«مدفع رمضان» تقليد صوتي ظل محفوراً في ذاكرة الأجيال

يُستخدم بوضع البارود وقطع الخيش داخل المدفع ودكّها بقوة

ارتبطت مجموعة من المدن السعودية بصوت المدفع في ليالي شهر رمضان (واس)
ارتبطت مجموعة من المدن السعودية بصوت المدفع في ليالي شهر رمضان (واس)
TT
20

«مدفع رمضان» تقليد صوتي ظل محفوراً في ذاكرة الأجيال

ارتبطت مجموعة من المدن السعودية بصوت المدفع في ليالي شهر رمضان (واس)
ارتبطت مجموعة من المدن السعودية بصوت المدفع في ليالي شهر رمضان (واس)

مع اقتراب موعد رفع أذان المغرب في ايام رمضان، تخلوا شوارع الرياض القديمة من مرتاديها، ويلتقي الجميع على سفرة الإفطار في انتظار سماع صوت المدفع، الذي يتم تجهيزه بالذخيرة الصوتية في 4 مواقع من أحياء الرياض القديمة، ومع إطلاق المدفع يدوي الصوت في الأرجاء، ويشرع الصائمون في الإفطار.

هذه ملامح الأجواء التي عاشها أهالي وسكان العاصمة السعودية، لسنوات طويلة، وذكريات ربطتهم بصوت المدفع الرمضاني، الذي كان يدوّي صوته عند الفطور والسحور في كل يوم من الشهر الفضيل.

يحكي الباحث منصور الشويعر عن ذكريات السكان والأهالي مع المدفع، قائلاً إنه ومع اقتراب حلول شهر رمضان، يتولى الجنود في عهد الملك عبد العزيز نقل المدفع من قصر الحكم وسط الرياض، إلى موقع مرتفع وتجهيزه للاستخدام.

قلعة المرقب في مدينة الرياض‏ عام 1364هـ 1945م (دارة الملك عبد العزيز)
قلعة المرقب في مدينة الرياض‏ عام 1364هـ 1945م (دارة الملك عبد العزيز)

وينقل الشويعر عن المؤرخ أحمد الكاظمي، طبيعة الأجواء الاجتماعية التي كانت تحتفي بتجهيز المدفع الرمضاني، حيث كان الجنود ينقلون المدفع من قصر الحكم، وأثناء ذلك يتحلق حولهم الصبيان، الذين يزفّونه بترديد الأناشيد، وهم في طريقهم إلى خارج البلدة أو خارج سور الرياض القديمة، حيث موقعه فيما يسمى «البطحاء» الآن، مشرفاً على المدينة.

ويواصل الشويعر، «يقوم الجنود والمدفعجية بتجهيزه استعداداً لإعلان ثبوت دخول الشهر، ومع ثبوت الرؤية تُطلق المدافع إعلاناً بدخول الشهر، ويستمر عملها طوال ليالي شهر رمضان، حيث يطلق مرة عند الفطور وأخرى عند السحور».

وتأتي عملية إطلاق المدفع من خلال جمع الخيش (نوع من النسيج القماشي يستخدم عادة في الخيم والأشرعة والحقائب وغيرها) وتقطيعه ثم وضع البارود داخل أنبوب المدفع وسدها بقطع الخيش، ثم دكها بقوة حتى تستقر به، بعد ذلك يقوم المسؤول عن المدفع بانتظار مؤذن الجامع، وعندما يدخل موعد الأذان يشعل الفتيل فيثور المدفع محدثاً صوتَ انفجار قوي يسمعُ دويَّه أغلبُ السكان في ذلك الوقت

ويذكر الشويعر أن المؤرخ الكاظمي، أورد في كلامه أن المدفع المستخدم في عهد الملك عبد العزيز، يسمى المدفع التاريخي، ويرجح الشويعر أنه المدفع الذي استخدم في آخر عهد الإمام فيصل بن تركي في الدولة السعودية الثانية.

كان الجميع يلتقي على سفرة الإفطار في انتظار سماع المدفع (واس)
كان الجميع يلتقي على سفرة الإفطار في انتظار سماع المدفع (واس)

وبعد ذلك تطور استخدام المدفع الرمضاني في الرياض، تبعاً لتوسع المدينة، وتم استحداث تقنيات جديدة، وأضاف الشويعر، أن المدفع استخدم في 4 مواقع في الرياض، وهي (ظهرة منفوحة)، وقلعة (المرقب) وعند (جبل أبو مخروق) في حي الملز وسط مدينة الرياض، ورابع في شمال الرياض، لكن لم يضبط موقعه بالتحديد.

ويتابع الشويعر: «كانت المدافع الرمضانية في الرياض، تطلق في وقت متزامن عند دخول وقت الفطور وعند السحور، وكان أبرز القائمين عليه شخصاً اسمه حسين المدفعي، ثم شعيب الدوسري».

ويستعيد الشويعر قصة شكوى جيران قلعة المرقب من شدّة دويّ المدفع الرمضاني، وذلك في عهد الملك سعود بن عبد العزيز؛ وبناءً عليه تم نقله إلى موقع آخر، بحيث لا يتسبب في أذى أو ضرر لأي من سكان المدينة، مشيراً إلى أن آخر استخدام المدفع الرمضاني في الرياض كان بين عامي 83 و84 للهجرة.

ولم تكن الرياض وحدها، التي ارتبطت مع صوت المدفع في ليالي شهر رمضان، بل كان الأمر تقليداً متبعاً في عدد من المدن السعودية الرئيسية، حيث دوّى مدفع رمضان من أعالي الجبال وأسطح المواقع المرتفعة في السعودية، معلناً قدوم الشهر الكريم ووداعه بفرحة العيد، في تقليد ظل محفوراً في ذاكرة الأجيال.

يشار إلى أن هذا التقليد الرمضاني، بدأ عام 859 للهجرة، وكانت القاهرة ودمشق من أوائل المدن التي ذُكر فيها استخدام مدفع رمضان وذلك في العصر المملوكي.

وفي عام 1282 للهجرة، عرفت مدينة الرياض مدفع رمضان في فترة حكم الإمام فيصل بن تركي، وكان يطلق من أعلى قلعة المرقب، وفي عام 1340 للهجرة، أوكل الملك عبد العزيز آل سعود، مهمة إطلاق المدفع في الرياض لشعيب بن عبد الرحمن الدوسري.

وتوقفت أغلب المدافع الرمضانية تباعاً، وفي عام 1435 للهجرة، توقف مدفع رمضان في مكة المكرمة، بعد أكثر من 50 عاماً من مسيرة إطلاقه من أعلى قمة جبل المدافع والمطل على حي جرول.


مقالات ذات صلة

جوليا قصّار لـ«الشرق الأوسط»: الكيمياء بين ممثل وآخر منبعُها سخاء العطاء

يوميات الشرق في فيلم «نهاد الشامي» تُجسّد جوليا قصّار شخصية الحماة المتسلّطة (إنستغرام)

جوليا قصّار لـ«الشرق الأوسط»: الكيمياء بين ممثل وآخر منبعُها سخاء العطاء

ترى جوليا قصّار أنّ مشاركة باقة من الممثلين في المسلسل أغنت القصّة، ونجحت نادين جابر في إعطاء كل شخصية خطّاً يميّزها عن غيرها، مما ضاعف حماسة فريق العمل.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق حسن عسيري خلال استضافته المطرب إيهاب توفيق (الشرق الأوسط)

حسن عسيري يستحضر حسَّه الكوميدي في برنامجه «بروود كاست»

في حواره مع «الشرق الأوسط» تحدّث الفنان والمنتج السعودي حسن عسيري عن كواليس برنامجه «بروود كاست».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

انتهت مسلسلات رمضان وبقيت تتراتها عالقة في الأذهان

من مصر إلى لبنان وسوريا مروراً بالخليج، جولة على أكثر أغاني المسلسلات جماهيريةً واستماعاً.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق العمل أهلٌ بتصنيفه بين الأفضل (البوستر الرسمي)

«بالدم»... مخاطرةٌ رابحة مع ملاحظات ضرورية

العمل لم ينل التنويه لمجرّد عواطف وطنية، فذلك مُعرَّض لأنْ تفضحه ثغر ويدحضه افتعال. أهليته للإشادة به مردُّها أنه أقنع بكثير من أحداثه، ومنح شخصيات قدرة تأثير.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين صبري ونيكولا معوض في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

هل استطاعت ياسمين صبري الخروج من عباءة «الفتاة الأنيقة» درامياً؟

قدَّمت الفنانة المصرية من خلال العمل شخصية «زينب»، الفتاة التي تقع ضحية لزوجها النرجسي، المحامي «أسامة».

أحمد عدلي (القاهرة)

جهاز ذكي في الأذن يرصد الحالة الصحية للجسم

حوَّل الباحثون سماعات الأذن البسيطة لأداة تقيس المؤشرات الصحية (معهد كارلسروه للتكنولوجيا)
حوَّل الباحثون سماعات الأذن البسيطة لأداة تقيس المؤشرات الصحية (معهد كارلسروه للتكنولوجيا)
TT
20

جهاز ذكي في الأذن يرصد الحالة الصحية للجسم

حوَّل الباحثون سماعات الأذن البسيطة لأداة تقيس المؤشرات الصحية (معهد كارلسروه للتكنولوجيا)
حوَّل الباحثون سماعات الأذن البسيطة لأداة تقيس المؤشرات الصحية (معهد كارلسروه للتكنولوجيا)

طوّر باحثون من معهد كارلسروه للتكنولوجيا (KIT) في ألمانيا، منصة مفتوحة المصدر (OpenEarable)، يمكنها دمج العديد من المستشعرات في سمّاعات أذن لاسلكية بهدف تحسين قياسات الصحة وتطبيقات السلامة في مجالات الطب والصناعة والحياة اليومية.

ووفق العرض المقدم من قبل الفريق البحثي في معرض هانوفر للتقنية، الذي أقيم في الفترة من 31 مارس (آذار) إلى 4 أبريل (نيسان) 2025، تُمكِّن المنصة مفتوحة المصدر لتطبيقات أجهزة الاستشعار القائمة على الأذن، المطورين من إنشاء برامج مخصصة.

وبفضل مجموعة فريدة من المستشعرات، يُمكن قياس أكثر من 30 مؤشراً فسيولوجياً مباشرةً على الأذن، بدءاً من معدل ضربات القلب وأنماط التنفس وصولاً إلى مستويات التعب والإرهاق ودرجة حرارة الجسم.

وعلى الرغم من أن التقنيات القابلة للارتداء مثل الساعات الذكية، وأجهزة تتبع اللياقة البدنية، والنظارات المرتبطة بقواعد البيانات، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فهي تُسجِّل بياناتنا الصحية، وتراقب نومنا، وتحسب استهلاكنا من السعرات الحرارية، فإن كثيراً من الأنظمة الحالية إما أنها مملوكة من قِبل آخرين، وبالتالي هي غير قابلة للتطوير المفتوح المصدر، أو أن قدراتها على القياس محدودة.

قال الدكتور توبياس روديغر من مجموعة أبحاث «تيكو» (TECO) التابعة لمعهد كارلسروه للتكنولوجيا: «كان هدفنا ابتكار حلٍّ تقني مفتوح المصدر وعالي الدقة لمراقبة الحالة الصحية للجسم، يتجاوز بكثير ما هو مُتاح في الأجهزة التجارية القابلة للارتداء اليوم».

وأضاف في بيان صادر الجمعة: «إن توفر OpenEarable 2.0 منصة للباحثين والمطورين سهلة التخصيص والتوسع في إنتاج تطبيقات تخدم مختلف المجالات، مما يسمح لهم ببرمجة سمَّاعات الأذن بشكل فردي لتلبية متطلبات محددة».

وتابع: «بفضل سهولة الوصول إليها، تُعزز المنصة التعاون وتطوير المزيد من الابتكارات».

ووفق الباحثين فإن سمَّاعات الأذن المزودة التي طُوّرت بمجموعة واسعة من المستشعرات: «على سبيل المثال، تكتشف ميكروفونات متعددة، اهتزازات الجمجمة لتسجيل أدق تفاصيل عملية تناول الطعام. كما تُستخدم للتعرف على الكلام في البيئات الصاخبة؛ ويمكن لمستشعرات الحركة اكتشاف احتمالات التعرض للسقوط، وتقيس المستشعرات الحيوية مؤشرات الصحة مثل درجة تشبُّع الأكسجين ودرجة حرارة الجسم.

وأوضح روديغر: «إن وضع المستشعرات على الأذن مثالي لإجراء قياسات دقيقة. تسمح لنا الأذن بالتقاط العديد من الإشارات المهمة التي يصعب الوصول إليها في أي مكان آخر في الجسم».

ووفق الدراسة تتواصل سماعات الأذن اللاسلكية عبر تقنية بلوتوث (LE Audio)، وهي نسخة موفِّرة للطاقة من تقنية نقل البيانات اللاسلكية. وتُعالج البيانات المجمعة وتُحلَّل آنياً عبر تطبيق جوال ولوحة تحكُّم متصلة بالويب.

ووفق نتائج الاختبارات التي أُجريت على التقنية الجديدة تتجاوز إمكانات (OpenEarable 2.0) جرد التطبيقات المختبرية. فقد أجرى العلماء دراسات عدّة للتحقق من دقة منصتهم وموثوقيتها.

وهو ما يعلِّق عليه روديغر: «وُجد أن المنصة تلتقط البيانات الفسيولوجية بدقة وموثوقية عاليتين، وأن قياساتها تُعطي نتائج أكثر دقة من القياسات القياسية المُعتمدة».

وبالتالي، يُمكنها المساهمة في الكشف المُبكر عن الأمراض عبر التشخيص الطبي، وتعزيز السلامة في القطاع الصناعي، ودعم الرياضيين من خلال توفير تحليل مُفصل للأداء، وفق روديغر، الذي شدَّد على أنه «مع OpenEarable 2.0، لا يقتصر دورنا على تحسين الوضع الحالي لتكنولوجيا الأجهزة القابلة للارتداء فحسب، بل نفتح أيضاً مجالات تطبيقية جديدة تماماً، مثل تطوير أجهزة قابلة للارتداء ذات قيمة مضافة حقيقية في المجال الطبي».