منى زكي وأحمد داود أفضل ممثلَيْن مصرييْن في «الكاثوليكي للسينما»

«رحلة 404» يحصد نصيب الأسد... و4 جوائز لـ«السيد رامبو»

منى زكي وأحمد داود بعد تسلُّم جوائزهما (إدارة المركز الكاثوليكي للسينما)
منى زكي وأحمد داود بعد تسلُّم جوائزهما (إدارة المركز الكاثوليكي للسينما)
TT

منى زكي وأحمد داود أفضل ممثلَيْن مصرييْن في «الكاثوليكي للسينما»

منى زكي وأحمد داود بعد تسلُّم جوائزهما (إدارة المركز الكاثوليكي للسينما)
منى زكي وأحمد داود بعد تسلُّم جوائزهما (إدارة المركز الكاثوليكي للسينما)

حصد فيلم «رحلة 404» للمخرج هاني خليفة النصيب الأكبر من الجوائز في الدورة الـ73 لمهرجان «المركز الكاثوليكي المصري للسينما»؛ أقدم المهرجانات السينمائية في مصر، إذ نال 5 جوائز، ليحصد فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» 4 جوائز، بعد منافسة بين 6 أفلام من إنتاج السينما المصرية خلال عام 2024.

وخلال حفل الختام، مساء الجمعة، تسلَّمت الفنانة منى زكي جائزة أفضل ممثلة عن فيلم «رحلة 404»، كما تسلَّم مخرجه هاني خليفة جائزة أفضل إخراج. وفاز فوزي درويش بجائزة أفضل تصوير عن الفيلم عينه، في حين حصل محمد عيد على جائزة أفضل مونتاج، بالإضافة إلى تتويج الفيلم بجائزة «أفضل فيلم».

ويُعالج فيلم «رحلة 404» قضايا اجتماعية شائكة، من خلال قصة امرأة شابة تُقرّر أداء فريضة الحج في إطار سعيها للتوبة عن أخطاء ماضية، غير أنّ ظرفاً طارئاً يدفعها إلى إعادة التواصل مع أشخاص من ماضيها لحاجتها إلى مبلغ مالي، في رحلة تكشف كثيراً من خبايا حياتها.

عدد من الفائزين برفقة الأب بطرس دانيال (إدارة المركز الكاثوليكي للسينما)

تسلَّمت منى زكي جائزتها من زميلها عضو لجنة التحكيم، الفنان عمرو يوسف، وشكرت اللجنة على اختيارها، معربة عن اعتزازها بجوائز المهرجان وصدقيته؛ في حين حصل الفنان أحمد داود على جائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم «الهوى سلطان».

وخلال صعوده لتسلُّم الجائزة، مازح داود الحضور بشأن خوفه من عدم الفوز بجائزة، لكون رئيس لجنة التحكيم هو المخرج طارق العريان، الذي لم يتعاون معه في الجزء الثالث من فيلم «ولاد رزق».

ترأس العريان لجنة تحكيم الدورة، وضمَّت في عضويتها الفنانين عمرو يوسف، ودينا فؤاد، وهبة عبد الغني، والمؤلّف أحمد مراد، ومدير التصوير أيمن أبو المكارم، والمونتيرة رانيا المنتصر بالله، والموسيقار شادي مؤنس، والناقدة ناهد صلاح.

وفاز فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» بـ4 جوائز، هي: أفضل ممثل دور ثانٍ للفنان أحمد بهاء، وأفضل سيناريو للثنائي خالد منصور ومحمد الحسيني، بالإضافة إلى جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وتنويه خاص للممثلة سما إبراهيم عن دورها في الفيلم.

هاني خليفة بعد تسلُّم جائزة أفضل مخرج (إدارة المركز الكاثوليكي للسينما)

وحصلت الفنانة أسماء جلال على جائزة أفضل ممثلة في دور ثانٍ عن فيلم «الفستان الأبيض»، وهو نفسه الذي فاز فيه الموسيقار خالد حامد بجائزة أفضل موسيقى تصويرية، كما نال عنه الممثل الشاب محمد محسن شهادة تقدير خاصة من لجنة التحكيم، التي منحت أيضاً شهادة مماثلة لمخرجي فيلم «رفعت عيني للسما»، ندى رياض وأيمن الأمير، بالإضافة إلى شهادة لفريق «بانوراما البرشا» عن أغنيات الفيلم، وأخرى للشركة المنتجة لأغنيات فيلم «الهوى سلطان».

في هذا السياق، قال رئيس «المركز الكاثوليكي للسينما»، الأب بطرس دانيال، لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «الندوات التي أعقبت عروض الأفلام شهدت حضوراً كثيفاً وتفاعلاً لافتاً، مع حرص عدد من الفنانين على النقاش مع الجمهور»، مشيراً إلى أنّ ندوة فيلم «ليه تعيشها لوحدك» حضرها معظم صانعي العمل.

أحمد داود مع طارق العريان بعد تسلُّم الجائزة (إدارة المركز الكاثوليكي للسينما)

وشاركت في هذه الدورة من المهرجان 6 أفلام، هي: «ليه تعيشها لوحدك»، و«رفعت عيني للسما»، و«الفستان الأبيض»، و«رحلة 404»، و«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو»، و«الهوى سلطان». وشهد حفل الختام أيضاً تسليم جائزة المركز الخاصة للكاتبة مريم نعوم، وجائزة أفضل ممثل في عمل درامي للفنان طه دسوقي، وهي جوائز كانت قد أُعلنت في حفل الافتتاح، لكن حالت الظروف دون تسلُّم أصحابها لها في حينه.

بدوره، رأى الناقد المصري أحمد سعد الدين، في تعليق لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ الجوائز كانت «متوقَّعة»، لا سيما لفيلمَي «رحلة 404» و«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو»، لكونهما من أبرز الأعمال السينمائية المصنوعة بجودة واحترافية عالية، وسبق أن فازا بعدد من الجوائز في مهرجانات مختلفة.

وأضاف أنّ الأفلام التي نالت باقي الجوائز تميَّزت بعناصر فنية، واصفاً إياها بأنها من أبرز ما قُدّم خلال العام الماضي، وموضحاً أنّ خروج بعض الأفلام من دون جوائز أمر طبيعي، ولا ينتقص من جودتها، لكنه قد يعود إلى اختلافها عن رؤية لجنة التحكيم.


مقالات ذات صلة

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

يوميات الشرق عبد الله المحيسن  خلال التكريم في مالمو (إدارة المهرجان)

«مالمو» يحتفي برائد السينما السعودية عبد الله المحيسن

كرم مهرجان "مالمو للسينما العربية" بالسويد، رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن في حفل افتتاح دورته السادسة عشر.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق فيلم الافتتاح «قبلة كهربائية» (ملف «كان»)

مهرجان «كان» يكشف عن دورته الجديدة ويؤكد: السينما للبشر لا للذكاء الاصطناعي

لن يسمح مهرجان «كان» للذكاء الاصطناعي بأن يفرض قوانينه على السينما

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)

«مهرجان عفت السينمائي» يُوسِّع التبادل الثقافي بـ2700 فيلم عالمي

مثَّل ختام الدورة الثالثة عشرة من «مهرجان عفت السينمائي الدولي لأفلام الطلاب» بمحافظة جدة تجسيداً حياً لمسار ثقافي تتشكل ملامحه في السعودية.

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)

حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

أعلن الفنان المصري، حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي» عن شراكة إعلامية موسعة مع مجموعة «الصين» للإعلام.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من أفلام المهرجان (إدارة المهرجان)

«مهرجان أسوان» يتجاوز أزمته المادية... ويعلن مشاركات من 33 دولة

أعلن مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة، الأفلام المشارِكة في دورته العاشرة، المقرر إقامتها في الفترة من 20 إلى 25 أبريل (نيسان) الحالي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
TT

طارق الدسوقي: تخوَّفت من الدراما الشعبية بعد غياب طويل

طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)
طارق الدسوقي شارك في مسلسل «علي كلاي» بموسم رمضان الماضي (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري طارق الدسوقي إنه شعر بالرهبة في أول يوم تصوير بمسلسل «علي كلاي»، الذي عُرض في موسم رمضان الماضي، بعد غيابه عن الساحة الفنية 14 عاماً.

وأكد، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أنه شعر بالخوف من المشاركة في عمل ينتمي إلى الدراما الشعبية، التي باتت تتعرض للهجوم في المواسم الماضية، لافتاً إلى افتقاده كبار الكُتّاب والنجوم الذين عمل معهم.

في البداية، قال الدسوقي إن شخصية «منصور الجوهري»، التي جسدها في مسلسل «علي كلاي» بموسم دراما رمضان الماضي، تُعد من أصعب أدوار المسلسل؛ لأن بقية الشخصيات واضحة، أما شخصيته فمركبة بصراعاتها النفسية؛ فبعد أن كان صاحب سطوة ونفوذ في سوق «التوفيقية»، من خلال عمله في تجارة قطع غيار السيارات، تعرض لمواقف كثيرة كسرته، وجعلته يقدم تنازلات إنسانية، أهمها عدم الاعتراف بابنته.

موضحاً أنه «عبَّر عن هذا الصراع من خلال ملامح وجهه، وحركة جسده، ونبرة صوته». وعن الشكل الخارجي للشخصية، أكد أن المخرج كان صاحب الرؤية فيها، من حيث الشعر الأبيض، واللحية، والنظارة.

ورغم تأكيد الدسوقي تراجع سمعة المسلسلات الشعبية في السنوات الأخيرة، بسبب حصرها في أعمال العنف و«البلطجة»، فإنه قرر عدم إصدار حكم مسبق على العمل إلا بعد قراءة نصف عدد الحلقات، ليتيقن أن العمل خالٍ تماماً من تلك المفردات السلبية، وأنه يحمل قيماً إنسانية واجتماعية مهمة.

الدسوقي وجد اختلافاً كبيراً في الأسلوب الفني بعد عودته من الغياب (حسابه على فيسبوك)

وبسبب غيابه عن أجواء تصوير الدراما التلفزيونية لنحو 14 عاماً، شعر الدسوقي بالرهبة في أول يوم تصوير «علي كلاي»، حتى إنه أحس كأنه كائن فضائي قادم من كوكب آخر، بعدما وجد كل شيء مختلفاً تماماً، سواء في أسلوب التصوير أو نظام العمل.

وأشار طارق إلى أنه تم بناء ديكور «سوق التوفيقية» في «مدينة الإنتاج الإعلامي»، وهو ما منح العمل مصداقية، وأسهم في معايشة جميع الفنانين لأدوارهم.

وبسؤاله عن التحول في ذوق الجمهور، الذي استبدل بالبطل المثقف أو المثالي البطل الشعبي، أجاب قائلاً: «هذه النوعية من الأعمال لها قطاع عريض من الجمهور، وقد سألت نفسي: هل لو كانت عودتي من خلال مسلسل آخر يحقق رغباتي والشكل الذي أطمح إليه، كان سيجد الصدى نفسه؟ ووجدت أن الإجابة لا، خصوصاً بعد النجاح الكبير الذي حققه المسلسل، والمردود الإيجابي لشخصيتي في العمل».

وعن أبرز مشاهد «الماستر سين» له، قال: «هناك مشاهد كثيرة، منها مشهد الصفعة على وجه أحمد العوضي، وهو المشهد الذي فكرت فيه كثيراً قبل تنفيذه، خوفاً من ردة فعل جمهور العوضي».

وأشار الدسوقي إلى أن العوضي هو من اتصل به هاتفياً للعمل معه، حيث أبلغه أنه كان يتمنى التعاون مع اثنين: أولهما الفنان أحمد عبد العزيز، الذي عمل معه في مسلسل «فهد البطل» بموسم رمضان الماضي، والثاني هو الفنان طارق الدسوقي.

وكشف طارق أنه ليس ضد الأعمال الدرامية الطويلة، ما دام العمل يحتمل، في بنائه الدرامي، أحداثاً يمكن عرضها في 30 أو 40 حلقة، وفي الوقت نفسه يتميز بالإيقاع السريع والتشويق، من دون أن يشعر المشاهد بالملل.

الدسوقي خلال مشاركته في مسرحية «الملك لير» (حسابه على فيسبوك)

ويفتقد طارق أسلوب العمل مع كبار المخرجين، أمثال نور الدمرداش، ومحمد فاضل، وإنعام محمد علي، وإسماعيل عبد الحافظ، حيث كان الهدوء والإتقان السمة الرئيسية في العمل، وهو ما يختلف تماماً عما يحدث الآن. كان المؤلف يطرح فكرته أولاً، ثم يُختار لها المخرج الأنسب، لتبدأ بعدها كتابة الحلقات كاملة. يلي ذلك ترشيح الأدوار، ثم تنطلق بروفات «الترابيزة» لمناقشة أدق تفاصيل العمل، قبل الانتقال إلى بروفات التنفيذ.

ويؤكد أن هذا النظام لم يعد موجوداً للأسف في الوقت الحالي، في ظل انتشار ورش الكتابة التي تتعدد فيها وجهات النظر، وعدم اكتمال عدد الحلقات قبل بدء التصوير، فضلاً عن كتابة بعض المشاهد في أثناء التصوير.

«الملك لير»

وكشف الدسوقي عن سعادته بالوقوف على خشبة «المسرح القومي» المصري، أحد أقدم وأعرق مسارح مصر، لتجسيد شخصية «غلوستر» في مسرحية «الملك لير» مع النجم يحيى الفخراني. وتُعد هذه هي المرة الثالثة التي تُقدم فيها المسرحية؛ إذ كانت المرة الأولى عام 2001، والثانية عام 2019.

وأضاف أن «الدور صعب ومركب، وتزداد صعوبته على المسرح مع المواجهة المباشرة مع الجمهور»، موضحاً أنه «قدم حتى الآن أكثر من 130 ليلة عرض، إضافة إلى تقديم المسرحية في افتتاح مهرجان قرطاج الدولي، على خشبة أوبرا تونس التي تتَّسع لألفي مقعد».

وأعرب عن سعادته بالعمل مع الفخراني للمرة الأولى، لا سيما بعد تعاونه مع عدد كبير من النجوم، مثل نور الشريف، وحسين فهمي، ومحمود عبد العزيز، وأحمد زكي، وكمال الشناوي.

وفي ختام حديثه، أشار إلى أن الشخصية التي يتمنى تجسيدها هي «عمر بن عبد العزيز»، والتي سبق أن قدمها نور الشريف، ومحمود ياسين، مؤكداً أنها شخصية ثرية تحمل كل مقومات البطل التراجيدي.


مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
TT

مايا واكد والموسيقى التي تُمسك بالجرح كي لا ينزف

يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)
يضيق العالم فتصبح الموسيقى اتّساعاً داخلياً (صور الفنانة)

تبدو الموسيقى في حديث الفنانة اللبنانية مايا واكد أقرب إلى فعل إنساني مُركّب يتجاوز فكرة الشفاء السريعة ويذهب نحو المنطقة التي يلتقي الألم مع الفهم، والفنّ مع حاجة الإنسان إلى أن يشعر بأنه ليس وحيداً.

وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، تتأمَّل واكد علاقتها بالموسيقى في الأزمات، وتعيد تعريف دور الفنان بعيداً عن الصور النمطية، كاشفةً عن مسار داخلي يجعل من الغناء محاولة لفَهْم الجرح وتضميده.

ترى أنّ الموسيقى لا تُعنَى بالشفاء وحده، وتقول: «مثل جميع الفنون، هي للتعبير ومحاولة فَهْم الألم. أحياناً يمرُّ الفَهْم عبر القبول قبل أن يصل إلى الراحة». وفق هذا الفَهْم، يصبح التناقض جزءاً من التجربة. فالفنّ كما تصفه يقترب من الجرح، يلمسه ويفتحه أحياناً كي ينظّفه من الداخل. وتضيف: «غالباً نحتاج إلى فَتْحه قبل المعالجة، والموسيقى هي الأصبع أو اليد التي نضعها عليه بهدف تنظيفه ورفض تسليمه للنزيف».

في أداء مايا واكد يتحوّل الحزن إلى مادة قابلة للحياة (صور الفنانة)

هذا الاقتراب الحميم من الألم ينعكس على أدائها، فلا تسعى إلى محو الحزن إنما إلى ترويضه. «حين أغنّي وأنا حزينة، أو خلال ظروف صعبة يمرّ فيها وطني، لا أعالج الألم بقدر ما أجعله أليفاً وأقلّ حدّة»، تقول، قبل أن تختصر تجربتها بهذه المعادلة: «الغناء هو 20 في المائة أداء و80 في المائة إحساس». بذلك، يتحوّل الصوت إلى مساحة مشتركة بين الفنان والجمهور الذي ينتظر هذا الإحساس كي يجد طريقه الخاص إلى التعافي.

تتّسع المساحة حين يدخل المستمع في عمق التجربة، خصوصاً في ظلّ الحرب والنزوح. تدرك واكد أنّ الأغنية تتحوَّل إلى شيء أكثر قرباً من الحياة اليومية للناس، فتقول: «الأغنية لم تعد لحناً فقط. تصبح حضناً لشخص خائف أو ذاكرة لبيت لم يعد موجوداً، أو لحظة هدوء وسط القلق». وهنا تتولّد مسؤولية تنبع من إدراك داخلي لطبيعة العلاقة بين الفنّ والمتلقي.

الموسيقى تُرمّم الداخل كأنها تعمل بعيداً عن أعيننا (صور الفنانة)

مع ذلك، تحرص على وضع حدّ لا يلتبس بين التعبير واستغلال الألم، مؤكدةً أنّ دور الفنان لا يقوم على تحويل معاناة الناس إلى مادة جاذبة، وإنما على خلق مساحة آمنة تُعيد وصلهم بالحياة. تستعيد في هذا السياق تجربتها مع أغنية «بي بيروت»، التي وُلدت في الأصل على هيئة عمل مبهج، قبل أن تعود إليها لاحقاً بنسخة أكثر هدوءاً تحمل شجناً أقرب إلى وجدان الناس في أوقات يُثقلها القلق. هذا التحوّل كان تغييراً في الشكل، ولكن أيضاً محاولة لصياغة إحساس مختلف ينقل الحزن إلى دفء يمنح الذاكرة حيّزاً للاطمئنان.

وسط هذا كلّه، تقف الموسيقى الكلاسيكية بما تحمله من نظام وانضباط في مواجهة فوضى الحرب. بالنسبة إلى واكد، لا يتناقض العالمان، إنما يتكاملان على المستوى الداخلي. الانضباط يصبح درعاً داخليةً، والتدريب اليومي يتحوّل إلى طريقة لحماية الذات من الانهيار. تقول إنها تُكثّف عملها في مراحل الشِّدة وتلجأ إلى الإبداع لمواجهة الجمود، محاولةً إبقاء المسافة بينها وبين تدفُّق الأخبار كي لا تفقد قدرتها على الغناء والكتابة.

هذا الخيار لا يعني الانفصال عن الواقع، لكنه طريقتها في إعادة صياغته عبر الفنّ. من خلال حضورها في وسائل التواصل، تسعى إلى تقديم محتوى يُخفّف من وطأة اللحظة. تدرك محدودية هذا الدور، وتتمسّك به على شكل فعل تضامن إنساني يُراكم أثراً هادئاً في مواجهة القلق الجماعي.

النغمة طريق لتخفيف ثقل الواقع (صور الفنانة)

غير أنه دورٌ يحمل وجهاً آخر أكثر ثقلاً. مايا واكد لا تنظر إلى الفنان على أنه كائن خارج الألم. هو جزء منه، وتتابع: «التحدّي مزدوج، فالفنّ يجب أن ينقل رسالة أمل أو عزاء، بينما يُعاني»، ومع ذلك، يتحوَّل التعب إلى مادة للتعبير وملامسة الآخرين بإحساس أعمق.

تستعيد تجربة اغترابها في كندا، حيث التقت بجمهور يعيش الشوق إلى الوطن وتعلّمت كيف يمكن للموسيقى أن تصبح جسراً افتراضياً للعودة. هذا الشعور لم يُغادرها حتى بعد اقترابها الجغرافي من لبنان؛ إذ تقول: «اليوم، رغم أنني أقرب جغرافياً إلى لبنان، أشعر أيضاً بأنّ عليَّ أن أحمل قلق الشتات، بالإضافة إلى دمار كلّ شخص يعيش هناك».

في التداخل بين القُرب والبُعد، يتشكّل صوت مايا واكد على هيئة مساحة تلقّي أكثر منه مساحة بثّ. صوت يعترف بتعبه، ويحمله ويشاركه. وفي كلّ لحن محاولة لاحتواء ليل طويل، على أمل أن ينقشع قليلاً حين يُسمع.


كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
TT

كيليان فريدريش: «أتفهم استياءكم» ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة

عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)
عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من «مهرجان برلين» (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الطويل الأول «أتفهم استياءكم»، الذي عُرض ضمن قسم «البانوراما» في «مهرجان برلين السينمائي»، يذهب المخرج الألماني كيليان أرماندو فريدريش إلى منطقة شديدة الحساسية، عبر عالم شركات التنظيف بكل ما يحمله من تناقضات أخلاقية وضغوط نفسية وعلاقات قوة خفية. غير أن الفيلم، كما يؤكد مخرجه لـ«الشرق الأوسط»، ينبع من تجربة شخصية طويلة ومعقدة ظلّت ترافقه لأكثر من عقد.

يقول فريدريش إن البذرة الأولى تعود إلى سنوات ما بعد المدرسة، حين عمل لفترة في قطاع التنظيف قبل دخوله الجامعة. ولم يكن قد نشأ في هذا الوسط، لكنه اصطدم سريعاً بتعقيداته. ويتذكر كيف كانوا ينظفون مسابح ومكاتب، وحتى مصنع شوكولاته، وكيف لفتت انتباهه شخصية «مديرة الموقع» التي كان يعمل تحت إدارتها.

ويضيف أنها كانت شخصية تتحرك بين عوالم متعددة: العمال، والإدارة، والزبائن، والجداول الزمنية الصارمة. وخلال هذه التجربة القصيرة، تحوّلت بمرور السنوات إلى سؤال ملحّ: ما طبيعة هذا النظام الذي يقوم أساساً على خفض الأسعار إلى أقصى حد، حتى لو كان الثمن هو الإنسان نفسه؟ موضحاً أن نشأته في منطقة حدودية بين فرنسا وألمانيا، عُرفت تاريخياً بصناعات الفحم والصلب، أثّرت أيضاً في نظرته.

كما أوضح أنه عاش طفولته في ظل خطاب «الأيام الخوالي الجميلة»، بعد أن أغلقت تلك الصناعات أبوابها. ومن هنا بدأ اهتمامه بكيفية تحوّل الاقتصادات الصناعية إلى اقتصادات خدمية، وبالثمن الاجتماعي لهذا التحول.

وأكد المخرج الألماني أن الفيلم لا يسعى إلى تحويل هذا السياق إلى محاضرة سياسية، بل إلى جعله محسوساً عبر تجربة شخصية محددة، لافتاً إلى أن بطلة العمل امرأة في الـ59، تعمل مديرة موقع في شركة تنظيف، وتجد نفسها عالقة بين مطالب متناقضة: إرضاء الزبائن، وتنفيذ أوامر الإدارة، وحماية فريقها.

المخرج الألماني كيليان فريدريش (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حين يهدد متعهد قوي بسحب دعمه ما لم تمنحه مزيداً من ساعات العمل، تضطر إلى مواجهة خيار قاسٍ: التضحية بأحد موظفيها. وهذه اللحظة الدرامية، كما يقول فريدريش، ليست سوى ذروة سلسلة من «ردود الفعل» اليومية التي يولدها نظام عمل ضاغط لا يترك مساحة حقيقية للتعاطف.

ويشير إلى أن السيناريو بدأ يتشكل قبل أكثر من 10 سنوات، بالتعاون مع مديرة موقع كان يعرفها عن قرب. وكانا يخططان لكتابة الفيلم معاً، قبل أن تُقدم على الانتحار بشكل مفاجئ. ويؤكد أن هذه الحادثة تركته في صدمة عميقة، ودفعته إلى التساؤل عن الدور الذي لعبته الصراعات الأخلاقية اليومية في تدهور حالتها النفسية.

ويقول المخرج الألماني إن «هذه الخسارة جعلت المشروع أكثر إلحاحاً، ليس بوصفه تكريماً شخصياً فحسب، بل بوصفه محاولة لفهم بنية عمل تفرض على الإنسان أن (يفهم الجميع) من دون أن يُسمح له بأن يُفهَم». ويضيف أن كثيرين في هذا القطاع يجدون أنفسهم في مشكلات نفسية نتيجة العزلة وضغط الوقت.

وكان اختيار العمل مع ممثلين غير محترفين امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية. إذ تؤدي الدور الرئيسي سابين تالاو، التي عملت في القطاع لمدة 15 عاماً. وقد تعرّف إليها عبر منتديات إلكترونية خاصة بالعاملين في التنظيف، بعد بحث ميداني طويل شمل مرافقة مديري مواقع في أيام عملهم وتوثيق أحاديثهم.

ويقول كيليان أرماندو فريدريش إن سابين أُعجبت فوراً بفكرة الفيلم، لأن الشخصية عكست كثيراً من تجربتها الخاصة. لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن نسخة منها، مشيراً إلى أنه عمل على دفعها لمواجهة جراح شخصية، مع التخلّي عن ابتسامتها، وهو ما استدعى تدريباً تمثيلياً مكثفاً، لأن المطلوب كان نقل إحساس بالاختناق والركض اللاهث، لا تقديم صورة امرأة متفائلة.

عمل المخرج في مجال التنظيف شجعه على خوض التجربة (الشركة المنتجة)

على المستوى البصري، اختار فريدريش الاقتراب الجسدي الشديد من البطلة؛ فالكاميرا المحمولة باليد تلازمها، وتكاد تلتقط أنفاسها. ويشرح أن هذا القرب ليس بحثاً عن إثارة بصرية، بل محاولة لرفض المسافة التلصصية. فهو يريد للمشاهد أن يُلقى داخل التجربة، لا أن يراقبها. لذلك تقرر منذ البداية تصوير كل مشهد في لقطة واحدة، مع تقليل التلاعب بالزمن داخل المشهد، حتى يُعاش الضغط كما هو.

ويشير المخرج الألماني إلى أن اسم الفيلم «أتفهم استياءكم» عبارة مهنية باردة، تُعد شكلاً من أشكال «التعاطف الدفاعي» الذي يسمح بالحفاظ على مسافة آمنة، لافتاً إلى أن «البطلة مطالبة بأن تفهم الجميع، لكنها لا تستطيع أن تنخرط عاطفياً بالكامل، لأن التعاطف الحقيقي قد يعني ضرورة تغيير الشروط القائمة، وهو أمر يتجاوز قدرتها الفردية». ومن هنا ينشأ سلوكها المتناقض؛ فهي ليست بطلة مثالية ولا شريرة صريحة، بل امرأة تحاول النجاة داخل نظام قبلت به، وتبحث عن هامش صغير للفعل.

ويرفض فريدريش وضع شخصيته في موقع أخلاقي ثابت، مؤكداً أنه تعمد إدراج مواقف تكشف وجوهاً متعددة لها، بحيث تتحرك بين المسؤولية والضغط والتواطؤ. ويضيف: «ألسنا جميعاً نحاول، بطريقتنا، أن نتدبر أمورنا داخل ظروف مفروضة علينا؟»، عاداً أن قوة الشخصية تكمن في هشاشتها وقدرتها على الاحتمال، لا في بطولة صاخبة.