أنجو ريحان... تعدّدت الشخصيات والإبداع المسرحيّ واحد

الممثلة اللبنانية تصنع ويحيى جابر النجاح المدوّي لـ«مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»

الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)
الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)
TT

أنجو ريحان... تعدّدت الشخصيات والإبداع المسرحيّ واحد

الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)
الممثلة اللبنانية أنجو ريحان (صور الفنانة)

منذ كانت طالبة تتنقّل يومياً من الجنوب إلى بيروت بالحافلات وسيارات الأجرة قاصدةً «معهد الفنون» في الجامعة اللبنانية، أيقنت أنجو ريحان أنّ حلمها يستحقّ مشقّة الطريق. شابةً؛ خرجت من شرنقة القرية وتحدّت المسافات؛ لأنها أرادت أن تصير ممثلة.

لم تكن البدايات واضحة المعالم، فتعثّرت مراتٍ ومرات. لكن الذي يراها اليوم على خشبة المسرح، يدرك من المشهد الأول أنّ أنجو وجدت الطريق ومشَته بثقة. في «مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»، المسرحيّتَين ذَوَاتَيْ العروض المتواصلة على مسارح لبنان وعددٍ من الدول العربية وبلاد الانتشار، تملأ أنجو ريحان الخشبة من أقصاها إلى أقصاها. وحيدةً على المسرح، هي وَلّادةُ شخصيات. تنفح فيها الروح وتتنقّل بينها بخفّةِ نسمة.

بين مسارح لبنان والعالم العربي ودول الانتشار تجول مسرحيّتا «مجدّرة حمرا» و«شو منلبس»... (صور ريحان)

«أنجو ريحان قبل (مجدّرة حمرا) ليست أنجو ريحان بعد تلك المسرحيّة». تُقرّ الممثلة في حوارها مع «الشرق الأوسط» بأنّ هذا العمل المستمرّ منذ 6 سنوات، شكّل نقطة تحوّل في مسارها... «قبل تلك المسرحيّة، صوتٌ ما في داخلي كان يخبرني بأنني لم أُعطِ بعد كل ما أملك تمثيلاً»، تقول ريحان.

يوم أتى يحيى جابر، الكاتب والمخرج المسرحيّ اللبنانيّ المسكون بحكايات الناس ويسكبها على الورق، لمحَ في أنجو بريقاً لم ترَه هي. حرّضها على الصعود إلى الخشبة. عاندَته لسنوات قبل أن ترضخ لقدرِها الذي لا مفرّ منه؛ المسرح. كانت البداية قبل 9 أعوام في مسرحيّة «اسمي جوليا». منذ التعاون الأول، اتّضحت صورة الشراكة بين ريحان وجابر: أداءٌ مسرحيّ منفرد يمزج بين الدراما والكوميديا، ويتأرجح بين فنّ «الحكواتي» و«الاستاند أب». تكمن خصوصية هذا المسرح كذلك، في أنه يُحاكي الجمهور على اختلاف هوياته الفكريّة والاجتماعية.

الشراكة الفنية بين ريحان والكاتب والمخرج يحيى جابر مستمرة منذ أكثر من 9 سنوات (إنستغرام)

في «مجدّرة حمرا»، أنجو هي 3 نساء في امرأة واحدة؛ «مريم»، و«فاطمة»، و«سعاد». تتداخل حكاياتهنّ لتَرويَ معاناة الأنثى مع سطوة الذكَر وتعنيفه. أنجو هي «مريم» العصريّة المتحرّرة حيناً، و«فاطمة» القرويّة خفيفة الظلّ أحياناً، ليبلغ الأداء الدرامي ذروته في شخصية «سعاد» التي أمضت عمرها صامتةً عمّا تتعرّض له من تعنيف على يد زوجها. وتُفرد الحكاية مساحةً كذلك لشخصياتٍ ذكوريّة ثانويّة تبرع الممثلة في تقمّصها.

توظّف ريحان كل أدواتها التمثيلية خدمةً لشخصياتها؛ من إيماءات الوجه، إلى نبرة الصوت، مروراً بالحركات الجسمانيّة. لكلِ شخصيةٍ تركيبتُها، والتنقّل بينها يشكّل تحدياً مسرحياً كبيراً؛ «لأنه يستوجب التحضير لشخصيات عدّة واختراقها وتجسيدها جسداً وصوتاً وحكاية». لهذه الغاية؛ تستعين ريحان بقدراتها التخيّليّة فترسم في ذهنها صورةً واضحة لكلٍ من بطلاتها وأبطالها... تمنحهم وجوهاً وأجساداً واضحة المعالم، ويحدث أن تحييَ فيهم أشخاصاً حقيقيين عبروا في حياتها.

توظّف أنجو ريحان كل أدواتها التمثيلية خدمةً لشخصياتها (صور ريحان)

«علّمني يحيى ألّا أقدّم شيئاً باستخفاف، وألّا أصل إلى مرحلةٍ أظنّني فيها ملكتُ المسرح». انسكبت نصائح المخرج الصديق فوق قالبٍ متينٍ لممثلةٍ مجتهدة بطبيعتها. «رغم مرور 6 سنوات على العرض، فإنني لم أشعر مرةً بالملل أو التكرار»؛ تؤكد ريحان. وتكشف أنه لا يكاد يمرّ يوم من دون أن تعيد نص المسرحية كاملاً في رأسها: «أنا لا أحفظ النص؛ بل هو يسكنني. وكلّما حلّ موعد عرضٍ جديد، شعرتُ بالقلق والرهبة وتساءلتُ: ماذا أستطيع أن أضيف لنفسي وللجمهور؟».

من فوق الخشبة وهي منغمسة في أدوارها المتعدّدة، يحلو لأنجو ريحان أن تراقب مَن أتوا ليشاهدوها. تَحيك حبلاً يربطها بهم. تَراهم يدمعون ثم تستقبل ضحكاتهم بفرح. تؤمن بأنّ المسرح مساحةٌ للتلاقي والتبادل الروحيّ: «بمجرّد أن تفتح المسرحيّة نافذة في ذكريات المتلقّي أو في قلبه، فهي تكون قد خرجت من إطارها المحَلّي وسمحت للمُشاهد، أياً كان انتماؤه، بأن يتماهى مع القصة».

إلى الإمارات وكنَدا وأفريقيا، وقريباً إلى الأردن وقطر، تحمل ريحان لهجتها الجنوبيّة وحكايات نساءِ بلادها. هي ابنةُ بيئتها، ولعلّ في ذلك أحد مفاتيح نجاحها. في «شو منلبس»، تجسّد الطفلةَ الباحثة عن هويتها الحقيقية حاملةً ذنوب أبوَيها، ثم تتحوّل إلى امرأةٍ مُثقلة بموروثات العائلة والمجتمع والجسد والحروب... «كلُ شخصٍ باحثٍ عن جذوره وطريقه في الحياة، لا بدّ من أن يجد له انعكاساً في تلك الحكايات، مهما كانت لهجته أو جنسيته».

استغرقت كتابة «شو منلبس» 4 سنوات، كانت ريحان خلالها شريكةً في إعداد النص. تخبر كيف أنّ جابر يمنح ممثّليه هامشاً لإعادة صياغة الأفكار على طريقتهم، مما يخدم الأداء المسرحيّ؛ «سكبتُ كثيراً من روحي في (شو منلبس)، فاسترجعتُ مشاهد طفولتي، واعتقال أبي على يد الإسرائيليين، ووفاة والدتي بالسرطان». يتداخل الشخصيّ بالفنّي في هذه المسرحيّة، التي شكّلت مخاضاً صعباً بالنسبة إلى ريحان، وكأنّها صعدت بها إلى الخشبة هرباً من مواجهة نفسها... لكن عندما حانت لحظة العرض الأول، تركت دموعها فوق الورق ووقفت واثقة أمام الجمهور.

لم تأتِ تلك الثقة بفعل المثابرة والتمرين المكثّف والتعب اليوميّ فحسب؛ بل هي جرعةٌ تتلقّاها ريحان من جابر بعد كل عرض... «جميلٌ ألّا يخبّئ المؤلّف والمخرج تقديره للممثّل وإعجابه بأدائه. وهذا ضاعف من مسؤوليتي، خصوصاً أنّ يحيى يتعامل مع مسرحياته بعناية كبيرة، ومع الجمهور باحترامٍ قلّ مثيله».

من مسرحية «شو منلبس» التي تتداخل فيها سيرة ريحان بالنص المسرحي (صور ريحان)

اليوم، وبعد مرور نحو عقدٍ على الخشبة، بات باستطاعة أنجو ريحان القول: «يمكنني العيش من المسرح، على المستويَين المادّي والجماهيري». تحكي بطمأنينةِ مَن وجدَ شغفه وما عاد يبحث عن ضالّةٍ أخرى. لكنّ ذلك لا يعني أنها لا تريد تكرار التجربة الدراميّة. فهي لمعت في مسلسلاتٍ مثل «صالون زهرة»، و«كريستال»، و«وأخيراً»، وأبوابها مشرّعة لمزيدٍ من الخبرات التلفزيونيّة؛ «شرط أن يكون الدور المقبل ذا آفاق واسعة ويفرد مساحةً لكل الأدوات الدراميّة التي بتُّ متمكّنة منها أكثر».

كان لأنجو ريحان مرور مميّز في مسلسل «صالون زهرة»... (إنستغرام)

في انتظار التجربة التلفزيونية المقبلة، تستعدّ ريحان لمسرحيةٍ ثالثة من تأليف يحيى جابر وإخراجه من المفترض أن ينطلق عرضها في الربع الأخير من السنة. في الأثناء، يتواصل عرض «شو منلبس» و«مجدّرة حمرا» إلى أجلٍ غير مسمّى.

كل تلك الانشغالات الفنية لا تقف عائقاً أمام تطوّر ريحان الأكاديمي، فهي على مشارف تقديم رسالة ماجستير تبحث «إعداد الممثل». في تلك المثابرة استذكارٌ دائم لبداياتها طالبةً كانت تستقلّ الحافلة وسيارات الأجرة يومياً لساعات، حالمةً بأن تحفر اسمها يوماً على خشبة المسرح.


مقالات ذات صلة

«ديو» دنيا وإيمي سمير غانم لأول مرة في المسرح يخطف الاهتمام

يوميات الشرق دينا وإيمي سمير غانم تستعدان للعمل معاً مجدداً (إنستغرام)

«ديو» دنيا وإيمي سمير غانم لأول مرة في المسرح يخطف الاهتمام

فور الإعلان عن اجتماع الفنانتين دنيا وإيمي سمير غانم في عمل مسرحي قريباً، تصدرت تفاصيل العرض «الترند».

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق عروض المسرح بمصر شهدت إقبالاً لافتاً في العيد (وزارة الثقافة)

مصر تحتفل باليوم العالمي للمسرح عبر تكريم رموزه واستعادة تاريخه

تحتفل مصر بـ«اليوم العالمي للمسرح» عبر فعاليات متنوعة وتكريمات، واستعادة لتاريخ المسرح المصري والعالمي، وسط حالة من الانتعاش التي يشهدها المسرح حالياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق دار الأوبرا المصرية تعدل مواعيد حفلاتها (دار الأوبرا)

تداعيات الحرب الإيرانية تتسبب في تغيير فعاليات فنية بمصر

شهدت فعاليات فنية في مصر تغييرات في مواعيد إقامتها المعلن عنها مسبقاً بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق من الإعلان الترويجي للمسرحية (يوتيوب)

«ما تصغروناش»... مسرحية كوميدية عن طفولة تُولد بعمر الشيخوخة

احتضن المسرح العربي في جدة العرض المسرحي المصري «ما تصغروناش» على مدار 3 ليالي عرض رفعت شعار «كامل العدد».

أحمد عدلي (القاهرة)

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.