«طقوس على حافة الوجود»... لوحات تستدعي الأساطير الشعبية

الفنان عادل ثروت يجسد «الروح المصرية» في 25 عملاً

أعمال الفنان تحمل الكثير من الدراما (الشرق الأوسط)
أعمال الفنان تحمل الكثير من الدراما (الشرق الأوسط)
TT

«طقوس على حافة الوجود»... لوحات تستدعي الأساطير الشعبية

أعمال الفنان تحمل الكثير من الدراما (الشرق الأوسط)
أعمال الفنان تحمل الكثير من الدراما (الشرق الأوسط)

من قلب الحارات الشعبية، وتحديداً من منطقة القلعة بالقاهرة الفاطمية، تشكلت الرؤية البصرية الأولى للفنان التشكيلي المصري عادل ثروت؛ لتنعكس بعد ذلك في أعمال تستدعي الأساطير الشعبية والرموز المترسبة في الوجدان المصري منذ العصور القديمة (زمن الفراعنة)، مروراً بحضارات متنوعة مرت على مصر.

وداخل معرضه المقام في غاليري «ضي» بالزمالك (غرب القاهرة)، حتى منتصف مايو (أيار)، يعيد ثروت صياغة هذه المعاني والأفكار والرموز المحتشدة في الوجدان الشعبي تحت مسمى «طقوس على حافة الوجود» الذي اختاره عنواناً لمعرضه، وعبر 25 لوحة يقدم رؤية بصرية حاشدة وثرية تعبر عن الطقوس الشعبية في الموالد والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية والدينية المختلفة.

أعمال عادل ثروت تستلهم التراث الشعبي المصري (الشرق الأوسط)

يقول ثروت إنه استهدف منذ بداية مشروعه الفني إنتاج أعمال تستند إلى مفهوم تأصيل الحاضر بخلفية الماضي، وكان التراث والموروث الشعبي المصري هو المنطلق الفكري والفلسفي لمجمل أعمالي الفنية.

وبحكم الميلاد والنشأة في أحضان القاهرة التاريخية (حي القلعة بالدرب الأحمر)، عايش الفنان مجموعة من التصورات والممارسات الشعبية والمعتقدات التي تمتد جذورها في التراث المصري أو ما يمكن أن نطلق عليه المخيال الجمعي الشعبي الذي كان ولا يزال المصدر الرئيس لمشروعه الفني الذي بدأه عام 1990.

ويضيف الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «منذ تعييني معيداً بكلية التربية الفنية بجامعة حلوان، في تسعينات القرن الماضي، فكرت في الطريقة التي تؤهلني لدخول الوسط الفني بطريقة مميزة تعبّر عني وتمسّ وجداني، ووجدت الحي الشعبي الذي ولدت فيه هو المكان الأنسب لنقل ثقافته وأبعاده وطقوسه الشعبية الممتدة في عمق الزمن».

تتداخل الألوان مع الرسم والفن الحروفي في أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «رأيت الموالد وحلقات الزار والكثير من الطقوس الشعبية الأصيلة. واعتبرت هذه الطقوس مدخلاً لأعمالي تحت مفهوم معتقدات شعبية مصرية، وإن كنت بدأت مشواري بالعمل المركب، ووضعت فيه العديد من الرموز عن الطقوس والمعتقدات الشعبية، فإن هذه التيمة أو الفكرة ظلت ممتدة معي في فن التصوير».

وينطلق الفنان عادل ثروت من مشروع متكامل يعتمد على رصد المعتقدات الشعبية التراثية الراسخة في الوجدان الجمعي المصري، فالمعارض الأولى له كانت تحمل عناوين «معتقدات مصرية1» و2 و3، ثم «على هامش الذاكرة» و«الزار»، وكان معرضه السابق في جاليري «بيكاسو» بعنوان «طقس شعبي» عام 2022، ويقول: «حين ظللت 10 سنوات أقدّم الأعمال المركبة، ضمنت فيها الرموز الخاصة بالحسد أو الأحجبة أو التماسيح المحنطة وقرون الحيوانات والنصوص الكتابية، ثم انتقلت للتصوير الذي أعمل عليه منذ أكثر من 20 عاماً».

لوحات الفنان عادل ثروت (الشرق الأوسط)

وتتنوع لوحات الفنان في رصد المعتقدات أو المظاهر الشعبية التي تلوح فيها رموز تعود بجذورها للحضارة المصرية القديمة (الفرعونية)، وبعضها ينتمي للفن القبطي، وآخر للفن الإسلامي في تناغم وبناء متصل، وتغلب المساحات البيضاء على لوحات بعينها، فيما تتركز الفكرة أو الشخوص في حيز بسيط كدليل على اتساع الأفق بما يمنح العين براحاً في الرؤية.

وعن هذه التأثيرات المتعددة للحضارات المصرية على لوحاته، يقول ثروت: «التراث الشعبي المصري هو مزيج بين كل الحضارات التي كانت موجودة في مصر، جزء منه قادم من مصر القديمة، وآخر من الحضارات التالية، والوعي الجمعي المصري يصوغ من كل ذلك حالة خاصة به».

وأشار إلى رؤية استلهمها من أحد باحثي التراث الشعبي الذي قال إن التراث المصري هو جدار يعود للحضارة المصرية القديمة، ثم جاء الفن القبطي وقام بطلاء الجدار، ثم جاء الفن الإسلامي وأضاف طبقة أخرى من الطلاء، ثم بدأ الجدار يتفاعل مع الطلاءَيْن ويحدث تأثيره فيهما، ومن ثم لا تستطيع على المستوى الشعبي أن تفصل المصري القديم عن القبطي عن الإسلامي.

ويضرب الفنان مثالاً بما يرسخ في الوجدان الشعبي بأن القادم من الخارج عليك وأنت في بيتك عادة ما يكون محملاً بطاقة وقوى غير مرئية، ربما تكون خيّرة أو شريرة، من هنا جاءت فكرة التمائم التي تُعلّق على البيوت للحد من طاقة الشر، ومنها تماسيح محنطة أو حدوة حصان أو «خمسة وخميسة» أو غيرها من التمائم.

تأثيرات حضارية متنوعة تتضمنها اللوحات (الشرق الأوسط)

وأشار الفنان إلى أن معرضه الأحدث الذي اختار له اسم «طقوس على حافة الوجود» يتحدث عن موضوع الرجل والمرأة في الموروث الشعبي، واعتبر أن لهذه العلاقة العديد من التصورات المرئية وغير المرئية التي تظهر في الأفراح وطقوس واحتفالات الزواج، ولها مرجعيات تاريخية، وتنتقل عبر الأجيال، وتكمن عبقرية الذاكرة الشعبية المصرية الجمعية في إعادة صياغتها بما يناسب الواقع.

وختم ثروت بأنه لا يقدّم هذه الأفكار بشكل مباشر، بل تظل كامنة خلف اللوحات، ويقوم برصد المحتوى الدلالي لها في لوحات تسجيلية تحمل نوعاً من الترميز.


مقالات ذات صلة

ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

خاص رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)

ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

يحتفل متحف «ليتون هاوس» في لندن بالذكرى المئوية لإنشائه، وهو المنزل الذي بناه اللورد فريدريك ليتون في القرن الماضي، وبث فيه حبه للأسفار في الشرق الأوسط.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

يتحدى المعرض النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان كفترة اضمحلال فنرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً

إميلي لابارج (باريس)
يوميات الشرق الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

على المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية...

نادية عبد الحليم (القاهرة )
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
TT

أسرة عبد الحليم حافظ تقاضي طبيباً بداعي «الإساءة للعندليب»

عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)
عبد الحليم حافظ (صفحة مخصصة لمنزله على «فيسبوك»)

أعلنت أسرة الفنان المصري الراحل عبد الحليم حافظ مقاضاة أحد الأطباء اتهمته بـ«الإساءة للعندليب»، وذلك بالتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الـ49 لرحيله، إذ توفي في 30 مارس (آذار)، 1977، بعد حياة فنية حافلة، ومعاناة طويلة مع المرض.

وانتقدت أسرة عبد الحليم حافظ، في بيان نشرته على حساب يحمل اسم «منزل عبد الحليم حافظ» على موقع «فيسبوك»، الجمعة، «الطبيب الذي ظهر في فيديو مصور وأساء للعندليب وأعماله الفنية»، مؤكدة أن «إساءته غير مبررة، والرد عليها سيكون بالقانون، وأن الفيديو تمت صناعته من أجل جذب المشاهدات، وتصدر (الترند)».

وقال الطبيب، ويدعى ضياء العوضي، في الفيديو، «إن عبد الحليم حافظ أفسد أجيالاً بسبب أغنياته الرومانسية، مستنكراً حزن البعض عليه وقت رحيله، كما ذكر بعض الأمور زعم أنها من حياة عبد الحليم الخاصة على الملأ».

وأشادت الأسرة في بيانها بجمهور «العندليب الأسمر»، وكيف تصدوا له عبر تعليقات «سوشيالية»، واستنكروا ما يردده، لافتة إلى «أن المستشار ياسر قنطوش محامي العائلة، بدأ في اتخاذ إجراءات قانونية بالفعل، ومقاضاة الطبيب».

وأكَّدت الأسرة، في بيان آخر أن «جهات رسمية بدول عدة تداوم على الاحتفاء بالفنان المصري الراحل، من خلال إقامة حفلات غنائية، والحرص على عرض مقتنياته، والاهتمام باسمه الفني، لمعرفتهم الجيدة بقيمة فنه وقوته الناعمة، وتأثيره على وجدان الشعوب، إلى جانب حرص جمهوره من كل دول العالم على زيارة منزله ومقبرته بشكل خاص».

«العندليب الأسمر» تحل ذكراه خلال أيام (فيسبوك)

ويؤكِّد الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن الإساءة للفنان الراحل عبد الحليم حافظ بأي شكل من الأشكال غير مقبولة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «فناناً كبيراً بحجم وموهبة وأهمية عبد الحليم حافظ، أكبر من أي تشويه، بل يستحق الثناء والإشادة، بعد سيرة كبيرة ومهمة وحافلة».

وتساءل شوقي: «هل يصح في الوقت الذي يهتم باسمه الناس في كل أنحاء العالم ويحرصون على الاحتفاء به في كل مناسبة، أن نجد هذه الإساءة؟».

ولفت شوقي إلى أن «عبد الحليم حافظ ليس الفنان الأول ولن يكون الأخير، فهناك فئات حريصة على الإساءة للرموز الفنية بين الحين والآخر، إذ تعرض نخبة منهم لمغالطات، وأخبار كاذبة وتشويه متعمد، لكنهم برغم ذلك ما زالوا في قلوب وعقول محبيهم، ولن يستطيع أحد هز عرشهم الفني».

ونوَّه بأن الجمهور له دور كبير مع الأسرة، والجهات المعنية في التصدي للإساءة، والتعبير بأكثر من طريقة عن رفضه لما يدور من خلال التفاعل السريع على «السوشيال ميديا»، «من أجل الحفاظ على تاريخنا الفني، وتراثنا من العبث والاستباحة من معدومي الموهبة والفن والثقافة»، حسب تعبيره.

وقبل أزمة إساءة الطبيب، تعرَّض اسم الفنان عبد الحليم حافظ لإساءات متكررة خلال الآونة الأخيرة، إذ أكَّدت الأسرة تصديها لما يحدث بشكل قانوني، مثل أزمة «العندليب الأبيض»، وانتهاك «حقوق الملكية الفكرية» لاسمه وصورته من قبل إحدى الشركات الفنية، وكذلك أزمة «الخطاب» الذي نشرته الأسرة على موقع «فيسبوك»، ويشير إلى عدم زواج «العندليب»، من «السندريلا»، سعاد حسني، وشائعة بيع منزله لثري مصري، وغير ذلك.

وفنياً، قدَّم عبد الحليم حافظ والملقب بـ«العندليب الأسمر»، خلال مشواره حفلات، وأغنيات كثيرة، من بينها «على قد الشوق»، و«توبة»، و«موعود»، و«رسالة من تحت الماء»، و«قارئة الفنجان»، و«جانا الهوى»، و«صورة»، و«عدى النهار»، و«أحلف بسماها»، إلى جانب أفلام سينمائية غنائية، من بينها، «معبودة الجماهير»، و«لحن الوفاء»، مع شادية، و«الوسادة الخالية»، مع لبنى عبد العزيز، و«شارع الحب»، مع صباح، و«أبي فوق الشجرة»، و«الخطايا»، مع نادية لطفي، و«أيامنا الحلوة،» مع فاتن حمامة، و«يوم من عمري» مع زبيدة ثروت.


أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
TT

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة، بدأت بصورة عابرة؛ لكنها ظلت تطارده سنوات، موضحاً أن الشرارة الأولى جاءت من جدِّه الذي قضى عمره مُدرساً، قبل أن يجد نفسه بعد التقاعد في حالة من الفراغ القاسي، كأن حياته فقدت معناها فجأة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن جده، رغم مكانته الكبيرة واحترام الجميع له؛ إذ كان مدرّساً للغة الإنجليزية ومدير مدرسة لسنوات طويلة، لم يكن يرى نفسه إلا مزارعاً مرتبطاً بالأرض والمواشي، وهو ما جعله يعيش صدمة حقيقية حين اضطر للتخلي عن هذا العالم تدريجياً، تحت ضغط التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.

زحف المدن

ووصف تلك اللحظة بأنها كانت بمنزلة «لحظة انفصال عن الهوية»، وكانت مدخله الأساسي لصناعة الفيلم؛ حيث بدأ يتساءل: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد الشيء الذي عرفه طوال حياته؟ مشيراً إلى أن فيلمه لا يروي حكاية تقليدية؛ بل يستند إلى إعادة تمثيل لوقائع حقيقية عاشها مع عائلته في الريف، في منطقة هاريانا؛ حيث تتآكل أنماط الحياة القديمة أمام زحف المدن.

تدور أحداث فيلم «العِجل البديل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» حول أستاذ متقاعد يعيش في قرية ريفية تختنق تدريجياً تحت وطأة التمدد الحضري؛ حيث يواجه لحظة قاسية عندما تلد بقرته عجلاً ميتاً، فيجد نفسه أمام أزمة تتجاوز الخسارة المادية إلى صدمة إنسانية تمس علاقته بالمكان والهوية، مع غياب مَن يساعده، وتفكك نمط الحياة الذي اعتاده.

وأشار إلى أن من الحوادث المفصلية التي أثَّرت فيه، حادثة موت عِجل حديث الولادة داخل المزرعة، وقد أعادت طرح طقوس قديمة كانت تمارس في القرى، من بينها صنع «دمية العِجل» كبديل رمزي للحفاظ على سلوك أُم العجل، وهي طقوس تحمل أبعاداً إنسانية وفلسفية تتجاوز ظاهرها.

المخرج الهندي أنكور هودا (الشركة المنتجة)

وأكد أن الفيلم يسير على هذا الخط الفاصل بين الوثائقي والروائي؛ حيث شارك أفراد عائلته الحقيقيون في العمل، عبر حضورهم أشخاصاً حقيقيين يعيدون تمثيل ذواتهم، وهو ما أضفى على الفيلم طابعاً شديد الخصوصية والصدق، لافتاً إلى أن هذا المزج بين الحقيقة والخيال كان ضرورياً للتعبير عن طبيعة القصة نفسها التي تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، والواقع مع التأويل؛ لأن هدفه لم يكن تقديم حكاية عن عائلة بعينها؛ بل التقاط حالة إنسانية أوسع تعيشها المجتمعات الريفية التي تواجه التحولات الحديثة.

تحولات عميقة

وأوضح أن الفيلم يعكس أيضاً التحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها القرى؛ حيث يهاجر الشباب إلى المدن بحثاً عن فرص أفضل، تاركين خلفهم كبار السن يواجهون مصيراً غامضاً، وهو ما يخلق فجوة بين الأجيال، ويضع من تبقوا في حالة من التيه، بين ماضٍ يتلاشى وحاضر لا ينتمون إليه كاملاً.

وعن التحديات الإنتاجية، قال هودا إن فيلم «العِجل البديل» تم تنفيذه بإمكانات محدودة للغاية؛ حيث لم يتمكن من الحصول على تمويل تقليدي؛ مشيراً إلى أن العمل خرج إلى النور بفضل دعم الأصدقاء والعائلة الذين آمنوا بالفكرة وساعدوه في تنفيذها.

وأضاف أنه اشترى كاميرا بسيطة، وصوَّر الفيلم في مواقع حقيقية داخل القرية، مؤكداً أن التكلفة الإجمالية لم تتجاوز 500 دولار، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي واجهه، ولكنه في الوقت نفسه منح الفيلم صدقاً بصرياً وحرية إبداعية كبيرة. وتابع بأن غياب التمويل لم يكن عائقاً بقدر ما كان دافعاً للبحث عن حلول بديلة؛ مشيراً إلى أن العمل بروح جماعية صغيرة جعله أكثر قرباً من موضوعه.

قدَّم المخرج جانباً من حياة جدِّه (الشركة المنتجة)

وأشار هودا إلى أن عرض فيلم «العِجل البديل» في قريته كان تجربة مختلفة تماماً؛ حيث لم تكن هناك إمكانات تقنية أو تجهيزات احترافية، ولكن الحضور الإنساني كان طاغياً، مؤكداً أن مشاهدة أهل القرية أنفسهم على الشاشة كانت لحظة مؤثرة، أعادت ربطهم بقصتهم وبالتحولات التي يعيشونها، معتبراً أن هذا التفاعل المباشر مع الجمهور كان من أهم مكاسب الفيلم؛ لأنه جعله يدرك أن السينما يمكن أن تكون وسيلة لفهم الذات، قبل أن تكون وسيلة للعرض أو الترفيه.

مشروع طويل

وأكد المخرج الهندي أن فيلمه ليس مجرد فيلم مستقل؛ بل بداية مشروع سينمائي أطول يسعى من خلاله إلى توثيق التحولات التي تشهدها المجتمعات الريفية في الهند؛ مشيراً إلى أنه مهتم باستكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان، وكيف تؤثر التغيرات الاقتصادية والاجتماعية على هذه العلاقة، وما يهمه في النهاية ليس فقط الحكايات نفسها؛ بل تلك المساحات الصامتة التي تتشكل فيها الهوية، أو التي يشعر فيها الإنسان بأنه يفقد جزءاً من نفسه، دون أن يدرك تماماً كيف أو لماذا.


لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
TT

لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)

نجح باحثون من جامعة نورثمبريا البريطانية في حلّ أحد أقدم الألغاز في علم الكواكب، المتعلِّق بسبب ظهور كوكب زحل وكأنه يُغيّر سرعة دورانه وفق طريقة القياس.

وكشفت الدراسة عن أنماط معقّدة من الحرارة والجسيمات المشحونة كهربائياً في الشفق القطبي لزحل، ونُشرت النتائج، الجمعة، في دورية «جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرش: سبيس فيزيكس».

ولطالما حيَّر زحل العلماء، خصوصاً بعد قياسات أجرتها مركبة كاسيني التابعة لوكالة «ناسا» عام 2004، والتي أشارت إلى أنّ معدل دوران الكوكب يتغيَّر مع الوقت، وهو أمر غير منطقي علمياً؛ إذ لا يمكن لكوكب أن يُسرّع دورانه أو يُبطئه بهذه الطريقة.

وعام 2021، توصَّل فريق بقيادة عالم الفلك توم ستالارد من جامعة ليستر البريطانية إلى أنّ التغيُّر الظاهري لا يتعلّق بدوران زحل نفسه، بل ينتج عن رياح في غلافه الجوّي العلوي تولّد تيارات كهربائية تعطي إشارات مضلّلة في الشفق القطبي. لكن السؤال الأهم بقي: ما الذي يُسبِّب هذه الرياح أصلاً؟

وخلال الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي لرصد الشفق القطبي الشمالي لزحل بشكل متواصل خلال يوم كامل على الكوكب. ومن خلال تحليل الإشعاع تحت الأحمر الصادر عن جزيء يُعرف باسم «ثلاثي الهيدروجين الموجب»، والذي يعمل مقياساً طبيعياً لدرجة الحرارة، تمكَّن الفريق من إنتاج أول خرائط عالية الدقة لدرجات الحرارة وكثافة الجسيمات في هذه المنطقة.

ووفق الدراسة، تميَّزت هذه القياسات بدقة غير مسبوقة؛ إذ كانت أكثر دقة بـ10 مرات من القياسات السابقة، ممّا سمح برصد تفاصيل دقيقة لعمليات التسخين والتبريد في الغلاف الجوّي.

وأظهرت النتائج أنّ أنماط الحرارة والكثافة تتطابق بشكل كبير مع توقّعات النماذج الحاسوبية القديمة، ولكن بشرط أن يكون مصدر الحرارة في المناطق نفسها التي يدخل منها الشفق القطبي إلى الغلاف الجوّي.

«مضخّة حرارية كوكبية»

ويعني ذلك، وفق الفريق، أنّ الشفق القطبي في زحل ليس مجرّد عرض ضوئي جميل، فهو يلعب دوراً نشطاً في تسخين الغلاف الجوّي في مناطق محدّدة، وهذا التسخين يولّد رياحاً، وهذه الرياح بدورها تنتج تيارات كهربائية تغذي الشفق القطبي مجدّداً، لتنشأ حلقة مستمرة ذاتية التغذية.

ووصف الفريق هذه الظاهرة بأنها «مضخّة حرارية كوكبية»؛ إذ يُسخّن الشفق الغلاف الجوّي، فتتولد الرياح، ثم تنتج هذه الرياح تيارات كهربائية تعزّز الشفق مرة أخرى.

وتشير النتائج أيضاً إلى أنّ ما يحدث في الغلاف الجوي لزحل يؤثّر مباشرة في غلافه المغناطيسي، وهي المنطقة الواسعة من الفضاء التي يهيمن عليها المجال المغناطيسي للكوكب، والتي تعيد بدورها ضخّ الطاقة إلى الغلاف الجوّي، وقد يساعد هذا التفاعل المتبادل في تفسير استقرار هذه الظاهرة واستمرارها لمدّة طويلة.

ويؤكد الفريق أنّ هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق للتفاعلات بين الغلاف الجوّي والمجالات المغناطيسية في الكواكب الأخرى، وربما يكشف عن ظواهر مماثلة في عوالم بعيدة داخل وخارج نظامنا الشمسي.