«ذكرى»... مشروع لتدوين السير الذاتية باحترافية

بما أنّ حياة كلّ فرد هي إرث حقيقي

السير الذاتية تُنشر مقرونة بصور عن كلّ مرحلة حياتية (الشرق الأوسط)
السير الذاتية تُنشر مقرونة بصور عن كلّ مرحلة حياتية (الشرق الأوسط)
TT

«ذكرى»... مشروع لتدوين السير الذاتية باحترافية

السير الذاتية تُنشر مقرونة بصور عن كلّ مرحلة حياتية (الشرق الأوسط)
السير الذاتية تُنشر مقرونة بصور عن كلّ مرحلة حياتية (الشرق الأوسط)

«قصصنا الشخصية ليست مجرّد ذكريات تتبخَّر برحيلنا، بل تستحق أن تصبح حكايات تُروى وتتناقلها الأجيال التي تأتي من بعدنا»، تقول وداد مروة وهي تشرح لـ«الشرق الأوسط» إنّ كلّ سيرة فيها من المحطات والتفاصيل وقصص الكفاح ما يجعلها جديرة بالتسجيل. وفي منطقتنا قد يصبح الأمر أكثر إلحاحاً، بسبب طبيعة الحياة المتقلّبة والتحولات التي جرّتها الحروب والاضطرابات. ثمة عائلات تشتَّتت، وأُسر تهاجر، وبات كلّ فرد منها في بلد. هناك أحفاد لا يعرفون أجدادهم، وربما نسوا أصولهم.

لذلك خطر لوداد مروة أن حفظ قصص الناس قبل رحيلهم، هو أمر يساعد العائلة على صون تاريخها من الضياع، وفهم أصولها. أطلقت مشروع «ذكرى» بهدف كتابة سِير من يرغبون في رواية قصصهم. وهؤلاء ليسوا قلّة، تقول مروة: «كثيرون يحبّون أن ينقلوا هذا الإرث ويُبقونه محفوظاً في كتاب، وهو ما نقوم به، ونُخصّص له محترفين، لأنّ الكتابة الشيّقة والمنظّمة ليست بالأمر اليسير».

صاحبة مشروع «ذكرى» وداد مروة (الشرق الأوسط)

جاءتها الفكرة بعد أن توفيت جدتها ومعها رحلت قصصها الجميلة التي كانت ترويها لأحفادها وتُسهم في تكوين وعيهم. تقول مروة: «رغم الفراغ الكبير الذي تركته جدّتي، فإنني لم أدرك أهمية ما ضاع بغيابها إلا بعدما نشرنا مذكّرات والدتي في كتاب، وشعرتُ أنه أعاد توطيد أواصر روابطنا العائلية». وتشرح أنها بفضل الكتاب اكتشفت أموراً كثيرة لم تكن تعرفها عن والدتها، لأنها روت للفريق الذي عمل على تسجيل مذكراتها ما لم تروه أبداً لابنتها من قبل.

«سيرة كلّ فرد هي إرث حقيقي» في رأي مروة، لكنّ الغالبية لا تجيد الكتابة بطريقة احترافية وشيّقة تُشجّع على القراءة. فأن تقوم العائلة بهذا الدور أمر صعب، وأن يعكف الشخص بنفسه على رواية سيرته فدونه عقبات، لأنه إن كان متواضعاً ظلم نفسه، أو كان فخوراً ضخّم دوره. مشروع «ذكرى» ينقل الحكاية من الفم إلى الورقة بأسلوب احترافي، وبدون تدخّل في الرواية. ثمة فريق يعمل على مختلف المراحل. فمن يسجل القصة يجب أن يعرف كيف يطرح أسئلته، وأن يكون على دراية بالبيئة التي يعيش فيها صاحب الحكاية. أمّا الكتابة فتُسنَد إلى شخص آخر غير الذي أجرى المقابلات. ثم يأتي دور المراجعة، و«نحن نحرص على تزويد السيرة بالصور، فهذا أدعى لفهم الأحداث وأقرب إلى ذائقة القارئ».

التوثيق الفردي -كالجماعي- ضروري (الشرق الأوسط)

بعد 15 كتاباً، ترى وداد مروة أنّ الأشخاص لا يروون بالقدر نفسه من الأريحية والصراحة لعائلاتهم. فهم بحاجة إلى مسافة تفصلهم عمّن حولهم كي يشعروا بالحرّية.«كما أنّ الغالبية الساحقة من الذين سجّلنا سيرهم لم يرغبوا في بيعها أو طرحها في السوق. عدّوه إرثاً عائلياً خاصاً، ووزّعوا سيرتهم على العائلة والأصدقاء، وأهدوها لمَن يعنيهم الأمر».

أحد الذين دوّنت «ذكرى» سيرهم هو حاتم شريف الزعبي، الذي عمل محامياً بين الإمارات والبحرين والسعودية، كما كان وزيراً لمرات عدّة في الأردن، ورحل عام 2021. بعد صدور كتابه، أقام الزعبي حفلَي توقيع في عمّان والمنامة، نوقشت خلالهما سيرته ومراحل حياته. تصف مروة سيرة الزعبي بأنها «شيّقة ومُلهمة». فقد وُلد في فلسطين، وتلقّى تعليمه في الناصرة والقدس، ثم ذهب لدراسة القانون في لندن في أربعينات القرن الماضي، وأجبرته الظروف على البقاء خارج وطنه بسبب النكبة، واضطر إلى شق طريقه بنفسه.

سير باللغات الثلاث (الشرق الأوسط)

بدأت نجاحاته في المملكة العربية السعودية، ثم مصرفي رفيع المستوى في الأردن، وتدرَّج في مناصب وزارية، بما في ذلك تقلده وزيراً للاقتصاد والخارجية. وعلى مستوى المحاماة، أنشأ الزعبي مكاتب له في دول عدة. كتابة سيرته وحفظها كانت أمراً مهماً له وللعائلة.

حاتم الشريف رجل مهم، ومساره خاص ومتميّز. «لكن بالبحث، نجد أن كلّ واحد منّا في حياته محطات جديرة بأن تُروى. جميعنا لنا معاركنا وانتصاراتنا وهزائمنا. لهذا كلّ إنسان تستحق حكايته أن تُكتب».

غالبية الذين طلبوا كتابة سيرتهم بلغوا سناً شعروا فيها أنهم أنجزوا مهمّتهم، وبات بمقدورهم أن يقصّوا الحكاية. آخرون مثل ليلى فوزي يُبادر أبناؤهم إلى طرح الفكرة عليهم. تشرح فوزي أنّ الكتاب كان هدية لها في عيد الأم: «عندما قال لي أولادي، سأُقابَل لكي تُكتب قصة حياتي، تردّدت وشعرت بأنّ الأمر صعب جداً. ولكن بعدما اختبرتُ التحدُّث مع المُحاوِرة الصبورة (ماي)، أقول إنها كانت أفضل هدية تلقّيتها في حياتي. سعيدة جداً بأنني أستطيع مشاركة قصصي مع أحفادي».

تسجيل المقابلات قبل البدء في الكتابة قد يحتاج في المتوسّط إلى 12 جلسة. «نُفضّل ألا نُثقل على الشخص. لقاء واحد في الأسبوع يكفي ليتمكن من استجماع أفكاره وتحضير نفسه للجلسة التي تليها. وغالباً ما يسترسل المسنّون في رواية خصوصياتهم. لهذا نحن حريصون على إطلاع صاحب الكتاب على المعلومات التي سننشرها. فقد يطلب حذف أشياء أو إضافة أخرى. كما نلتزم بالحفاظ على سرّية المعلومات الشخصية لمن نتعامل معهم. وهذا أمر أساسي جداً».

كبار السنّ يبوحون بخصوصياتهم إذا ما اندمجوا في سرد قصصهم (الشرق الأوسط)

رواية السيرة تبعث الأمل في نفوس المسنّين. إذ تقول ماجدة محمد إنّ والدها كان قد بدأ يشعر باليأس والوحدة بعد وفاة والدتها، ويجد صعوبة في الاستيقاظ الصباحي. «لكن دخوله في مرحلة القصّ ساعده على التطلّع قدماً، بعدما أخذ يستمتع بالتحدُّث عن طفولته ومعاناته ونجاحاته، وعن زوجته الراحلة بشكل خاص».

وداد مروة طوَّرت عملها طوال السنوات الـ12 الماضية، وهو عمر مشروعها، وباتت مع فريقها يستطيعون إنجاز السيرة بالعربية أو الإنجليزية أو الفرنسية، أو بلغتين إن طلب صاحب الكتاب ذلك. كما يمكن أن يُستعاض عن الكتاب بفيلم وثائقي، أو كتاب صوتي، أو حتى موقع إلكتروني. كلّ وسائل التوثيق ممكنة.

لكن مروة تتمنّى أن يتوسَّع مشروعها، ويخرج من نطاقه الفردي، ليوثّق سيرة قرية أو مدينة أو مؤسسة أو عائلة أو قبيلة. تقول إنّ «في جنوب لبنان قرى كثيرة تهدَّمت وذكريات بدأت تُطوى. أتمنّى لو أتمكن من كتابة سير هذه القرى وأهلها وحكاياتها». أفكار طموحة تحتاج إلى فرق عمل. لكن وداد مروة تؤمن بأنّ العمل يجرّ ما بعده، وأنّ التوثيق الفردي -كالجماعي- ضروري، في منطقة تفقد كل يوم جزءاً من ذاكرتها بفعل الخراب والتهجير والموت.


مقالات ذات صلة

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)

في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
TT

في سن الـ91... فنزويلية تحوِّل تقاليد النسج القديمة إلى فن معاصر

النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)
النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

رغم هيمنة الآلات الكهربائية اليوم، تتمسَّك النسَّاجة الفنزويلية مارغريتا مورا بمزيج من الممارسات التقليدية المتوارثة عن السكان الأصليين والإسبان، لابتكار أعمال فنية تحمل لمسة حديثة مدهشة.

أثناء جلوسها أمام نولها على سطح منزلها في موكوتشيس، وهي بلدة تقع على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية، استذكرت مارغريتا مورا صباح أحد الأيام عندما كانت في الخامسة من عمرها تقريباً. آنذاك، كانت تتولى توصيل بعض الصوف الذي غزلته والدتها إلى نسَّاج محلي في بلدة ميتيفيفو القريبة. وهناك كان أول لقاء لها مع النول نفسه، الذي سيرافقها لعقود طويلة.

المهنة هذه لم تجعلها ثرية لكنَّها أبقتها على قيد الحياة (نيويورك تايمز)

وقالت خلال مقابلة أُجريت في منزلها عام 2024: «زرع هذا النول في داخلي سعادة غامرة. وعندما تعلمت النسيج، تمكنت من شراء ملابسي وأحذيتي بنفسي».

وهكذا اكتشفت مورا الحرفة التي كرَّست حياتها لها. ففي ذلك الوقت، كانت ميتيفيفو مستوطنة نائية لا تضم سوى بضع عائلات، تقع حيث تلتقي الجبال بالسماء، وهناك بدأت مورا بيع منسوجاتها.

وفي حين حلّت الآلات الكهربائية محل تقنيات النسيج التقليدية في معظم أنحاء العالم، ظلت مورا، البالغة من العمر 91 عاماً، وهي امرأة صغيرة البنية تلف الأوشحة حول وجهها الذي أثرت فيه عوامل الطقس، متمسكة بمزيج من التقاليد الأصلية للسكان الأصليين والتقاليد الإسبانية.

وبفضل منسوجاتها، حظيت بشهرة متواضعة في فنزويلا. وعلى مدى سنوات، عملت معلمة في مدرسة موكونوك للتجارة والفنون والحرف اليدوية، وهي منظمة غير ربحية تهدف إلى الحفاظ على الحرف التقليدية والترويج لها. وفي عام 2008، تصدَّر وجهها لوحة إعلانية ضخمة على واجهة مركز مؤتمرات يستضيف معرضاً فنياً في مدينة ميريدا، الواقعة جنوب غربي موكوتشيس، إلى جانب صورتين لنسَّاجتين أخريين والرئيس الفنزويلي السابق هوغو تشافيز. كما حصلت على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة.

بلدة موكوتشيس الواقعة على ارتفاع شاهق في جبال الأنديز الفنزويلية حيث تعيش مارغريتا مورا (نيويورك تايمز)

وكان أول معرض جماعي شاركت فيه مورا، إلى جانب نسَّاجات أخريات من المنطقة، عام 1979 في كاراكاس. ومع ذلك، لم تُعرض أعمالها ضمن سياق الفن المعاصر إلا في السنوات الأخيرة. ويأتي هذا التحول في وقت بات فيه فن النسيج يحظى بحضور متزايد في مؤسسات كبرى، مثل معهد شيكاغو للفنون والمعرض الوطني للفنون في واشنطن.

فعند سحب المشط، تُشد الخيوط الأفقية بإحكام على القماش قيد النسج لتكوين نسيج كثيف يتحول إلى قطعة مزخرفة أو بطانية أو سجادة أو أي منتج آخر. وتمتاز الأنماط التي تبتكرها مورا بطابع هندسي وتجريدي، وتضم زخارف مستوحاة من حياتها اليومية، مثل الأيدي والفراشات والمقصات والفؤوس.

من جانبها، ترى لين كوك، كبيرة أمناء الفن الحديث والمعاصر السابقة في المتحف الوطني للفنون في واشنطن، أن مورا «تمتلك موهبة استثنائية».

وقالت كوك في مقابلة حديثة إن تصاميم مورا «تختلف بشكل دقيق عن الأنماط الهندسية المتكررة»، موضحة أن ذلك يتحقق من خلال «التباينات اللونية القوية بين الصوف الداكن والفاتح الذي تحصل عليه محلياً».

ولسنوات طويلة، ربّت مورا أغناماً من سلالتي ميرينو وكريولو. أما اليوم، فهي تشتري أكياس الصوف من المزارعين في المناطق المحيطة وتخزنها على سطح منزلها. وإذا كان لديها حجم كبير من العمل، فإنها تشتري الصوف المغزول من ابن عمها. كما تتولى تمشيط الصوف يدوياً، وفك تشابكه، وترتيب أليافه استعداداً للغزل.

حصلت مارغريتا على أوسمة وشهادات فخرية عدَّة (نيويورك تايمز)

وعادة ما يستغرق إنجاز قطعة كبيرة ما بين شهرين و3 أشهر، وتشمل العملية الغسل والصباغة والغزل والنسيج. ونظراً لعدم إمكانية الاعتماد على توفر الكهرباء والمياه الجارية بصورة مستمرة، فإن العملية تتم يدوياً بالكامل وتعتمد بدرجة كبيرة على الظروف الجوية؛ فإذا هطلت أمطار غزيرة بعد غسل الصوف، فلن تجف الألياف.

وقال المهندس المعماري البريطاني - الفنزويلي جيمي ألكوك، الذي يزخر منزله الريفي في ميتيفيفو بالسجاد والبطانيات والأثاث المنجّد من صنع مورا: «تركت مارغريتا إرثاً من المهارة والحكمة في استخدام المواد الأساسية».

وفي المقابل، حرصت مورا على نقل خبرتها إلى الأجيال التالية من عائلتها، التي شيدت استوديو على سطح منزلها في موكوتشيس، يضم 8 أنوال. وعن ذلك تقول: «إن نقل الإرث أمر مجزٍ للغاية».

وتعمل ابنتها أسونسيون رانجيل، البالغة من العمر 53 عاماً، في حرفة النسيج حالياً، بعدما كانت مسؤولة عن غسل الصوف وتجفيفه وتمشيطه لوالدتها. كما يعمل اثنان من أحفاد مورا الستة، هما دانييل كاستيلو (23 عاماً) وفابيان رانجيل (22 عاماً)، في هذه الحرفة.

وقالت مورا، في إشارة إلى النسيج: «ما دمت أمارس هذه المهنة، فأنا سعيدة. إنها مهنة لم تجعلني ثرية، لكنها أبقتني على قيد الحياة طوال حياتي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
TT

«فتاة الصحراء تخرخوري» تستقر في المتحف الليبي

مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)
مصلحة الآثار الليبية بغرب البلاد تتسلم مومياء «تخرخوري» 14 يونيو (وزارة الثقافة)

بعد غياب طويل، استقرت مومياء الفتاة «تخرخوري»، إحدى «أهم المكتشفات الأثرية المرتبطة بتاريخ الصحراء الليبية في عصور ما قبل التاريخ»، أخيراً في المتحف الوطني بالعاصمة طرابلس.

والمومياء «تخرخوري» التي يقدر عمرها «بنحو 7000 سنة، وتعود إلى فتاة «كانت في منتصف الثلاثينات من عمرها»؛ عدّتها وزارة الثقافة بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة (الأحد) «شاهداً استثنائياً على فترة مناخية مهمة شهدتها الصحراء الليبية خلال العصور المطيرة، ما يمنحها قيمة علمية وتاريخية كبيرة في دراسة حياة الإنسان القديم بالمنطقة».

وسبق أن اكتُشفت المومياء عام 2003، حسب الوزارة، ثم نقلت إلى معامل جامعة «روما لا سابينزا» عام 2004 لإجراء الدراسات العلمية المتخصصة عليها؛ لكن «بسبب نقص الدعم خلال السنوات الماضية تأخر استكمال أعمال الصيانة والترميم وإعادتها إلى ليبيا».

وعانى الموروث الأثري في ليبيا من عمليات سرقة واسعة وإهمال منذ عشرات السنين، ما عرضه للنهب المنظم خلال الأعوام التي تلت إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي بواسطة عصابات تستهدف التنقيب عن القطع الأثرية وتهريبها. رغم ذلك يعيد مواطنون بمحض إرادتهم بعض القطع التاريخية التي تقع في أيديهم «متغاضين عن ملايين الدولارات التي قد تُعرض عليهم».

رأس تمثال «فاوستينا» ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس استعادته ليبيا مارس 2021 (الخارجية الليبية بغرب البلاد)

وسبق أن استعادت ليبيا في مارس (أذار) 2021 من النمسا رأس تمثال رخامي نادر للسيدة «فاوستينا»، ابنة الإمبراطور الروماني أنتونينوس بيوس، والإمبراطورة فوستينا (الكبرى)، وذلك بعد 75 عاماً من تهريبه إلى خارج البلاد أثناء الحرب العالمية الثانية؛ ويعود أصل التمثال للعصر الأنطوني.

وأسفر التعاون الليبي-الإيطالي عن النجاح في إعادة المومياء، الأمر الذي أعدته حكومة «الوحدة» خطوة من قبلها في «دعم قطاع الآثار والمحافظة على التراث الثقافي الوطني لتعود المومياء إلى أرض الوطن بعد سنوات من الدراسات والأعمال الفنية المتخصصة».

ونوهت وزارة الثقافة أنه «سيقام في 30 يوليو (تموز) المقبل احتفال بمناسبة استلام المومياء، وافتتاح المعرض المصاحب لها بقاعة العرض المؤقت بالمتحف الوطني حيث ستعرض للجمهور لعدة أشهر قبل انتقالها إلى موقعها الدائم ضمن قاعات ما قبل التاريخ بالمتحف».

ونجحت الجهود التي تبذلها السفارات الليبية في الخارج بالتعاون مع المختصين المحليين في إعادة عدد من القطع المنهوبة أو التي كانت تخضع للترميم. وسبق أن تسلمت ليبيا مجموعة من القطع الأثرية كانت مهربة إلى دولة إيطاليا، في سابقة وصفت بأنها الأولى من نوعها.


عدن تنعش فنونها بعودة مسرح الطفل وفرقة نسائية

عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)
عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)
TT

عدن تنعش فنونها بعودة مسرح الطفل وفرقة نسائية

عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)
عبر مبادرات محلية ودولية تسعى مدينة عدن إلى استعادة بريقها الثقافي (الأمم المتحدة)

تخطو العاصمة اليمنية المؤقتة عدن نحو استعادة دورها الثقافي والفني، مع إعلان إعادة تشغيل مسرح الطفل والعرائس، بالتوازي مع مشروع لتأسيس أول فرقة موسيقية نسائية في المدينة، في إطار مساعٍ رسمية ومجتمعية لإحياء قطاع ثقافي تضرر بشدة خلال سنوات الحرب والصراع.

وتراهن السلطات الثقافية في عدن على هذه المشاريع لإعادة الحياة إلى مرافق وأنشطة كانت تمثل جزءاً أساسياً من هوية المدينة، التي عُرفت تاريخياً بأنها واحدة من أبرز الحواضن الثقافية والفنية في اليمن.

في هذا السياق، أعلن مكتب وزارة الثقافة في عدن قرب إعادة تشغيل مسرح الطفل والعرائس، الذي أسسه الفنان الراحل أبوبكر القيسي في مديرية الشيخ عثمان، وافتُتح عام 1982 ليصبح آنذاك ثاني مسرح متخصص بالطفل في الوطن العربي.

شراكات بين مكتب الثقافة في عدن ومنظمات المجتمع المدني (إعلام حكومي)

وتشرف مديرة مكتب الثقافة في عدن، سميرة المشجري، على الترتيبات الخاصة بإعادة إحياء المسرح، في خطوة تهدف إلى استعادة دوره التربوي والثقافي بعد سنوات من التوقف والتراجع الذي طال معظم الأنشطة الفنية في البلاد.

وتتولى لجنة تضم الفنان توفيق عبده مصلح، أحد أبرز العاملين في المسرح منذ تأسيسه، إلى جانب نجل مؤسسه الراحل، مهمة جمع الدمى والأعمال الفنية والمقتنيات الخاصة بالمسرح تمهيداً لإعادة عرضها للجمهور، مع إدخال تحديثات تتناسب مع اهتمامات الأطفال في الوقت الراهن.

استعادة الدور الثقافي

خلال لقاء جمعها بالفنان التشكيلي والمسرحي توفيق مصلح، استعرضت سميرة المشجري المكانة التي احتلتها عدن لعقود بوصفها مركزاً للإبداع الثقافي والفني، مؤكدة أن المدينة لا تزال تحتفظ برصيد كبير من المواهب في مجالات الغناء والمسرح والفنون التشكيلية وفن الدمى المتحركة.

وأكدت المسؤولة اليمنية أن مكتب الثقافة يعمل على تنفيذ برامج ومبادرات لإحياء الأنشطة الفنية والإبداعية وإبراز الموروث الثقافي للمدينة، مشيرة إلى وجود توجه لإنشاء جناح خاص في مطار عدن الدولي للتعريف بتاريخ المدينة وتراثها الثقافي والحضاري أمام الزوار القادمين من الخارج.

كما شددت على أهمية الشراكة مع الفنانين والمبدعين ورواد العمل المسرحي، والاستفادة من خبراتهم في إعادة تفعيل مسرح الطفل وإحياء الأنشطة الثقافية التي غابت عن المدينة لسنوات طويلة.

من جهته، أشاد الفنان توفيق مصلح بالجهود الرامية إلى استعادة النشاط الثقافي والفني، معتبراً أن الاهتمام الرسمي بالقطاع الثقافي يفتح المجال أمام الفنانين والمهتمين للمشاركة في إعادة تنشيط الحياة الثقافية واستعادة مكانة عدن المعروفة تاريخياً.

أول فرقة موسيقية نسائية

في سياق موازٍ، يناقش مكتب الثقافة مع مؤسسة عدن للفنون والعلوم وشركائها تطوير مشروع «الفن مهنتي»، الذي يضم 14 فتاة يتلقين تدريبات على الموسيقى والعزف على الآلات الموسيقية بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع معهد غوته الألماني.

ويهدف المشروع إلى تأسيس أول فرقة موسيقية نسائية في عدن، بما يوفر مساحة أوسع لمشاركة النساء في الأنشطة الموسيقية والفنية، ويعزز حضورهن في المشهد الثقافي المحلي.

وناقشت سميرة المشجري مع رئيس المؤسسة عبد الله البكري ومنسق المشروع وهيب داوود فرص تطوير البرنامج والتحضير لمرحلته الثانية، بما يضمن استمرار التدريب وصقل مهارات المشاركات بإشراف مختصين في المجال الموسيقي.

تمهيد لتأسيس أول فرقة موسيقية نسائية في عدن (إعلام حكومي)

وأكد القائمون على المشروع أن الهدف لا يقتصر على تنظيم دورات تدريبية مؤقتة، بل يتعداه إلى تأسيس فرقة قادرة على الاستمرار والمشاركة في الفعاليات الثقافية والفنية مستقبلاً، بما يسهم في توسيع قاعدة المشتغلين بالفنون في المدينة.

وأعرب عبد الله البكري عن أمله في إقامة حفل ختامي للمشاركات على مسرح مكتب الثقافة في مديرية المعلا، معتبراً أن احتضان المكتب للفرقة النسائية ورعايتها بعد انتهاء المشروع سيمثل ضمانة لاستمرارها وتطوير تجربتها.

وفي حين أشار إلى أن مدة التدريب الحالية لا تكفي للوصول إلى مستويات احترافية متقدمة، أكد أن المشروع وضع أساساً يمكن البناء عليه مستقبلاً، خصوصاً أن تعلم الموسيقى وإتقان العزف يحتاجان إلى فترات طويلة من التدريب والممارسة.