الريف اللبناني ينتعش بسواعد الجيل الشاب... ومنطقة الباروك تقدِّم النموذج

يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)
يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)
TT

الريف اللبناني ينتعش بسواعد الجيل الشاب... ومنطقة الباروك تقدِّم النموذج

يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)
يمتدُّ مشروع «Farmville» على مساحة 10 آلاف متر مربَّع ويظلِّله أرز الباروك المعمِّر (الشرق الأوسط)

الريف اللبناني ثروة لا يُدرِك قيمتها سوى قاطنيه، ولا سيما كبار السنِّ منهم. الريف أو «الضيعة»، كما يسمِّيه اللبنانيون، ليس طبيعة خلَّابة فحسب، وفصولاً تتحوَّل إلى لوحاتٍ ربيعيَّة وشتويَّة، وعاداتٍ وتقاليد يتناقلها الأهالي أباً عن جدٍّ. القرية اللبنانية أكثرُ من ذلك، فهي خزَّانٌ بيئي وزراعي وسياحي ينتظر فقط مَن يعرف كيف ينهل منه.

رغم ذلك، فإنَّ مفهوم التنمية الريفيَّة ما زال غريباً على البلد وأهله، وسط غيابٍ شبه تامٍّ للمبادرات الرسمية في هذا الإطار. تبقى بالتالي المبادرات الفرديَّة التي قد تولد من فكرة في رأسِ شاب، وهو يسمع الموسيقى أو يمارس التأمُّل في أرض العائلة الجرداء، محاطاً ببعض أشجار الصنوبر.

هكذا بدأت حكاية سيزار محمود الذي حوَّل أرضاً توارثَها أهله عن أجداده في الباروك، من عقارٍ مهجور إلى مشروعٍ يُدرُّ المال والآمال على البلدة وجوارها، في منطقة الشوف بجبل لبنان.

وضع سيزار محمود التنمية الريفية والسياحة المستدامة في صدارة اهتماماته (الشرق الأوسط)

عام 2017، وبعد أن نال شهادته الجامعية في علوم التسويق، قرر محمود تحويل منزل العائلة بمحاذاة الأرض، إلى بيت ضيافة يستقبل السيَّاح والزوَّار. لم يكن قد بلغ الـ25 من عمره حينها، فإن أفكاره فاقت عدد سنواته. خاطر بالرصيد المصرفي، وبعلاقته مع أفراد العائلة، عندما قرر استقدام منازل خشبية صغيرة إلى العقار. راهنَ على حلمه بالاكتفاء الذاتي، وبنشر ثقافة السياحة المستدامة والتنمية الريفية، واستوحى الاسم من لعبة إلكترونية كانت رائجة في تلك الآونة، «Farmville Barouk» مع أن لا شيء افتراضياً أو رقمياً في المكان.

البيوت الخشبية التي تستضيف زوَّار «Farmville» (الشرق الأوسط)

اتَّسعت الـ10 آلاف متر مربَّع لبيت الضيافة، وللمنازل الخشبية، ولمساحاتٍ خضراء تستقبل الزوَّار في إقامة غير تقليديَّة. لن يصحوا هنا على منبِّه الغرفة، إنما على صياح الديك، ثم سيجمعون بأنفسهم مكوِّنات الفطور، قاطفين الخضراوات العضويَّة الطازجة، وجامعين البيض البلدي من قنِّ الدجاج.

وفي مطبخ «Farmville» تُعدُّ سيِّدات من البلدة الطعام، من مناقيش، وبيض بالقاورما، وفول، وغيرها من الأطباق التقليدية.

باستطاعة الزوَّار أن يجمعوا بأنفسهم مكوِّنات الفطور الطازج (الشرق الأوسط)

ثم تنطلق الرحلة إلى أعالي الباروك؛ حيث محميَّة أرز الشوف التي تظلِّل برهبتِها المشروع السياحي وسائر المنطقة. «نحن جزء من المحيط الحيوي للمحميَّة التي تحاكي السياحة البيئية، منذ تأسيسها عام 1996»، هذا ما قاله محمود لـ«الشرق الأوسط».

ويضيف الشاب الذي بدأ مشواره موظفاً في المحميَّة، فنبتت أحلامه بين جذوع أرزِها المعمِّر: «زوَّار هذا المكان لا يأتون من أجل (ستوري) على (إنستغرام) أو جلسة في مطعم؛ بل يقصدون الطبيعة الشوفيَّة لاختبارها، وللتعرُّف إلى المجتمع المحلي». هي سياحة تجمع بين الترفيه والأهداف البيئية والصحية.

أما محبُّو المغامرة، فبإمكانهم اكتشاف غابة أرز الشوف عبر الطيران الشراعي، ومن على ارتفاع 1900 متر.

الطيران الشراعي على ارتفاع 1900 متر فوق غابة أرز الباروك (الشرق الأوسط)

ولأنَّ الطبيعة مُلهِمة وولَّادة أفكار، لا تتوقَّف التجربة عند الإقامة في «Farmville» وزيارة المحميَّة؛ بل تنسحب على أنشطة متنوِّعة. منها ما هو داخل المكان، ومنها ما يحصل خارجه، بما أنَّ شبكة من المشاريع السياحية الريفيَّة الهادفة قد انبثقت عن المشروع الأساسي. فسحة إبداعيَّة يقدِّمها «استوديو الفنون»؛ حيث بإمكان الزوَّار أن يتعلَّموا صناعة الفخَّار، وممارسة هواية الرسم، والمشاركة في أنشطة ثقافية عدة.

كما يفتح المشروع أبواب متجره الصغير أمام الحرفيين من ذوي الاحتياجات الخاصة، لبيع منتجاتهم من صابون، وخزَف، وحليٍّ، وسواها من إكسسوارات.

في الاستوديو التابع للمشروع بإمكان الزوَّار تعلُّم صناعة الفخَّار والرسم (الشرق الأوسط)

لا تعود الفائدة في «Farmville» على الزوَّار فحسب؛ بل على أهالي المنطقة كذلك. فبالتعاون مع جهاتٍ غربية مانحة، أسس محمود «المطبخ المجتمعي» الذي يستقبل السكَّان المحليين إن أرادوا أن يصنعوا فيه مؤونتهم بواسطة المعدَّات الحديثة التي يضعها في خدمتهم. هذه التعاونية الزراعية هي بمنزلة ملتقى للأهالي الذين يقصدونها لطحن الكشك، أو عصر منتوجهم من الطماطم، وسواها من المحاصيل الزراعية والغذائية.

ليست التنمية المستدامة أنانية، فهي تقوم على مبدأ الشراكة. «إذا كان جارُك بخير فأنت بخير»، مقولة يردِّدها أهل الريف في لبنان، ويستلهمها سيزار محمود. لذلك، فقد حوَّل مشروعه الحلم إلى شبكة من المشاريع، حقَّق عبرها أحلام أشخاصٍ آخرين من أهالي المنطقة.

الفطور والغداء والعشاء من صناعة سيِّدات البلدة (الشرق الأوسط)

انبثقت عن «Farmville» مبادراتٌ ريفيَّة قوامُها السياحة المستدامة. دعمَ محمود لميا، السيِّدة التي حوَّلت بيتها الصغير إلى دار ضيافة تُعلِّم فيه الزوَّار أصول الطبخ اللبناني. فبعد أن طوَت لميا سنواتٍ في قطاع التدريس، ها هي تخوض تجربة من نوعٍ جديد جعلتها تحقِّق ذاتها معيشياً، وحوَّلتها إلى قدوة في قريتها. «وبذلك نكون، ومن قلب قرية بريح الصغيرة، قد نفَّذنا شعار تمكين المرأة»، كما قال محمود.

صارت لميا قدوة في قريتها بعد أن حوَّلت منزلها إلى دار للضيافة وتعليم الطبخ (إنستغرام)

أما ليلى وسجيع، اللذان تقاعدا من الوظيفة في الجامعة اللبنانية، وكادا يغرقان في إحباط التقاعد، فعادا إلى الفرح والإيجابية والتطوُّر. في بلدتهما عين وزين، حوَّلا بيتهما إلى طاولة ضيافة تعجُّ بمحبِّي الطعام العضوي التقليدي، والطبيعة اللبنانية الساحرة.

جلسة قرويَّة لبنانية بامتياز في بيت ليلى وسجيع الذي تحوَّل هو أيضاً إلى دار للضيافة (إنستغرام)

ومن بين المشاريع الرديفة والهادفة للتنمية الريفية: «مزرعة الحمير» (Donkey Farm)؛ حيث يحظى الزوَّار بفرصة الاقتراب من أحد ألطف المخلوقات والاعتناء به. ولا يقتصر الأمر على الحمار؛ بل يتعرَّف الزوَّار، كباراً وصغاراً، إلى سائر حيوانات المزرعة، كالدواجن والمواشي، كما يعتنون بالخضراوات الموسمية، ويقطفون العسل، ويقطِّرون الأعشاب؛ كل ذلك في إطار التوعية البيئية.

في «مزرعة الحمير» تتنوَّع الأنشطة ما بين التعرُّف على حيوانات المزرعة وقطف العسل (الشرق الأوسط)

ولمَن ظنُّوا أنَّ الحياة نسيَتهم، يفتح المشروع أبواب الأمل. «خالتي رهيجة» خير مثال. فالثمانينيَّة التي تصنع منذ الصغر الكانون التقليدي (أو الموقد) من مادَّة الطين، وجدت مَن يُنعش شغفها ويمنحه هوية وانتشاراً. يزورها روَّاد منطقة الباروك من ضمن جولتهم، يستمعون منها إلى حكايات القرية، ويتذوَّقون حلواها التقليدية، كما يتعلَّمون صناعة الكانون. «كانون رهيجة سافر معنا إلى إسبانيا وتونس، وعرضناه في جامعات إيطاليا، بالتعاون مع منظمات غير حكومية وهيئات تربوية»، كما أخبر محمود.

«خالتي رهيجة» المتخصصة في صناعة كانون الطين (الشرق الأوسط)

لم تنعش تلك المشاريع السياحة في المنطقة فحسب؛ بل جذَّرت مجموعة كبيرة من الأهالي في أرضهم. حتى اليوم، أمَّن مشروع سيزار محمود الإنمائي، بما انبثق عنه من مبادرات، أكثر من 70 فرصة عمل، مستقبلاً نحو 25 ألف سائح وزائر. كل ذلك إيماناً بأنَّ ثروة لبنان الريفيَّة لا تستحق المشاهَدة والتصوير فحسب، إنما يجب أن تُحصَّن بالاستدامة.


مقالات ذات صلة

مذكرة تفاهم بين اتحادي الغرف التجارية في السعودية وتركيا

الاقتصاد نائب الرئيس التركي جودت يلماظ شهد مراسم توقيع مذكرة التفاهم بين الغرف التجارية في السعودية وتركيا (من حسابه في إكس)

مذكرة تفاهم بين اتحادي الغرف التجارية في السعودية وتركيا

وقع اتحاد الغرف وبورصات السلع التركية مع اتحاد الغرف السعودية مذكرة تفاهم للتعاون، بهدف تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين على مستوى القطاع الخاص

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد نموذج ثلاثي الأبعاد لمضخة استخراج نفط «Pump Jack» أمام شعار منظمة «أوبك» (رويترز)

«صندوق أوبك للتنمية» يستهدف ضخ نحو 4 مليارات دولار في الدول الشريكة خلال 2026

أكد عبد الحميد الخليفة، رئيس صندوق أوبك للتنمية الدولية، أن المؤسسة تستهدف تقديم تمويلات تقارب 4 مليارات دولار للدول الشريكة خلال عام 2026.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد وزير المالية السعودي خلال كلمته في منتدى صندوق أوبك للتنمية الدولية (أوفيد) (إكس)

الجدعان: مرونة الاقتصادات والشراكات مفتاح مواجهة التحديات التنموية العالمية

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن العالم يواجه اليوم أوضاعاً اقتصادية صعبة تتأثر بحالة من عدم اليقين، والتجزؤ، والصراعات الجيوسياسية، والتوترات التجارية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد اجتماع وزاري سابق بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة (موقع المجلس الإلكتروني)

الأربعاء... توقيع البيان الختامي لاتفاقية التجارة الحرة بين الخليج وبريطانيا

أعلن الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم البديوي أنه سيتم يوم غدٍ توقيع البيان الختامي لمفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء نيوم في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

أسواق أوروبية تعتمد الممر اللوجيستي الرابط بين أوروبا ومصر والخليج عبر نيوم

أفادت شركة «نيوم» السعودية بأن مستوردين من عدة أسواق أوروبية بدأوا بالفعل في استخدام الممر اللوجيستي الجديد الذي يربط بين أوروبا ومصر ونيوم ودول الخليج.

«الشرق الأوسط» (نيوم)

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.