عندما اختار المؤثّر ريان حايك فكرة برنامجه الرقمي «بيناتنا»، أراد أن يسلك طريقاً مختلفاً. نظر حوله ولاحظ أن الحوارات مع المشاهير لا تتعدّى الجانب الفني أو السياسي أو الثقافي، فقرّر أن يخوض تجربة جديدة تطغى عليها الإنسانية. هذا الجانب الذي يكون غالباً غامضاً لدى النجوم، يثير اهتمام الناس، وبالتالي فإن ضيوفه يرحّبون بمشاركة تجاربهم الشخصية مع جمهور البرنامج.

يدخل برنامجه اليوم موسمه الثالث محافظاً على وتيرة النجاح نفسها. وعلى عكس ما تقدّمه برامج الـ«بودكاست» وما يشابهها على «يوتيوب» ومنصات إلكترونية أخرى، يحرص ريان حايك على مشاركة متابعيه قصصاً إنسانية حقيقية تتعلّق بضيوفه. ويبدأ برنامجه دائماً بسؤال محوري: «بيناتنا، هل أنت مبسوط بحياتك؟». سؤال بسيط قد نطرحه على بعضنا كلّما التقينا صديقاً أو قريباً: «كيفك؟ منيح؟». لكن مع ريان، يتحوّل هذا السؤال إلى مفتاح يفتح خزانة الضيف العاطفية، فيبدأ الحوار منذ الدقيقة الأولى بلحظة تأمل وصدق مع الذات.
وبناءً على الإجابة، يطرح سؤالاً آخر: «إنت مين؟ عرّف عن نفسك بـ5 صفات». حينها يبدأ بفهم مكامن القوة والضعف لدى الضيف، ويشرع في حوار مختلف.
للوهلة الأولى، قد يظنّ متابع «بيناتنا» أن البرنامج يشبه كرسي الاعتراف؛ فالقصص التي يرويها الضيوف غالباً ما تُكشف للمرة الأولى.
ويقول ريان حايك لـ«الشرق الأوسط»: «يمكننا وصف الكرسي الذي يجلس عليه الضيف بـ(كرسي اعتراف)، لكنني أفضّل تسميته (كرسي الشفاء)؛ فهم يبوحون بقصص قد لا يعترفون بها حتى لأنفسهم، يتجاهلونها لأنهم لا يحبّون تذكّرها. وخلال حواري معهم، يتحدّثون عن لحظات عاشوها أثناء تجربة معينة، ويعترفون أمام ملايين الناس بما اجتاحهم من مشاعر. لهذا يكون وقع تلك اللحظات كبيراً عليهم وعلى الجمهور، ويصبح الحوار بمثابة علاج يخفف عنهم».

وعن انعكاس هذه القصص عليه شخصياً، يقول: «منحني البرنامج تجربة غنيّة على الصعيدين المهني والإنساني. لقد تعلّمت من ضيوفي دروساً أسهمت في صقل شخصيتي. ولا أخفي سراً إن قلت إنني كثيراً ما أتأثر بقصصهم، فتملأ الدموع عينيّ، وأحاول أن أتماسك قدر الإمكان».
ويؤكّد حايك أنه لم يسبق أن اصطدم بطريق مسدود في حواراته مع الضيوف؛ لأن قوّته تكمن في أنّ حواراته قائمة على المحبة والاحترام، ما يقلّل من احتمالية المواجهة أو التردّد. ويتابع: «قد ترون ضيوفي أحياناً يبكون، لكنكم لا ترونهم يوماً ممتنعين عن البوح. فهدف الحوار ليس خبراً عاجلاً أو سبقاً صحافياً، بل تجربة إنسانية يشاركنا بها الضيف على الملأ».
قد يُطرح السؤال نفسه في سياق هذه الحوارات: لماذا ينجح هذا النوع من الجلسات الثنائية؟ يجيب ريان حايك: «نحن اليوم نعيش في زمن إعلامي مختلف، يحتل فيه الإعلام الإيجابي حيّزاً لا يُستهان به. في مراحل سابقة، كانت البرامج تركّز على إثارة الجدل أو إحراج الضيف، أما اليوم فالإيجابية مطلوبة أكثر من أي وقت مضى. وهذا ما خلق توجهاً جديداً في الإعلام، مبنياً على مبدأ الشفاء والمشاركة؛ إذ يُعطى الضيف مساحة للتعبير عن تجربة إنسانية، ويصبح بذلك وسيطاً يساعد الآخرين».
ألم تدفعك الشهرة المبكرة إلى تخطي مراحل عمرك الطبيعية؟ يجيب: «لا شك أنني تجاوزت مراحل من عمري سريعاً؛ لأني بدأت في سن صغيرة. لم أعش مراهقتي مثل أقراني، وبتّ أدرس كل خطوة أو تعليق أو تصرف أقدِم عليه، انطلاقاً من مبدأ (ممنوع الغلط). ولكن، في المقابل، أنا أحبّ ما أفعله، ولا تزعجني الشهرة على الإطلاق».

ويؤكّد أن هذا النوع من البرامج ليس سهلاً، خصوصاً أنه خلال الحوارات يتم التطرّق إلى جراح الطفولة وذكريات مؤلمة قد يخزّنها الضيف في لا وعيه.
ويضيف: «الأهم في هذه الحوارات هو مراعاة مشاعر الضيف، وهو ما يتطلّب من المحاور قدراً من الإيجابية والمحبّة تساعده على مواجهة أي عقبة دون تجريح أو إساءة».
قدّم ريان حايك حتى اليوم نحو 80 حلقة من «بيناتنا»، ويدخل موسمه الثالث مع متابعة تتجاوز 3 ملايين متابع، محافظاً على نهج واحد يتضمن محاور أساسية، منها الحديث عن الطفولة، والأهل، وأجمل وأسوأ الذكريات، والخسارات الكبرى، والحياة العاطفية.
هل يساورك القلق بشأن استمرارية البرنامج؟ وهل لديك «خطة بديلة»؟ يجيب: «هذا النوع من الحوارات يتميّز بالصدق، فيلامس الناس؛ لأنه يشبههم ويشبه تجاربهم. على العكس تماماً، أفكّر حالياً في تطوير فكرته، وأخطط للانتقال إلى استضافة ضيوف أجانب في أوروبا وأميركا في الفترة المقبلة، فهؤلاء أيضاً لديهم تجارب إنسانية عميقة، وقد لا يجدون المنصة المناسبة للتعبير عنها بصدق، وسأكون بانتظارهم».
وعن الإضافة التي قدمها الحوار الإنساني إلى الإعلام، يقول حايك: «لقد أضاف لغة جديدة نحتاجها بشدّة. فنحن نعيش في عالم مُثقل بالحروب، واغتصاب الطفولة، والفقر، والجوع، والأخبار المزيّفة، والسلبية، والألم... لذلك، فإن هذه الحوارات تخلق مساحة إنسانية بامتياز».







