لبنانيان يركضان 250 كيلومتراً في صحراء المغرب لإنقاذ مُحارِب سرطان

غسان حجار وسيرج تشوبوريان يخوضان بإنسانية أصعب السباقات

اختبار للحياة تجرؤ عليه قلّة فقط (سيرج تشوبوريان من اليمين وغسان حجار)
اختبار للحياة تجرؤ عليه قلّة فقط (سيرج تشوبوريان من اليمين وغسان حجار)
TT

لبنانيان يركضان 250 كيلومتراً في صحراء المغرب لإنقاذ مُحارِب سرطان

اختبار للحياة تجرؤ عليه قلّة فقط (سيرج تشوبوريان من اليمين وغسان حجار)
اختبار للحياة تجرؤ عليه قلّة فقط (سيرج تشوبوريان من اليمين وغسان حجار)

غسان حجار وسيرج تشوبوريان رياضيان من لبنان يُشاركان في سباق لا يُشبه ما يخطُر على البال، بوسط صحراء المغرب. قواعده تفرض اجتياز مسافة 250 كيلومتراً خلال 6 أيام تُقسَم على ما مجموعه 100 كيلومتر في الأيام الـ3 الأولى، وفي الرابع نحو 85، والخامس مسافة ماراثون، 42 كيلومتراً، قبل الختام بما تبقّى ومسافته نحو 21 كيلومتراً. الأصعب ليست المسافات، وهي في الصحراء وبين الرمال المتوهّجة تتراءى بلا نهاية؛ وإنما اختبار التحمُّل لهدف يتجاوز الرياضة إلى الإنسان.

غسان حجار وسيرج تشوبوريان يختبران التحمُّل لهدف يتجاوز الرياضة إلى الإنسان (بوستر الحملة)

الحدث هو «ماراثون الرمال» (Marathon Des Sables)؛ يُقام سنوياً في المغرب بمشاركة جنسيات العالم. كانت دورته الـ49 هذه لتكون الـ50 لولا مزاج الوباء. وتحت حرارة تُنذر بالقسوة غير آبهةٍ بلطافة الربيع، يعبُر المُغامران تشكيلات الرمال وتلالها بدءاً من الأحد، وعلى أكتافهما أوزان هي شرطٌ وضرورة للالتحاق بالسباق؛ لا مجال من دونها لإدراك المعنى خلف التحمُّل، والعبرة وراء الشقاء.

يصعُب أحياناً تصوُّر الاستطاعة البشرية على هذا الشكل. فالمرء غالباً يُفضّل الخيار الأسهل، وأن يمضي العُمر في مساحته الآمنة. هما العكس. وكلاهما تجاوز الـ55 عاماً، مع إصرار على ألا تحدّهما سنّ، ولا مخاوف، ولا تثنيهما ضغوط من نوع الحرارة، والوزن، والمسافة، والتهام طعام مجفّف يُخلَط بالماء الساخن ليتحوّل وجبة سائلة، طوال 6 أيام. ذلك الصعب يجد ما يُهوّنه حين تبلغ الإرادة الإنسانية قمةً ما. وفي أقاصي هذا الإصرار، لا يهمُّ العُمر، فلا يُختَصر الإنسان بسنواته، وما يظنُّ أنه يُكبّله. ينطلق كما يفعلان، نحو أحلام ستظلُّ ممكنة، وإنجازات بطعمِ الإلهام العظيم.

تحت الحرارة يعبُر المُغامران رمال الصحراء بدءاً من الأحد (غسان حجار وسيرج تشوبوريان)

وحين يلتقيان «الشرق الأوسط»، نلمح تراجُع انطباع الشَيْب أمام صلابة العزيمة، كأنّ الشباب أبديّ. يُجيب غسان حجار على سؤال «لماذا كلّ هذا؟» بعبارة المُغامِرين المفضّلة: «لأنها الشَعْطة!»، وتعني الجنون المبدع، والخروج على المألوف. قبل 10 سنوات، عام 2015، عَبَر كيلومترات الصحراء المغربية مُشاركاً في هذا السباق الكبير للمرة الأولى، وظلَّ يشتهي استعادة التجربة. يقول إنّ مغامرات من هذا الصنف تُدغدغ عدّائين، لكنّ الرغبة لا تتحوّل دائماً إلى واقع. وبين الحلم والخطوة، تفصُل مسافةٌ، أو «وديان» بتعبير غسان حجار، فلا يُقدِم إلا الشجعان؛ عشّاق العذابات الشهية.

وسيرج تشوبوريان بدأ الركض في عقد العُمر الثالث، مدفوعاً بزيادةٍ في الوزن فرضت إيجاد حلّ. وبعد الماراثون الأول، شَعَر بإمكان الذهاب لأبعد. يُخبر أنّ تقريراً عرضته «يورو نيوز» عن «ماراثون الرمال» المغربي استمال مخيّلته: «رغبتُ في التحدّي. أولاً ضدّ نفسي». تحدّي النفس شاق. مرات، يؤجّل الإنسان ما قد يُغيّر «استرخاءه»، ويشعر بحِمْل المحاولة قبل خوضها. ولما كان في الـ47، قبل 10 سنوات، خشي غسان حجار أنّ القطار قد فات. ثم حوَّل التردُّد فرصةً لإثبات العكس؛ واليوم، بعد عقد، «يحتفل» مع صديق المشوار بخوض الصعوبة ذاتها، ولذة إلقاء النفس في «المهوار»، بتعبير سيرج تشوبوريان، بما تعنيه هذه المفردة اللبنانية، في سياقها هذا، من اختبار للحياة تجرؤ عليه قلّة فقط.

لم يأبه المُغامِران إلى أنْ يغمرهما الضوء لولا الهدف الإنساني (غسان حجار وسيرج تشوبوريان)

ولم يأبه المُغامِران إلى أنْ يغمرهما الضوء، لولا الهدف الإنساني. لكانت «الهيصة» اقتصرت على العائلة وبعض الأحبّة. إجراؤهما الحوار سببه طرفٌ ثالث. حتى إنّ سيرج تشوبوريان لا يقيس مسافاته الرياضية بارتداء ساعة ذكية. يحتفظ الرجلان بالإنجاز لنفسَيْهما.

قبل 10 سنوات عَبَر كيلومترات الصحراء المغربية مُشاركاً في السباق للمرة الأولى (غسان حجار)

هذه حكاية مختلفة. فهما يركضان تلك المسافات الرهيبة من أجل شاب يُحارب السرطان، ويتحمّل الوجع بعناد. اسمه علي معركش، لبناني عمره 14 عاماً. تعرَّف إليه غسان حجار وسيرج تشوبوريان عبر جمعية «تشانس» المعنية بدعم هؤلاء الأبطال. وحين التقى الثلاثة في المستشفى، تأكدوا أنّ البطولة ليست دائماً أرقاماً وميداليات، وإنما تحمُّل وصبر. والبطولة ألا تُقتل الأحلام قبل أوانها. ولا يُقتل أيُّ أمل. وأن تتحقّق عدالة ما، فلا يموت صغار من مرض لتعذّر تكاليف العلاج، أو يُحرَمون السكينة لاشتداد الألم بما لا يُطاق.

الرجلان أبوان؛ يُدركان شعور أن يكون للمرء ولد مُهدَّد بالرحيل. تُرعبهما مرارة احتمال الفراق. ذلك يدفعهما لبلوغ خطّ النهاية مهما كلَّفهما من تعب وأوجاع. يقول سيرج: «سنُكمل إنْ أُصبنا أو حدث أيُّ طارئ. ليس لنكون البطلَيْن، وإنما من أجل علي وحقّه في الشفاء».

تحت الحرارة يعبُر المُغامران رمال الصحراء بدءاً من الأحد (غسان حجار وسيرج تشوبوريان)

يتحمّل علي معركش سرطان الدم القاسي، وما هو أقسى: ارتباط الأمل بالمال. فمن خلال حملة تبرّع يخوضها الرياضيان اللبنانيان مع جمعية «تشانس»، يُراد مبلغٌ مُنقِذ يسدد فواتير الاستشفاء، والدواء. يُشارك غسان حجار وسيرج تشوبوريان المريض علي شيئاً من هذا التحمُّل بعبور المسافة الهائلة تحت شمس أبريل التي ما عادت رحيمة. يدعوان للتعاطف مع المراهق المُواجِه للسرطان، فلا يُقال على الطريقة اللبنانية: «شو وقفت عليِّ؟!». يركضان في أصعب الظروف لجَمع 50 ألف دولار، «وكل دولار يُعزّز احتمال النجاة». يذكّران بأنهما تكفّلا بجميع مصاريفهما بشكل فردي، ولن يجنيا أيّ عائد مادي من الحملة؛ فدورهما إيصال الرسالة فقط. يركضان بإنسانيتهما قبل الأقدام.


مقالات ذات صلة

عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

يوميات الشرق لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)

عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

خطفت عشرات العارضات من ذوات «متلازمة داون» الأنظار، وهنَّ يتهادين على منصة عرض أزياء في العاصمة الرومانية...

«الشرق الأوسط» (بوخارست)
يوميات الشرق أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)

توقيف «بلوغرز الرقص»... هل تهدد «السوشيال ميديا» قيم المجتمع المصري؟

في الآونة الأخيرة تزايدت وقائع القبض على صانعات محتوى على «السوشيال ميديا» بمصر للقيام بنشر مقاطع فيديو تتضمن مشاهد وألفاظ «خادشة للحياء».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق حجازي وزوجته خلال الزفاف (صفحته على «فيسبوك»)

حبس الفنان محمود حجازي 6 أشهر في قضية ضرب زوجته

قضت محكمة جنح أكتوبر (السبت) بحبس الممثل المصري محمود حجازي 6 أشهر وكفالة قدرها 5 الآف جنيه.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق اللمس يفتح طريقاً آخر إلى الجمال (إ.ب.أ)

«الدهشة في اليد»... متحف إيطالي يفتح روائعه الرخامية للمكفوفين

يتهيّأ متحف «كنيسة سانسيفيرو» في مدينة نابولي الإيطالية لتقديم تجربة فنّية فريدة لعشرات الزائرين من ضعاف البصر والمكفوفين...

«الشرق الأوسط» (نابولي - إيطاليا)
يوميات الشرق الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه».

محمد الكفراوي (القاهرة )

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.