رحيل الإعلامية هدى شديد... الأحلام العنيدة تتكسَّر

المحبوبة في الصحافة الإذاعية والمكتوبة والمرئية تخسر معركة السرطان

تمسَّكت هدى شديد بالحياة حتى الرمق الأخير (إنستغرام الإعلامية)
تمسَّكت هدى شديد بالحياة حتى الرمق الأخير (إنستغرام الإعلامية)
TT

رحيل الإعلامية هدى شديد... الأحلام العنيدة تتكسَّر

تمسَّكت هدى شديد بالحياة حتى الرمق الأخير (إنستغرام الإعلامية)
تمسَّكت هدى شديد بالحياة حتى الرمق الأخير (إنستغرام الإعلامية)

«لقد سلّمته نفسي ولتكُن مشيئته»، هذه العبارة آخر ما ردّدته الإعلامية اللبنانية هدى شديد. رحيلها عن نحو 59 عاماً، في يوم عيد الأم، لم يأتِ مصادفة. يقول أصدقاؤها إنها كانت الأم بحنانها وتعاملها مع الجميع؛ ومنزلها في منطقة التحويطة ببيروت كان بمثابة دار راحة، يقصده الزملاء ليتزوّدوا بالسلام، مُفرغين عند صاحبته الهموم والتعب والمشكلات.

بقيت هدى تصارع المرض حتى الرمق الأخير. كانت تقول عن نفسها: «أنا مقاتلة روحانية له». مهووسة بإخفاء حزنها ودموعها تحت إطلالة مُشرقة دائماً. الغد بالنسبة إليها ظلَّ غير موجود على روزنامة حياتها.

أمضت لحظاتها الأخيرة مُدركةً أنها تودِّع الحياة. يقول طبيبها ناجي الصغير: «بقيت حتى نَفَسها الأخير في وعيها الكامل. كانت متمسّكة بالأمل رغم كل شيء. عانت كثيراً، وكانت أوجاعها المؤلمة تتأتى من انتشار مرض السرطان في الكبد. كنا نخفّفها بحقن المورفين حتى الرمق الأخير. وبين الحقنة والأخرى، كانت تمازحنا وتضحك. وهو أمر نادر جداً لم أصادفه من قبل لدى مرضى هذا الخبيث».

عملت هدى شديد في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب (إنستغرام الإعلامية)

أغمضت عينيها وحولها يرفرف الحبّ الذي زرعته أينما حلّت. كانت تنثره بجرعات كبيرة على كل مَن يعرفها، وهي تردّد دائماً: «بالحبّ وحده يُشفى الإنسان»، فقدمّته على طبق من فضّة إلى الجميع من دون استثناء.

كثّفت هدى شديد إطلالاتها الإعلامية قبل رحيلها، كأنها كانت ترغب في أن تروي عطشها للشاشة حتى الرمق الأخير. ومع إعلاميين أمثال ريكاردو كرم ونايلة تويني، قالت كل شيء ومشت.

عملت الراحلة في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع. دخلت إذاعة «صوت لبنان» عام 1997، ومارست عملها الإذاعي لـ11 سنة متتالية. وعام 2000، انتمت إلى الصرح الإعلامي الذي حلمت بدخوله منذ الصغر وهو جريدة «النهار». أما عملها في تلفزيون «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، فاستمرّت فيه حتى النهاية؛ منذ عام 2007 حتى اليوم.

حقَّقت أكثر من سبق صحافي في مشوارها، وكان اسمها يرتبط مباشرة بالأخبار الإيجابية عن البلد. فكانت تتمسّك بأن تكون أول مَن يُعلنها، وآخرها كان انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون، فتزامن الخبر مع تقديمها برنامجها الحواري «نهاركم سعيد».

هدى شديد مع رئيس مجلس إدارة «إل بي سي آي» بيار الضاهر (إنستغرام الإعلامية)

بقيت هدى شديد تتصدَّر المشهد في نشرات الأخبار مراسلةً للقصر الجمهوري على مدى 30 عاماً. فكرّمها رئيس الجمهورية في حفل أقامه لها فيه، وتوجّه إليها قائلاً: «أنحني أمام قوّتك يا هدى، وما تعيشينه وتمرِّين به بكلّ إيمان ورجاء. لا يمكن لأيّ كلام، أو شهادة، أو تكريم، أن يسمو إلى اختبار أوجاعك بصبر المؤمنين. تقديري لكِ بلا حدود».

يومها، ألقت كلمة مما جاء فيها: «فرحتي اليوم عارمة، وكنت أمضيتُ أكثر من أسبوع أجاهد من أجل أن تكون روحي في هذا التكريم أقوى من مرضي الجسدي. كما رغبتُ بشدّة في أن أحضُر وأنا واقفة على رجلَيّ بدلاً من أن أكون على الكرسي المتحرّك الذي رافقني مؤخراً. وأرغب في استئذانك، فخامة الرئيس، لأقدّم هذه الدرع التكريمية إلى الشيخ بيار الضاهر وأسرة (المؤسّسة اللبنانية للإرسال) التي بقيتُ أحتفل فيها بالحياة».

أما رئيس مجلس إدارة «إل بي سي آي»، بيار الضاهر، فتوَّجها في تلك اللحظة بلقب «هدى الاستثنائية»، ليُشكّل العنوان الذي تصدَّر شاشة المحطة فور رحيلها.

هدى شديد خلال تكريم رئيس الجمهورية جوزيف عون لها (إنستغرام الإعلامية)

أصدرت هدى شديد كتابها «ليس بالدواء وحده» إثر رحلتها الأولى مع المرض وشفائها منه منذ عام 2013 حتى 2015. فروت فيه يومياتها معه ومصارعتها له. وفي أحد أحاديثها الإعلامية، علّقت: «اعتقدتُ بأنّ هذه المرحلة أصبحت ورائي. لكنه عاد إليَّ من جديد قبل سنتين. كنت أدركُ أنه يعيش معي تحت وسادتي. وقد يُفاجئني في أي لحظة ويقتحم جسدي».

وتروي في «بودكاست مع نايلة» أنها حملت الكآبة معها منذ صغرها. وهي في سنواتها الـ6، اضطرت عائلتها لإرسالها إلى ميتم: «الأمر شكّل (تروما) لم أتخلّص منها حتى إصابتي بالمرض للمرة الأولى. أستوعبُ تماماً سبب وضع أهلي لي هناك. كانوا يعيشون مرحلة التهجير بسبب الحرب، ورغبوا في أن أكون بعيدة عن حالتَي اللااستقرار والقلق. عتبتُ يومها على أمي لأنها تخلَّت عني. ولم أتصالح معها ومع الفكرة إلا عندما هاجم المرض جسدي. اليوم، وبعد رحيلها، صرتُ أشعر بقربها مني أكثر. فهي ملاكي الحارس في السماء».

تزوَّجت هدى شديد من زياد سعادة في سنّ الـ21، ولم يدُم زواجها منه سوى 5 أشهر لرحيله إثر معاناته السرطان: «كنتُ أعتقد أني أخذتُ حصتي من هذا المرض، وأنه لن يقترب مني لأني ذقتُ أوجاعه مع زوجي الراحل وعشت أحاسيسه».

وعن ماضيها، كانت تقول: «لا أحبّ تذكُّره لأنه ضجَّ بالكآبة. كنتُ فتاة القرية التي تطمح وتتمنّى، ولكن معظم أحلامها تكسَّرت. لم أستسلم يوماً، وعندما أقع، كنت أستجمع قوّتي لأقف من جديد».

كانت كتاباً مفتوحاً يستطيع أي شخص قراءة شفافيتها وصدقها. عاكستها الحياة كثيراً، لكنها لم تتخلَّ يوماً عن الأمل. تعلّقت به وبقيت حتى اللحظة الأخيرة تبحث وتقرأ عن علاجات للمرض العضال. تحمَّلت المتاعب والمصاعب بصلابة. وعندما فقدت شَعر رأسها لم تتوانَ عن الظهور على الشاشة مرتديةً «إيشارب» لتُخفي رأسها الأصلع. كما تصوَّرت حليقةً ونشرت الصورة عبر وسائل التواصل، مُرفقةً بعبارة: «أخيراً واجهت خوفي... إنها الحرية الحقيقية».

أما الحقيقة الوحيدة التي كانت تعترف بوجودها في الحياة، فهي الموت: «إنه الذي يتّفق عليه الجميع مهما اختلفت أديانهم وانتماءاتهم».

وبعدما انتشر خبر وفاتها مساء 21 مارس (آذار) الحالي، تصدَّر اسمها وسائل التواصل، وأصبحت «الترند» إذ انهمرت كلمات التعزية بها. وكتب رئيس الحكومة نواف سلام يرثيها: «هدى شديد. بعزم لا يلين، وصلابة إيمانها، بصوتها وقلمها ورسالتها تودّعنا اليوم»، مضيفاً: «صبرت على الوجع. غالبت المرض. صرعته مراراً قبل أن يصرعها».

أما زميلتها وصديقتها المقرَّبة جويس عقيقي، فودّعتها تقول عبر منصة «إكس»: «رح تضلّك شقفة من قلبي تتخلص الدني. بحبّك يا هدى القلب وإلى اللقاء يوماً ما».

بدورها، نعتها «إل بي سي آي» في بيان رسمي، واصفة هدى بـ«نبض المؤسّسة في روحها». ومما جاء فيه: «لقد واكبت المؤسّسة على مدى 20 عاماً في ظروف يُقال عنها، أقلّ ما يُقال، إنها صعبة ومحفوفة بالمخاطر. وكانت هدى دائماً في الخطّ الأمامي، لا تأبه بخطر أو تهديد، حتى ولو كاد أن يودي بحياتها. خسرت المؤسّسة هدى، لكن الخسارة الأكبر هي للوطن الذي أحبّته حتى الرمق الأخير، وللمهنة التي كانت الرئة التي تتنفّس منها. نودّع هدى، ونودع معها جزءاً منا».

تُقام الصلاة لراحة نفسها في الأولى بعد ظهر الأحد، 23 الحالي، في كنيسة مار جرجس بوسط بيروت. ثم ينقل جثمانها إلى مسقطها كفريا في زغرتا الشمالية.


مقالات ذات صلة

ماذا تبقّى من ترسانة «حزب الله» العسكرية؟

المشرق العربي آثار الدمار الناتج عن صاروخ أطلقه «حزب الله» باتجاه نهاريا (رويترز)

ماذا تبقّى من ترسانة «حزب الله» العسكرية؟

تثير الصواريخ التي يواصل «حزب الله» إطلاقها منذ قراره الانخراط في حرب إسناد إيران، من حيث كثافتها ونوعيتها، استغراباً واسعاً لدى المراقبين، وخصوصاً في إسرائيل

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي حفارة تزيل الأنقاض من موقع غارة إسرائيلية بحي زقاق البلاط وسط بيروت في أعقاب تصعيد بين «حزب الله» وإسرائيل (رويترز)

لبنان: الجيش الإسرائيلي يستهدف الجسور على نهر الليطاني

كشفت الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، اليوم الأربعاء، عن تنفيذ الجيش الإسرائيلي غارة استهدفت العبّارة الاحتياطية التي تمر فوق نهر الليطاني بمنطقة برج رحال.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود لبنانيون وعناصر من الدفاع المدني يتفقدون مبنى احترق إثر قصف إسرائيلي على قرية مرجعيون جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

لبنان: 912 قتيلاً وأكثر من ألفي جريح حصيلة الغارات الإسرائيلية منذ بدء الحرب

ارتفعت الحصيلة الإجمالية لضحايا القصف الإسرائيلي على لبنان منذ 2 مارس (آذار) الحالي حتى اليوم الثلاثاء إلى 912 قتيلاً و2221 جريحاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستضيف السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

القصة الكاملة لمبادرة التفاوض اللبناني مع إسرائيل… وتحدياتها

لم يعد أمام لبنان الرسمي إلا البحث عن هدنة إنسانية في عيد الفطر، بعد اصطدام المساعي الرامية إلى وقف إطلاق النار في الحرب بجدار التشدد المتبادل.

ثائر عباس (بيروت)
المشرق العربي ثكنة للجيش اللبناني في منطقة صور بجنوب لبنان (قيادة الجيش)

الجيش اللبناني في مرمى الاستهداف الإسرائيلي: 3 قتلى و5 جرحى في يوم واحد

أثار مقتل 3 عسكريين باستهداف إسرائيلي في جنوب لبنان، المخاوف من أن يكون مُقدِّمةً لاستهداف الجيش اللبناني.

كارولين عاكوم (بيروت)

علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
TT

علاج جديد يحد من انتشار سرطان العظام

سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)
سرطان العظام يظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق (جامعة كيس ويسترن ريزيرف)

توصل باحثون من جامعة كيس ويسترن ريزيرف الأميركية إلى نتائج وصفوها بـ«الواعدة»، لعلاج جديد يستهدف الساركوما العظمية، أكثر أنواع سرطان العظام شيوعاً لدى الأطفال والشباب.

وأوضح الباحثون أن هذا العلاج يُمثل خطوة مهمة بعد عقود من محدودية الخيارات العلاجية الفعالة ضد هذا المرض، ونُشرت النتائج، الثلاثاء، في دورية (BMC Medicine).

والساركوما العظمية هي أكثر سرطانات العظام الأولية انتشاراً، ويصيب غالباً الأطفال والمراهقين خلال فترات النمو السريع. وينشأ هذا السرطان في الخلايا المسؤولة عن تكوين العظام، ويظهر عادة في الأطراف مثل عظام الساق أو الذراع.

وعلى الرغم من عدم وضوح أسبابه بدقة، فإنه يرتبط بتغيرات جينية في الخلايا، وأحياناً بعوامل وراثية نادرة. ووفق الباحثين، تكمن خطورته في قدرته على الانتشار إلى أعضاء أخرى، خصوصاً الرئتين، ما يجعل علاجه أكثر تعقيداً. ويعتمد العلاج حالياً بشكل رئيسي على مزيج من الجراحة والعلاج الكيميائي.

ويعتمد العلاج الجديد، المعروف باسم (OSM CAR-T)، على إعادة برمجة الخلايا المناعية لدى المريض لتتعرف على الخلايا السرطانية وتهاجمها وتدمرها بدقة.

ورغم نجاح تقنية هذه التقنية في علاج سرطانات الدم مثل اللوكيميا واللمفوما، فإن فاعليتها ضد الأورام الصلبة مثل الساركوما العظمية كانت محدودة بسبب تعقيد هذه الأورام وتنوع خصائصها.

وتمكن الفريق البحثي من تجاوز هذه العقبة عبر تصميم خلايا مناعية مُعدّلة تسمى (CAR-T) تستهدف بروتيناً يظهر على سطح خلايا الساركوما العظمية، ما يتيح للخلايا المناعية التعرف على عدة مستقبلات في وقت واحد ومهاجمة الورم بفاعلية أكبر.

وأظهرت التجارب المعملية وعلى النماذج الحيوانية نتائج إيجابية، إذ نجحت الخلايا المناعية المُعدّلة في القضاء على خلايا الساركوما العظمية في جميع العينات التي خضعت للاختبار، وقلصت حجم الأورام بشكل ملحوظ. والأهم من ذلك، وفق الفريق، أظهر هذا النهج قدرة العلاج على استهداف الخلايا السرطانية المنتشرة إلى أعضاء أخرى في الجسم، وهي من أخطر مراحل المرض وأكثرها مقاومة للعلاج.

وقالت الدكتورة ريشمي باراميسواران، الباحثة الرئيسية في الدراسة: «العلاجات التقليدية للساركوما العظمية، التي تعتمد على الجراحة والعلاج الكيميائي، لم تشهد أي تطور يُذكر منذ أكثر من 40 عاماً».

وأضافت عبر موقع الجامعة، أن النهج الجديد يفتح الباب أمام علاج موجه يستخدم جهاز المناعة لمهاجمة السرطان، مع احتمالية تحقيق نتائج أفضل وآثار جانبية أقل.

وأشارت إلى أنه من المتوقع أن يبدأ اختبار العلاج في تجارب سريرية خلال العامين المقبلين، وإذا أثبت نجاحه لدى البشر، فقد يوفر خياراً علاجياً جديداً يقلل الحاجة إلى الجراحة، ويمنح أملاً أكبر للمرضى، خصوصاً أولئك الذين يعانون من انتشار السرطان إلى أجزاء أخرى من الجسم.


«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
TT

«كذبة بيضا» تكسر إيقاع الحرب بشريط ذكريات موجع

العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)
العمة والأب والأم في مشهد من المسرحية (مسرح مونو)

لم تستسلم جوزيان بولس، مديرة «مسرح مونو»، أمام واقع حرب يلفّ لبنان من شماله إلى جنوبه. تحدَّت أصوات الصواريخ والانفجارات، ومشهد تشتُّت اللبنانيين، عبر مقاومة ثقافية وفنية، فدعت هواة المسرح إلى حضور العرض الأول من مسرحية «كذبة بيضا». لبَّى الدعوة جمهورٌ ملأ مقاعد صالة «مونو»، مشدوداً إلى مبادرتها، ومعبِّراً عن امتنانٍ لمساحة ضوءٍ تستحدثها وسط ظلمة حرب قاتمة.

وعلى مدى نحو ساعة، تابع الحاضرون عملاً مسرحياً متقناً صاغه الكاتب ألكسندر نجار، وأدَّته على الخشبة مجموعة من الممثلين، من بينهم جو أبي عاد، وجوزيان بولس، ومايا يمِّين، وجاك مارون، وغيرهم. وجاء العمل ضمن مشهدية بصرية لافتة، تتضمن ديكورات تتقاطع مع زمن الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي.

تفاصيل حرب السبعينات حضرت على الخشبة (مسرح مونو)

تتمحور قصة العمل حول الشاب العشريني «جينو» (أنطوني توما)، الضائع بين مصيرين: أحدهما مجهول والآخر موجع؛ فإما أن يغادر البلد لإكمال دراسته بعيداً عن وطأة الحرب، وإما أن ينخرط في ميليشيا تقاتل على الأرض.

وتطرح مخرجة العمل، لينا أبيض، الدوامة نفسها التي يعيشها شباب اليوم، مبرزة تأثير قرارات الأهل على أبنائهم، بما يزيد من ضياعهم، ومسلِّطة الضوء على القرارات المصيرية التي كثيراً ما تُفرَض عليهم من عائلاتهم. فيعيش الحضور تجربة مسرحية تتراوح بين الحنين إلى الوطن وفكرة الصمود رغم كل شيء.

ومنذ اللحظة الأولى لدخول صالة المسرح، حرصت لينا أبيض على إشعار الجمهور بالحقبة التي يدور فيها العمل؛ فكانت أغنيات سبعينات القرن الماضي تصدح في الأرجاء. يخرج صوت كلود فرنسوا تارة، ليلاقيه نجم سبعيني آخر هو جان فرنسوا ميكايل، ما أيقظ مشاعر الحنين لدى الحضور من جيل الحرب، الذين أدركوا أنهم على موعد مع أيامٍ خلت.

موضوع المسرحية يعود إلى سبعينات القرن الماضي، لكنه يقيم مقاربة موضوعية بين ما حدث وما يجري اليوم؛ فالسلام لا يزال مفقوداً في بلد عانى الأمرَّين لأكثر من نصف قرن. وتأخذنا لينا أبيض في رحلة ذكريات تختلط فيها المتعة بالوجع، فتغمر المشاهد بأحاسيس متناقضة.

بالعربية والفرنسية تدور حوارات المسرحية، ناقلةً يوميات عائلة لبنانية تنتمي إلى طبقة رأسمالية؛ فالأب والأم يخططان لمستقبل ابنهما ليتسلَّم إدارة المصنع الذي يملكانه، فيما تحاول العمة تقريب وجهات النظر بينهما وبين الابن الشاب الذي يحلم بأن يصبح مغنياً. وفي نهاية المطاف، يتفق الجميع على أن سفره هو الحل الأفضل، إذ لا يرغبون في أن يقاتل ويعود إليهم في صندوق خشبي.

بطل العمل أنطوني توما أعاد الحضور بأغنياته إلى زمن السبعينات (مسرح مونو)

يوهم «جينو» والديه بأنه غادر إلى آسكوتلندا، لكنه في المقابل يلتحق بالمقاتلين في ثكنة تقع على خطوط التماس في منطقة السوديكو. هناك نتابع إيقاع يوميات المقاتلين وما يتعرضون له من مخاطر، كما نتعرَّف إلى القنَّاص الذي يتلذذ باصطياد الناس في بيوتهم من سكان الحي الغربي لمنطقتهم، وكذلك إلى الممرضة الفرنسية المتطوعة لمساعدة جرحى الحرب.

تستعيد مشاهد «كذبة بيضا» تفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية، فتعود بنا إلى الألقاب التي كان يحملها المقاتلون لتكون أسماء تمويهية لهم، مثل: «راسبوتين»، و«أسبيرين»، و«العميد»، و«شاكوش»، إضافة إلى «أزنافور»، وهو الاسم الحركي للشاب «جينو».

كما تستحضر لينا أبيض متاريس الرمل، التي كانت تفصل بين شارع وآخر، وانقطاع التيار الكهربائي والأدوية، وتعيد إلى الذاكرة أسلوب التواصل مع المغتربين اللبنانيين عبر رسائل البريد والتسجيلات الصوتية، التي كانت تُرسل إلى بلاد الاغتراب لتشكِّل، آنذاك، صلة التواصل الوحيدة بين المقيمين والمغتربين.

وكما الانفجارات وأزيز الرصاص المنتشر في الأجواء، نستعرض خسائر الحرب البشرية والمادية. ويتردد في الآذان صوت المذيعة في نبأ إخباري: «مكتب التحرير في خبر جديد». كما يستمع الحضور إلى قصة أحد المقاتلين، وكيف خسر ابنه وزوجته في 26 يونيو (حزيران) عام 1975 على خطوط التماس، فقرَّر الانتقام لهما عبر التحاقه بإحدى الميليشيات، حيث صار يملك سلطة منع أي شخص من دخول منزله والدوس على ذكرياته المحروقة.

تضع المسرحية إصبعها على الجرح عندما يتحدث المقاتلون عن الإحباط، وعن عالمٍ نسي لبنان وتركه يواجه مصيره وحيداً من دون أي مساعدة.

يصدح صوت أنطوني توما بأغنيات السبعينات، منها «لا بوهيم» لشارل أزنافور، و«يسترداي» لفرقة البيتلز، و«Je lui dirai des mots bleus» للمغني الفرنسي كريستوف، موقظاً مشاعر مختلطة لدى الحضور، بعدما أعادهم إلى حقبة أليمة محفورة في ذاكرتهم.

«كذبة بيضا» من تأليف ألكسندر نجار وإخراج لينا أبيض (مسرح مونو)

يبقى شريط الذكريات حاضراً طوال العرض، ويستوقف الجمهور مشهد العمة «ريموند» التي نمَّت موهبة «جينو» عندما كانت تشتري له مجلة «Salut les copains»، فتعود بالذاكرة إلى جيلٍ كان يبني أحلامه الفنية على مجلات فرنسية لمواكبة تطورات الساحة الفنية بطريقته الخاصة.

في «كذبة بيضا»، لا يروي ألكسندر نجار قصة الشاب «جينو» فحسب، بل يفتح الباب على حكايات جيلٍ بأكمله تكسَّرت أحلامه، وبقيت جروح الحرب ندوباً في ذاكرته.

حاول نجار أيضاً تلوين القصة بمواقف مضحكة تخفف من وطأة الأحداث، إلا أنه حافظ في الوقت نفسه على إبراز شعب أتعبته الحروب، فبدا منهكاً وضائعاً بين خيارين لا يقلُّ أحدهما قسوة عن الآخر، ليُقنع نفسه في النهاية بأنه بخير، مكتفياً بما يشبه «كذبة بيضاء» لا أكثر.


 مصر لتوثيق المواويل والرقصات الشعبية رقمياً

الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)
الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)
TT

 مصر لتوثيق المواويل والرقصات الشعبية رقمياً

الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)
الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية (وزارة الثقافة)

يحتفل المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية بمصر بـ«اليوم المصري للفنون الشعبية» عبر فعاليات تحتفي بتوثيق كنوز الفنون الشعبية المصرية على منصات المركز، وبث تسجيلات مرئية لهذه الفنون ومنها: «الأغنية الشعبية المصرية، والرقص الشعبي المصري، وفن الموال الشعبي، والفنون الشعبية في سيوة، وعاشق المدّاحين (عبد الرحمن الشافعي)».

وتأتي هذه الاحتفالية التي تواكب 18 مارس (آذار) في إطار جهود وزارة الثقافة لتأكيد الهوية المصرية، وتم اختيار هذا اليوم للاحتفال بـ«اليوم المصري للفن الشعبي» ليواكب ذكرى ميلاد الفنان الراحل محمود رضا الذي أسس مدرسة رائدة في استلهام الفنون الشعبية وقدمها للعالم عبر «فرقة رضا» وفق بيان للمركز القومي للمسرح.

وتمكنت فرقة رضا من ترسيخ حضورها في الفن الشعبي المصري من خلال مجموعة كبيرة من الرقصات والأغاني الشعبية المستوحاة من حياة المصريين في الدلتا والصعيد والساحل والصحراء، وشاركت الفرقة في مجموعة من المهرجانات الفنية خارج مصر، كما شاركت في عدد من الأفلام السينمائية مثل «أجازة نص السنة» و«غرام في الكرنك» و«حرامي الورقة» و«وا إسلاماه».

ويجسد الاحتفال باليوم المصري للفنون الشعبية «قيم الأصالة والتفرد في الثقافة المصرية، ويؤكد أن الفنون الشعبية ليست مجرد تراث محفوظ، بل هي لغة حية تعكس وجدان الأمة وتاريخها المشترك عبر الأجيال. وفق مدير المركز القومي للمسرح المخرج عادل حسان، موضحاً أنه ضمن برنامج الاحتفال باليوم المصري للفن الشعبي، الإعلان عن نتائج مسابقة زكريا الحجاوي لدراسات الفنون الشعبية، والتي اعتمدها المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح، وتهدف إلى تشجيع البحث العلمي وصون التراث الثقافي. واعتبر حسان هذه المناسبة، وهذا اليوم علامة مضيئة في الذاكرة الوطنية، ورسالة تؤكد أن الفن الشعبي هوية حية تتجدد وإبداع لا ينطفئ.

جانب من استعراضات فرقة رضا (وزارة الثقافة)

وتضم مصر مجموعة من فرق الفنون الشعبية في محافظات مختلفة، بالإضافة إلى الفرقة القومية للفنون الشعبية، وتبني هذه الفرق استعراضاتها وأغانيها على التراث الشعبي في كل أنحاء مصر عبر بيئاتها المختلفة، ومن الأغاني والاستعراضات المهمة التي اشتهرت بها بعض هذه الفرق «الحجالة» و«المراكبي» و«الأقصر بلدنا» وغيرها من الأعمال.

وسبق أن أعلنت وزارة الثقافة المصرية عن مشروع لتوثيق تراث فرقة رضا بقيادة سليم سحاب ويشمل المشروع أيضاً إعادة تدوين النوت الموسيقية والبارتيتور لأعمال فرقتي رضا والقومية للفنون الشعبية، وتوزيعها توزيعاً أوركسترالياً حديثاً يوسع من أفقها الصوتي، مع الحفاظ التام على الطابع اللحني والتوزيع الأصلي.

وكان قد تقرر إعادة تسجيل الأغاني والمقطوعات الموسيقية بجودة صوتية عالية وبمرافقة أوركسترا حية، لضمان الحفاظ على الذاكرة السمعية لهذا التراث، إلى جانب تنظيم ورش فنية للعناصر المشاركة تجمع بين الطابع الشعبي والانضباط الأكاديمي، ما يتيح تقديم عروض ترتقي إلى المستوى الدولي.

ومن بين الفنون الشعبية التي يحتفي بها المركز والاحتفالية السنوية باليوم المصري للفنون الشعبية فن الموال الذي برع فيه العديد من المطربين الشعبيين من بينهم محمد عبد المطلب ومحمد طه الملقب بـ«ملك الموال» وحفني أحمد حسن وشفيق جلال ومتقال القناوي.