مشاهير يعيشون بلا هاتف... فمتى تمتدّ العدوى إلى باقي البشر؟

الجيل زد الأكثر جرأةً ويتحوّل إلى «الهواتف الغبيّة»

موضة التخلّي عن الهاتف تنتقل من المشاهير إلى «الجيل زد» (رويترز)
موضة التخلّي عن الهاتف تنتقل من المشاهير إلى «الجيل زد» (رويترز)
TT

مشاهير يعيشون بلا هاتف... فمتى تمتدّ العدوى إلى باقي البشر؟

موضة التخلّي عن الهاتف تنتقل من المشاهير إلى «الجيل زد» (رويترز)
موضة التخلّي عن الهاتف تنتقل من المشاهير إلى «الجيل زد» (رويترز)

لا تستطيع المغنّية الأميركية دوللي بارتون الاستغناء عن آلة الفاكس الخاصة بها، فهي لا تزال حتى اليوم تستخدمها للتواصل مع الآخرين. ووفق صديقتها المغنية مايلي سايرس فإنّ بارتون لا تكاد تستعمل الهاتف.

مثلُها زميلُها ألتون جون الذي تخلّى عن الهاتف الجوال، واستعاض عنه بالجهاز اللوحي iPad عند الضرورة، وذلك للاتصال بولدَيه، أو لتسهيل أمور العمل. وفي حديثٍ ضمن برنامج Jimmy Kimmel Live، قال الفنان البريطاني إنّ حياته رائعة من دون هاتف: «أكره الهواتف الجوالة لأنها تلغي الخصوصيّة، ولم أتحمّل أن أقتني واحداً كي لا يتّصل بي الناس مرّتَين في الدقيقة».

صرّح المغنّي البريطاني إلتون جون بأنه يكره الهواتف الجوالة (رويترز)

ليست موضة الاستغناء عن الهاتف الجوال بكل ما يحمل من مغرياتٍ تكنولوجية محصورةً بالمشاهير الذين تخطّوا الـ70 من العمر، إنما تنسحب على مَن هم أصغر سناً.

عام 2015، وكجزءٍ من مقررات السنة الجديدة، تخلّص المغنّي البريطاني إد شيران من هاتفه الذكيّ. الهدف الأساسيّ من ذلك القرار كان الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي. في إحدى مقابلاته، تحدّث شيران عن الأمر كاشفاً أنّ تعلُّقَه بالهاتف أتعبه كثيراً، وقد انتهى الأمر بأن أُصيب بالإحباط. وأضاف: «عندما تخلّصت منه شعرتُ وكأنّ أثقالاً نزلت عن كتفيّ». ويكتفي شيران بالجلوس أمام جهاز الكمبيوتر بضع ساعات كل أسبوع من أجل متابعة بريده الإلكتروني.

منذ عقدٍ من الزمن قطع إد شيران علاقته بالهاتف الجوال (رويترز)

من بين المشاهير والفنانين الذين وجدوا سعادتهم في حياةٍ خالية من الهواتف الذكية، المغنية سيلينا غوميز، والممثلة سارة جسيكا باركر، والمغني جاستن بيبر، والمخرج كريستوفر نولان.

أما الإعلامي البريطاني سايمون كاول فقد كان هو الآخر من بين السبّاقين في الاستغناء عن هواتفهم. عام 2017، اكتشف كاول أنّ كل الرسائل الواردة إلى هاتفه تتسبّب له بالإرهاق، وتأخذ وقتاً كثيراً من عمله وحياته عموماً. في حوار مع أحد البرامج التلفزيونية الأميركية، أخبر كيف أنه وفي أحد الصباحات، استيقظ ليكتشف 52 رسالة غير مقروءة على شاشة الهاتف، فقرر ألّا يجيب عليها، وأن يطفئ هاتفه. أضاف كاول: «أطفأته يوماً ثم شهراً، فـ3 أشهر، ثم سنة، سنتَين، ثلاثاً... لقد راق لي الأمر كثيراً».

الإعلامي البريطاني سايمون كاول (إنستغرام)

في وقتٍ تدور معظم أخبار «السوشيال ميديا» حولهم، فإنّ عدداً كبيراً من المشاهير غير مدركين لذلك بما أنهم قرروا الانفصال عن الواقع الافتراضي.

هم الذين يوظّفون مديري أعمال ومساعدين شخصيين يتولّون الردّ على اتصالاتهم وبريدهم، وإدارة صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، لا يبدو هذا القرار صعباً بالنسبة إليهم. لكن هل يستطيع البشر العاديّون أن يقوموا بالمثل، وأن يعيشوا حياةً خالية من الهواتف؟

التخلّي عن الهواتف الذكيّة صار من أكبر التحديات (رويترز)

خلال السنوات الثلاث الأخيرة، شهدت مبيعات الهواتف الجوالة قديمة الطراز قفزةً نوعيّة، بعد أن كانت طيّ النسيان. يعود ذلك إلى ميلٍ لدى «الجيل زد» (Gen Z) إلى الابتعاد عن الهواتف الذكيّة. لا يفعلون ذلك تأثُّراً بالمشاهير، بل لأنّ هذا الجيل تيقّظ على ما يبدو إلى مضارّ الهواتف.

بعد أن كان نجمها أفل، عادت شركة «نوكيا» إلى تصنيع بعضٍ من هواتفها القديمة. حصل ذلك نزولاً عند رغبة الجيل الصاعد، الذي أطلق حملة عبر منصة «تيك توك» تحت عنوان «أعيدوا الهواتف القديمة».

أعادت شركة «نوكيا» إطلاق طراز 3310 بعد أن صار من الأرشيف (رويترز)

وفق شركة الأبحاث البريطانية «GWI»، فإنّ أكثر شريحة عمريّة تدنّى مستوى استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي وبالتالي للهواتف الذكية، هي تلك المتراوحة سنوات ولادتها ما بين 1995 و2012. يلي هؤلاء جيل الألفيّة (1980 – 1994).

إلى جانب موضة النوستالجيا إلى كل ما هو قديم، أدرك هذان الجيلان أو جزءٌ لا بأس به منهما، أنّ الخصوصية أهمّ من مشاركة تفاصيل حياتهم مع الآخرين عبر منصات التواصل. كما أنهم ارتأوا الابتعاد عن الهواتف الذكية لأسبابٍ مرتبطة بالصحة النفسية والجسديّة.

استُحدث الـ«Boring Phone» نزولاً عند رغبة الجيل الصاعد بهواتف غير ذكيّة (الشركة المصنّعة)

يدخل «الهاتف المملّ» (Boring Phone) ضمن قائمة الهواتف غير الذكيّة (أو الغبيّة كما يطلق عليها الجيل الجديد). طُرح هذا الهاتف في الأسواق قبل سنوات تلبيةً لرغبة الشباب بهاتفٍ غير معقّد، ويفتح على الطريقة القديمة، كما يساعدهم على التخلّص من الإدمان على الشاشة.

هذه العودة إلى الواجهة للهواتف القديمة لا تعني حتماً أنها آتية لتحلّ مكان الهواتف الذكيّة، ولا لتقنع الناس باقتناء القديم بدل الجديد، إلّا أنّ ثمّة حكمةً واضحة من هذه اليقظة. فمهما كانت مسلّية ومفيدة وعملية، تبقى العلاقة بالهواتف الذكية مشوبةً بالمخاطر. أوّلها صحّي، كآلام العنق والظهر، واضطرابات النوم، والآثار السلبية على العينَين والجهاز العصبي. وليس آخرُها نفسيّاً مثل القلق، والتوتّر، والعزلة الاجتماعية.

فهل يحذو الناس تدريجياً حذو المشاهير الذين قرروا العيش من دون هواتف، أم أنّ سطوتها ستزيد لتصبح الحياة من دونها أكثر استحالةً؟


مقالات ذات صلة

شباب أميركيون يهجرون هواتفهم الذكية شهراً كاملاً... ماذا اكتشفوا؟

يوميات الشرق هواتف ذكية مجموعة في علبة (أ.ب)

شباب أميركيون يهجرون هواتفهم الذكية شهراً كاملاً... ماذا اكتشفوا؟

يروي نحو ثلاثين شخصاً أميركياً من الجيل الشاب استبدلوا بهواتفهم الذكية أخرى قديمة الطراز على مدى شهر في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد شعار شركة «أبل» على مبنى في مانهاتن (د.ب.أ)

بين إرث كوك وطموح تيرنوس... 7 ملفات شائكة تحدّد مستقبل «أبل»

في لحظة فارقة قد تغير خريطة قطاع التكنولوجيا العالمي، أعلنت شركة «أبل»، الثلاثاء رسمياً تنحي تيم كوك عن منصبه مديراً تنفيذياً.

«الشرق الأوسط» (كوبيرتينو (كاليفورنيا))
يوميات الشرق المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 % من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

أحمد عدلي (القاهرة)
تكنولوجيا التحديث يعكس توجهاً أوسع في السوق نحو تقليل الاحتكاك بين الأنظمة البيئية المختلفة (أ.ب)

«سامسونغ» تضيف تَوافق «AirDrop» إلى «Quick Share» لمشاركة الملفات

«سامسونغ» تضيف توافقاً مع «AirDrop» عبر «Quick Share» في خطوة تسهّل تبادل الملفات بين أجهزة «غلاكسي» و«آيفون» تدريجياً.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد نقاش نظري بل أصبح قضية تُناقش في المحاكم (بيكسلز)

كيف نحرر عقولنا من سيطرة هواتفنا؟

مع تزايد الأدلة العلمية والقانونية، تتصاعد التساؤلات حول تأثير هذا الاستخدام المكثف على الصحة النفسية والقدرات الذهنية، وما إذا كان من الممكن عكس آثاره.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.