المتحف الوطني السعودي... 27 عاماً وجهة للسياحة والثقافة

يحتفي بدور المتاحف في تنمية المجتمع خلال يومها العالمي

تحتوي جنبات المتحف على نحو 4413 قطعة أثرية وتاريخية شاهدة على العصور (واس)
تحتوي جنبات المتحف على نحو 4413 قطعة أثرية وتاريخية شاهدة على العصور (واس)
TT

المتحف الوطني السعودي... 27 عاماً وجهة للسياحة والثقافة

تحتوي جنبات المتحف على نحو 4413 قطعة أثرية وتاريخية شاهدة على العصور (واس)
تحتوي جنبات المتحف على نحو 4413 قطعة أثرية وتاريخية شاهدة على العصور (واس)

بالتزامن مع اليوم العالمي للمتاحف، الذي يصادف 18 مايو (أيار) كل عام؛ لزيادة الوعي العام بدورها الرائد في تنمية المجتمع، فتح المتحف الوطني السعودي، السبت، أبوابه لسلسلة حوارات عن دور المتاحف في استيعاب التحولات المجتمعية المتسارعة، ومواجهة التغيير في وظيفتها وجمهورها.

المتحف الذي انطلق منذ 27 عاماً، يحتفي بهذا اليوم في لحظة يشهد فيها القطاع الثقافي السعودي تحولاً كبيراً على مستوى حيويته وأدائه، ومن ذلك مجال المتاحف والرؤية المستقبلية لدورها، والمتمحورة حول الابتكار والتجديد.

27 عاماً وجهة للسياحة والثقافة

من الأرض إلى القمر، وعصور ما قبل التاريخ إلى العصر الحديث، يأخذنا المتحف الزائر في رحلة شيقة عبر أروقته، تتجاوز فيها الزمان والمكان، وتقف على شواهد فنية وتاريخية بقلب مدينة الرياض، منذ افتتاحه عام 1999، على مساحة قدرها 17 ألف متر مربع، تنتشر فيها حكايات آلاف القطع التراثية من تماثيل، ومخطوطات، ومنحوتات لا مثيل لها.

وتعود نواة تأسيس المتحف عام 1964 بهدف حفظ الآثار والمآثر الإنسانية والمادية وتجليات من التراث الثقافي السعودي، والتعريف بها للأجيال القادمة، لتكون بذلك حاضنة للقطع التراثية الناتجة عن المسوحات والتنقيبات الأثرية. وخلال 1977، افتتح في إدارة المتاحف، وقد حظي باهتمام من الملك سلمان عبد العزيز حينما كان أميراً لمنطقة الرياض آنذاك.

وتوالت العناية بالمتحف حتى شهد الافتتاح الكبير في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، وجرى تطويره وإعادة افتتاحه، بالتزامن مع ذكرى مرور 100 عام على تأسيس السعودية، عندما استرد الملك عبد العزيز مدينة الرياض.

ومن موقعه، على الجانب الشرقي من الميدان الرئيسي لمركز الملك عبد العزيز التاريخي، وبجوار قصر المربع، قصر الملك المؤسس عبد العزيز، وجامع الملك عبد العزيز، ودارة الملك عبد العزيز، ومكتبة الملك عبد العزيز العامة في المربع، وقاعة الملك عبد العزيز للمحاضرات، يطلّ المتحف الوطني، الذي يعدّ وجهةً سياحية وثقافية وسط العاصمة الرياض، ويقدم تصوراً تاريخيّاً وفق التسلسل الزمني للوجود البشري في شبه الجزيرة العربية.

يتكون المتحف من ثماني قاعات عرض مقسمة بحسب موضوعات تطور شبه الجزيرة العربية الطبيعي (واس)

ويتكون المتحف من ثماني قاعات عرض، مقسمة بحسب موضوعات تطور شبه الجزيرة العربية الطبيعي، والإنساني، والثقافي، والسياسي، والديني حسب سيناريو العرض المتحفي، وصولاً إلى تطور السعودية بأطوارها الثلاثة.

وتحتوي جنبات المتحف الوطني السعودي على نحو 4413 قطعة أثرية وتاريخية، شاهدة على العصور والحضارات والممالك والدول التي مرت أو استقرت في أرض السعودية.

متحف آسان المرتقب في الدرعية أحدث متاحف السعودية (واس)

رؤية جديدة للمتاحف

ترعى هيئة المتاحف، بصفتها الجهة المسؤولة عن القطاع في السعودية، رحلة من الالتزام بالحفاظ على التراث ودعم المشهد الإبداعي، وتطوير المتاحف وفق أفضل الممارسات الدولية لتقديم تجارب ملهمة، واستقطاب الزوار المحليين والدوليين، مع السعي إلى جعل الثقافة والمعرفة متاحتين للجميع.

وتتمحور الرؤية المستقبلية للهيئة حول الابتكار والتجديد؛ لتعزيز دور المتاحف في تقديم تجربة تعليمية وتثقيفية تساهم في تشكيل فهمٍ أعمق للتاريخ والتراث، في حين تعزز الإبداع والابتكار لدى الأجيال القادمة.

وتشرف الهيئة على متاحف عامة ومراكز ثقافية، ومنها المتحف الوطني، ومتحف قصر المصمك، والمتحف السعودي للفن المعاصر، ومركز الدرعية لفنون المستقبل في الرياض، ومتحف طارق عبد الحكيم في جدة، إضافة إلى المشاريع المستقبلية التي ستثري المشهد الثقافي في السعودية، لا سيّما متحف الذهب الأسود في الرياض، ومتحف البحر الأحمر في جدة.

وفي إطار جهودها لحفظ التراث السعودي وتسليط الضوء على تنوّعه، أعلنت الهيئة عن تطوير متاحف إقليمية في 11 منطقة بالمملكة، وهي: القصيم، والجوف، وعسير، وتبوك، وحائل، ونجران، وعرعر، والدمّام، ومكّة المكرّمة، وجازان، والباحة.

وتحت شعار «روايتنا السعودية»، ستعرض هذه المتاحف العناصر المختلفة التي تشكّل التاريخ والتراث والهوية الوطنية، لِتَنسج لوحة التنوع والثراء الثقافي للبلاد، بالإضافة إلى عرض المقتنيات في مجموعة دائمة. كما ستنظّم هذه الصروح معارض فنية مؤقتة وبرامج تعليمية وفعاليات ثقافية؛ ممّا سيجعل منها مراكز مجتمعية حيويّة تقدّم تجربة ملهمة للجميع.


مقالات ذات صلة

طوني بارود: أحصد اليوم مكافأة على مسيرة إعلامية حافلة

يوميات الشرق يؤكد طوني بارود أنّ سبب استمراريته يعود لمحبة الناس له (إنستغرام)

طوني بارود: أحصد اليوم مكافأة على مسيرة إعلامية حافلة

يُعدّ طوني بارود من الإعلاميين القلائل الذين يجيدون التحكّم بالبث المباشر، وهي ميزة برزت بوضوح في «يلا ندبك»

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من حفل إعلان أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لـ«جائزة الملك فيصل 2026» في الرياض الأربعاء (واس)

إعلان الفائزين بأفرع «جائزة الملك فيصل 2026»

أعلنت الأمانة العامة لـ«جائزة الملك فيصل» عن أسماء الفائزين بالأفرع الأربعة لعام 2026 خلال حفل أقيم الأربعاء في الرياض، بحضور الأمير تركي بن فيصل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مخطوط نادر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تحتفي بمقتنيات نادرة توثّق تطور أدوات الكتابة عبر العصور

تمتلك المتاحف المصرية مقتنيات متنوعة ونادرة تؤرخ لتطور الكتابة والتعليم عبر العصور المختلفة ضمن احتفال وزارة السياحة والآثار المصرية بـ«اليوم الدولي للتعليم».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق برنامج «يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (صور المخرج)

«يلا ندبك» يُعيد الوهج إلى الشاشة اللبنانية

التحدّي الأكبر كان إقناع المُشاهد بمتابعة برنامج «حُكم عليه بالإعدام قبل ولادته»...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق مجمع الملك سلمان العالمي يحتفي باليوم العالمي للغة العربية بحضور نخبة من ممثلي الدول الأعضاء والمنظمات الثقافية والعلمية (واس)

«مجمع الملك سلمان العالمي» يحتفي باليوم العالمي للغة العربية

نظّم مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، الأربعاء، بالتعاون مع منظمة «التعاون الإسلامي» للعام الرابع على التوالي، احتفالاً باليوم العالمي للغة العربية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

فنانون مصريون يدعمون لقاء سويدان بعد إصابتها بـ«العصب السابع»

الفنانة المصرية لقاء سويدان - (حسابها على «فيسبوك»)
الفنانة المصرية لقاء سويدان - (حسابها على «فيسبوك»)
TT

فنانون مصريون يدعمون لقاء سويدان بعد إصابتها بـ«العصب السابع»

الفنانة المصرية لقاء سويدان - (حسابها على «فيسبوك»)
الفنانة المصرية لقاء سويدان - (حسابها على «فيسبوك»)

دعم فنانون مصريون زميلتهم لقاء سويدان بعد أن كشفت عن إصابتها بمرض «التهاب العصب السابع»، ومن بينهم المطرب تامر حسني، والشاعر أيمن بهجت قمر، وريهام عبد الغفور، وراندا البحيري، والإعلامية ريهام سعيد.

وفاجأت سويدان الجمهور بظهورها وهي مريضة عبر برنامجها «لقاء ع الهواء» الذي تقدمه على قناة «الشمس» مساء الأربعاء، وقد بدا وجهها متأثراً بفعل المرض، وقالت إنها مرت بأوقات كانت كل أمنياتها أن تستطيع إغماض عينيها لعدم قدرتها على تحريك رموشها، وأن هذه نعم كبيرة لا نشعر بها إلا في المرض، وأكدت أنها أرادت أن يشاركها الجمهور كل لحظاتها مثلما يشاركونها لحظات فرحها ونجاحها، وأن أصدقاء نصحوها بعدم الظهور في الوقت الحالي غير أنها أرادت أن تُظهر الجانب الإنساني في حياتها بصراحة ودون خجل بعد إصابتها بمرض العصب السابع.

وأضافت قائلة إن «الفنانين بشر يتعرضون مثل كل الناس للحظات مرض، لكننا في أوقات كثيرة لا نظهر متاعبنا للجمهور الذي يرغب في أن يرانا على أكمل وجه، وقد تكون لدينا مشاكل حياتية وصحية لا يتخيلها أحد، حفاظاً على الصورة اللامعة جداً التي لا نحب أن نكسرها، في رأي كثير من الفنانين، لكنني أردت أن أقول لكم إن كثيراً من لحظات المرض والضعف واليأس تمر بنا».

لقطة من ظهورها المفاجئ على الشاشة وهي مريضة (قناة الشمس)

وكشفت سويدان عن أساب مرضها قائلة إنها «تعرضت لضغوط شديدة في الآونة الأخيرة لكنها كانت تبدو قوية وأنها خُذلت من كثيرين»، مؤكدة أن أغلب الناس يمر بضغوط لكن الأمر هو «كيف نتحمل ولا نعطي فرصة للآخرين كي يؤثروا علينا»، ووجهت لقاء الشكر لكل من وقفوا معها وساندوها في أزمتها الصحية.

وكتب الفنان تامر حسني عبر حسابه بموقع «إنستغرام»: «ألف سلامة عليكي هتبقي زي الفل، شدة وهتعدي»، فيما كتب الشاعر أيمن بهجت قمر عبر حسابه بـ«فيسبوك» أنه «تأثر كثيراً بعدما شاهد الفيديو، وكتب قائلاً: «لقد جعلني أُعيد حساباتي في أشياء كثيرة وأفكر هل هناك أحد أو موقف يستحق كل هذا الزعل».

ووصفت الفنانة راندا البحيري لقاء سويدان في ظهورها وإعلان مرضها بأنها لديها القوة والثقة والاعتزاز بالنفس، وكتبت عبر حسابها بـ«فيسبوك»: «معك جداً في ظهورك رغم أنه موجع بعض الشيء، لكن المهم أنك استرحت»، وأضافت: «أقول للناس الطيبين أمثال لقاء لا تأخذوا كل شيء على أعصابكم».

تعاطف في مصر مع لقاء بعد إصابتها بالمرض (حسابها على «فيسبوك»)

ولفت الناقد سعد الدين أن سويدان تعرضت لضغط عصبي شديد بعد أزمتها خلال عرض مسرحية «سيد درويش» بمسرح البالون، حيث وقع خلاف بينها وبين الفنان ميدو عادل، وقامت على أثره بصفعه في أزمة كبيرة شهدت تحقيقات بنقابة الممثلين، وأضاف سعد الدين في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «كل فنان تظل لديه ضغوط تتعلق بالعمل وضغوط الحياة عموماً مما يؤثر على أعصابه وفي لحظة قد يصاب بأي أزمة نفسية أو صحية»، مؤكداً أن «لقاء كانت شجاعة في ظهورها بهذا الشكل»، متمنياً لها الشفاء العاجل.

وكانت لقاء سويدان قد تعرضت لهذه الأزمة الصحية قبل أكثر من شهر حيث جرى نقلها لأحد المستشفيات لكن لم تكشف وقتها عن طبيعة مرضها.

وبحسب الدكتور محمد مليجي، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بكلية الطب جامعة الأزهر، فإن مرض العصب السابع عبارة عن التهاب يصيب العصب الحركي المتحكم في العضلات المحركة للوجه، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «المرض يتسبب في شلل نصف عضلات الوجه بدءاً من العين حيث لا يكون لدى المريض قدرة على غلق عينه مما يصيبها باحمرار شديد، كما لا تكون لديه القدرة على تحريك عضلات الخد في الناحية التي تأثرت، كما تتأثر العضلات القابضة للفم فيجد صعوبة في التحكم في تناول الطعام والشراب مع شلل عضلات صفحة الوجه».

ويشير الدكتور المليجي إلى أن أسباب المرض عديدة ولعل أشهرها التعرض المباشر لاختلاف درجات الحرارة، ويلفت إلى أن هذه الفترة من العام تزداد فيها حالات الإصابة به نتيجة التعرض المباشر لتيار هواء شديد، ويشير إلى سبب آخر للمرض وهو العدوى الفيروسية. مؤكداً أن «الحالة النفسية تخفض مناعة الجسم وتجعل الإنسان عُرضة لأن يتأثر بأي مشكلة، وأن فترة العلاج تتوقف بحسب شدة الإصابة حيث يخضع المريض لعلاج دوائي يتعامل مع الالتهاب وعلاج طبيعي لتقوية العضلات التي تأثرت بالإصابة».

سويدان قالت إنها تعرضت لضغوط شديدة خلال الفترة الماضية (حسابها على «فيسبوك»)

الجدير بالذكر أن نقابة المهن التمثيلية كانت قد أحالت في عام 2023 لقاء سويدان، وميدو عادل، إلى مجلس التأديب بسبب صفع سويدان لميدو خلال ختام مسرحية «سيد درويش»، وشددت على عدم الإدلاء بأي معلومات أو آراء خاصة بالمشكلة لأي من وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات.

وشاركت سويدان في العديد من المسلسلات التلفزيونية على غرار «صاحب السعادة» و«أستاذ ورئيس قسم» مع عادل إمام، و«أريد رجلاً»، و«البيت الكبير»، و«مدرسة الحب 3».


لويد لي تشوي: تخليت عن صورة نيويورك اللامعة في «لو المحظوظ»

فاز الفيلم بجائزة «نجمة الجونة الفضية» - الشركة المنتجة
فاز الفيلم بجائزة «نجمة الجونة الفضية» - الشركة المنتجة
TT

لويد لي تشوي: تخليت عن صورة نيويورك اللامعة في «لو المحظوظ»

فاز الفيلم بجائزة «نجمة الجونة الفضية» - الشركة المنتجة
فاز الفيلم بجائزة «نجمة الجونة الفضية» - الشركة المنتجة

قال المخرج الكوري الكندي لويد لي تشوي إن فيلمه الطويل الأول «لو المحظوظ»، نشأ من رغبته في تقديم صورة إنسانية صادقة لأب يحاول التوفيق بين أحلامه وطموحاته ومسؤولياته بوصفه أباً وعاملاً ومهاجراً في مدينة «قاسية» كنيويورك، بحسب تعبيره، موضحاً أنه سعى إلى تجسيد التناقضات الداخلية لشخصية «لو» من دون إطلاق أحكام أو تبنّي مواقف سياسية مباشرة، مكتفياً بإظهار بشر يحاولون النجاة في عالم يزداد ضيقاً كل يوم.

وعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «كان» السينمائي، وحصد جائزة «نجمة الجونة الفضية» في النسخة الماضية من المهرجان بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ويحكي قصة «لو» عامل توصيل صيني في نيويورك، يجد عالمه الهش ينهار فجأة بعد أن يفقد عمله، فيضطر لمواجهة مفاهيم العائلة والنجاة والحظ في مدينة لا ترحم.

يؤكد المخرج لويد لي تشوي لـ«الشرق الأوسط» أنه أراد الاقتراب من الصدق الإنساني أكثر من الخطابة أو الرمزية، مع منح المشاهد فرصة للتأمل في مصائر شخصياته بدلاً من الحكم عليها، مضيفاً: «كنتُ أبحث عن قصة صغيرة الحجم، لكنها كبيرة في معناها، تكشف عن هشاشة الإنسان حين تتصادم أحلامه مع واقعه».

المخرج الكوري الكندي لويد لي تشوي (الشرق الأوسط)

واعتبر أن عنوان «لو المحظوظ» يحمل مفارقة لغوية وإنسانية في الوقت نفسه، فبينما يبدو ساخراً في ظاهره، يكشف في جوهره عن حقيقة الحظ الإنساني المتذبذب بين الخسارة والأمل؛ إذ يعتمد معناه في النهاية على ما يشعر به المشاهد تجاه رحلة البطل.

وأوضح تشوي أن فيلمه تأثر بالمدرسة الواقعية الإيطالية، لا سيما عبر فيلم «سارق الدراجة» لفيتوريو دي سيكا، الذي ترك فيه أثراً بالغاً فيه على المستوى الفني، مشيراً إلى أن ما أثار فضوله هو نقل تجربة مشابهة إلى سياق معاصر يعكس واقع الطبقة العاملة في نيويورك ما بعد جائحة «كورونا».

أحد الأهداف الرئيسة في بناء الفيلم، وفقاً للمخرج، كان إعادة تعريف الصورة السينمائية لمدينة نيويورك من منظور الأرض، بعيداً عن اللقطات الجوية المألوفة والأبراج اللامعة التي طبعت مخيلة المشاهدين لعقود، موضحاً أنه اتفق مع مدير التصوير نورم لي منذ المراحل الأولى على تجنّب أي مظاهر بصرية تُجمّل المدينة أو تضفي عليها طابعاً خيالياً.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «كان» السينمائي - الشركة المنتجة

وأكد أنه فضّل إبقاء الكاميرا دائماً على مستوى الشارع، ملاصقةً للبطل في مساراته اليومية، حتى يشعر المشاهد بوقع المدينة عليه، وبالضغط المتراكم في تفاصيل الحياة اليومية، وهو أمر اعتبره خياراً جمالياً وليس مجرد أسلوب تصوير، بل رؤية درامية تُبرز كيف تتحوّل المدينة نفسها إلى خصم صامت يضيق على الإنسان من كل الجهات.

وأشار إلى أنه أراد أن يستخدم المساحات السينمائية والحركة داخل الإطار لتجسيد الإحساس بالاختناق والعزلة، موضحاً أنه خطط لأن يتصاعد الضغط تدريجياً في النصف الأول من الفيلم، ليبرر للمشاهد دوافع الشخصية وقراراتها، ثم يُحدث تحوّلاً في الإيقاع عند دخول ابنته إلى حياته، فتتحول مصادر التوتر من ضغط المجتمع الخارجي إلى نظرات الابنة التي تعكس حكماً أخلاقياً داخلياً جديداً.

وقال تشوي إن العلاقة بين الأب وابنته شكّلت القلب العاطفي للفيلم، وكان حريصاً على بنائها برهافة عالية من دون الوقوع في الميلودراما، ففكرة اللقاء بعد سنوات من الفراق هي من أكثر القصص شيوعاً في حياة المهاجرين، حيث يحاول الأب والابنة التعرف من جديد إلى وجوهٍ مألوفة فقدت ملامحها بفعل المسافة والزمن، لذا فضّل الاعتماد على لحظات الصمت والمراقبة المتبادلة بين الشخصيتين بدلاً من الحوار المباشر؛ لأن تلك اللحظات الصامتة قادرة على قول ما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه.

حظي الفيلم بإشادات نقدية عديدة - الشركة المنتجة

وأكد أن الفيلم لا يسعى إلى تقديم بيان سياسي عن الرأسمالية أو نظام الطبقات، بقدر ما هو تأمل في التجربة الإنسانية ذاتها، مبيناً أن الجملة الشهيرة في الفيلم «إنهم يفرضون رسوماً على سيارة الإسعاف هنا»، تختصر مأساة الحياة اليومية في الولايات المتحدة أكثر مما تعبّر عن موقف آيديولوجي.

وقال لويد لي تشوي إن إحدى السمات الجوهرية في الفيلم هي غموضه الأخلاقي؛ إذ يتورط البطل في أفعال مخالفة للقانون، ومع ذلك لا يفقد المشاهد تعاطفه معه، موضحاً أن هدفه لم يكن إعادة تعريف الجريمة بل عرض إنسانٍ مضطر يفعل ما يفعله بدافع الحب والرغبة في النجاة، وأن هذا التناقض هو ما يجعله إنساناً بالدرجة الأولى.

وأشار إلى أن المشهد الختامي للفيلم يمثل لحظة نعمة عابرة وسط الظلام، ويفضّل أن يترك تفسيرها للمشاهد، معتبراً أن الأمل المؤقت أكثر صدقاً من النهايات السعيدة المصطنعة، لافتاً إلى أن «أفلام الطبقة العاملة والمهاجرين باتت نادرة في المشهد الأميركي الحالي، لكنه يشعر بالسعادة لقدرته على إنجاز فيلم كهذا في هذه الفترة».


مراد وهبة «فيلسوف التنوير» يصل إلى نهاية الرحلة

مراد وهبة عُرف بفيلسوف التنوير في مصر (وزارة الثقافة)
مراد وهبة عُرف بفيلسوف التنوير في مصر (وزارة الثقافة)
TT

مراد وهبة «فيلسوف التنوير» يصل إلى نهاية الرحلة

مراد وهبة عُرف بفيلسوف التنوير في مصر (وزارة الثقافة)
مراد وهبة عُرف بفيلسوف التنوير في مصر (وزارة الثقافة)

بعد رحلة حافلة بالعطاء الفكري والفلسفي والنقدي المؤثر رحل، صباح الخميس، «فيلسوف التنوير المصري» الدكتور مراد وهبة عن عمر ناهز مائة عام، وساهم خلال مسيرته العلمية والأكاديمية في إثراء الفكر المصري والعربي بما قدم من كتب ودراسات ذات توجهات تنويرية.

ونعت وزارة الثقافة المصرية، الدكتور مراد وهبة، ووصفت مسيرته الفكرية، في بيان، بأنها «كانت حافلة، ترك خلالها أثراً عميقاً في مسار الفكر العربي المعاصر»، وقال وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، في البيان «إن الدكتور مراد وهبة يُعدّ من أبرز دعاة التنوير في مصر والعالم العربي، أسهم عبر مشروعه الفكري ومؤلفاته ومحاضراته في ترسيخ منهج التفكير العلمي وتعزيز ثقافة الحوار، الأمر الذي أثرى الساحة الفكرية على مدار عقود طويلة».

ويعد الدكتور مراد وهبة «واحداً من أبرز المفكرين المصريين من التيار العلماني الممتد من القرن العشرين، حتى العقدين الماضيين من الألفية الجديدة، وقد ظل مؤمناً بالفكرة العلمانية في التقاليد الفلسفية والسياسية الأوروبية أساساً للثقافة المدنية، ورآها من ضرورات استكمال المشروع التاريخي للحداثة السياسية والاجتماعية والقانونية»، وفق قول الدكتور نبيل عبد الفتاح، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفكر العلماني والتنويري لوهبة كان ذا ميول يسارية إلا أن المد الديني وجماعاته الراديكالية في مصر زمن السادات وما بعده جعله يركز على مفاهيم العلمانية والتنوير».

وأوضح عبد الفتاح أن «العلمانية الفرنسية كانت مرجعاً لأفكار مراد وهبة الأساسية وكتاباته المختلفة التي واجه بها الفكر الأسطوري والميتافيزيقي وسردياته الوضعية في التدين الشعبي، ولدى العقل الديني النقلي المسيطر، وقد اتسمت كتاباته بالإيجاز الشديد والتكثيف، كما تميزت بالتجريد شأن بعض الكتابات الفلسفية الغربية، وحاول من خلال كتبه ومقالاته الربط بين الفلسفة والشارع، وسعى لكي يجعل الفكر الفلسفي شائعاً بين الجمهور».

وتعد كتبه «قصة الفلسفة»، و«رباعية الديمقراطية»، و«الأصولية والعلمانية»، و«ملاك الحقيقة المطلقة»، و«جرثومة التخلف»، و«مستقبل الأخلاق» و«مسار فكر» و«مدخل إلى التنوير»، صاحبة الأثر الأكبر في تقديم أفكاره التي تُعلي من قيمة التنوير في المجتمع المصري، وتضع الفكر الفلسفي والعلمي بين يدي القراء.

كان تعريف الدكتور مراد وهبة للعلمانية فارقاً في قضية التفكير؛ «حيث ذكر أنه لا يجوز التفكير في المطلق بما هو نسبي، ولا في النسبي بما هو مطلق، وكان يرى أن التعامل مع كليهما يجب أن يتم على نحو مناسب لكل منهما»، وفق قول الباحث والمترجم الدكتور أشرف راضي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الدكتور مراد وهبة أكد أن النسبي يجب أن يواجَه بما هو نسبي، والمطلق بما يتسم وطبيعته، ليضع حداً فاصلاً بين الأفكار المطلقة ونظيرتها البشرية النسبية، التي يمكن التراجع عنها وتعديلها، وتطويرها وفقاً لما يطرأ من تغيرات عصرية».

وهذا التعريف، وفق قول راضي، «له تأسيس فلسفي مهم عند وهبة جاء من تفريقه بين معنيين للعالم؛ (الجغرافي الساكن)، والعالم (الزمني المتغير)، ومنها تم اشتقاق كلمة العلمانية التي جاءت من النظر إلى العالم الزمني المتغير، ويظل كتابه (ملاك الحقيقة المطلقة) من أهم مؤلفاته».

كان الدكتور مراد وهبة يدير واحداً من أهم المنتديات الفلسفية في مصر، وهو منتدى «ابن رشد»، ولهذا حسب رأي راضي، «دلالة مهمة، يرد بها على من يروجون للقول بأن العلمانية منتج غربي، وقد حاول تأسيس العلمانية في مصر والعالم العربي على أفكار الفيلسوف ابن رشد، وهو فيلسوف إسلامي ذائع الصيت، وله تأثير كبير في الاتجاهات الفلسفية الغربية الحديثة».