كليوباترا في باريس... الملكة المتمرّدة أيقونة تتجاوز الزمن

ماذا نعرف عن المصرية الأكثر شهرة في التاريخ؟

تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)
تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)
TT

كليوباترا في باريس... الملكة المتمرّدة أيقونة تتجاوز الزمن

تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)
تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)

هي أشهر شخصية نسائية في التاريخ. يكفي التلفُّظ باسمها حتى تشتعل الذاكرة بمئات الصور، والمرويات، والأضواء، والعواطف الجامحة، والمآسي. كيف صنعت كليوباترا أسطورتها، وما أشكالها على مرّ الزمن؟ الجواب في معرض جديد بصفة متحف، من تنظيم معهد العالم العربي في باريس، ويستقبل الزوار حتى مطلع العام المقبل.

عرش كليوباترا كما تخيّلته الفنانة بربارة شاس ريبو (صور المعرض)

تُعدّ كليوباترا آخر حكّام سلالة البطالمة اليونانية المصرية الأكثر شهرة. ومنذ وفاتها قبل ألفَي عام، استمرَّت شهرتها في النمو. وهي شهرةٌ مثيرةٌ للدهشة بالنظر إلى عدم وجود سيرة ذاتية قديمة تُثبتها. لقد غدت بمثابة أسطورة فريدة. دارت التكهّنات حول شخصيتها، وحول الثنائيات في لغزها: العاطفة والموت، الشهوانية والقسوة، الثروة والحرب، السياسة والقداسة، مما يُضيء على وجهات النظر المتباينة لدى الغرب حول الحضارة المصرية، وبشكلٍ أعمّ، حول المكانة التي تمتَّعت بها نساء الحكم هناك. لقد شغلت هذه الجوانب التي لا تُحصى خيال المبدعين في الكتابة، والرسم، والنحت. وأسهمت مسرحية شكسبير، «أنطونيو وكليوباترا»، إسهاماً كبيراً في الترويج لمصير الملكة، فضلاً عن الموسيقى، والأوبرا، والباليه، وأخيراً السينما، والقصص المصوَّرة، والإعلانات. ولم تسلم منها حتى ألعاب الفيديو.

هكذا ألهمت الرسامين (صور المعرض)

حتى القرن الـ19، بقيت أسطورة كليوباترا أداة لتجاوز المحظورات الدينية، والسياسية، وهي نتاج عمل جماعي للفنانين، والمؤلّفين، قبل أن تُسفر عن ظهور شخصية أيقونية عالمية. لم تعد امرأة مفرطة في شهواتها، وإنما سيدة قوية تُناضل من أجل وطنها، وشرفها، وحريتها.

غطاء للرأس مرصَّع بالمجوهرات (صور المعرض)

يُلقي كتاب «لغز كليوباترا»، الصادر بمناسبة المعرض، نظرةً على الوضع الراهن للمعلومات التاريخية والأثرية التي لا تزال قليلة، وهشَّة. وهو يُضيء على التناقض بين ندرة المصادر وكثرة الادّعاءات. كيف ينتقل المرء من أسطورة إلى أسطورة؟ ومن أسطورة إلى رمز قوي متعدّد الوجوه؟ لا يزال هناك كثير من الغموض يكتنف هذه الأيقونة العالمية، وهو ما يحاول هذا المعرض في معهد العالم العربي أن يكشف عنه الستار.

غطاء للرأس مرصَّع بالمجوهرات (صور المعرض)

منذ انتحارها قبل ألفي عام، استمرت شهرة كليوباترا في النمو. وهي شهرة متعدّدة الأوجه، ومثيرة للدهشة. والسبب عدم وجود سيرة ذاتية قديمة تُشكّل أساساً لها. لقد سكنت مخيّلتنا في جميع مجالات الإبداع، وانتشرت حتى أصبحت مُستهلكة.

من أين جاءت هذه الشهرة؟ اللوحات، والمنحوتات، والمطبوعات، والمخطوطات، والقطع الأثرية، والمجوهرات، والعملات المعدنية، والأزياء، والعروض، والصور الفوتوغرافية... جميعها تُقدّم إجابات عن هذا السؤال، ويُمكن اكتشافها من خلال مجموعة غنية من الأعمال التي استعارها المعرض من متحف «اللوفر»، والمكتبة الوطنية الفرنسية، وقصر فيرساي، ومتاحف أخرى في إسبانيا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وسويسرا.

ليز تايلور في دور كليوباترا (صور المعرض)

من ضمن المعروضات، عدد من اللوحات التي تنساق وراء النظرة الاستشراقية للمرأة: ملكة مستلقية شبه عارية، وجوارٍ سمراوات وسوداوات يُحطن بها، وأجواء تدلّ على الرفاهية، والكسل. هل يمكن تصوّر النفوذ الذي اكتسبته كليوباترا إذ كانت تمضي وقتها راقدة تحت مراوح ريش النعام؟ من المعروضات مثلاً غطاء رأس على شكل طاووس، وهو تقليد لما كانت ترتديه الملكة في الأفلام؛ أي من بنات أحلام المخرجين. وهناك مجوهرات مسرحية صمَّمها فيكتوريان ساردو للممثلة سارة برنار في فيلم «كليوباترا»، عام 1890.

الأنف الذي شغل المؤرّخين (صور المعرض)

يبدأ المعرض بنظرة على أحدث الاكتشافات التاريخية، والأثرية. وبفضل مصادر مباشرة نادرة، مثل العملات المعدنية، وبرديات تحمل توقيعها، استطاع المنظّمون تحديد هوية اسم كليوباترا السابعة «فيلوباتور». ويسلط هذا القسم الضوء على السياق الاقتصادي والسياسي والديني لذلك العصر المهم، حين كانت مملكة مصر تحت الحماية الرومانية، وعاصمتها الإسكندرية، مركز العالم الهلنستي، ومركزاً مزدهراً للدراسة، والتجارة. انتهجت كليوباترا، آخر ملوك السلالة البطلمية، سياسة إصلاحية فعّالة أغنت بلادها. وبحكمتها الاستراتيجية ضمنت السلام خلال 20 عاماً من حكمها.

مسكوكة مصرية تحمل صورتها (صور المعرض)

وعام 31 قبل الميلاد، مثّلت الهزيمة في أكتيوم، بين روما بقيادة أوكتافيوس، ومصر بقيادة كليوباترا ومارك أنطونيو، نقطة تحوّل رئيسة في تاريخ البحر الأبيض المتوسط. فبانتحار ملكتها انتهى استقلال مصر، وانتهى حكم السلالات الفرعونية. وفي حين ركّز المؤلّفون العرب على صفات كليوباترا الفكرية، ودورها رئيسةً للدولة، فإنّ المؤلّفين الرومان مسؤولون عن ترسيخ أسطورتها المظلمة، تماشياً مع دعاية خصمها الإمبراطور أغسطس، من خلال تصويرها على أنها وحش شرير. وفي كتابات العصر الإمبراطوري، شُوِّهت سمعتها، ونُحّيت إلى الخلفية، ولم تظهر إلا في القصص المخصَّصة لقيصر، أو مارك أنطونيو. ففي نظر السلطة الرومانية المعادية للنساء، صُوِّر «المصري» على أنه يُجسّد الشهوة، والتهديد، سواء أكان امرأة قوية الإرادة، أم ملكة. وسيكون لهذه المصادر المتحيّزة تأثير دائم على التأريخ.

ملكة لم تنسَ أنوثتها (صور المعرض)

بفضل انتحارها، أفلتت كليوباترا من أسر الرومان، وصنعت أسطورتها الخالدة: الموت البطولي لملكة بالغة الجاذبية. قيل إنّ لها ملامح مميزة، وأنفاً طويلاً. فلو كان أنفها أقصر، لتغيَّر التاريخ! ووفق المؤلّفين القدماء، أثبتت تلك المرأة أنها مصدر إلهام لا ينضب. مئات المخطوطات المزخرفة، والرسوم، واللوحات، والمنحوتات موجودة عنها، ومن وحيها. كما خلَّدها الأدب، والمسرح، والأوبرا، والسينما... كلها عمَّمت أسطورتها، بل وألصقت بها، أحياناً، صورة حواء الخاطئة، وأحياناً أخرى مثالاً لشرقٍ منحرف.

تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)

بعد سارة برنار التي جسَّدت دورها في فيلم «كليوباترا» للمخرج فيكتوريان ساردو، انتقمت الملكة على الشاشة، متفوّقةً على يوليوس قيصر وأنطونيو. وتقمَّصت ممثلاتٌ ذوات كاريزما شخصيتها في السينما في إنتاجاتٍ مذهلة، بملابس فاخرة، وزينة وجه من بنات الخيال. وأشهر من لعب تلك الأدوار النجمة الإيطالية صوفيا لورين، والأميركية إليزابيث تايلور في الفيلم الشهير للمخرج جوزيف إل مانكيفيتش عام 1963.

مرآة كليوباترا من الظهر (صور المعرض)

مع انتشار الصور، وسطوة نظام النجوم، وتبادل المعلومات على نطاق واسع، وجدت كليوباترا طريقها إلى كل منزل. لقد أوشكت أن تتحوَّل سلعةً استهلاكية. فهي ملكة جمال، وملهمة أزياء، أو علامة إعلانية. وبتحوّلها إلى إحدى النساء المشهورات في العالم، تغلَّبت الأسطورة على الحقيقة، مما أدّى إلى ارتباكٍ دائم على حساب الشخصية الحقيقية لامرأة تاريخية قادت دولة.

في نهاية القرن الـ19، استفادت النسويات من أسطورتها، وبرزت كليوباترا رمزاً للهوية، ونضالات التحرُّر. هذه المرأة القوية المستقلّة، التي فضَّلت الموت على الاستسلام، يُعاد تفسيرها من منظور النضالات السياسية الجديدة. وهي في مصر تُعدُّ رمزاً وطنياً لمقاومة الاستعمار. وفي الولايات المتحدة يحتضنها مجتمع الأميركيين الأفارقة كونها زعيمة دولة أفريقية. وعلى نطاق أوسع، تُعيد الحركات النسوية تأهيل صورتها على أنها امرأة قوية عرفت كيف تُسمِع صوتها. وهكذا، عبر القرون، وثمار البحث التاريخي والأكاديمي، لا تزال شخصية كليوباترا مرآةً للتطلُّعات، والأوهام...


مقالات ذات صلة

الوجه الآخر لماريلين مونرو

يوميات الشرق ماريلين مونرو... جدارة فنية خلف بريق الإغراء (تونتييث سنتشري فوكس)

الوجه الآخر لماريلين مونرو

كانت أكثر من جسد تلتهمه الكاميرات وتُصدّره إلى الجمهور العريض. كانت موهوبة...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق قرنٌ لم يُطفئ سحرها (إنستغرام)

1000 ساعة عمل و150 ألف قطعة كريستال لتخليد مارلين مونرو

كُشفَ عن لوحة فنية مميّزة لأيقونة السينما مارلين مونرو، ابتُكرت باستخدام 150 ألف قطعة كريستال، وذلك إحياءً للذكرى المئوية لميلادها...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق يتناول فيلم «أسد» موضوع العنصرية (إنستغرام)

رزان جمّال: حرّية الممثل العربي تفوق المُتاح في هوليوود

استهلّت رزان جمّال مسيرتها الفنّية من خلال أعمال عالمية، فتعاونت مع مخرجين فرنسيين وأميركيين بارزين.

فيفيان حداد (بيروت)
خاص عبد الله المحيسن خلال حضوره «مهرجان مالمو» (موقعه الرسمي)

خاص عبد الله المحيسن: «رؤية 2030» صنعت بيئة جديدة للسينما السعودية

السينما السعودية اليوم بدأت تتّخذ أشكالاً متعددة، ولم تعد محصورة في نوع واحد من الموضوعات...

أحمد عدلي (مالمو - السويد)
يوميات الشرق الجزء الثاني يعرف تماماً ماذا أحبّ الجمهور سابقاً (أ.ف.ب)

«الشيطان يرتدي برادا 2»: بريق الأسماء لا يكفي

الفيلم الجديد يرى في إرثه مادة قابلة لإعادة التشغيل، وليس ذاكرةً سينمائيةً تحتاج إلى سبب عميق كي تُستَدعى مرة أخرى.

فاطمة عبد الله (بيروت)

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)
تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)
TT

تشمل الطائف وثادق... تأهيل وجهات سعودية لاكتشاف الحياة الفطرية والتنوع الأحيائي

تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)
تم إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

كشف المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في السعودية، الأربعاء، عدداً من الفرص والوجهات السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي.

وأكد الرئيس التنفيذي للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، الدكتور محمد علي قربان، خلال مؤتمرٍ صحافي عقده بمقر «وكالة الأنباء السعودية» في الرياض، أن حزمة الوجهات والتجارب السياحية المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي تمثل امتداداً طبيعياً لما تحقق خلال الأعوام الخمس الماضية، من أعمال المحافظة على الأنواع والموائل الطبيعية، وتأهيل النظم البيئية، وإعادة توطين الكائنات الفطرية في مواقعها التاريخية.

وشدد قربان على أن هذه الجهود ساهمت في تهيئة العديد من المواقع الطبيعية لتصبح وجهات مستدامة تتيح للزوار اكتشاف الحياة الفطرية والتعرف على ثراء التنوع الأحيائي في البلاد.

وتناول المؤتمر فرصاً تنموية في الحياة الفطرية، شملت تطوير تجارب سفاري للحياة الفطرية في محافظتي الطائف وثادق، ومواقع متخصصة لمراقبة الطيور في عدد من المحميات والمتنزهات الوطنية، ومحميات لأنواع محددة من الكائنات داخل المحميات البرية والبحرية التابعة للمركز.

ووفقاً لقربان، تعكس وﺟﻬﺎت اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﺛﻤﺮة ﺳﻨﻮات ﻣﻦ اﻟﻌﻤﻞ ﻓﻲ اﻛﺘﺸﺎف اﻟﺘﻨﻮع اﻷﺣﻴﺎﺋﻲ ﻓﻲ ﺑﻴﺌﺎﺗﻪ اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ، وﺗﻌﺰﻳﺰ ارﺗﺒﺎط اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺑﺈرﺛﻪ اﻟﻄﺒﻴﻌﻲ، ﺑﻤﺎ ﻳﺪﻋﻢ ﺟﻬﻮد اﻟﻤﺤﺎﻓﻈﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻔﻄﺮﻳﺔ وﻳﺴﻬﻢ ﻓﻲ ﺗﺤﻘـﻴﻖ اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻟﻤﺴﺘﺪاﻣﺔ وﺟﻮدة اﻟﺤﻴﺎة.

وبيّن قربان أن المملكة تتمتّع بتنوّع طبيعي استثنائي يمتد من البيئات البحرية والجزر إلى الجبال والأودية والصحاري، وأن جهود المركز خلال السنوات الماضية ركزت على حماية هذا الإرث الطبيعي وتنميته بما يحقق التوازن بين المحافظة على الموارد الطبيعية والاستفادة المستدامة منها، ويعزز مساهمتها في التنمية الاقتصادية وجودة الحياة، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030».

تتضمّن المبادرة ﺗﺠﺎرب اﻟﺴﻔﺎري وﻣﻮاﻗﻊ ﻣﺮاﻗﺒﺔ اﻟﻄﻴﻮر واﻟﻮﺟﻬﺎت اﻟﺒﺤﺮﻳﺔ (المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية)

واستطرد الرئيس التنفيذي للمركز، أن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً من بناء الممكِّنات البيئية إلى توظيفها في تطوير تجارب نوعية قائمة على الحياة الفطرية، تتيح للسعوديين والزوار التعرف على كائناتنا المحلية الأصيلة في بيئاتها الطبيعية، وترسِّخ الوعي بأهمية المحافظة على التنوع الأحيائي، مؤكداً أن هذه الوجهات تعتمد على مبادئ الاستدامة والسياحة منخفضة الأثر بما يضمن حماية الموائل الطبيعية والكائنات الفطرية.

ولفت قربان إلى أن هذه المشاريع تفتح آفاقاً جديدة أمام مشاركة القطاعين الحكومي والخاص والقطاع غير الربحي في تطوير المنتجات والخدمات المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي، بما يسهم في خلق فرص استثمارية وتنموية جديدة، وتنمية المجتمعات المحلية، وتعزيز مساهمة الموارد الطبيعية في الاقتصاد الوطني وفق مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وكشف قربان أن المركز سيواصل العمل على تطوير نماذج وطنية توازن بين حماية الطبيعة والاستفادة المستدامة منها، بما يعزز مكانة المملكة كونها وجهة رائدة في التجارب المرتبطة بالحياة الفطرية والتنوع الأحيائي، ويبرز ثراء بيئاتها الطبيعية وتنوعها الفريد على المستويين الإقليمي والدولي.

وخلال حديثه، عرَّج قربان على المحميات البرية، مؤكداً أن مساحتها وصلت إلى 18.3 في المائة، مع مستهدف حماية 30 في المائة، من مساحة المملكة البرية والبحرية بحلول عام 2030، وكشف في إطارٍ متصل أنه جرى إطلاق أكثر من 10 آلاف كائن فطري إلى بيئاتها الطبيعية.

وبحسب المركز، تعد وجهات الحياة الفطرية، ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﻣﻦ اﻟﻮﺟﻬﺎت واﻟﺘﺠﺎرب اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻟﺘﻲ ﻳﻄﻮرﻫﺎ اﻟﻤﺮﻛﺰ اﻟﻮﻃﻨﻲ ﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﻹﺗﺎﺣﺔ اﻟﻔﺮﺻﺔ ﻟﻠﺰوار ﻟﻠﺘﻌﺮف ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻨﻮع اﻷﺣﻴﺎﺋﻲ واﻟﺤﻴﺎة اﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻤﻠﻜﺔ ﺿﻤﻦ ﺑﻴﺌﺎت ﻃﺒﻴﻌﻴﺔ ﺗﺘﻢ إدارﺗﻬﺎ وﻓﻖ ﻣﺒﺎدئ اﻻﺳﺘﺪاﻣﺔ، وﺗﻬﺪف اﻟﻤﺒﺎدرة إﻟﻰ إﺗﺎﺣﺔ اﻟﻔﺮﺻﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ واﻟﺰوار ﻻﻛﺘﺸﺎف اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ واﻟﺘﻌﺮف ﻋﻠﻰ ﺗﻨﻮﻋﻬﺎ اﻷﺣﻴﺎﺋﻲ، ﻣﻊ ﺗﻌﺰﻳﺰ اﻟﻮﻋﻲ اﻟﺒﻴﺌﻲ ودﻋﻢ اﻻﺳﺘﻔﺎدة اﻟﻤﺴﺘﺪاﻣﺔ ﻣﻦ اﻟﻤﻮاﻗﻊ اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ.

وتتضمّن المبادرة ﺗﺠﺎرب اﻟﺴﻔﺎري، وﻣﻮاﻗﻊ ﻣﺮاﻗﺒﺔ اﻟﻄﻴﻮر، واﻟﻮﺟﻬﺎت اﻟﺒﺤﺮﻳﺔ ﻟﻤﺸﺎﻫﺪة اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﻓﻲ بيئاتها الطبيعية، فيما ﻳﺸﻤﻞ اﻹﻃﻼق اﻷول ﺗﺠﺎرب اﻟﺴﻔﺎري ﻓﻲ «ﺛﺎدق» وﻣﺮﻛﺰ اﻷﻣﻴﺮ ﺳﻌﻮد اﻟﻔﻴﺼﻞ ﻷﺑﺤﺎث اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻔﻄﺮﻳﺔ ﺑﺎﻟﻄﺎﺋﻒ، إﻟﻰ ﺟﺎﻧﺐ ﻣﻮاﻗﻊ ﻟﻤﺮاﻗﺒﺔ اﻟﻄﻴﻮر وﻋﺪد ﻣﻦ اﻟﻮﺟﻬﺎت اﻟﺒﺤﺮﻳﺔ اﻟﻤﺨﺘﺎرة.

ومن المنتظر أن يتم ﺗﺸﻐﻴﻞ اﻟﻮﺟﻬﺎت وإﺗﺎﺣﺘﻬﺎ ﻟﻠﺰوار وﻓﻖ ﻣﺮاﺣﻞ وﺧﻄﻂ ﺗﺸﻐﻴﻠﻴﺔ ﻣﺤﺪدة، حيث ﺗﺮﻛﺰ هذه اﻟﻮﺟﻬﺎت ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻌﺮف ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻴﺎة اﻟﻔﻄﺮﻳﺔ واﻟﺘﻨﻮع اﻷﺣﻴﺎﺋﻲ ﻓﻲ اﻟﺒﻴﺌﺎت اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ، ﻣﻦ ﺧﻼل ﺗﺠﺎرب ﺗﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ اﻻﻛﺘﺸﺎف واﻟﺘﻌﻠﻢ واﻻﺳﺘﻤﺘﺎع ﺑﺎﻟﻄﺒﻴﻌﺔ.

وتخضع اﻟﻮﺟﻬﺎت للإدارة، وفقاً لضوابط وإﺟﺮاءات ﺗﺮاﻋﻲ ﺣﻤﺎﻳﺔ اﻟﻤﻮاﺋﻞ اﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ واﻷﻧﻮاع اﻟﻔﻄﺮﻳﺔ، ﻣﻦ ﺧﻼل ﺗﻨﻈﻴﻢ ﺣﺮﻛﺔ اﻟﺰوار وﺗﺤﺪﻳﺪ ﻣﺴﺎرات اﻟﻤﺸﺎﻫﺪة واﻷﻧﺸﻄﺔ اﻟﻤﺴﻤﻮح ﺑﻬﺎ.


الإهمال يطمس «حمام الطنبولي» التاريخي... وآثاريون يدعون لإنقاذه

الإهمال والقمامة يغطيان مساحات من الحمام (صفحة محمد نصر على فيسبوك)
الإهمال والقمامة يغطيان مساحات من الحمام (صفحة محمد نصر على فيسبوك)
TT

الإهمال يطمس «حمام الطنبولي» التاريخي... وآثاريون يدعون لإنقاذه

الإهمال والقمامة يغطيان مساحات من الحمام (صفحة محمد نصر على فيسبوك)
الإهمال والقمامة يغطيان مساحات من الحمام (صفحة محمد نصر على فيسبوك)

يتعرض «حمام الطنبولي» بمنطقة باب الشعرية بالقاهرة الفاطمية لحالة من الإهمال تكاد تطمس معالمه وتؤثر على وجوده؛ ما دفع آثاريين مصريين ومهتمين بالمحافظة على الكنوز الأثرية إلى المطالبة بسرعة ترميمه لأهميته المعمارية والتاريخية والأثرية. وكتب محمد نصر، الناشط في مجال حفظ الآثار والتراث، مطالباً بإنقاذ حمام الطنبولي الأثري، مؤكداً عبر منشور بصفحته على «فيسبوك» مدعوم بصور توضح الإهمال الذي يتعرض له المكان، على أنه يمكن ترميمه وتحويله مزاراً سياحياً.

«ويمثل هذا الحمام مثل باقي الحمامات البلدية التراثية، إلى جانب قيمته المعمارية والتاريخية قيمة في تعزيز الروابط الاجتماعية بين رواد الحمامات من أبناء المناطق الشعبية»، حسب رأي الدكتور فاروق شرف، استشاري وخبير ترميم الآثار والمنشآت التاريخية، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أكثر المخاطر التي يتعرض لها الأثر، ويتحول مكاناً مهملاً هو وجوده في منطقة مزدحمة تخفيه عن الأنظار، وتؤثر على عمليات ارتياده، وزيارة الناس له واستخدامه».

ويصف شرف «حمام الطنبولي» بأنه «تحفة أثرية ذات خصائص معمارية فريدة، وقام بإنشائه أحد أعيان تجار العصر العثماني في القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، وهو نور الدين علي بن جلال الدين محمد الطنبدي، ولقب الطنبدي جاء من انتسابه لقرية طنبدة التي تقع غرب النيل ضمن نطاق محافظة المنيا جنوب مصر بجوار منطقة البهنسا الأثرية».

ويضيف خبير الترميم أن «حالة حمام الطنبولي وهو مسجل أثراً تحت رقم 564، تستدعي التدخل السريع من وزارة السياحة والآثار لإنقاذه، وهذا يحتاج بالطبع إلى دراسته قبل كل شي كخطوه أولى، وتقوم على زيارة الموقع وتصوير أجزائه وما لحق به من أضرار، وكتابة كل التفاصيل الخاصة به وتاريخه، فلا بد أن يقوم الخبراء بإعداد شهادة كاملة لشخصية الحمام، اسم صاحبه وإلى أي عصر يعود، والأحجار التي يتكون منها، والمناطق التي تحتاج إلى ترميم، والأخرى التي تحتاج إلى إعادة بناء أو استبدال، فهذا ضروري لإعادة الأثر للحياة كما كان، وبأسلوب علمي يحافظ على هويته».

«تجب إعادة الآثار المتضررة للحياة» وفق قول شرف: «ويمكن بعدها وضعها على الخريطة السياحية، وهناك سياحة خاصة معروفة في كثير من بلدان العالم خاصة بالصحة والاستجمام، وحمام الطنبولي وغيره يمكن أن يقوموا بدور كبير في ذلك ويجلبوا دخلاً كبيراً، ويوفروا الكثير من الموارد لصيانتها فيما بعد».

جانب من حمام أثري بتصميم مميز (الموسوعة الشاملة للحضارة الإسلامية على فيسبوك)

وواجه حمام الطنبولي تاريخاً متقلباً في التسجيل الأثري، فقد سُجل ضمن قائمة الآثار الإسلامية أول مرة عام 1951، ولكنه شُطب من القائمة عام 1960 لسوء حالته الإنشائية. ثم أُعيد تسجيله أثراً بقرار من رئيس مجلس الوزراء عام 1998. وفي عام 2008، صدر قرار بنزع ملكية الحمام لصالح الدولة تمهيداً لترميمه، وتم على أثره تدعيم المبنى للحفاظ عليه، لكن أعمال الترميم توقفت. استمر النزاع القانوني حول قيمة التعويض والجهة المنفذة، حتى عام 2019، عندما أصدرت الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع قراراً قضائياً ألزمت فيه وزارة الثقافة برد مبلغ 1.842.000 جنيه مصري لأصحاب الحمام الأصليين، منهية بذلك الخلاف بين وزارتي الثقافة والآثار حول مسؤولية تنفيذ حكم التعويض.

من جهته، قال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات، الدكتور أحمد عامرن إن «إنقاذ الأثر يمر بمراحل علمية دقيقة، حيث يتم عمل مسح شامل للأثر نفسه، وتسجيله معمارياً وذلك عن طريق رفع المقاسات الهندسية بدقة، بالإضافة إلى رسم خرائط طبوغرافية للموقع لحفظ البيانات التاريخية له».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: أن «العناية الخاصة والكبيرة بالأثر تستوجب وجود كفاءات مميزة ذات خبرة عالية، وذلك لاختيار المواد التي يتم استخدامها في الترميم، فلا بد قبل البدء في عملية الترميم من اتخاذ الكثير من الخطوات العلمية الأساسية منها على سبيل المثال أن يتم عمل دراسة دقيقة للأثر ليكون بخواص ومواصفات المواد الأصلية نفسها».


ميلٌ بشريٌّ غامض للسير عكس اتجاه عقارب الساعة يحيّر العلماء

 البشر يميلون بصورةٍ تلقائيةٍ أثناء المشي إلى الانعطاف نحو اليسار (أرشيفية)
البشر يميلون بصورةٍ تلقائيةٍ أثناء المشي إلى الانعطاف نحو اليسار (أرشيفية)
TT

ميلٌ بشريٌّ غامض للسير عكس اتجاه عقارب الساعة يحيّر العلماء

 البشر يميلون بصورةٍ تلقائيةٍ أثناء المشي إلى الانعطاف نحو اليسار (أرشيفية)
البشر يميلون بصورةٍ تلقائيةٍ أثناء المشي إلى الانعطاف نحو اليسار (أرشيفية)

كشفت دراسات علمية حديثة، امتدت من إسبانيا إلى اليابان، عن أن البشر يميلون بصورةٍ تلقائيةٍ أثناء المشي إلى الانعطاف نحو اليسار؛ ما يؤدي إلى حركةٍ دائرية عكس اتجاه عقارب الساعة عند التحرك داخل مساحاتٍ مغلقة. ورغم تكرار هذه الظاهرة في بيئاتٍ وثقافاتٍ مختلفة، فإن تفسيرها العلمي الدقيق ما زال حتى اليوم «سؤالاً مفتوحاً».

وتشير نتائج منشورة في مجلة «Nature Communications» إلى أن هذا الميل لا يبدو مرتبطاً بعوامل ثقافية أو مكتسبة، بل يظهر سلوكاً بشرياً عاماً يتكرر لدى مختلف الفئات.

ويعود أحد أبرز الاكتشافات إلى فترة جائحة «كوفيد - 19»، حين لاحظ باحثون أثناء دراسة حركة الأشخاص داخل المساحات المشتركة مع التباعد الاجتماعي، أن الحشود تتحرك بشكلٍ دائريٍّ واضحٍ عكس اتجاه عقارب الساعة. وقد قاد هذا الاكتشاف المصادف إلى سلسلةٍ من التجارب اللاحقة على أفرادٍ ومجموعاتٍ صغيرة داخل غرفٍ مغلقة، حيث تكرر النمط ذاته في أغلب الحالات.

ويقول الدكتور إينيّاكي إتشيفيريا هوارتي من جامعة نافارا في إسبانيا: «عندما يُطلب من شخصٍ أن يبدأ المشي بحرية، فإنه ينحرف تدريجياً نحو اتجاهٍ معين دون وعي. وعند تكرار ذلك في مجموعةٍ كبيرة، تتجمع هذه الانحيازات الصغيرة لتنتج حركةً جماعيةً دائرية».

وللتأكد من عدم ارتباط الظاهرة بثقافة معينة؛ أُجريت تجارب مماثلة في اليابان بالتعاون مع باحثين من جامعة طوكيو، وأظهرت النتائج النمط ذاته تقريباً. كما تبين أن الميل لا يتأثر باليد أو القدم أو العين المهيمنة، وظهر لدى الرجال والنساء على حدٍّ سواء، مع وضوحٍ أكبر لدى الأطفال.

ورغم اتساع نطاق الدراسات، لا يزال السبب غير محسوم. وقد اختُبرت فرضيات متعددة، من بينها استخدام الواقع الافتراضي، ومحاكاة قيود جسدية مختلفة، إلا أن النمط استمر في الظهور. كما طُرحت تفسيرات تتعلق بتأثير كوريوليس أو اختلاف الاتجاه بين نصفي الكرة الأرضية، دون دليلٍ قاطع.

وتشير فرضيات أخرى إلى أن السبب قد يكون مرتبطاً بالميكانيكا الحيوية للجسم البشري؛ إذ إن عدم التماثل بين الجانبين وطريقة تنسيق الدماغ للحركة قد يخلقان ميلاً بسيطاً غير واعٍ نحو جهةٍ معينة.

واللافت، أن هذا السلوك لا يقتصر على البشر؛ إذ رُصد أيضاً لدى نمل الصخور في بريستول، ما يعزز احتمال وجود أساسٍ بيولوجي أعمق.

ويؤكد الباحثون أن فهم هذا الميل قد يسهم في تحسين تصميم المساحات العامة، ونماذج حركة الحشود، وخطط الإخلاء في الحالات الطارئة، إضافة إلى تحسين تدفق الحركة في المتاحف ومحطات النقل.

ورغم تعدد التفسيرات، يبقى السؤال الأساسي قائماً: لماذا يميل البشر، في مشيهم العفوي، إلى اليسار أكثر من اليمين؟ سؤالٌ بسيطٌ ظاهرياً، لكنه ما زال مفتوحاً على احتمالاتٍ علميةٍ لم تُحسم بعد.