معرفة أكثر الأفلام تحقيقاً للنجاح الجماهيري باتت صعبة بمصر

غياب «الدراسات الاقتصادية» و«التضخم» من بين الأسباب

أبطال فيلم «ولاد رزق 3» مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على فيسبوك)
أبطال فيلم «ولاد رزق 3» مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على فيسبوك)
TT

معرفة أكثر الأفلام تحقيقاً للنجاح الجماهيري باتت صعبة بمصر

أبطال فيلم «ولاد رزق 3» مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على فيسبوك)
أبطال فيلم «ولاد رزق 3» مع المخرج طارق العريان (حساب كريم قاسم على فيسبوك)

لأسباب عدة، باتت قائمة «الأفلام الأكثر إيراداً في تاريخ السينما المصرية» متغيرة مع مرور السنوات، لدرجة أن القائمة باتت تضم أفلاماً تم عرضها خلال السنوات الخمس الماضية فقط، متجاهلة أفلاماً أخرى حققت نجاحاً جماهيرياً ونقدياً لافتاً لكبار النجوم خلال العقود الماضية، في ظل اعتماد منتجين مصريين على «أرقام» الإيرادات وحدها للتأكد على الصدارة التاريخية.

قائمة الأفلام الأكثر إيراداً في تاريخ السينما المصرية يتصدرها فيلم «ولاد رزق 3» لأحمد عز وعمرو يوسف بإيرادات تجاوزت 265 مليون جنيه (الدولار يساوي 49.95) في البنوك، فيما يحل ثانياً فيلم «سيكو سيكو» لعصام عمر وطه دسوقي بإيرادات 175 مليون جنيه في 7 أسابيع عرض منذ انطلاقه بالصالات المصرية في موسم عيد الفطر الماضي.

وتضم القائمة على الترتيب أفلام «بيت الروبي» لكريم عبد العزيز وكريم محمود عبد العزيز بنحو 129 مليون جنيه، و«الحريفة 2» لنور النبوي بأكثر من 127 مليون جنيه، و«كيرة والجن» لكريم عبد العزيز وأحمد عز بأكثر من 117 مليوناً، و«الفيل الأزرق 2» لكريم عبد العزيز ونيللي كريم بأكثر من 103 ملايين جنيه، وهو العمل الذي عرض عام 2019.

لقطة من فيلم «بيت الروبي» (الشركة المنتجة)

ويتفق متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» على أن تغير القائمة بشكل مستمر يرجع لعدة أمور، من بينها التضخم، وزيادة أسعار التذاكر، وعدد الشاشات السينمائية، ومدة بقاء الأفلام في الصالات السينمائية.

وسجلت عدة أفلام سينمائية منذ نهاية القرن الماضي قفزات في شباك التذاكر، من بينها فيلم «إسماعيلية رايح جاي» لمحمد هنيدي ومحمد فؤاد، الذي حقق إيرادات بلغت 15 مليون جنيه عام 1997 (الدولار كان يساوي وقتها 3.33 جنيه).

ويعتبر المنتج المصري صفي الدين محمود أن الاعتماد على أرقام شباك التذاكر أمر غير منصف، لأن الأفلام التي ستنتج بعد 10 سنوات ستكون الأعلى إيراداً، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك أفلاماً حققت إيرادات في دور العرض لكنها توقفت عند هذه المرحلة، وأخرى حققت إيرادات ربما تكون أقل من الأولى لكنها لا تزال قابلة لإعادة البيع، وتحقيق عوائد من المنصات والشاشات».

الملصق الدعائي للفيلم (الشركة المنتجة)

ويؤكد الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط» على ضرورة «وجود دراسة اقتصادية توضح الأفلام الأكثر مشاهدة بالصالات السينمائية، وفق وضع جميع المتغيرات في حسابها، سواء فيما يتعلق بعدد صالات العرض وقت طرح الفيلم وعدد السكان وسعر التذكرة، بالإضافة إلى مدة بقاء الفيلم بالصالات، وإجمالي ما حققه من إيرادات؛ وهي أمور لا تقدم في أي إحصائيات جديدة ترتبط حصراً بالإيرادات الأسبوعية أو السنوية التي يتم إعلانها».

وأوضح أن ثمة أفلاماً قدمت في فترات سابقة ربما تكون الأكثر مشاهدة بالصالات السينمائية، من بينها فيلم «غزل البنات» لنجيب الريحاني عام 1949، أو «حمام الملاطيلي» الذي استمر في الصالات لفترة طويلة، وأعيد عرضه في دور عرض الدرجة الأولى، بعد إعلان بطلته شمس البارودي ارتداء الحجاب ثم النقاب.

صناع «ولاد رزق 3» في العرض الخاص للفيلم - (الشركة المنتجة)

وأشار إلى «أن أكثر من فيلم استمر بالصالات لفترات طويلة ويمكن أن يكون بحسبة موضوعية بقائمة أكثر الأعمال إيراداً على غرار (خلي بالك من زوزو)، الذي استمر لأكثر من عام في الصالات السينمائية، و(أبي فوق الشجرة) لعبد الحليم حافظ الذي استمر لفترة طويلة بالصالات أيضاً».

رأي يدعمه المستشار الإعلامي للشركة العربية للإنتاج والتوزيع، عبد الجليل حسن، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «اختيار الأفلام الأكثر نجاحاً وجماهيرية وفق إيراداتها فقط أمر غير دقيق، فهذا الحساب مرتبط بعدد شاشات العرض، والمقاعد المتاحة لكل فيلم، والفترة التي يبقى فيها بالصالات، بالإضافة إلى عدد الحفلات التي عرض فيها، وعدد النسخ التي طرح بها».

أحمد عز وكريم عبد العزيز يحضران العرض الخاص لفيلم «كيرة والجن» بصالات السينما السعودية (تصوير صالح الغنام)

وأوضح حسن أن «هذه العملية الحسابية ستجعل أفلاماً عدة للفنان عادل إمام، على سبيل المثال، ضمن القائمة، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك توقيتات شهدت فيها الصالات السينمائية حفلات منتصف الليل وحفلات بعدها أيضاً بمواسم عدة، وهي أمور لعبت دوراً في زيادة إيرادات الأفلام، مع النظر إلى قيمة العملة وقت عرض الفيلم».

وانخفضت قيمة الجنيه المصري عدة مرات خلال العقود الثلاثة الماضية، ليتداول اليوم عند متوسط 50 جنيهاً للدولار، بعدما كان يساوي الدولار 3.33 جنيه مطلع الألفية الجديدة، فيما قفز سعر تذكرة السينما من متوسط يتراوح بين 5 و10 جنيهات في أواخر التسعينات إلى متوسط 100 و200 جنيه حالياً في غالبية دور العرض.

طه دسوقي وعصام عمر بطلا فيلم «سيكو سيكو» - حساب طه دسوقي على فيسبوك

ويرى الناقد الفني محمد عبد الرحمن أنه «لو حقق فيلم معين إيرادات كبيرة لكنه لم يغط تكلفة إنتاجه فإنه سوف يكون بذلك فيلماً خاسراً، كما أن الإيرادات لا تقتصر اليوم على شباك التذاكر في مصر فقط، بل في الدول العربية والعروض الخارجية، بجانب عائدات البيع للمنصات، وشركات الطيران، والقنوات التلفزيونية، وغيرها من مصادر الدخل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «غياب الإفصاح عن العائدات المكتملة للأفلام، بالإضافة إلى غياب الدراسات الاقتصادية عبر طريقة منصفة لقياس الإيرادات، سيؤديان إلى استمرار الظاهرة»، لافتاً إلى «أن الأفلام قبل عقد لم تكن تتكلف المبالغ نفسها التي تنتج بها اليوم، وبالتالي فإن العائدات نفسها ستتغير وفق المتغيرات الاقتصادية، وبالتالي فإن المقارنة بين الأفلام، وفق بند الإيرادات فقط، ليس دقيقاً».

ورغم ذلك يشير المنتج صفي الدين إلى إمكانية اعتبار أعداد التذاكر المبيعة لكل فيلم معياراً مؤقتاً باعتبارها تعطي دلالة رقمية لما حققه الفيلم في شباك التذاكر.


مقالات ذات صلة

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

سينما فيصل العيسى البطل الرئيسي للفيلم في دور «عامر» في مشهد من الجزء الثاني (نتفليكس)

«شباب البومب 3»... كوميديا الرحلة تصمد أمام الأفلام العالمية

لطالما شكّلت «كوميديا الرحلة» ثيمة راسخة في السينما العالمية، حين تتحول الرحلات العائلية إلى مساحات للمغامرة والمواقف الطريفة.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق مايان السيد حصدت جائزة أفضل ممثلة (مهرجان مالمو)

مايان السيد لـ«الشرق الأوسط»: «كولونيا» منحني دفعة معنوية كبيرة

كانت تجربة «كولونيا» محطة مهمة في مسيرة الفنانة المصرية مايان السيد، إذ شكلت تحدياً جديداً عزَّز تطورها الفني بفضل ثقة المخرج واجتهادها في تعميق تفاصيل الشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق محمد رمضان ورزان جمال في لقطة من فيلم «أسد» (حساب محمد رمضان على «فيسبوك»)

«ثنائيات سينمائية» جديدة في أفلام «موسم عيد الأضحى» بمصر

يشهد موسم «عيد الأضحى» السينمائي في مصر طرح عدد من الأفلام التي تضم «ثنائيات فنية» لأول مرة، من بينها أفلام «صقر وكناريا»، و«أسد».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.