عند تأسيس أي مؤسسة مصرفية في الخليج. كان عقد التأسيس ينص على تسمية المؤسسة الشركة الكويتية للاستثمار الصناعي، ووجدت الاسم طويلاً فغيّرته دون استشارة أحد، وطبعت كافة أوراق البنك باسم بنك الكويت الصناعي (IBK) على غرار اسم بنك اليابان الصناعي. والملفت للنظر أن أحداً لم ينظر لمغزى هذا التغيير أو أسبابه. ذهبت شمالاً وجنوباً أبحث عن خبرات تساعد في تأسيس البنك. وجمعتُ أفراداً متميزين في مجالاتهم الهندسية والقانونية والمالية مستفيداً من طريقة عمل «IFC» التابعة للبنك الدولي والمتخصصة في الاستثمار مع القطاع الخاص في تمويل المشاريع الصناعية في البلاد النامية وإدارتها. أسست نظاماً للعمل لا يسمح بتسرب المحسوبية أو الفساد. ورأستُ مجلس الإدارة وكنت المدير العام التنفيذي لمدة أربع سنوات.

ثم يمضي الشارخ في شرح أهداف البنوك الصناعية في تمويل الصناعات في البلاد النامية، ويعني ذلك إحلال صناعة محلية بدل الاستيراد، ثم في تطوير سوق رأس المال بتوفير أدوات تمويل طويلة الأجل تحتاجها الصناعة. ويكتب أن مساهمي البنوك اعترضوا على سوق رأس المال لأنها ستأخذ جزءاً من عمليات التمويل التي يقدمونها للقطاع الخاص. ويقول: وما زاد الطين بلَّة أنني تقدمت بمذكرة للبنك المركزي أشرح فيها ضرورة إفصاح البنوك عن احتياطاتها السرية لكي تكون لدى المستثمرين صورة أوضح عن ملاءة البنك. ولم يكن هذا مما يسر إدارة البنوك التي كانت ترى أن السرية ضرورية لحماية مساهميها من المضاربة في سوق الأسهم. كما أنه كان هناك تناقض بين جهة الترخيص للمشاريع الصناعية، وهي وزارة التجارة والصناعة، وبين تمويل هذه المشاريع من قبل البنك. فقد كنت أرى أن نمول ما نعتقد أنه ذو مردود اقتصادي، وبذلك رفضنا تمويل عدد من المشاريع المرخَّصة من وزارة التجارة والصناعة. وأصبح السؤال قائماً: من يقرر صلاحية مشروع صناعي، وزارة التجارة والصناعة أم البنك الصناعي وهما دائرتان تمثلان الدولة؟ علاوة على اعتبار أن البنك يعطل مصالح أصحاب المشاريع المرفوضة وبعضهم وزراء أو ذوو نفوذ في المجتمع؛ وبذلك خلقت لنفسي أعداء من أناس أكنّ لهم التقدير. لقد كنت مثل قول الأشعري: حاذيت خطو الله لا أمامه ولا خلفه. وهذا غير مقبول في عالم المال والصناعة. نعم كنت فظَّاً ومدفوعاً برغبة صادقة بتطوير الكويت على أسس اقتصادية راسخة. وهكذا تركت البنك بعد خمس سنوات من التأسيس أخذت مني جهداً كبيراً وكوَّنت لي عداوات كثيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولادة «صخر»

ــــــــــــــــــــــــــــ

وهكذا وفي عام 1978 قرر الشارخ التفرغ للعمل التجاري في الشركة العالمية للإلكترونيات. وهي شركة كانت تحصل على توكيلات من شركات عالمية وتبيع منتجاتها في السوق المحلية بهامش ربح جيد. غير أنه، بعد سنوات، وجد هذا النشاط المربح مملاً ويفتقر إلى الخيال الخلّاق والإبداع والتحدي. من هنا قرر، عام 1982، الدخول في تطوير برامج الكومبيوتر تحت اسم «صخر للبرامج». ويكتب أنه اختار بمفرده هذا الاسم بالاستعانة بشركة يابانية تختص بصنع العلامات التجارية دون معرفتها باللغة العربية، ولذلك قصة.

عن هذه التجربة الرائدة يسجل في المذكرات: في واشنطن زودتنا إدارة البنك بوسائل كمبيوترية لاسترجاع البيانات واستخلاص المطلوب، وكان السؤال آنذاك: هل يمكن للعرب ولغتهم غير الإنجليزية أن يجدوا حلّاً لتوطين هذه التقنية بلغتهم؟ وفي الشركة العالمية أنتجت ياماها YAMAHA التي كنا نوزع منتجاتها أورغون مخزَّناً به نغمات الألحان الغربية. وطلبنا منها إضافة النغمات العربية وزوَّدناها بها وضمنوها منتجاتهم فزادات مبيعاتها في السوق العربية. وكنَّا أيضاَ نمثل أتاري ATARI الأكثر شهرة آنذاك في الألعاب المكتوبة بالإنجليزية. واقترحنا عليهم تعريبها. وقمنا بالتعريب وأنتجوها. وفي الثمانينيات ظهر الحاسب الشخصي والاستغناء عن الآلة الكاتبة، فرأيتها فرصة لتعريب الكومبيوتر. كنت أدرك آنذاك أن الدولة العربية - أياً كانت - لن تعرّب الكومبيوتر. والشركات الدولية ترى عن حق أن السوق العربية صغيرة لا تستحق الصرف والاستثمار للتعريب. ورجال الأعمال العرب لن يستثمروا في مجال مخاطره كبيرة. وذات مساء، بعد عشاء رسمي، استفزني الأخضر غزال عضو الأكاديمية الملكية المغربية والمسؤول الرسمي عن اللغة العربية في المغرب، بتأكيده أن العربية في طريقها للانزواء مثل اللاتينية التي لم تعد تعيش سوى في بعض الكنائس. والسبب في ذلك أن العربية لا تواكب التطور اللغوي خاصة في مجال التقنيات والعلوم. فرأيت أن الرد المباشر العملي هو تعريب التقنية الجديدة جداً آنذاك، أي تعريب الكومبيوتر.

يشرح صاحب المذكرات ما واجهه لتحقيق فكرته. فللغة العربية مشكلات أولاها أنها لم تحدِّث علومها أو معجمها منذ قرون، بسبب ذلك الانفصال الطويل بين أمجاد العربية والعصر الحديث. وحتى محاولات المحدِّثين العرب اللغوية، من المسيحيين بالخصوص، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت رغم جديتها وإخلاصها الشخصي تقوم أساساً على معاجم قديمة. والسبب الثاني أن أغلب النخب العربية المتعلِّمة في الغرب لم تتمكن حتى اليوم من إدراك أولوية تحديث العربية على مسار النهضة والتقدم. والثالث أن هناك أكثر من عشرين دولة عربية تتحدث العربية، ولا تُعتبَر أي منها نفسها مسؤولة عنها. أي أنها لغة بدون أب؛ ولذا فكل لغات العالم لها معاجم حديثة ما عدا العربية. كما أن هذه الدول لم تضع الأساليب الحديثة لتعليم العربية في المدارس فظل التلاميذ يكرهون تعلمها لصعوبة النحو والقواعد والإملاء مع أن ابن خلدون قد قال لنا منذ زمان بعيد «أن تعلم النحو هو شغل النحويين». وفي العالم الحديث يركِّز تعليم اللغات على القراءة وبالذات القراءة بالموضوعات والمصطلحات الحديثة، أي ليس عن طريق: «ضرب زيد عمراً» الذي لا يمتّ لثقافة العصر.

حاسوب صخر

وأخيراً وليس آخراً، يسجل الشارخ أن للغة العربية طبيعةً لا توجد في أي لغة أخرى إذ يأخذ كل حرف فيها إمكانية لفظه بأشكال خمسة، هي الفتحة والكسرة والضمة والسكون والشدة. وبدون هذا التشكيل لا يُفهم معنى الكلمة. وقد وضع قواعد هذه الأحرف العالم اللغوي البصري ثقافةً والعماني أصلاً الخليل بن أحمد الفراهيدي. وهو الذي أسَّس أيضاً قواعد العروض. ولعبقريته الفذَّة فإنه حتى اليوم لم تهتز أسس قواعده العلمية، رغم محاولات الشعر الحديث.

«وها أنا أواجه كل هذه المشاكل فمن أين نبدأ؟ لنبدأ أولاً بالأسهل، وهو الصرف الذي لا يشكل أكثر من 20 في المائة من مقررات النحو والصرف في الثانوية. كما أن قواعده محدودة وسهلة ويمكن برمجتها. وبعد سنتين من العمل تم بناء نظام الصرف الإلكتروني، وبدأنا تطبيقه في أصعب نص عربي ألا وهو القرآن الكريم. كيف تم ذلك؟ شددت العزم وتوكلت. إنها الإرادة والعزيمة بغض النظر عن الجهد والعائد. الهدف تحديث العربية عن طريق التقنيات الحديثة. يا له من هدف»!

كوَّن صاحب «صخر» فريقاً من المبرمجين بدأوا بأجهزة بسيطة في منطقة الجابرية في الكويت، في ثلاثة منازل يملكها الشارخ وبمخالفات لأنظمة البلدية التي لا تسمح للأعمال في مناطق السكن. ويحكي عن تلك المرحلة بدون أن يغمط السيدة زوجته حقها، قائلاً: إلى جانبي كانت أم فهد الصبورة والواثقة بقدرة زوجها وطموحه. تمرُّ مساءً على الموظفين، وتساعد بهِمَّة وإخلاص شديدين مراجعات برنامج القرآن الكريم الذي قمنا بها 45 مرة. وقبل ذلك كانت تساعد في تجميع المادة للبرامج التعليمية وتصنيفها، ولأنها خريجة قسم التاريخ فكانت المسؤولة عن تدقيق المعلومات التاريخية في برامجنا، وعن إعداد البرنامج العظيم عن الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود. ولولا نجاح هذه البرامج التعليمية التي انتشرت في كافة الأسواق العربية لما تمكنا من البقاء. كان مردودها يعود للاستثمار من جديد في أبحاثنا لبرمجة اللغة العربية.

براءة اختراع (خاص)

بعد الصرف، حذَّره المختصون من الاقتراب من التشكيل الآلي لأن تطويره قد يستغرق عشر سنوات للوصول إلى نتائج مقبولة. وكان ذلك يتطلب دراسة علم جديد نشأ وتطور مع نشأة علوم الكومبيوتر، وهو علم اللغويات الحاسوبية أو اللسانيات الحاسوبية Computunal Linguistics. ولم تكن الجامعات العربية تدرِّس هذا العلم مما اضطر الشارخ لإرسال بعثات لدراسته في الجامعات الأميركية المعروفة في هذا التخصص مثل معهد ماساشوسيتس MIT وجامعة جنوب كاليفورنيا. وكان على رأس المبعوثين الدكتور الراحل نبيل علي الذي أشرف على إنجاز الصرف والعديد من البرامج التعليمية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

600 لغوي للتشكيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكتب الشارخ: تمكنَّا بعد تسع سنوات من إنجاز التشكيل. وكان الإنفاق كبيراً لمساهمة أكثر من 600 لغويّ، وعشرات المبرمجين ومهندسي النظم، ونحن في الحقيقة كنا في خضم الأعمال البحثية الأساسية حيث لا تُعرَف النتائج إلا بعد إنجاز العمل. وإذا لم تؤدِ التجارب لما نريد نبحث عن تقنية غيرها أو برمجة أخرى. وبذا تكوَّنت لدينا ذخيرة لغوية يصل عدد مفرداتها مئات الملايين، منسقة بأساليب اللسانيات الحديثة. وأخيراً تم التوصل لنظام للتشكيل الآلي. وكان ذلك نصراً عظيماً يفوق كل ما عانيناه في البحث والتجريب والإعادة والإنفاق والخوف من عدم بلوغ نتيجة مقبولة.

فماذا سيفعلون بالتشكيل الآلي؟

«الواقع إننا نكتب دون أن نشكِّل الكلمات، ولا يوجد تشكيل إلا في بعض الدراسات الأدبية لبعض منشورات المطبعة الكاثوليكية في بيروت وبعض الدراسات الإسلامية. ومع ذلك فنحن نفهم الجملة وكلماتها دون أن نشكِّلها. كيف ذلك؟ في الحقيقة نحن نفهم الكلمة في سياقها من النظر بطرفة عين، بفضل مخزون ذاكرتنا الذاتية. ثم نقرأها. أي أننا نفهم ثم نقرأ. أو هما عمليتان تتمان في الوقت نفسه. وعلى هذا الأساس بنينا نظاماً للتشكيل الإلزامي. Mandatory Diacritics وهو ما يحتاجه العرب فعلاً، ولكننا لم نتمكن من تسويقه لأسباب قد نأتي لشرحها فيما بعد حين. أعرض لخلافنا الشهير مع مايكروسوف وقرصنتها تقنياتنا خلال فترة احتلال الكويت. تلك الفترة الصعبة والمؤلمة إذ صِرنا لاجئين، وقضيت تلك الفترة بين الرياض وجدة أعمل في مكاتب الشركة العالمية، وأسست مقرّاً جديداً لصخر في القاهرة حيث تتوفر الكفاءات المطلوبة».

هناك ثلاثة مجالات في علوم الحاسب تحتاج للتشكيل الآلي وهي قراءة النصوص آليّاً Text Reading والتعرف الضوئي على الأحرف OCR والترجمة الآلية، بالإضافة للعديد من تقنيات استرجاع النصوص وتلخيصها والبحث فيها. ويروي الشارخ: اتصل بي مبعوثنا نبيل علي وكان يحضر مؤتمراً في جامعة كمبردج في إنجلترا عن اللغويات الحاسوبية، وأفادني بأن مهندسين رُوساً يعرضون في المؤتمر OCR باللغة العربية. وفوراً طلبت منه أن يحدد موعداً للاجتماع بهم. كان ذلك في 22 ديسمبر (كانون الأول) فأفاد بأنهم لا بد أن يعودوا لبلدهم بمناسبة أعياد رأس السنة. فطلبت منه تحديد موعد معهم في روسيا. وتحدَّد الموعد مطلع الشهر التالي في سان بطرسبرج. طار المهندس الشاب الذكي أشرف زكي إلى هناك في الموعد المحدد على أن يعود باتفاق يقضي بالتعاون المشترك لتطوير OCR عربي. كانا مهندسين روسيين وضابطين في هندسة الرادارات في الاتحاد السوفياتي. وبعد تفكيك الاتحاد لم يجدا عملاً. إنهما متخصصان في قراءة الإشارات للرادارات ووجدا أن عمل OCR لبعض اللغات، ومنها العربية، قد يكون مشروعاً مجزياً لهما. وعليه فقد افتتحنا مكتباً في سان بطرسبرج وبدأنا نتسلم في القاهرة أجزاء من منظومة Engine OCR لنقوم بتطبيقها واختبارها وإضافة تحسينات شكلية عليها، وبعد سنتين أنجزنا أول OCR عربي وبدقة تزيد عن 90 في المائة. وبذا صار ممكناً للعرب الاحتفاظ بوثائقهم وكتاباتهم وتعديلها بطريقة سهلة أي عن طريق تصويرها Scanning ثم يقوم OCR بتحويلها إلى نصوص Text. ولا شك أنه لو كان هناك مجلس إدارة، مع ممثلين عن حكوميين، لما تمكنت من إتمام هذا الاتفاق بهذه السرعة، ولضاع الوقت في مناقشات عن بنود الاتفاقية ورأي المحامين وعرضها على المستشارين فتضيع الفرصة ويذهب المهندسان الروسيان للعمل مع جهة أخرى أو لحساب شركة دولية. كنا في سباق مع أنفسنا حتى تم الإنجاز.

سمع الشارخ أن في الكويت مطوّرين بلجيكيين يبحثون عن ممول لتقنية حديثة توصلوا إليها وهي Text to Speech أي تحويل النص المكتوب إلى كلام منطوق. عرفوا أن شركة «صخر» يمكن أن تكون مهتمة بهذا النوع من الاستثمار. يقول: اجتمعنا بهم وهم من شركة Paul & Haspy واطَّلعنا على ما توصلوا إليه. وكنت قبل سنوات عديدة قد كلفت الدكتور نجيم من جامعة محمد الخامس في الرباط بعمل هذه التقنية. لكننا للأسف، بعد سنتين من الإنفاق على المشروع والمجهود الكبير، لم نصل لنتيجة مقبولة. وهكذا بدأنا التفاوض مع ممثلي Paul&Haspy الذين عرضوا علينا أسهماً في الشركة بمبلغ 3 ملايين دولار. وكانت AT&T قد ساهمت معهم قبلنا، وأعطونا نفس سعر أسهم AT&T بزيادة 25 في المائة، أي بسعر 7 دولارات لأنهم دخلوا المشروع قبلنا. كان هدفهم استكمال الاستثمار في هذه التقنية ثم تم طرح شركتهم في بورصة نيويورك. وبالفعل، بعد أقل من سنة، طرحت الشركة في بورصة نيويورك بقيمة 11 دولاراً للسهم. وبعد قرابة السنة وصل السعر إلى 124 دولاراً وصار من حقنا كمؤسسين أن نبيع أسهمنا. وبعنا الكثير بهذا السعر الذي أخذ بعد ذلك يتراجع إلى أن وصل 20 دولاراً فبعنا آخر أسهم لنا. وبعد عام تمت تصفية الشركة البلجيكية لكننا تمكنَّا خلال تلك الفترة من نقل تقنية الصوتيات Speech إلى القاهرة. تَدرَّب موظفونا على حرفيتها وعلى اختبار الأصوات. وكوَّنا فريقاً مختصّاً أشرف عليه المهندس الرائع إيهاب عبد النبي، وبنينا أستوديو للأصوات وتمكنا من تطوير تقنيات Speech العربية التي لا تكون دقيقةً على الإطلاق بدون التشكيل؛ لأننا حين ننطق العربية نشكِّل آليّاً وإلا لأصبح كلامنا ككلام الخواجات.

المرحلة التالية التي تصدّت لها «صخر» كانت الترجمة الآلية، وهي لا تتم بدون التشكيل. ومعروف الآن أن الترجمة الآلية هي بمثابة الترجمة لأول وهلة أي بدون تحرير. ويكتب الشارخ: طوَّرنا الترجمة الآلية في الاتجاهين من العربية للإنجليزية ومن الإنجليزية للعربية. والترجمة من العربية هي الأصعب، وكان أمامنا طريقان: أن نبدأ بالترجمة من الإنجليزية أولاً أو من العربية. كنا نعرف أن هناك شركات أخرى بدأت مشاريع الترجمة الآلية من الإنجليزية، وكان ذهن نبيل علي يتجه للمجد الشخصي أولاً ولذا فقد أصرَّ على أن نبدأ بالترجمة من العربية للإنجليزية لأن لا أحد غيرنا سيعمل ذلك. وكان هذا قراراً تجارياً خاطئاً. فالحاجة للترجمة من العربية قليلة. أما الترجمة من الإنجليزية للعربية فالحاجة لها كبيرة جداً. وبتركيزنا على الاستثمار في الاتجاه الأول تمكَّنت شركات أخرى من إنجاز ترجمة من الإنجليزية للعربية قريبة الدقة مما لدينا. وفي هذه الأثناء، وللحفاظ على حقوقنا في الاختراع، فقد تقدمنا لهيئة تسجيل براءات الاختراع الأميركية بطلب الحصول على براءة. وبعد سنوات حصلنا على ثلاث براءات اختراع للترجمة الآلية من العربية للإنجليزية وللـOCR وللنطق العربي. وهكذا تم توطين التكنولوجيا الحديثة في البلاد العربية Technology Transfer.

«في شقة زميلي المصري في دائرة السلكي واللاسلكي، فؤاد جرجس، سمعت الموسيقى الكلاسيكية للمرة الأولى. وكان نصحني بتدريب أذني على الاستماع للموسيقى الكلاسيكية الخفيفة مثل فالسات شتراوس وكمنجات فيفالدي»

محمد الشارخ

«اغتنمت عطلة الصيف لألتحق بمعهد هوفر للحرب والسلام في ستانفورد وتلقيت حصة في تاريخ الخليج مع المستشرق الأميركي جورج رنتز. وهو الذي عرَّفني، للمرة الأولى، على أن عائلتنا الشارخ من روضة سدير في نجد وليست من عنيزة، رغم وجود باب الشارخ هناك»

محمد الشارخ

«لم أتوقف عن كتابة القصص. كنت أكتب حين أكتب دون تخطيط أو تأمل مسبق. إنها الكتابة. أنت لا تحتاج كقاص أن تفكر بها. هي التي تأتيك وتقودك لمطلعها ونهايتها. القص متعة. نشرت ثلاث مجموعات قصصية ورواية عن معاناة العائلة الخليجية في خضم تفاقم الثروات والانغماس بالعالم»

بعد سنتين من العمل تم بناء نظام الصرف الإلكتروني، وبدأنا تطبيقه في أصعب نص عربي ألا وهو القرآن الكريم. كيف تم ذلك؟ «شددت العزم وتوكلت. إنها الإرادة والعزيمة بغض النظر عن الجهد والعائد. الهدف تحديث العربية عن طريق التقنيات الحديثة. يا له من هدف»!


مقالات ذات صلة

من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا إطلاق «إيمجز 2.0»: صور أدق ودعم أفضل للعربية (أ.ب)

«أوبن إيه آي» تطلق نموذجها الجديد لتوليد الصور «Images 2.0»

أعلنت شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI) عن إطلاق نموذجها الجديد لتوليد الصور تحت اسم «Images 2.0».

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
TT

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)
دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا، اليوم الخميس، حسب ما صرح المسؤول الإعلامي في مركز إدارة الإطفاء الحكومية في سانوك لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح بافل غيبا أن بلاغاً ورد إلى إدارة الإطفاء «أشار إلى مهاجمة دب امرأة في قرية بلونا».

وقد قدم البلاغ ابن المرأة. وأُرسلت ثلاث فرق إغاثة وشرطة إلى مكان الحادث، لكنهم «لم يقدموا الإسعافات الأولية نظراً لخطورة إصابات المرأة». وتأخر وصولهم بسبب «وعورة التضاريس وعدم توافر معلومات دقيقة عن الموقع». وعند وصولهم أعلن المسعفون وفاة المرأة في مكان الحادث، وفق بافل.

يبلغ عدد الدببة البنية في بولندا نحو 100 دب، 80 في المائة منها في منطقة بيشتشادي الجبلية حيث وقع الهجوم الخميس، وفقاً لبيانات الحكومة البولندية لعام 2024.

لكن تبقى الهجمات المميتة قليلة جداً إذ يعود آخرها إلى عام 2014، حسب وسائل إعلام محلية.


«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
TT

«مهرجان أسوان» يحتفي بتألق السينمائيات السعوديات

«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)
«مهرجان أسوان لأفلام المرأة» ناقش قضايا عدّة (إدارة المهرجان)

رصد «مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة»، في دورته العاشرة، صورة المرأة في السينما العربية. كما احتفى، ضمن الكتاب الصادر بهذه المناسبة بعنوان «عدسة ومرآة»، بتألق صانعات السينما في السعودية، في مجالات متعددة تشمل الإخراج، والتمثيل، وكتابة السيناريو.

وأبرز الكتاب السنوي الصادر عن المهرجان، ضمن تقرير «صورة المرأة في السينما العربية»، من إعداد الناقدة الفنية المصرية أمنية عادل، أدوارَ عدد من صانعات السينما السعوديات، عبر دراسة للناقدة السعودية نور هشام السيف. وقدّمت الدراسة رؤية بانورامية تُفكِّك الإنتاج السينمائي السعودي لعام 2025، سواء من خلال أفلام لمخرجات مثل «هجرة» للمخرجة شهد أمين، و«المجهولة» للمخرجة هيفاء المنصور، أو عبر أدوار البطولة النسائية في أفلام مثل «مسألة حياة أو موت» للمخرج أنس باطهف، و«جرس إنذار 2» للمخرج عبد الله بامجبور.

ويطرح التقرير تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي تؤديها النساء في صناعة السينما السعودية، مشيراً إلى تباين القيم السينمائية بين الأصالة والتجريب.

ولفت التقرير إلى أن السينما السعودية، منذ نشأتها وحتى السنوات الأخيرة، بعد أن استعادت الصناعة عافيتها، وأصبحت قائمة بذاتها، شهدت بروز عدد من الأسماء المهمة لصانعات الأفلام، من بينهن هيفاء المنصور، ووعد كامل، وهناء العمير، وضياء يوسف، وهند الفهاد، وغيرهن. كما تطرّق إلى البدايات الأولى التي اتسمت بمحاولات إنتاجية متواضعة، وصولاً إلى ما تقدّمه الأصوات النسائية الجديدة اليوم، مدعومة بمؤسسات متعددة، وحاصدة احتفاءً محلياً ودولياً، إلى جانب ترسيخ حضور الفنانة السعودية عبر مشاركاتها في الفعاليات، والمهرجانات العالمية.

فيلم «هجرة» يعرض ضمن «مهرجان أسوان» (إدارة المهرجان)

وتناول التقرير تجربة المخرجة السعودية هيفاء المنصور، منذ انطلاقتها بفيلم «وجدة» (2012)، مروراً بفيلم «المرشحة المثالية» (2019)، ووصولاً إلى فيلم «المجهولة» (2025) الذي ينتمي إلى السرد البوليسي. كما توقّف عند تجربة الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرجة والكاتبة السعودية شهد أمين «هجرة»، والمعروض ضمن فعاليات «مهرجان أسوان»، موضحاً أن الفيلم، الذي يتناول رحلة حج ضمن دائرة نسائية تقودها الجدة «ستي»، يمثّل مفترق طرق في السينما السعودية، من خلال صورة بصرية متقنة، وفرق إنتاج محترفة، وتوظيف تقنيات على مستوى عالمي.

وفيما يخص فيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي عُرض في الدورة الماضية من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي»، أشار التقرير إلى أنه ينتمي إلى الكوميديا الرومانسية ذات الطابع السوداوي الفانتازي، وهو من إخراج أنس باطهف، وتأليف وبطولة سارة طيبة، والتي برز اسمها خلال السنوات الأخيرة بوصفها كاتبة وممثلة سعودية.

كما يأتي فيلم «جرس إنذار 2 – الحفرة» بوصفه دراما تشويقية مدرسية موجّهة إلى فئة الشباب، من إخراج عبد الله بامجبور، وسيناريو مريم الهاجري، وهيفاء السيد. وقد سبق للهاجري العمل في الدراما التلفزيونية الخليجية، ما يعكس توجّهاً نحو إضفاء حسّ أنثوي على العمل، مع الحفاظ على إيقاع يتناسب مع جمهور المنصة التي يُعرض عليها الفيلم.

وشهد المهرجان، في دورته العاشرة، مشاركة 65 فيلماً من 34 دولة، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات التي ناقشت صناعة الأفلام، وعلاقة الفن بقضايا المجتمع، لا سيما قضايا المرأة. كما كرّم المهرجان عدداً من نجمات الفن والعمل العام.


إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.