كليوباترا في باريس... الملكة المتمرّدة أيقونة تتجاوز الزمن

ماذا نعرف عن المصرية الأكثر شهرة في التاريخ؟

تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)
تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)
TT

كليوباترا في باريس... الملكة المتمرّدة أيقونة تتجاوز الزمن

تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)
تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)

هي أشهر شخصية نسائية في التاريخ. يكفي التلفُّظ باسمها حتى تشتعل الذاكرة بمئات الصور، والمرويات، والأضواء، والعواطف الجامحة، والمآسي. كيف صنعت كليوباترا أسطورتها، وما أشكالها على مرّ الزمن؟ الجواب في معرض جديد بصفة متحف، من تنظيم معهد العالم العربي في باريس، ويستقبل الزوار حتى مطلع العام المقبل.

عرش كليوباترا كما تخيّلته الفنانة بربارة شاس ريبو (صور المعرض)

تُعدّ كليوباترا آخر حكّام سلالة البطالمة اليونانية المصرية الأكثر شهرة. ومنذ وفاتها قبل ألفَي عام، استمرَّت شهرتها في النمو. وهي شهرةٌ مثيرةٌ للدهشة بالنظر إلى عدم وجود سيرة ذاتية قديمة تُثبتها. لقد غدت بمثابة أسطورة فريدة. دارت التكهّنات حول شخصيتها، وحول الثنائيات في لغزها: العاطفة والموت، الشهوانية والقسوة، الثروة والحرب، السياسة والقداسة، مما يُضيء على وجهات النظر المتباينة لدى الغرب حول الحضارة المصرية، وبشكلٍ أعمّ، حول المكانة التي تمتَّعت بها نساء الحكم هناك. لقد شغلت هذه الجوانب التي لا تُحصى خيال المبدعين في الكتابة، والرسم، والنحت. وأسهمت مسرحية شكسبير، «أنطونيو وكليوباترا»، إسهاماً كبيراً في الترويج لمصير الملكة، فضلاً عن الموسيقى، والأوبرا، والباليه، وأخيراً السينما، والقصص المصوَّرة، والإعلانات. ولم تسلم منها حتى ألعاب الفيديو.

هكذا ألهمت الرسامين (صور المعرض)

حتى القرن الـ19، بقيت أسطورة كليوباترا أداة لتجاوز المحظورات الدينية، والسياسية، وهي نتاج عمل جماعي للفنانين، والمؤلّفين، قبل أن تُسفر عن ظهور شخصية أيقونية عالمية. لم تعد امرأة مفرطة في شهواتها، وإنما سيدة قوية تُناضل من أجل وطنها، وشرفها، وحريتها.

غطاء للرأس مرصَّع بالمجوهرات (صور المعرض)

يُلقي كتاب «لغز كليوباترا»، الصادر بمناسبة المعرض، نظرةً على الوضع الراهن للمعلومات التاريخية والأثرية التي لا تزال قليلة، وهشَّة. وهو يُضيء على التناقض بين ندرة المصادر وكثرة الادّعاءات. كيف ينتقل المرء من أسطورة إلى أسطورة؟ ومن أسطورة إلى رمز قوي متعدّد الوجوه؟ لا يزال هناك كثير من الغموض يكتنف هذه الأيقونة العالمية، وهو ما يحاول هذا المعرض في معهد العالم العربي أن يكشف عنه الستار.

غطاء للرأس مرصَّع بالمجوهرات (صور المعرض)

منذ انتحارها قبل ألفي عام، استمرت شهرة كليوباترا في النمو. وهي شهرة متعدّدة الأوجه، ومثيرة للدهشة. والسبب عدم وجود سيرة ذاتية قديمة تُشكّل أساساً لها. لقد سكنت مخيّلتنا في جميع مجالات الإبداع، وانتشرت حتى أصبحت مُستهلكة.

من أين جاءت هذه الشهرة؟ اللوحات، والمنحوتات، والمطبوعات، والمخطوطات، والقطع الأثرية، والمجوهرات، والعملات المعدنية، والأزياء، والعروض، والصور الفوتوغرافية... جميعها تُقدّم إجابات عن هذا السؤال، ويُمكن اكتشافها من خلال مجموعة غنية من الأعمال التي استعارها المعرض من متحف «اللوفر»، والمكتبة الوطنية الفرنسية، وقصر فيرساي، ومتاحف أخرى في إسبانيا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وسويسرا.

ليز تايلور في دور كليوباترا (صور المعرض)

من ضمن المعروضات، عدد من اللوحات التي تنساق وراء النظرة الاستشراقية للمرأة: ملكة مستلقية شبه عارية، وجوارٍ سمراوات وسوداوات يُحطن بها، وأجواء تدلّ على الرفاهية، والكسل. هل يمكن تصوّر النفوذ الذي اكتسبته كليوباترا إذ كانت تمضي وقتها راقدة تحت مراوح ريش النعام؟ من المعروضات مثلاً غطاء رأس على شكل طاووس، وهو تقليد لما كانت ترتديه الملكة في الأفلام؛ أي من بنات أحلام المخرجين. وهناك مجوهرات مسرحية صمَّمها فيكتوريان ساردو للممثلة سارة برنار في فيلم «كليوباترا»، عام 1890.

الأنف الذي شغل المؤرّخين (صور المعرض)

يبدأ المعرض بنظرة على أحدث الاكتشافات التاريخية، والأثرية. وبفضل مصادر مباشرة نادرة، مثل العملات المعدنية، وبرديات تحمل توقيعها، استطاع المنظّمون تحديد هوية اسم كليوباترا السابعة «فيلوباتور». ويسلط هذا القسم الضوء على السياق الاقتصادي والسياسي والديني لذلك العصر المهم، حين كانت مملكة مصر تحت الحماية الرومانية، وعاصمتها الإسكندرية، مركز العالم الهلنستي، ومركزاً مزدهراً للدراسة، والتجارة. انتهجت كليوباترا، آخر ملوك السلالة البطلمية، سياسة إصلاحية فعّالة أغنت بلادها. وبحكمتها الاستراتيجية ضمنت السلام خلال 20 عاماً من حكمها.

مسكوكة مصرية تحمل صورتها (صور المعرض)

وعام 31 قبل الميلاد، مثّلت الهزيمة في أكتيوم، بين روما بقيادة أوكتافيوس، ومصر بقيادة كليوباترا ومارك أنطونيو، نقطة تحوّل رئيسة في تاريخ البحر الأبيض المتوسط. فبانتحار ملكتها انتهى استقلال مصر، وانتهى حكم السلالات الفرعونية. وفي حين ركّز المؤلّفون العرب على صفات كليوباترا الفكرية، ودورها رئيسةً للدولة، فإنّ المؤلّفين الرومان مسؤولون عن ترسيخ أسطورتها المظلمة، تماشياً مع دعاية خصمها الإمبراطور أغسطس، من خلال تصويرها على أنها وحش شرير. وفي كتابات العصر الإمبراطوري، شُوِّهت سمعتها، ونُحّيت إلى الخلفية، ولم تظهر إلا في القصص المخصَّصة لقيصر، أو مارك أنطونيو. ففي نظر السلطة الرومانية المعادية للنساء، صُوِّر «المصري» على أنه يُجسّد الشهوة، والتهديد، سواء أكان امرأة قوية الإرادة، أم ملكة. وسيكون لهذه المصادر المتحيّزة تأثير دائم على التأريخ.

ملكة لم تنسَ أنوثتها (صور المعرض)

بفضل انتحارها، أفلتت كليوباترا من أسر الرومان، وصنعت أسطورتها الخالدة: الموت البطولي لملكة بالغة الجاذبية. قيل إنّ لها ملامح مميزة، وأنفاً طويلاً. فلو كان أنفها أقصر، لتغيَّر التاريخ! ووفق المؤلّفين القدماء، أثبتت تلك المرأة أنها مصدر إلهام لا ينضب. مئات المخطوطات المزخرفة، والرسوم، واللوحات، والمنحوتات موجودة عنها، ومن وحيها. كما خلَّدها الأدب، والمسرح، والأوبرا، والسينما... كلها عمَّمت أسطورتها، بل وألصقت بها، أحياناً، صورة حواء الخاطئة، وأحياناً أخرى مثالاً لشرقٍ منحرف.

تعدَّدت الملامح والاسم واحد (صور المعرض)

بعد سارة برنار التي جسَّدت دورها في فيلم «كليوباترا» للمخرج فيكتوريان ساردو، انتقمت الملكة على الشاشة، متفوّقةً على يوليوس قيصر وأنطونيو. وتقمَّصت ممثلاتٌ ذوات كاريزما شخصيتها في السينما في إنتاجاتٍ مذهلة، بملابس فاخرة، وزينة وجه من بنات الخيال. وأشهر من لعب تلك الأدوار النجمة الإيطالية صوفيا لورين، والأميركية إليزابيث تايلور في الفيلم الشهير للمخرج جوزيف إل مانكيفيتش عام 1963.

مرآة كليوباترا من الظهر (صور المعرض)

مع انتشار الصور، وسطوة نظام النجوم، وتبادل المعلومات على نطاق واسع، وجدت كليوباترا طريقها إلى كل منزل. لقد أوشكت أن تتحوَّل سلعةً استهلاكية. فهي ملكة جمال، وملهمة أزياء، أو علامة إعلانية. وبتحوّلها إلى إحدى النساء المشهورات في العالم، تغلَّبت الأسطورة على الحقيقة، مما أدّى إلى ارتباكٍ دائم على حساب الشخصية الحقيقية لامرأة تاريخية قادت دولة.

في نهاية القرن الـ19، استفادت النسويات من أسطورتها، وبرزت كليوباترا رمزاً للهوية، ونضالات التحرُّر. هذه المرأة القوية المستقلّة، التي فضَّلت الموت على الاستسلام، يُعاد تفسيرها من منظور النضالات السياسية الجديدة. وهي في مصر تُعدُّ رمزاً وطنياً لمقاومة الاستعمار. وفي الولايات المتحدة يحتضنها مجتمع الأميركيين الأفارقة كونها زعيمة دولة أفريقية. وعلى نطاق أوسع، تُعيد الحركات النسوية تأهيل صورتها على أنها امرأة قوية عرفت كيف تُسمِع صوتها. وهكذا، عبر القرون، وثمار البحث التاريخي والأكاديمي، لا تزال شخصية كليوباترا مرآةً للتطلُّعات، والأوهام...


مقالات ذات صلة

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق القضية تعود بخيطها الأخير (أ.ف.ب)

نهاية المطاردة... توقيف متّهمة بتوريط رونالدينيو في الجوازات المُزوَّرة

سُجنت امرأة باراغوايانية مُتّهمة بتزويد نجم كرة القدم البرازيلي السابق رونالدينيو بجواز سفر مزوَّر، ممّا أدّى إلى احتجازه 5 أشهر.

يوميات الشرق بسنت شوقي في أحد أدوارها (صفحتها في «فيسبوك»)

بسنت شوقي: التنوّع خيار محسوب بين «إفراج» و«الكينج»

أوضحت الممثلة المصرية بسنت شوقي أنها تعاملت مع شخصية «وفاء» بجدّية في التحضير، وحرصت على البحث عن نماذج قريبة منها في الواقع.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الملكة رانيا وديفيد بيكهام ومايلي سايرس مع شخصيات من «شارع سمسم» (موقع البرنامج)

من الملكة رانيا إلى آل أوباما مروراً بديفيد بيكهام... الكل يلبِّي دعوة «شارع سمسم»

برنامج «شارع سمسم»، أكثر البرامج التلفزيونية استقطاباً للمشاهير من كافة المجالات. من محمد علي كلاي إلى باراك أوباما. والغائب الأكبر دونالد ترمب.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق تكسر رندة كعدي مع شخصية «مارغو» نمط الأدوار التي سبق أن جسّدتها (إنستغرام الفنانة)

رندة كعدي: دوري في «بالحرام» فرصة العمر

في المَشاهد الأولى، لم يتعرّف الجمهور سريعاً إلى رندة كعدي، وبدت كأنها قشّرت جلدها وأعادت تشكيل ملامحها...

فيفيان حداد (بيروت)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».