مقتطفات من مذكرات محمد الشارخ الرائد الكويتي الذي عرّب الحاسوب

أسس «صخر» وهيأ للعربية مكاناً في الثورة الرقمية

الراحل محمد الشارخ
الراحل محمد الشارخ
TT

مقتطفات من مذكرات محمد الشارخ الرائد الكويتي الذي عرّب الحاسوب

الراحل محمد الشارخ
الراحل محمد الشارخ

هو الرائد الذي أدخل اللغة العربية إلى الفضاء المتنامي للحواسيب. أسس الكويتي محمد عبد الرحمن الشارخ شركة «صخر» في سنوات مبكرة من ثمانينات القرن الماضي وهيأ للغتنا الجميلة مكاناً في الثورة الرقمية وتقنياتها الحديثة. لكن سيرة الشارخ لم تقتصر على هذا الإنجاز، بل حفلت حياته بمحطات هي جزء من تاريخ بلده ومنطقة الخليج. درس في القاهرة وحافظ على صداقات مع العشرات من مثقفيها وفنانيها. أسس مشروع «كتاب في جريدة»، وساهم في تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس ونال «جائزة الملك فيصل العالمية».

الشارخ في صباه (خاص)

عاش محمد الشارخ 82 عاماً وسجّل في سنواته الأخيرة محطات من حياته، هي ما تنشر «الشرق الأوسط» مقاطع منها هنا، بعد مرور عام ونيف على رحيله. وهو قد استهل تلك المحطات بالجو الذي عاشه في طفولته وكان له أكبر الأثر في حبه للغة العربية، يكتب:

في البيت كان المتنبي في كل مكان. الوالد (تُوفي وعمري سنتان) وعمي وأخي يقرضان الشعر النبطي. وكنت أقرأ أو أطالع كل ما تقع عيناي عليه حتى قُصاصات الجرائد الملقاة في الطرقات. في الثانية عشرة قرأت للعقاد كتاب «الله». وفي الرابعة عشرة قرأت لدوستوفسكي رواية «الجريمة والعقاب»، ترجمة سامي الدروبي. وفي السادسة عشرة كتبت لحصة الإنشاء بحثاً من عشرين صفحة عن المعتزلة. تركتُ المدرسة، والتحقتُ بالعمل في دائرة السلكي واللاسلكي بعد أن تسلمتها الحكومة من الإدارة الإنجليزية. وبعد عام ندمتُ وعُدت للمدرسة لكن في المساء لأني لم أشأ التخلي عن المرتب، وأكملتُ الثانوية وتوجهتُ للقاهرة لدراسة الاقتصاد الذي لم يكن اختياري. فالملحق الثقافي الكويتي هو الذي ينسِّق دخول الطلبة للجامعات المصرية. وهو كان ابن عمتي. لم يعجبه اختياري الصحافة أو الفلسفة. وكانت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية التي أُنشئت قبل عام من ذلك التاريخ تمثل مطمح الآباء لأبنائهم، ولا تقبل إلا المتفوقين بالثانوية، ودرجاتي المدرسية تسمح بذلك؛ لذا قرَّر إلحاقي بهذه الكلية. وحين أتيت من الإجازة الصيفية للدراسة، وسألته لماذا غيَّر رغبتي؟ قال لي: «ما هذا الهُراء... صحافة وفلسفة...!».

ينتقل الشارخ بعد ذلك ليتحدث عن تعرفه على الموسيقى، يقول: في شقة زميلي المصري في دائرة السلكي واللاسلكي، فؤاد جرجس، سمعت الموسيقى الكلاسيكية للمرة الأولى. وكان نصحني بتدريب أذني على الاستماع للموسيقى الكلاسيكية الخفيفة مثل فالسات شتراوس وكمنجات فيفالدي. وفيما بعد عرَّفني على زميله في دائرة التلغراف بمصر الناقد الأدبي محيي الدين محمد السوداني، المصري الذي كنتُ أقرأ له نقداً في مجلة «الآداب» البيروتية. وفي أول زيارة لي للقاهرة صحبتُ محيي الدين في لقاء مع الشباب من أدباء ذاك الزمان. وفي غرفته المظلمة في عابدين مع كوب الشاي المليء بالسكر سمعت الأوبرا، وكان محيي يُردد كلماتها بالإيطالية، وقد عرفت فيما بعد أنه لا يتحدث الإيطالية. كان مدخل العمارة التي يسكن في الطابق الثاني منها مع أهله شديد الظلام، والدَّرج أكثر حلكة، وفي غرفته الصغيرة جدّاً شُباك صغير في أعلى الجدار يدخل منه نور شحيح. هناك جلست ساعات ومحيي الدين يغني أوبرا - لا أذكر الآن ما هي - ويرسمني. أول بورتريه لي في سن التاسعة عشرة.

في سن 19 بريشة الناقد محيي الدين السوداني (خاص)

حين وصل الشارخ إلى القاهرة كطالب عام 1961 ارتبط بالصداقة مع العديد من الأدباء. وهو يتذكر: كنا نلتقي كل يوم جمعة في شقة اللاجئ السياسي الأردني والمثقف الكبير الروائي غالب هلسا. كانت الجلسات تضم شباب الأدباء آنذاك كعلاء الديب، وعبد المحسن طه بدر، وأبو المعاطي وفاروق شوشة، وسليمان فيَّاض بالإضافة لمحيي الدين. وكان من بين الحضور إبراهيم منصور، النزق المتمرد الفوضوي طويل اللسان خفيف الروح ذو الذائقة الأدبية الراقية. وهو من نشر لي دون استئذاني أو إبلاغي أول قصة «قيس وليلى» في المجلة الستينية الطليعية «جاليري 68». وكنتُ قد كتبتها سنة 65 سنة تخرُّجي من الجامعة. قرأناها في إحدى تلك الجلسات في البلكونة الضيفة المطلة على شارع الدقي كثير الضجيج، ورائحة الكباب تتصاعد من كبابجي الدقي. وعن طريق هؤلاء الأدباء تعرَّفت على شباب الرسامين المصريين آنذاك مثل حسن سليمان، وأحمد مرسي، وآدم حنين، والبهجوري. ثم التقيت بصديق العمر الرسَّام الصوفي جميل شفيق الذي لا تزال ذكرى صداقته تحيط بي أينما حللت، واكتشفت بعد عمر طويل أنني كوَّنتُ ثروة دون أن أقصد وذلك باقتنائي العديد من لوحاتهم.

مع نجيب محفوظ وعدد من الأدباء في مقهى ريش (خاص)

عاد الشارخ إلى الكويت والتحق بالصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية. وبعد ثلاثة أعوام رُقِّي لمنصب نائب المدير العام. عن تلك المحطة يكتب: عملت مع جهابذة الاقتصاد: عصام عاشور، سليم الحص، إبراهيم شحاتة، زكريا نصر، صائب جارودي، أولئك الذين جمعهم مدير الصندوق نظيف اليد محب الأوبرا والرسم عبد اللطيف الحمد. وقد استفدنا آنذاك من بُعد النظر والدعم السياسي الذي منحنا إياه العروبي صاحب السمو الأمير الراحل جابر الأحمد الصباح الذي وافق آنذاك، مثلاً، على تمويل خط أنبوب الغاز الجزائري رغم معارضة وعتاب البنك الدولي وفرنسا المتشبثة باتفاقية إفيان الموقعة مع الجزائر والتي تنص على المحافظة على المصالح الفرنسية هناك، وأهمها النفط والغاز. وبعد أن تسلم الثوار الجزائريون الحكم لم يعد لتلك الاتفاقية قدسية لديهم.

ويمضي منتقلاً إلى محطة أخرى: العمل في الصندوق آنذاك كان مشحوناً بالنقاشات الاقتصادية الراقية ونحن ندرس مشاريع التنمية المختلفة في البلاد العربية التي زرت أغلبها وقابلت وزراءها ورؤساء الكثير منها، واستمعتُ وشاهدتُ ولمستُ المشاكل التي يواجهونها في تطوير بلدانهم. غير أني أردت أن أعود للدراسة فتوجهت إلى الولايات المتحدة والتحقت بكلية وليامز، الأولى تعليماً بين الكليات الأميركية. حصلت على الماجستير في الاقتصاد. تمنيت لمن أحبهم ألا يذهبوا للدراسة في تلك الكلية لصعوبتها من جهة، ولقسوة الطقس (شمال غرب ماساشوتس) من جهة أخرى. وقد اغتنمت عطلة الصيف لألتحق بمعهد هوفر للحرب والسلام في ستانفورد وتلقيت حصة في تاريخ الخليج مع المستشرق الأميركي جورج رنتز. وهو الذي عرَّفني، للمرة الأولى، على أن عائلتنا الشارخ من روضة سدير في نجد وليست من عنيزة، رغم وجود باب الشارخ هناك.

لكن المحطات المبكرة من الحياة لا تخلو من دبيب القلب. وهنا يكتب صاحب المذكرات: كنت راغباً في الزواج. ولم يكن المرتب يكفي لتكاليف حياة زوجية هانئة. وأنا بطبعي عاجز عن الإفساد، فأسست بقرض من صديق شركة تجارية قمت بتسجيلها رسميّاً باسم العالمية للإلكترونيات، وفي 10/7/1970 بعد الظهر ركبت الطائرة لأبدأ شهر عسل حقيقيّاً مع ربة الجمال والعشرة موضي محمد الصقير. تزوجنا بعد اثني عشر شهراً طويلاً من مكابدة الخطوبة بانتظار انتهاء السنة الدراسية وحصولها على الشهادة الثانوية.

الشارخ وزوجته السيدة موضي الصقير (خاص)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العمل في واشنطن مع مكنمارا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد سنتين، انتُدب الشارخ للعمل في مجلس إدارة البنك الدولي بواشنطن. كان يرأسه روبرت ماكنمارا. وشارك في اجتماعات لجنة العشرين المكلفة بإصلاح نظام النقد الدولي، ومن بين أعضائها جيسكار ديستان وهلموت شميت اللذان أصبحا فيما بعد رؤساء فرنسا وألمانيا.

يروي: أنهكني العمل في واشنطن لا بسبب كثرة السفر إلى المنطقة والحديث إلى وزراء مالية الدول التي أمثلها، وإنما لكثرة حفلات الاستقبال الدبلوماسية. فواشنطن العاصمة تحظى بكل السفارات. والوزراء العرب يزورون البنك. وعليك أن تكون مواكباً نشطاً وفعَّالاً، إن استطعت، لهذه الالتزامات المهنية والاجتماعية. كما أن عليك أن تكون يقظاً لما يجري في واشنطن هنا وهناك بسبب الارتفاع الكبير لأسعار النفط سنة 1973، وظهور مشكلة تدوير عوائده التي صورتنا في الدوائر والإعلام الغربي كما لو كنا سُرَّاق العالم. سمعنا الكلمات المؤججة، والنظرات الشزرة، والدفع الكبير بمبادرات ومشاريع لتدوير أموال النفط في أروقة البنك الدولي ودهاليز صندوق النقد حتى كان المرء يتمنى أن يكون في اليوم 40 ساعة، وأن تكون له أربع أعين وعشر أقدام ليسرع الخطى للاجتماع التالي.

ــــــــــــــــــــــــــــ

السكن في «ووترغيت»

ــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي ذلك الخضم في 15 أغسطس (آب) 1973 رُزِقْنا بأول مولود لنا، وحين سمعت صوته وأنا في غرفة الولادة بالمستشفى، شعرت بجسمي يرتفع عن الأرض كما لو كنت أطير. وهو شعور لم يحدث ثانيةً في حياتي. كانت الساعة الرابعة صباحاً حين مضيت مسرعاً إلى شقتي وجلست في البلكونة المطلة على نهر البوتوماك مع فنجان قهوة، وبدأت أكتب قصة عن ميلاد فهد على شكل رسالة طويلة للصديق الفنان أحمد مرسي الذي يقطن نيويورك. وفي الثانية عشرة عُدت لزوجتي لأقرأ ما كتبت، وهي تنصت وتشير بيدها احذف هذا المقطع وهذه الجملة، هذه أسرارنا الشخصية، ونشرت القصة فيما بعد بعنوان «المخاض». ولم أتوقف عن كتابة القصص. كنت أكتب حين أكتب دون تخطيط أو تأمل مسبق. إنها الكتابة. أنت لا تحتاج كقاص أن تفكر بها. هي التي تأتيك وتقودك لمطلعها ونهايتها. القص متعة. نشرت ثلاث مجموعات قصصية ورواية عن معاناة العائلة الخليجية في خضم تفاقم الثروات والانغماس بالعالم.

في شاليه بالكويت مع عدد من الفنانين والأدباء العرب (خاص)

شقة العائلة كانت في بناية «ووترغيت» التي أطاحت بالرئيس نيكسون حين أمر بالتجسس على أعمال الحزب الديمقراطي. ويكتب الشارخ أن البناية يملكها الفاتيكان ويديرها السيد وليامز، وهو شخص ضخم الجثة شديد الاحمرار، مغرم بالفتيات الآسيويات صغيرات الحجم كما كان يُردِّد. وهناك مركز كيندي للفنون حيث نذهب مشياً لنستمع للموسيقى والأوبرا كلما سنحت الفرصة. وبعد سنوات عديدة، اشتريت في لندن شقة بجانب قاعة ألبرت الملكية، حيث نمشي خطوات لنستمتع بالموسيقى والأوبرا. وفي واشنطن، في مكاتب البنك الدولي، وفي اجتماعات مجلس الإدارة... هناك شاهدتُ من فوق ومن بعيد الشرق الأوسط صغيراً وبائساً وأحياناً مضحكاً في آماله وتطلعاته التي لا تصاحبها القدرة على التنفيذ، وكأنما الأماني تتحقق بالخزعبلات. وبالرغم من مناورات ماكنمارا لبقائي في واشنطن والعمل في البنك، أو تعريفه بي في بنوك الاستثمار بنيويورك، ورغم رغبة زوجتي في البقـاء بواشنطن حيث أحبت الاستقلال من الواجبات الاجتماعيـة التي ترهق الإنسان في بلادنا، خاصة المرأة، فقد ارتأيتُ العودة للكويت لأن الأمير جابر الأحمد (رحمه الله) وكان آنذاك رئيس الوزراء، قد طلب أن أعود لأؤسس بنك الكويت الصناعي.

مع الشيخ جابر الأحمد في افتتاح البنك الصناعي الكويتي (خاص)

ــــــــــــــــــــــــــــ

تأسيس البنك الصناعي

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

شمَّرت الساعدين، وأردتها فرصة لإثبات قدرتنا على تأسيس مصارف دون الاستعانة بإدارة بنك أجنبي، كما هي العادة آنذاك عند تأسيس أي مؤسسة مصرفية في الخليج. كان عقد التأسيس ينص على تسمية المؤسسة الشركة الكويتية للاستثمار الصناعي، ووجدت الاسم طويلاً فغيّرته دون استشارة أحد، وطبعت كافة أوراق البنك باسم بنك الكويت الصناعي (IBK) على غرار اسم بنك اليابان الصناعي. والملفت للنظر أن أحداً لم ينظر لمغزى هذا التغيير أو أسبابه. ذهبت شمالاً وجنوباً أبحث عن خبرات تساعد في تأسيس البنك. وجمعتُ أفراداً متميزين في مجالاتهم الهندسية والقانونية والمالية مستفيداً من طريقة عمل «IFC» التابعة للبنك الدولي والمتخصصة في الاستثمار مع القطاع الخاص في تمويل المشاريع الصناعية في البلاد النامية وإدارتها. أسست نظاماً للعمل لا يسمح بتسرب المحسوبية أو الفساد. ورأستُ مجلس الإدارة وكنت المدير العام التنفيذي لمدة أربع سنوات.

ثم يمضي الشارخ في شرح أهداف البنوك الصناعية في تمويل الصناعات في البلاد النامية، ويعني ذلك إحلال صناعة محلية بدل الاستيراد، ثم في تطوير سوق رأس المال بتوفير أدوات تمويل طويلة الأجل تحتاجها الصناعة. ويكتب أن مساهمي البنوك اعترضوا على سوق رأس المال لأنها ستأخذ جزءاً من عمليات التمويل التي يقدمونها للقطاع الخاص. ويقول: وما زاد الطين بلَّة أنني تقدمت بمذكرة للبنك المركزي أشرح فيها ضرورة إفصاح البنوك عن احتياطاتها السرية لكي تكون لدى المستثمرين صورة أوضح عن ملاءة البنك. ولم يكن هذا مما يسر إدارة البنوك التي كانت ترى أن السرية ضرورية لحماية مساهميها من المضاربة في سوق الأسهم. كما أنه كان هناك تناقض بين جهة الترخيص للمشاريع الصناعية، وهي وزارة التجارة والصناعة، وبين تمويل هذه المشاريع من قبل البنك. فقد كنت أرى أن نمول ما نعتقد أنه ذو مردود اقتصادي، وبذلك رفضنا تمويل عدد من المشاريع المرخَّصة من وزارة التجارة والصناعة. وأصبح السؤال قائماً: من يقرر صلاحية مشروع صناعي، وزارة التجارة والصناعة أم البنك الصناعي وهما دائرتان تمثلان الدولة؟ علاوة على اعتبار أن البنك يعطل مصالح أصحاب المشاريع المرفوضة وبعضهم وزراء أو ذوو نفوذ في المجتمع؛ وبذلك خلقت لنفسي أعداء من أناس أكنّ لهم التقدير. لقد كنت مثل قول الأشعري: حاذيت خطو الله لا أمامه ولا خلفه. وهذا غير مقبول في عالم المال والصناعة. نعم كنت فظَّاً ومدفوعاً برغبة صادقة بتطوير الكويت على أسس اقتصادية راسخة. وهكذا تركت البنك بعد خمس سنوات من التأسيس أخذت مني جهداً كبيراً وكوَّنت لي عداوات كثيرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولادة «صخر»

ــــــــــــــــــــــــــــ

وهكذا وفي عام 1978 قرر الشارخ التفرغ للعمل التجاري في الشركة العالمية للإلكترونيات. وهي شركة كانت تحصل على توكيلات من شركات عالمية وتبيع منتجاتها في السوق المحلية بهامش ربح جيد. غير أنه، بعد سنوات، وجد هذا النشاط المربح مملاً ويفتقر إلى الخيال الخلّاق والإبداع والتحدي. من هنا قرر، عام 1982، الدخول في تطوير برامج الكومبيوتر تحت اسم «صخر للبرامج». ويكتب أنه اختار بمفرده هذا الاسم بالاستعانة بشركة يابانية تختص بصنع العلامات التجارية دون معرفتها باللغة العربية، ولذلك قصة.

عن هذه التجربة الرائدة يسجل في المذكرات: في واشنطن زودتنا إدارة البنك بوسائل كمبيوترية لاسترجاع البيانات واستخلاص المطلوب، وكان السؤال آنذاك: هل يمكن للعرب ولغتهم غير الإنجليزية أن يجدوا حلّاً لتوطين هذه التقنية بلغتهم؟ وفي الشركة العالمية أنتجت ياماها YAMAHA التي كنا نوزع منتجاتها أورغون مخزَّناً به نغمات الألحان الغربية. وطلبنا منها إضافة النغمات العربية وزوَّدناها بها وضمنوها منتجاتهم فزادات مبيعاتها في السوق العربية. وكنَّا أيضاَ نمثل أتاري ATARI الأكثر شهرة آنذاك في الألعاب المكتوبة بالإنجليزية. واقترحنا عليهم تعريبها. وقمنا بالتعريب وأنتجوها. وفي الثمانينيات ظهر الحاسب الشخصي والاستغناء عن الآلة الكاتبة، فرأيتها فرصة لتعريب الكومبيوتر. كنت أدرك آنذاك أن الدولة العربية - أياً كانت - لن تعرّب الكومبيوتر. والشركات الدولية ترى عن حق أن السوق العربية صغيرة لا تستحق الصرف والاستثمار للتعريب. ورجال الأعمال العرب لن يستثمروا في مجال مخاطره كبيرة. وذات مساء، بعد عشاء رسمي، استفزني الأخضر غزال عضو الأكاديمية الملكية المغربية والمسؤول الرسمي عن اللغة العربية في المغرب، بتأكيده أن العربية في طريقها للانزواء مثل اللاتينية التي لم تعد تعيش سوى في بعض الكنائس. والسبب في ذلك أن العربية لا تواكب التطور اللغوي خاصة في مجال التقنيات والعلوم. فرأيت أن الرد المباشر العملي هو تعريب التقنية الجديدة جداً آنذاك، أي تعريب الكومبيوتر.

يشرح صاحب المذكرات ما واجهه لتحقيق فكرته. فللغة العربية مشكلات أولاها أنها لم تحدِّث علومها أو معجمها منذ قرون، بسبب ذلك الانفصال الطويل بين أمجاد العربية والعصر الحديث. وحتى محاولات المحدِّثين العرب اللغوية، من المسيحيين بالخصوص، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت رغم جديتها وإخلاصها الشخصي تقوم أساساً على معاجم قديمة. والسبب الثاني أن أغلب النخب العربية المتعلِّمة في الغرب لم تتمكن حتى اليوم من إدراك أولوية تحديث العربية على مسار النهضة والتقدم. والثالث أن هناك أكثر من عشرين دولة عربية تتحدث العربية، ولا تُعتبَر أي منها نفسها مسؤولة عنها. أي أنها لغة بدون أب؛ ولذا فكل لغات العالم لها معاجم حديثة ما عدا العربية. كما أن هذه الدول لم تضع الأساليب الحديثة لتعليم العربية في المدارس فظل التلاميذ يكرهون تعلمها لصعوبة النحو والقواعد والإملاء مع أن ابن خلدون قد قال لنا منذ زمان بعيد «أن تعلم النحو هو شغل النحويين». وفي العالم الحديث يركِّز تعليم اللغات على القراءة وبالذات القراءة بالموضوعات والمصطلحات الحديثة، أي ليس عن طريق: «ضرب زيد عمراً» الذي لا يمتّ لثقافة العصر.

حاسوب صخر

وأخيراً وليس آخراً، يسجل الشارخ أن للغة العربية طبيعةً لا توجد في أي لغة أخرى إذ يأخذ كل حرف فيها إمكانية لفظه بأشكال خمسة، هي الفتحة والكسرة والضمة والسكون والشدة. وبدون هذا التشكيل لا يُفهم معنى الكلمة. وقد وضع قواعد هذه الأحرف العالم اللغوي البصري ثقافةً والعماني أصلاً الخليل بن أحمد الفراهيدي. وهو الذي أسَّس أيضاً قواعد العروض. ولعبقريته الفذَّة فإنه حتى اليوم لم تهتز أسس قواعده العلمية، رغم محاولات الشعر الحديث.

«وها أنا أواجه كل هذه المشاكل فمن أين نبدأ؟ لنبدأ أولاً بالأسهل، وهو الصرف الذي لا يشكل أكثر من 20 في المائة من مقررات النحو والصرف في الثانوية. كما أن قواعده محدودة وسهلة ويمكن برمجتها. وبعد سنتين من العمل تم بناء نظام الصرف الإلكتروني، وبدأنا تطبيقه في أصعب نص عربي ألا وهو القرآن الكريم. كيف تم ذلك؟ شددت العزم وتوكلت. إنها الإرادة والعزيمة بغض النظر عن الجهد والعائد. الهدف تحديث العربية عن طريق التقنيات الحديثة. يا له من هدف»!

كوَّن صاحب «صخر» فريقاً من المبرمجين بدأوا بأجهزة بسيطة في منطقة الجابرية في الكويت، في ثلاثة منازل يملكها الشارخ وبمخالفات لأنظمة البلدية التي لا تسمح للأعمال في مناطق السكن. ويحكي عن تلك المرحلة بدون أن يغمط السيدة زوجته حقها، قائلاً: إلى جانبي كانت أم فهد الصبورة والواثقة بقدرة زوجها وطموحه. تمرُّ مساءً على الموظفين، وتساعد بهِمَّة وإخلاص شديدين مراجعات برنامج القرآن الكريم الذي قمنا بها 45 مرة. وقبل ذلك كانت تساعد في تجميع المادة للبرامج التعليمية وتصنيفها، ولأنها خريجة قسم التاريخ فكانت المسؤولة عن تدقيق المعلومات التاريخية في برامجنا، وعن إعداد البرنامج العظيم عن الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود. ولولا نجاح هذه البرامج التعليمية التي انتشرت في كافة الأسواق العربية لما تمكنا من البقاء. كان مردودها يعود للاستثمار من جديد في أبحاثنا لبرمجة اللغة العربية.

براءة اختراع (خاص)

بعد الصرف، حذَّره المختصون من الاقتراب من التشكيل الآلي لأن تطويره قد يستغرق عشر سنوات للوصول إلى نتائج مقبولة. وكان ذلك يتطلب دراسة علم جديد نشأ وتطور مع نشأة علوم الكومبيوتر، وهو علم اللغويات الحاسوبية أو اللسانيات الحاسوبية Computunal Linguistics. ولم تكن الجامعات العربية تدرِّس هذا العلم مما اضطر الشارخ لإرسال بعثات لدراسته في الجامعات الأميركية المعروفة في هذا التخصص مثل معهد ماساشوسيتس MIT وجامعة جنوب كاليفورنيا. وكان على رأس المبعوثين الدكتور الراحل نبيل علي الذي أشرف على إنجاز الصرف والعديد من البرامج التعليمية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

600 لغوي للتشكيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يكتب الشارخ: تمكنَّا بعد تسع سنوات من إنجاز التشكيل. وكان الإنفاق كبيراً لمساهمة أكثر من 600 لغويّ، وعشرات المبرمجين ومهندسي النظم، ونحن في الحقيقة كنا في خضم الأعمال البحثية الأساسية حيث لا تُعرَف النتائج إلا بعد إنجاز العمل. وإذا لم تؤدِ التجارب لما نريد نبحث عن تقنية غيرها أو برمجة أخرى. وبذا تكوَّنت لدينا ذخيرة لغوية يصل عدد مفرداتها مئات الملايين، منسقة بأساليب اللسانيات الحديثة. وأخيراً تم التوصل لنظام للتشكيل الآلي. وكان ذلك نصراً عظيماً يفوق كل ما عانيناه في البحث والتجريب والإعادة والإنفاق والخوف من عدم بلوغ نتيجة مقبولة.

فماذا سيفعلون بالتشكيل الآلي؟

«الواقع إننا نكتب دون أن نشكِّل الكلمات، ولا يوجد تشكيل إلا في بعض الدراسات الأدبية لبعض منشورات المطبعة الكاثوليكية في بيروت وبعض الدراسات الإسلامية. ومع ذلك فنحن نفهم الجملة وكلماتها دون أن نشكِّلها. كيف ذلك؟ في الحقيقة نحن نفهم الكلمة في سياقها من النظر بطرفة عين، بفضل مخزون ذاكرتنا الذاتية. ثم نقرأها. أي أننا نفهم ثم نقرأ. أو هما عمليتان تتمان في الوقت نفسه. وعلى هذا الأساس بنينا نظاماً للتشكيل الإلزامي. Mandatory Diacritics وهو ما يحتاجه العرب فعلاً، ولكننا لم نتمكن من تسويقه لأسباب قد نأتي لشرحها فيما بعد حين. أعرض لخلافنا الشهير مع مايكروسوف وقرصنتها تقنياتنا خلال فترة احتلال الكويت. تلك الفترة الصعبة والمؤلمة إذ صِرنا لاجئين، وقضيت تلك الفترة بين الرياض وجدة أعمل في مكاتب الشركة العالمية، وأسست مقرّاً جديداً لصخر في القاهرة حيث تتوفر الكفاءات المطلوبة».

هناك ثلاثة مجالات في علوم الحاسب تحتاج للتشكيل الآلي وهي قراءة النصوص آليّاً Text Reading والتعرف الضوئي على الأحرف OCR والترجمة الآلية، بالإضافة للعديد من تقنيات استرجاع النصوص وتلخيصها والبحث فيها. ويروي الشارخ: اتصل بي مبعوثنا نبيل علي وكان يحضر مؤتمراً في جامعة كمبردج في إنجلترا عن اللغويات الحاسوبية، وأفادني بأن مهندسين رُوساً يعرضون في المؤتمر OCR باللغة العربية. وفوراً طلبت منه أن يحدد موعداً للاجتماع بهم. كان ذلك في 22 ديسمبر (كانون الأول) فأفاد بأنهم لا بد أن يعودوا لبلدهم بمناسبة أعياد رأس السنة. فطلبت منه تحديد موعد معهم في روسيا. وتحدَّد الموعد مطلع الشهر التالي في سان بطرسبرج. طار المهندس الشاب الذكي أشرف زكي إلى هناك في الموعد المحدد على أن يعود باتفاق يقضي بالتعاون المشترك لتطوير OCR عربي. كانا مهندسين روسيين وضابطين في هندسة الرادارات في الاتحاد السوفياتي. وبعد تفكيك الاتحاد لم يجدا عملاً. إنهما متخصصان في قراءة الإشارات للرادارات ووجدا أن عمل OCR لبعض اللغات، ومنها العربية، قد يكون مشروعاً مجزياً لهما. وعليه فقد افتتحنا مكتباً في سان بطرسبرج وبدأنا نتسلم في القاهرة أجزاء من منظومة Engine OCR لنقوم بتطبيقها واختبارها وإضافة تحسينات شكلية عليها، وبعد سنتين أنجزنا أول OCR عربي وبدقة تزيد عن 90 في المائة. وبذا صار ممكناً للعرب الاحتفاظ بوثائقهم وكتاباتهم وتعديلها بطريقة سهلة أي عن طريق تصويرها Scanning ثم يقوم OCR بتحويلها إلى نصوص Text. ولا شك أنه لو كان هناك مجلس إدارة، مع ممثلين عن حكوميين، لما تمكنت من إتمام هذا الاتفاق بهذه السرعة، ولضاع الوقت في مناقشات عن بنود الاتفاقية ورأي المحامين وعرضها على المستشارين فتضيع الفرصة ويذهب المهندسان الروسيان للعمل مع جهة أخرى أو لحساب شركة دولية. كنا في سباق مع أنفسنا حتى تم الإنجاز.

سمع الشارخ أن في الكويت مطوّرين بلجيكيين يبحثون عن ممول لتقنية حديثة توصلوا إليها وهي Text to Speech أي تحويل النص المكتوب إلى كلام منطوق. عرفوا أن شركة «صخر» يمكن أن تكون مهتمة بهذا النوع من الاستثمار. يقول: اجتمعنا بهم وهم من شركة Paul & Haspy واطَّلعنا على ما توصلوا إليه. وكنت قبل سنوات عديدة قد كلفت الدكتور نجيم من جامعة محمد الخامس في الرباط بعمل هذه التقنية. لكننا للأسف، بعد سنتين من الإنفاق على المشروع والمجهود الكبير، لم نصل لنتيجة مقبولة. وهكذا بدأنا التفاوض مع ممثلي Paul&Haspy الذين عرضوا علينا أسهماً في الشركة بمبلغ 3 ملايين دولار. وكانت AT&T قد ساهمت معهم قبلنا، وأعطونا نفس سعر أسهم AT&T بزيادة 25 في المائة، أي بسعر 7 دولارات لأنهم دخلوا المشروع قبلنا. كان هدفهم استكمال الاستثمار في هذه التقنية ثم تم طرح شركتهم في بورصة نيويورك. وبالفعل، بعد أقل من سنة، طرحت الشركة في بورصة نيويورك بقيمة 11 دولاراً للسهم. وبعد قرابة السنة وصل السعر إلى 124 دولاراً وصار من حقنا كمؤسسين أن نبيع أسهمنا. وبعنا الكثير بهذا السعر الذي أخذ بعد ذلك يتراجع إلى أن وصل 20 دولاراً فبعنا آخر أسهم لنا. وبعد عام تمت تصفية الشركة البلجيكية لكننا تمكنَّا خلال تلك الفترة من نقل تقنية الصوتيات Speech إلى القاهرة. تَدرَّب موظفونا على حرفيتها وعلى اختبار الأصوات. وكوَّنا فريقاً مختصّاً أشرف عليه المهندس الرائع إيهاب عبد النبي، وبنينا أستوديو للأصوات وتمكنا من تطوير تقنيات Speech العربية التي لا تكون دقيقةً على الإطلاق بدون التشكيل؛ لأننا حين ننطق العربية نشكِّل آليّاً وإلا لأصبح كلامنا ككلام الخواجات.

المرحلة التالية التي تصدّت لها «صخر» كانت الترجمة الآلية، وهي لا تتم بدون التشكيل. ومعروف الآن أن الترجمة الآلية هي بمثابة الترجمة لأول وهلة أي بدون تحرير. ويكتب الشارخ: طوَّرنا الترجمة الآلية في الاتجاهين من العربية للإنجليزية ومن الإنجليزية للعربية. والترجمة من العربية هي الأصعب، وكان أمامنا طريقان: أن نبدأ بالترجمة من الإنجليزية أولاً أو من العربية. كنا نعرف أن هناك شركات أخرى بدأت مشاريع الترجمة الآلية من الإنجليزية، وكان ذهن نبيل علي يتجه للمجد الشخصي أولاً ولذا فقد أصرَّ على أن نبدأ بالترجمة من العربية للإنجليزية لأن لا أحد غيرنا سيعمل ذلك. وكان هذا قراراً تجارياً خاطئاً. فالحاجة للترجمة من العربية قليلة. أما الترجمة من الإنجليزية للعربية فالحاجة لها كبيرة جداً. وبتركيزنا على الاستثمار في الاتجاه الأول تمكَّنت شركات أخرى من إنجاز ترجمة من الإنجليزية للعربية قريبة الدقة مما لدينا. وفي هذه الأثناء، وللحفاظ على حقوقنا في الاختراع، فقد تقدمنا لهيئة تسجيل براءات الاختراع الأميركية بطلب الحصول على براءة. وبعد سنوات حصلنا على ثلاث براءات اختراع للترجمة الآلية من العربية للإنجليزية وللـOCR وللنطق العربي. وهكذا تم توطين التكنولوجيا الحديثة في البلاد العربية Technology Transfer.

«في شقة زميلي المصري في دائرة السلكي واللاسلكي، فؤاد جرجس، سمعت الموسيقى الكلاسيكية للمرة الأولى. وكان نصحني بتدريب أذني على الاستماع للموسيقى الكلاسيكية الخفيفة مثل فالسات شتراوس وكمنجات فيفالدي»

محمد الشارخ

«اغتنمت عطلة الصيف لألتحق بمعهد هوفر للحرب والسلام في ستانفورد وتلقيت حصة في تاريخ الخليج مع المستشرق الأميركي جورج رنتز. وهو الذي عرَّفني، للمرة الأولى، على أن عائلتنا الشارخ من روضة سدير في نجد وليست من عنيزة، رغم وجود باب الشارخ هناك»

محمد الشارخ

«لم أتوقف عن كتابة القصص. كنت أكتب حين أكتب دون تخطيط أو تأمل مسبق. إنها الكتابة. أنت لا تحتاج كقاص أن تفكر بها. هي التي تأتيك وتقودك لمطلعها ونهايتها. القص متعة. نشرت ثلاث مجموعات قصصية ورواية عن معاناة العائلة الخليجية في خضم تفاقم الثروات والانغماس بالعالم»

بعد سنتين من العمل تم بناء نظام الصرف الإلكتروني، وبدأنا تطبيقه في أصعب نص عربي ألا وهو القرآن الكريم. كيف تم ذلك؟ «شددت العزم وتوكلت. إنها الإرادة والعزيمة بغض النظر عن الجهد والعائد. الهدف تحديث العربية عن طريق التقنيات الحديثة. يا له من هدف»!


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

ميزة إدارة الاشتراكات في «جيميل» تهدف لتنظيم الرسائل الترويجية وجمعها في صفحة واحدة مع إلغاء مباشر للاشتراك وتحسين الأمان والإنتاجية للمستخدمين يومياً.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)
لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25، وذلك بعد قرار وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو إعادة المهرجان للانعقاد مجدداً عقب توقفه لمدة 3 سنوات، حيث تقرر الاحتفال باليوبيل الفضي لإطلاقه في الدورة الجديدة، التي تحدد لها موعد مبدئي في 26 أبريل (نيسان) المقبل، ليصبح مهرجان اليوم الواحد لإعلان الفائزين وتسليم الجوائز والتكريمات وذلك بشكل استثنائي هذه الدورة.

ويعكس المهرجان القومي النشاط السينمائي المصري خلال العام، ويتاح التقديم به لكل صناع الأفلام المحليين، لكنه توقف بشكل مفاجئ قبل أن يعلن وزير الثقافة عن عودة المهرجان بحلة جديدة أكثر تطوراً.

وأقيم مؤتمر صحافي بسينما الهناجر، الأحد، بحضور المعماري حمدي سطوحي رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية ود. أحمد صالح رئيس المركز القومي للسينما، وهشام سليمان رئيس المهرجان، يمثل ثلاثتهم اللجنة العليا للمهرجان، وذكر حمدي سطوحي أن المهرجان القومي سيشهد تطويراً وتنظيماً جديداً يليق به كمهرجان قومي تقيمه الدولة.

صورة لأعضاء اللجنة الفنية للمهرجان القومي للسينما (وزارة الثقافة المصرية)

وكشف سطوحي عن تكوين لجنة فنية تضم عدداً من صناع السينما والنقاد، من بينهم ليلى علوي والناقد أحمد شوقي والمنتج هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، والمخرج عمر عبد العزيز، رئيس اتحاد النقابات الفنية، والمؤلفة مريم نعوم، وهي اللجنة المنوط بها وضع تصورات لتطوير المهرجان، مشيراً إلى أن الموعد المقترح للدورة الجديدة سيكون في 26 أبريل 2026 وهو ما ستبحثه اللجنة الفنية بعد مراجعة خريطة المهرجانات في مصر.

وقال د. أحمد صالح إننا نستهدف تقديم دورة تعكس مكانة السينما المصرية وطموحاتها، وإن دورة اليوبيل الفضي ستكون دورة استثنائية تستعيد انتظام المهرجان وتعكس تطور السينما المصرية وتفتح آفاقاً جديدةً للحوار والتقييم والاحتفاء بالإبداع، مؤكداً أن اختيار المنتج هشام سليمان رئيساً للمهرجان لما يمتلكه من خبرات ورؤية واعية، وكذلك إيمانه بأهمية المهرجان منصة وطنية جامعة لكل الأطياف السينمائية.

وقال هشام سليمان إن الهدف الأول هو إعادة المهرجان أولاً، وإقامة الدورة الـ25 بشكل مختلف، حيث تقام خلال يوم واحد بشكل استثنائي لكنه سيتضمن عروضاً للأفلام على مدى العام، ولفت إلى أن مسابقة الأفلام الروائية لن يخصص لها جوائز مالية هذه الدورة، وسيتم توجيه مخصصاتها للأفلام القصيرة والتسجيلية وأفلام الطلبة، وأعلن عن تكريم رؤساء المهرجانات المصرية لأنهم نجحوا في سد ثغرة كبيرة في السينما.

جانب من إعلان تفاصيل الدورة الجديدة (وزارة الثقافة المصرية)

وتخرج هشام سليمان (59 عاماً) في قسم الإنتاج بمعهد السينما وعمل مديراً لإنتاج عدد كبير من الأفلام المصرية والعالمية، من بينها «المصير»، و«كونشرتو درب سعادة»، و«ميدو مشاكل»، كما أنتج أفلام «طير انت» و«إتش دبور» لأحمد مكي.

ورأى الناقد أحمد سعد الدين أن المؤتمر الصحافي تضمن تأكيداً على عودة المهرجان القومي بعد توقف واختيار هشام سليمان رئيساً له، مع تغيير الشكل العام للمهرجان ليقام خلال يوم واحد بدلاً من إقامته خلال أسبوع كما كان يحدث سابقاً، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موعد انعقاده لا يزال تقريبياً، لكن الشكل النهائي للمهرجان سيتحدد بعد الدورة الـ25 وسيسعى خلال الفترة المقبلة للاستعانة برعاة لدعم المهرجان وجوائز للأفلام الروائية».


دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
TT

دواء مبتكر ينظم الدهون والكوليسترول في الدم

ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)
ارتفاع مستويات الدهون الثلاثية في الدم يزيد خطر الإصابة بأمراض القلب (جامعة موناش)

كشفت دراسة قادها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، عن نتائج واعدة لأول تجربة بشرية لعقار جديد قادر على خفض الدهون الثلاثية في الدم بشكل ملحوظ.

وأوضح الباحثون في النتائج التي نُشرت الجمعة، بدورية «Nature Medicine» أن هذا الدواء المبتكر قد يمثل نقلة نوعية في علاج اضطرابات الدهون والأمراض الأيضية المرتبطة بها.

وعند تناول الطعام، يحوّل الجسم السعرات الحرارية الزائدة، خصوصاً من الكربوهيدرات والسكريات والدهون والكحول، إلى جزيئات تُعرف بالدهون الثلاثية، وهي شكل من أشكال الدهون التي تُخزَّن في الخلايا الدهنية لاستخدامها مصدراً للطاقة بين الوجبات، إلا أن ارتفاع مستويات هذه الدهون في الدم يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والتهاب البنكرياس، ما يجعل التحكم فيها ضرورة صحية ملحّة.

ويعتمد توازن دهون الدم على تناغم دقيق بين إنتاج الدهون في الكبد والأمعاء وبين تكسيرها وإزالتها من مجرى الدم. وعندما يختل هذا التوازن، تتراكم الدهون الثلاثية، ممهّدة الطريق لأمراض مثل اضطراب دهون الدم، والتهاب البنكرياس الحاد، ومرض الكبد الدهني المرتبط بالخلل الأيضي.

وأحد المفاتيح الرئيسية في هذا النظام هو بروتين يُعرف بمستقبل الكبد «إكس» (LXR)، الذي ينظم عدداً من الجينات المسؤولة عن تصنيع الدهون والتعامل معها. و يؤدي تنشيط هذا المستقبل لارتفاع الدهون الثلاثية والكوليسترول، ما جعل استهدافه دوائياً فكرة جذابة، لكنه محفوف بالمخاطر؛ إذ يشارك هذا المستقبل أيضاً في مسارات وقائية للكوليسترول بأنسجة أخرى من الجسم.

ولتجاوز هذه المعضلة، طوّر الفريق مركباً دوائياً يُؤخذ عن طريق الفم، يُعرف باسم «TLC‑2716»، يتميز بقدرته على تثبيط نشاط مستقبل (LXR) بشكل انتقائي في الكبد والأمعاء فقط، دون التأثير على المسارات الوقائية للكوليسترول في باقي الجسم. ويُصنَّف الدواء كـ«ناهض عكسي»، أي أنه لا يكتفي بمنع تنشيط المستقبل، بل يدفعه لإرسال إشارة معاكسة لتأثيره المعتاد.

خفض الدهون

وأظهرت التجارب قبل السريرية على الحيوانات أن الدواء نجح في خفض الدهون الثلاثية والكوليسترول في الدم وتقليل تراكم الدهون في الكبد. وفي نماذج كبد بشرية مخبرية، لوحظ انخفاض تراكم الدهون، مع تراجع الالتهاب والتليف الكبدي. كما أظهرت دراسات السلامة أن الدواء يتركز في الكبد والأمعاء فقط، ما يقلل مخاطره على بقية الأنسجة.

وشملت التجربة السريرية من المرحلة الأولى بالغين أصحاء، تلقوا الدواء يومياً لمدة 14 يوماً. وركّزت على تقييم السلامة والتحمّل، حيث أثبت الدواء نجاحه في تحقيق هذه الأهداف دون تسجيل آثار جانبية مُقلقة.

أما على صعيد الفاعلية، فقد خفّض الدواء الدهون الثلاثية بنسبة 38.5 في المائة عند أعلى جرعة (12 ملغ)، كما أدى لانخفاض الكوليسترول المتبقي بعد الوجبات بنسبة 61 في المائة، رغم أن المشاركين كانت لديهم مستويات دهون شبه طبيعية في الأساس. كما ساعد الدواء في تسريع إزالة الدهون الثلاثية من الدم عبر خفض نشاط بروتينين معروفين بتأخير هذه العملية.


«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
TT

«متحف الاستقلال»... بالهولوغرام والذكاء الاصطناعي يروى تاريخ لبنان

قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)
قلعة راشيا تتحوّل إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب (متحف الاستقلال)

أخيراً نالت قلعة راشيا، رمز الاستقلال اللبناني، الاهتمام الذي تستحق، وتحوَّلت إلى متحف يروي حكاية طرد الانتداب، ونيل السيادة، بأدوات عصرية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي والهولوغرام والتوثيق الدقيق.

ترميم متقن، وإعادة جمع للمستندات والصور والصحف، كما الملابس والحاجيات والأثاث، لجعل القلعة أشبه ما يمكن، بما كانت عليه في تلك الفترة الفاصلة من تاريخ لبنان والمنطقة.

هولوغرام الرئيس رياض الصلح (متحف الاستقلال)

موقع القلعة مرتفع وخلاب، يُشرف على منحدرات محيطة بها من 3 جهات، وعلى قمة حرمون. وهي مبنى تاريخي شُيِّد على مراحل، تنطوي على آثار رومانية، وبرج صليبي أقيم لمراقبة قوافل التجار الآتين من فلسطين عبر وادي التيم، ومن دمشق إلى القدس، كما بنى الفرنسيون السور الشرقي للقلعة عندما دخلوها عام 1920.

لهذا، فإن تحويل المكان برمزيته العالية وموقعه على مفترق طرق، إلى «متحف الاستقلال» في هذه الفترة التي تفتت بها دول، وتخشى أخرى من العدوى، هو أمر في غاية الأهمية.

فبعد أن كانت قلعة راشيا شبه فارغة، رغم بنيانها الرائع بقناطره وشرفاته وردهاته، ها هي تصبح موضع جذب سياحي وشبابي.

في الطابق السفلي حيث العقد الصليببي القديم، أُعيد تأهيل المدخل الجميل، وزوّد بجهاز ذكي، تطرح عليه، مع بدء الزيارة، ما يخطر على بالك من أسئلة. فهو مجهز ليجيبك بأي معلومة تحتاجها. في هذا الطابق أيضاً تُشاهد عرضاً مشوقاً عن تاريخ القلعة التي بُنيت على مراحل، ومرت عليها سلطات وعهود، تركت آثارها في المبنى.

مرحلة الاستقلال ليست سوى الجزء الأخير من تاريخ المكان. فقد شهد جانباً من الثورة العربية الكبرى التي قام بها الموحدون الدروز ضد الفرنسيين عام 1925. وها هي خيمة قائد الثورة السلطان باشا الأطرش تنتصب هنا، لتذكرنا بما سبق الاستقلال من مقاومات ونضالات.

يحدثنا الدكتور عبد السلام ماريني، مدير عام مؤسسة الوليد بن طلال، التي قامت بجهد كبير لإعادة بث الحياة في جوانب المتحف، بالتعاون مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور، عن حرص المؤسسة على أن تكون الخيمة بالمواصفات نفسها التي كانت للسلطان باشا الأطرش، وهذا تطلب بحثاً وجهداً خاصين. يومها اقتحم الدروز القلعة وتمكنوا من الدخول على الفرنسيين، وكادت القلعة تسقط، لكن جنود الانتداب طلبوا دعماً من قيادتهم في الشام، فأرسلت الطائرات التي قصفت راشيا وأحرقتها وقتلت 400 من الثوار. وفي المتحف لوحة بأسمائهم تخلّد ذكرى بطولاتهم الوطنية، على طريق تحرير بلادهم.

تستكمل حكاية الاستقلال نابضة، مجسدة، في الطابق الثاني من القلعة. هنا في ليل 11 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1943، كان الحدث التاريخي الفاصل. فقد احتجزت سلطة الانتداب الفرنسيّة رئيس الجمهورية اللبنانيّة الشيخ بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصلح والوزراء: كميل شمعون، وعادل عسيران، وسليم تقلا، والنائب عبد الحميد كرامي، جرّاء معركة تعديل الدستور، التي قرّرت خلالها السلطة اللبنانيّة إنهاء الانتداب الفرنسي.

مكتب الرئيس رياض الصلح وقلمه وطربوشه (متحف الاستقلال)

غرفة رئيس الوزراء رياض الصلح أعيد تأثيثها، لتعود كما كانت يوم سُجن فيها. وها هو يقف منتصباً أمامك، بفضل تقنية الهولوغرام، يشرح ظروف اعتقاله وما عاشه في سجنه، وكيف اقتيد مع رفاقه من بيروت إلى راشيا، ولم يكن أي منهم يحمل سلاحاً، ولا يطلب منصباً، بل كل ما كانوا يبتغونه هو الحرية. دقيقتان ونصف دقيقة تقف فيها أمام رياض الصلح، كأنه حاضر اليوم. و«هو أمر لم يكن بالسهل تقنياً. فاستعادة الصوت والهيئة والطلة لشخص غادرنا، ولم يبقَ من آثاره الكثير، كان تحدياً كبيراً»، يقول الدكتور ماريني، وكذلك استعادة الأثاث والحاجيات، من أسرّة وملابس ومقتنيات. فقد أريد لهذه الأمكنة أن تكون حيوية، وكأنما هؤلاء الثوار لا يزالون فيها. هذا نراه أيضاً في غرفة الرئيس بشارة الخوري، الذي يحدث زائريه أيضاً بالهولوغرام، وهو ما يُضفي على المتحف صفة الطرافة ويجعله أكثر جذباً للشباب والتلامذة الصغار. وهم الجمهور المستهدف بشكل أساسي.

نمر على غرفة التحقيقات والاتصالات والتنصت بأجهزتها التي كانت تُستخدم في تلك الفترة، وغرفة الضابط الفرنسي بمستلزماتها. هناك أيضاً حجرة الجنود الفرنسيين، وأخرى للإعلام جمعت فيها أعداد الصحف التي صدرت عام 1943 أي عام الاعتقال، ليطّلع الزائر على كيفية سرد الأخبار حينها. وثمة تسجيلات لمقابلات أُجريت مع أشخاص عاصروا المرحلة، بينهم امرأة تروي كيف كانت نساء راشيا يطبخن للسجناء، ويرسلن لهم الطعام. وقد فارقتنا هذه السيدة، ولحسن حظنا أنها سجلت شهادتها قبيل وفاتها.

إحدى باحات القلعة المهابة (متحف الاستقلال)

حرص المشرفون على المتحف على ألَّا تكون زيارته عابرة، بل تحتاج وقتاً وتمعناً. ويمكن أن يقضي الزائر ساعتين ونصف ساعة مستمعاً، قارئاً، متفرجاً، متأملاً، لينتهي به الأمر إلى غرفة متَّسعة تصلح لمجموعات الزائرين الذين يودون التباري في ما بينهم، لاختبار معلومات تعلموها خلال جولتهم. وفي المتحف غرفة مخصصة للاجتماعات والحوارات.

نائب المنطقة، وائل أبو فاعور، سعيد وهو يتحدث عن هذا الإنجاز لبلدته التي أُعيد رصف أحيائها القديمة، والسوق الأثرية، ودرج الاستقلال وهو يصل السوق بالقلعة، كما تمت إنارتها.

«هذا يشكل مشروعاً متكاملاً بحيث يتمكن الزائر للمتحف من الاستمتاع بطبيعة راشيا، وسحر موقعها، كما يزور قلعتها ويفهم تاريخها، وقد استكملت هويتها»، يقول النائب أبو فاعور. «في المتحف يعيش الزائر لحظة الاستقلال، كما هي، سياسياً ووطنياً. لقد حرصنا على بلورة وتقديم الحكاية الأكثر تعبيراً عن المرحلة، وعن تلاقي الإرادات الوطنية اللبنانية». كما يحدثنا النائب أبو فاعور عن أمله في أن يلعب المتحف دوراً توجيهياً وتربوياً، على مدار السنة وليس في عيد الاستقلال فقط. «ويجري العمل حالياً مع وزارتي التربية والثقافة، لتحفيز المدارس على تنظيم رحلات لطلابهم لزيارة المتحف، والاستفادة منه».

وكانت «مؤسسة الوليد بن طلال» قد أخذت قراراً بترميم القلعة منذ عام 2009. لكن فكرة المتحف لم تكن قد نضجت بعد، كما أن تجميع المقتنيات الشخصية لرجالات الاستقلال وتوثيق تفاصيل إقامتهم في القلعة لم يكن بالأمر اليسير. «التواصل مع نائب المنطقة وائل أبو فاعور أتى أُكُله، وكذلك التعاون مع البلدية، وتجاوب وزير الثقافة غسان سلامة الذي اشتغل على قانون يؤمّن الحفاظ على متاحف لبنان»، حسب د. ماريني.

من مقتنيات غرفة الاتصال في المتحف (متحف الاستقلال)

أما إعادة توثيق حكاية الاستقلال، فقد احتاجت عودة إلى كتب ووثائق، منها مذكرات الرئيس بشارة الخوري، وكتاب لجبران جريج، أحد الذين كانوا قد اعتقلوا في قلعة راشيا، وروى في كتابه كيف كانت ظروف السجناء، كذلك تمت مراسلة جهات فرنسية مختصة، لمعرفة اسم الضابط الذي كان مشرفاً على المكان، والحصول على صورته، ووثائق أخرى.

وحرصاً على الاستفادة من تجارب سبقت، تم التواصل مع عدد من المتاحف في فرنسا وألمانيا، و«مدام توسو» في بريطانيا. أما التحدي الحقيقي فكان إنجاز الهولوغرام للرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، حيث يجب أن تأتي المقاييس مطابقة لما كانت عليه الشخصية، وكذلك الحركة ونبرة الصوت، والملابس. «الهولوغرامات في المتاحف موجودة، لكن المتقن منها قليل وله تكاليفه العالية، حيث تُحسب بالثانية التي يتحدث فيها الشخص. ونحن حرصنا على أن نقدِّم أفضل ما يمكننا، لذا وقع اختيارنا على إيطاليا لتنفيذ الهولوغرامين»، يقول د. ماريني.

تكتمل الزيارة بإطلالة من شرفة المتحف على بيوت راشيا القرميدية الساحرة، ووادي التيم بجماله الخلاب، وجبل حرمون بروحانيته الشفافة، لتشعر أن المجيء إلى هنا واجب وطني بحق.