لماذا يبقى الناس في زواجٍ تعيس؟ معالِجة نفسية تشرح الأسباب

يفضّل عدد كبير من الناس البقاء في زواج تعيس على الانفصال عن الشريك (رويترز)
يفضّل عدد كبير من الناس البقاء في زواج تعيس على الانفصال عن الشريك (رويترز)
TT

لماذا يبقى الناس في زواجٍ تعيس؟ معالِجة نفسية تشرح الأسباب

يفضّل عدد كبير من الناس البقاء في زواج تعيس على الانفصال عن الشريك (رويترز)
يفضّل عدد كبير من الناس البقاء في زواج تعيس على الانفصال عن الشريك (رويترز)

«ما عُدنا نتفق على الأفكار والمبادئ والسلوكيات ذاتها... ذهبَت اهتمامات كلٍّ منا في اتجاهٍ مختلف... ثم صار العراك مشهداً يومياً يدور أمام عيون ولدَينا»، هكذا تختصر ليديا في حديثها مع «الشرق الأوسط» التحوّلات التي طرأت على زواجها عبر السنوات. ولكن رغم المعاناة، كان الطريق بين قرار الانفصال وتنفيذه طويلاً وشائكاً، نظراً لأسبابٍ عدة، في طليعتها معاندة الزوج، والتحديات المادية.

«من أجل الأولاد»

تختصر المعالِجة النفسية الدكتورة ريف رومانوس الأسباب التي تدفع الناس للبقاء في زيجات تعيسة في كلمة واحدة، هي «الخوف». ولهذا الخوف أوجهٌ عدّة، أبرزها الأولاد؛ إذ يخشى الأهل من أن يخطئوا بحقّ أبنائهم ومن أن يعرّضوهم لصدمة نفسية في حال الانفصال.

توضح ريف رومانوس لـ«الشرق الأوسط» أنّ «هذا الخوف طبيعي، ولكن يجب أن يتذكر الأهل دائماً أن الأولاد بحاجة إلى رؤية والدَين مرتاحَين وسعيدَين بعضهما مع بعض، لا أن يشهدوا على علاقة غير صحية».

من المؤكّد أن الطلاق يترك آثاراً على الأولاد، ولكن في المقابل لا مناعة تقيهم الترددات السلبية لزواجٍ سامّ وتعيس. وتضيف ريف رومانوس في هذا السياق: «أن تخسر نفسك من أجل أولادك ليس أمراً سيفرحهم. من الأفضل أن يروك سعيداً بمفردك على أن يروك تعيساً في الزواج».

الأولاد هم السبب الأساسي الذي يبقي الناس في زيجاتٍ تعيسة (رويترز)

المال ثم المال

تشير الإحصائيات إلى أن أولئك الذين لديهم كثير من الأموال والأملاك يخسرونها في حال الطلاق، هم أكثر عرضة للبقاء متزوّجين، بغضّ النظر عن مستوى رضاهم عن العلاقة الزوجية.

فحتى وإن حصل الانفصال بأقل الأضرار المعنوية الممكنة، لا يمرّ من دون خسائر مادية. أولاً، الطلاق إجراءٌ مكلف لا تقلّ مصاريفه القانونية عن 10 آلاف دولار في حدّها الأدنى، تُضاف إليها لاحقاً النفقة المخصصة للأولاد. وكلما كان الانفصال صِدامياً بين الشريكَين، كان الثمن باهظاً أكثر. ويشمل ذلك تنازل أحد الزوجَين عن كثير من مدّخراته وحقوقه المادية من أجل الحفاظ على حق الوصاية على الأولاد، أو لمجرّد موافقة الشريك على إتمام الطلاق.

توضح ريف رومانوس أن الخسائر المادية والخوف من فقدان الاستقرار قد يلعبان دوراً محورياً في ردع المرء عن الطلاق: «لكن عندما يشعر الشخص بأنه خسر هويته وما عاد يجد نفسه في هذا الزواج، لا يبقى العنصر المادي رادعاً».

تلعب الأموال والأملاك المشتركة دوراً محورياً في ردع الأزواج عن الانفصال (رويترز)

رعبُ مغادرة دائرة الأمان

«هل سأتأقلم على العيش وحدي؟»، «هل سأعثر على شريك جديد؟»، «أليس من الأفضل أن أبقى هنا؛ حيث اعتدتُ على كل شيء؟»... هذه بعض التساؤلات التي تؤرق الشريك التعيس في زواجه. فبطبيعته يخشى الإنسان من المجهول، ويفضّل البقاء ضمن دائرة المألوف، حتى وإن كان هذا المألوف مؤلماً ومتعباً.

الزواج -على تعاسته في بعض الأحيان- هو أشبَه بمنطقة الأمان التي يصعب الخروج منها خشية مما سيَليها.

وقد أشار بحثٌ أجرته «الجمعية الأميركية للطب النفسي» إلى أن الخوف من الوحدة ومن فقدان الأمان، هو في طليعة الأسباب التي تجعل الناس يبقون في زيجاتهم التعيسة. وأضاف البحث أن «تَجاهُل المشكلات التي تشوب العلاقة، أسهل من الجرأة على التغيير ومواجهة المجهول الذي قد يحمله المستقبل».

وتحذّر الجمعية من إخفاء المشاعر الحقيقية حيال الشريك والزواج، تحت قناعٍ من السعادة المزيّفة؛ لأن تَجاهل مواجهة تلك المشاعر يُبقي المرء عالقاً في دوّامة من التعاسة.

إخفاء المشاعر الحقيقية تحت قناع من السعادة المزيفة يبقي المرء عالقاً في دوّامة من التعاسة (رويترز)

«كلام الناس»

رغم أنه خرج من دائرة المحرّمات منذ سنوات، فإن البعض ما زال ينظر إلى الطلاق على أنه فشلٌ وهزيمة. وفق ريف رومانوس فإنّ معظم مَن هم غير سعداء في زيجاتهم يترددون في اتخاذ قرار الانفصال، خشيةً من أحكام الناس عليهم، ومن مواجهة الأهل والأصدقاء بالموضوع.

يبدو البقاء خلف جدران البيت الجميل الذي بنياه معاً، والحفاظ على مظاهر حياتهما التي يظنها الآخرون مثالية، أسهل من الإقرار بأنّ الزواج تحوّل إلى معاناة. بذلك، يتفادى الأزواج خجل الظهور كفاشلين في عيون أهلهم والمجتمع.

ندوب الطفولة

يحمل الشريك إلى زواجه كل ما نشأ عليه خلال الطفولة. غالباً ما يصمت عمّا يضايقه، كالتعنيف أو المعاملة السيئة أو الخيانة؛ لأنه تربّى على أنّ الشكوى والتعبير عن المشاعر نوعٌ من الضعف. يُخفي حزنه واستياءه مقابل إرضاء الآخر، والحصول على سلامٍ وسكينة ظاهريين ومؤقتَين.

في هذه الشرنقة من السلوكيات النفسية غير الصحية، يصبح من الصعب التحرر مما يكبّله. ينعكس الخجل والشعور بالذنب اللذَين تكيّف معهما طفلاً على علاقته بالشريك، فيحمّل نفسه المسؤولية قائلاً: «يجب أن أبذل مجهوداً أكبر في العلاقة»، أو: «ليس الأمر بهذا السوء»، حتى وإن كان صوته الداخلي يصرخ بعكس ذلك.

وقد بيّنت دراسة نُشرت عام 2018 في «Journal of Personality and Social Psychology» (مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي)، أنه غالباً ما يبقى الناس في زيجات تعيسة إرضاءً لشريكهم، غير آخذين في الاعتبار مصلحتهم الشخصية.

غالباً ما يبقى الناس في زيجات تعيسة إرضاءً لشريكهم غير آخذين في الاعتبار مصلحتهم الشخصية (رويترز)

على أملٍ مؤجّل

غالباً ما يؤجّل الأزواج الخروج من دائرة التعاسة على أمل أن تترمم العلاقة أو أن يتبدّل سلوك الشريك. وفق الدكتورة ريف رومانوس، فإنّ هذا الأمل المؤجّل يخبّئ في طيّاته استسلاماً: «غضّ الطرف عن بعض المساوئ أمر جيّد، ولكن إذا انسحب على كل جوانب العلاقة فهذا يعني الاستسلام لحياة غير سعيدة لمجرّد البقاء معاً»، كما تقول المعالجة النفسية.

أمام زواجٍ مسدود الأفق، يمكن اللجوء إلى معالج نفسي أو مستشار زواج أو رجل دين، لأخذ المشورة ومحاولة إصلاح ما تصدّع، ولكن «عامل الوقت ومرور السنوات يلعب ضد ترميم زواجٍ متهالك؛ خصوصاً إذا كان التواصل صعباً والقيَم والاهتمامات مختلفة بين الزوجَين»، وفق ريف رومانوس.

أما كيف نعرف أنّ الأمل بالعلاقة الزوجية قد فُقد تماماً، وأنّ فترة الحِداد عليها قد انتهت، فعندما نحدّث أنفسنا قائلين: «لا رغبة لدي في العودة إلى المنزل»، أو: «لا أمانع في أن يجد شريكي الحالي شخصاً يحبه ويعيد بناء حياته معه».


مقالات ذات صلة

بدلاً من «كيف حالك؟»... سؤال صباحي بسيط قد يقلل الخلافات مع شريكك

يوميات الشرق زوجان يستمتعان بفطور صحي معاً (بيكسلز)

بدلاً من «كيف حالك؟»... سؤال صباحي بسيط قد يقلل الخلافات مع شريكك

قد يكون فهم الحالة النفسية للشريك قبل بدء اليوم وسيلة بسيطة لتجنب كثير من سوء الفهم والصراعات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)

حين يصبح الحديث أصعب من السكوت... ما أسباب الصمت الزوجي؟

في بداية الزواج، يبدو الحديث بين الزوجين أمراً طبيعياً وعفوياً؛ فهناك دائماً ما يُروى، وما يُناقش، وما يُضحكهما، وما يثير فضول أحدهما تجاه الآخر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا رئيس الحكومة المصرية الدكتور مصطفى مدبولي خلال المؤتمر الصحافي 4 يونيو 2026 (رئاسة مجلس الوزراء)

مقترح بتشكيل لجنة لصياغة «قانون الأسرة المصرية»... هل يُهدئ الجدل بشأنه؟

تحاول الحكومة المصرية تهدئة الجدل المثار حول مشروع قانون الأحوال الشخصية، بتأكيد انفتاحها الكامل على أي تعديلات بخصوصه.

رحاب عليوة (القاهرة)
يوميات الشرق تسعى الدراسة إلى تهيئة الظروف لتواصل بنّاء وشعور أفضل بعد الانفصال (أونسبلاش)

نصائح علمية لتجاوز مرحلة ما بعد الانفصال

أوصت دراسة أجراها باحثون من مختبر العلاقات والصحة الزوجية في جامعة أوتاوا الكندية، ببعض النصائح لتجاوز مرحلة ما بعد الانفصال.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مجلس النواب المصري خلال انعقاده في مقره الجديد بالعاصمة الإدارية (مجلس النواب المصري)

لماذا يثير تعديل قانون «الأحوال الشخصية» جدلاً في مصر؟

نفت الحكومة المصرية، الجمعة، سحب مشروع قانون «الأحوال الشخصية» من مجلس النواب (البرلمان) بعدما أثار عدم عرضه على الأزهر قبل الإحالة للمجلس بـ3 مايو جدلاً واسعاً

رحاب عليوة (القاهرة)

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
TT

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار. المجموعة تضم اثني عشر عملاً فنياً من المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية ظلت بعيدة عن الأنظار لعقود داخل مجموعة خاصة شهيرة في أميركا الجنوبية، بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأعلنت دار «سوذبيز» للمزادات أنه من المتوقع أن تسجل أعمال لفنسنت فان جوخ وبول سيزان أرقاماً قياسية لهذين الفنانين خلال المزاد المقررة إقامته في نيويورك يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني). وفي حال تحقق ذلك، فسيكون مؤشراً جديداً على أن جامعي الأعمال الفنية يسعون - في ظل الأوقات التي تتسم بعدم اليقين - إلى إيجاد ملاذ آمن لاستثماراتهم في روائع الفن.

لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» لفان جوخ تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار (سوذبيز)

تأتي هذه اللوحات من مجموعة الراحلة الأرجنتينية «نيلي أرييتا دي بلاكير» وزوجها «كارلوس بيدرو بلاكير» - قطب صناعة السكر - ويقوم أبناؤهما حالياً ببيعها. وتشمل المجموعة لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» (Châtaigniers en fleurs) لفان جوخ، والتي تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار، ولوحة «هارلكين» (Arlequin) لسيزان، التي تبلغ قيمتها التقديرية 120 مليون دولار؛ علماً بأن أياً من هاتين اللوحتين لم تُعرض أمام الجمهور منذ نصف قرن.

ووصفت هيلينا نيومان، رئيسة قسم الفن الانطباعي والحديث في «سوذبيز»، المجموعة بأنها أشبه بـ«متحف أورسي مصغر»؛ في إشارة إلى المتحف الباريسي الذي يضم واحدة من أعظم مجموعات الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي في العالم.

وقالت نيومان: «خلال مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من 30 عاماً في دار سوذبيز، لم أحظَ قط بشرف التعامل مع مجموعة بهذا المستوى من الجودة والقيمة الفنية».

وأشارت نيومان إلى أن لوحة فان جوخ التي تصور أشجار الكستناء المزهرة تجسد «انفجار الطاقة والحيوية» الذي شعر به الفنان عقب خروجه من المصحة النفسية في مايو (أيار) 1890، قبل أن يضع حداً لحياته بعد ذلك بشهرين. أما لوحة سيزان (هارلكين)، فهي واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه وهو يرتدي زي شخصية «هارلكين» (المهرج)، في حين توجد اللوحات الثلاث الأخرى في متاحف كبرى.

لوحة بول سيزان (هارلكين) المعروضة في المزاد واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه (إ.ب.أ)

وتضم المجموعة أيضاً لوحات لمناظر مدينة باريس بريشة كلود مونيه وكاميل بيسارو، ولوحة لسباق خيول لإدغار ديغا، ومشهداً لركوب القوارب لبيير أوغست رينوار؛ وتبلغ قيمة هذه الأعمال جميعها عشرات الملايين من الدولارات.

وقال خبير الفنون فيليب هوك، وهو مُنظِّم مزادات سابق في دار «سوذبيز»، إن هذه المجموعة «تُعدّ بالفعل أسطورية»، نظراً لأن مقتنيها لم يعيروا هذه الأعمال للمشاركة في أي معارض. وأضاف هوك: «لم يكن أحد يعلم حقيقة ما تحتويه المجموعة؛ لذا فإن الكشف عنها الآن يمثل أمراً مثيراً للغاية».

وتابع قائلاً: «لقد نجحوا في تكوين مجموعة تركز بذكاء شديد على اقتناء عمل فني واحد يمثل كل اسم من الأسماء البارزة (في الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي)، وهو أمر بالغ الصعوبة؛ لقد حققوا ذلك بأسلوب رائع ونجاح باهر».

لوحة رينوار «فتاة صغيرة في قارب» (سوذبيز)

وأشارت نيومان إلى أن عملية البيع ستجذب على الأرجح اهتماماً عالمياً؛ إذ تتراوح قائمة المشترين المحتملين بين أثرياء قطاع التكنولوجيا الأميركيين ومؤسسات مرموقة في الشرق الأوسط، فضلاً عن هواة جمع الأعمال الفنية الأثرياء من أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وقالت: «في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي السائدة، يبدو الأمر وكأن هناك عودة للأعمال الفنية الراسخة والموثوقة والمُختبرة عبر الزمن»، والتي تُعد «عظيمة بلا منازع». وأضاف: «إن هذه المجموعة الانطباعية - التي تضاهي في جودتها مقتنيات المتاحف - تُعد نادرة للغاية».


بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.