بمقتنيات من الحرمين الشريفين ومؤسسات عالمية... جدة تستقبل النسخة الثانية لـ«بينالي الفنون الإسلامية»

تحت عنوان: «وما بينهما»

أحد الأعمال المعاصرة ضمن قسم «المظلة» في بينالي الفنون الإسلامية (الشرق الأوسط)
أحد الأعمال المعاصرة ضمن قسم «المظلة» في بينالي الفنون الإسلامية (الشرق الأوسط)
TT

بمقتنيات من الحرمين الشريفين ومؤسسات عالمية... جدة تستقبل النسخة الثانية لـ«بينالي الفنون الإسلامية»

أحد الأعمال المعاصرة ضمن قسم «المظلة» في بينالي الفنون الإسلامية (الشرق الأوسط)
أحد الأعمال المعاصرة ضمن قسم «المظلة» في بينالي الفنون الإسلامية (الشرق الأوسط)

في مساء لطيف النفحات بمدينة جدة عروس البحر الأحمر أُطلقت النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية، بحضور كثيف جمع زواراً من كل أنحاء العالم الذين تناثروا في المساحات الخارجية الواسعة لصالة الحجاج الغربية، في انتظار فتح قاعات العرض وانطلاق رحلات الدهشة والاكتشاف. وبعد حفل قصير انطلق بالنشيد الوطني السعودي، وكلمات افتتاحية لراكان الطوق مساعد وزير الثقافة السعودي، وآية البكري الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بينالي الدرعية»، انتظم الزوار في صفوف أمام القاعات المختلفة التي توزعت عليها المعروضات.

وعد المنظمون زوار النسخة الثانية من البينالي بالكثير من الجمال والمتعة والثقافة، وبتذوق جرعة مركزة من كل ما جادت به الثقافة الإسلامية عبر العصور. وبعد زيارة قاعات البينالي يمكن القول إن القيّمين على الحدث العالمي الضخم قد أوفوا بوعدهم، ونجحوا في تسجيل النسخة الثانية من البينالي كأكبر محفل للفنون الإسلامية في العالم. وهي ليست مبالغة؛ فهو أول «بينالي» في العالم يختص بالفنون الإسلامية قديمها وحديثها.

 

«وما بينهما»

 

خلال الندوات التي أقيمت قبيل حفل الافتتاح، شرح فريق المديرين الفنيين للبينالي، وهم: الدكتور جوليان رابي، والدكتور أمين جعفر، والدكتور عبد الرحمن عزام، إلى جانب القيّم الفني لأعمال الفن المعاصر الفنان السعودي مهند شونو، المفهوم الرئيس خلف العرض الذي ينتظم في ضوء العبارة القرآنية: «وما بينهما» التي وردت في عدة مواضع في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. وفسر القيّمون العلاقة بين الآية الكريمة وبين الرؤية الفنية التي ترى الإنسان وسعيه وعمله في ذلك المكان المتوسط؛ إذ لجأت التفسيرات المختلفة للمقدس وعلاقته بالإنسان والسعي الدائم لفهم جمال وروعة ما أبدعه الخالق عبر أكثر من 500 قطعة أثرية وأعمال فنية معاصرة.

 

القاعات

 

يتمثل مفهوم العرض على نحو مركز في قاعة «البداية» التي تعرض عدداً من القطع النادرة، بعضها يُعرض للمرة الأولى خارج مكة المكرمة، مثل الكسوة التي ازدانت بها الكعبة المشرفة العام الماضي. هناك أيضاً التفسير الذي يتبدى في العلوم والأرقام، كأساس للفنون الإسلامية، وهو ما نراه في عروض قاعة «المدار» من خلال مجموعة من الأدوات العلمية مثل الأسطرلاب والخرائط الجغرافية والمخطوطات الهندسية. غنيّ عن القول إنَّ القاعة أيضاً تضم معروضات نادرة جداً، وتُعرض في جدة للمرة الأولى، مثل بعض مقتنيات مكتبة الفاتيكان. وسيكون لنا مع تفاصيل تلك القطع وقفة لاحقة.

من معروضات قاعة «المدار» (الشرق الأوسط)

في قاعة «المقتني» سنكون على موعد مع قطع فائقة الوصف والقيمة من مجموعتين مميزتين: مجموعة الشيخ حمد بن عبد الله آل ثاني (مجموعة آل ثاني)، ومجموعة رفعت شيخ الأرض (مجموعة الفروسية). في قاعتي «المكرمة» و«المنورة» سيكون الزائر على موعد مع أكثر من مفاجأة، منها قطع من الحرمين الشريفين بعضها لم يُعرض من قبل، مثل ستائر للحجرة النبوية، وستارة لباب الكعبة، وشمعدانات تاريخية ترى العالم خارج مكة المكرمة والمدينة المنورة للمرة الأولى، وتأخذ بيد زوار القاعتين لأبواب الحرمين الشريفين.

في قاعة «المنوّرة» قطع من الحرم النبوي الشريف (الشرق الأوسط)

في كل القاعات نرى إبداعات لفنانين وحرفيين من عصور الفن الإسلامي المختلفة، ولكن المفهوم يمتد ليصل للفنان المعاصر، وهو الحلقة الجديدة في السلسلة الباهرة. ويغزل القيّمون السرد الفني ما بين القديم والحديث لفتح أبواب الحوار ما بين المعروضات. غير أن العرض لا ينتهي بزيارة القاعات الداخلية، فهناك في المساحات الخارجية «المظلة» مجموعة كبيرة من الأعمال التركيبية المعاصرة التي تبحث في الإنسان وعلاقته بالأرض من خلال تعبيرات من فنانين من أنحاء العالم. وتسلط «المظلة» الضوء على مفهوم الحديقة في الحضارة الإسلامية؛ فمنذ العصور القديمة، وحتى اليوم، كانت الحديقة مكاناً للتأمل والتفكر. وفي الثقافات الإسلامية، تعد الحديقة وسيلة للتعبير عن علاقة الإنسان بالأرض والسماء، ويرتبط مفهوم الحديقة في الإسلام بفكرة الجنة، وهي مشتقة من الكلمة الفارسية القديمة «بردیس» (pardis) التي تعني «مساحة مسورة».

 

استعارات ومشاركات دولية

 

في نسخته الثانية، يعرض البينالي عدداً أكبر من الأعمال الفنية المعاصرة، ويجمع أعمالاً مُعارة من أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في الفنون الإسلامية؛ من تونس إلى طشقند، ومن تمبكتو إلى يوغياكارتا، لتفتح مشاركة هذه الشبكة العالمية من المؤسسات آفاقاً واسعة للفنون الإسلامية، تجمع بين الماضي والحاضر، وتفتح قنوات جديدة للحوار والتعاون. وتتضمن الأعمال المُعارة تحفاً أثرية وقطعاً تاريخية ومقتنيات إسلامية ثمينة، وأعمالاً فنية من مؤسسات كبرى مثل متحف اللوفر (باريس)، ومتحف فكتوريا وألبرت (لندن)، بالإضافة إلى مجموعات متخصصة في الفنون والثقافات الإسلامية قادمة من معهد أحمد بابا للدراسات العليا والبحوث الإسلامية (تمبكتو)، ومتحف الفن الإسلامي (الدوحة)، والمعهد التركي للمخطوطات (إسطنبول)، كما يجمع البينالي مؤسسات بارزة من أنحاء المملكة العربية السعودية، وهي: مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي - إثراء (الظهران)، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية (المدينة المنورة)، ومكتبة الملك فهد الوطنية (الرياض).

قطعة أثرية من مقتنيات متحف الفن الإسلامي بالقاهرة (الشرق الأوسط)

 

جائزة «المصلى»

 

يتميز المصلى الفائز بجائزة «المصلى»، والذي شيّده التحالف المؤلف من «استوديو إيست» للهندسة المعمارية وشركة الهندسة الدولية «AKT II»، بالتعاون مع الفنان ريان ثابت، بهيكل مستوحى من المنسوجات المعالجة بالأصباغ الطبيعية، ويستخدم مخلفات أشجار النخيل، خصوصاً الأخشاب والسعف، ويتكون التصميم من فناء مركزي مفتوح ومساحات للصلاة، تشكل معاً هيكلاً مستوحى من التقاليد المحلية للحياكة والنسيج، مما يعكس القيم الإسلامية للتقارب والتآزر التي تعد أبعاداً أساسية للصلاة في الإسلام.

التصميم الفائز بجائزة «المصلى» (الشرق الأوسط)

 

بالأرقام

 

- تشارك في البينالي أكثر من 30 مؤسسة رائدة من دول تشمل الدنمارك ومصر وفرنسا واليونان والهند وإندونيسيا وإيطاليا والكويت ومالي وعُمان وفلسطين والبرتغال وقطر والمملكة العربية السعودية وإسبانيا وتونس وتركيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوزبكستان والفاتيكان.

- يضم البينالي أعمالاً لأكثر من 30 فناناً من المملكة ومختلف أنحاء العالم، إلى جانب 29 عملاً فنياً جديداً بتكليف من مؤسسة «بينالي الدرعية»، تُعرض إلى جانب التحف الأثرية والقطع التاريخية.

- يتألف بينالي الفنون الإسلامية من سبعة أقسام: «البداية، والمدار، والمقتني، والمظلّة، والمكرّمة، والمنوّرة، والمصلّى»، تتوزع عبر صالات عرض ومساحات خارجية تمتد على مساحة 100.000 متر مربع.

 

نبذة عن بينالي الفنون الإسلامية

 

يقام بينالي الفنون الإسلامية الذي تنظمه مؤسسة «بينالي الدرعية»، كل عامين في صالة الحجاج الغربية - الحائزة جائزة «الآغا خان للعمارة» - بمطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة، والتي تتمتع بمكانة خاصة لدى ضيوف الرحمن لكونها تستقبل الملايين منهم كل عام في رحلتهم لأداء مناسك الحج والعمرة في بيت الله الحرام. كما مثلت مدينة جدة طوال قرون نقطة التقاء للكثير من الثقافات التي يحملها معهم الوافدون عليها من كافة أقطار العالم.

جدير بالذكر أن النسخة الافتتاحية استقبلت أكثر من 600.000 زائر، وتسعى مؤسسة «بينالي الدرعية» للبناء على هذا النجاح من خلال النسخة الثانية.


مقالات ذات صلة

«بين التراث والحاضر»...إعادة اكتشاف المسيرة التشكيلية لعبد الوهاب مرسي

يوميات الشرق عمل تجريدي تتناثر داخله أشكال هندسية وخطوط لونية متقاطعة (الشرق الأوسط)

«بين التراث والحاضر»...إعادة اكتشاف المسيرة التشكيلية لعبد الوهاب مرسي

قد تبدو أعمال التشكيلي المصري الراحل عبد الوهاب مرسي في النظرة الأولى شديدة الانشغال بعالم قديم يعرفه المصريون عبر جدران المعابد والبرديات والزخارف الإسلامية.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق جانب من أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

«مراحل»... معرض قاهري يراهن على التجريب وطاقة الألوان

تتعدد رهانات الفنان التشكيلي المصري مجدي عثمان في معرضه الأحدث «مراحل».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «الأبد هو الآن» يقام في منطقة الأهرامات (بوستر الدورة السادسة)

مصر: «الأبد هو الآن» يراجع مواقف فنان فرنسي متهم بدعم إسرائيل

شهدت أزمة النسخة السادسة من معرض الفن التشكيلي «الأبد هو الآن»، المقرر إقامته في منطقة أهرامات الجيزة في المدة من 4 إلى 28 نوفمبر (تشرين الثاني) تطورات متلاحقة.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه، وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توّجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

عبير مشخص (لندن)

رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
TT

رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)

رحلت الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي، والدة المخرج المعروف باسم كريستو. وقد نعاها ابنها ووحيدها على صفحاته الخاصة على وسائل التواصل، ناشراً صورة له برفقتها.

وكتب باسم كريستو متوجهاً لوالدته بالقول إنه سيشتاقها كثيراً، وسيشتاق لانشغال بالها عليه حين يسافر، ولابتسامتها قبل رحيلها وحين تنظر إليه وتغالب مرضها ووجعها. تلك الابتسامة التي ستبقى محفورة في عينيه وقلبه مدى الحياة.

المخرج باسم كريستو نشر صورة على مواقع التواصل برفقة والدته (وسائل التواصل)

والشاعرة باسمة بطولي لها دواوين عدة، منها: «عربات الصدى» 2009، «مع الحب حتى الموت» 1978، «مكللة بالشوق» 1996، «حين ترتدي النار عريها» 2012، «أصداء بصرية» 2013، «سلالي ومياه الوقت» 2016، و«على مقام الصِّبا والصَّبا» 2017.

ولدت في مدينة بيروت، والدها الكاتب توفيق الباطولي ووالدتها الرسامة ليندا قازان الباطولي. حصلت باسمة بطولي على إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها من جامعة ليون في فرنسا، ودبلوم في الصحافة من كلية الصحافة المصرية، وخريجة دار المعلمين والمعلمات في لبنان.

عملت موظفة إدارية في وزارة التربية الوطنية، وأعدت وقدمت برامج ثقافية في تلفزيون لبنان. نشطت في الأمسيات والمهرجانات الشعرية والمؤتمرات.

وكما كتبت الشعر العمودي والتفعيلة رسمت مئات اللوحات المائية والزيتية، وشاركت بأعمالها في معارض فنية فردية وجماعية.

نالت العديد من الجوائز والتكريمات أبرزها وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، منحها إياه عام 2022 رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، العماد ميشال عون، تقديراً لمسيرتها الإبداعية في الشعر والرسم.


«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
TT

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي، أشبه بنافذة لأهالي المدينة حيث يجمع بين المسرح والموسيقى والرقص والفنون البصرية، والحوارات، والتجاريب الجريئة، من التاسع وحتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

إذا كان العام الماضي قد استقبل بشكل خاص فنانين من المدينة، فهو هذه السنة ينفتح على المناطق والجنسيات. وتقول مديرة «مرسح» نادين علي ديب، وهي المنظمة للتظاهرة: «إن المناطق غالباً ما ألحقت بالمركز، أما مهرجاننا هذا فيرى طرابلس جديرة بأن تكون فضاء للإنتاج والإبداع، وتبلور الطاقات، وهذا ما نحاول أن نشجعه في مركزنا ومن خلال مهرجاننا السنوي».

الفن لمواجهة القسوة

يشارك هذه المرة فنانون لبنانيون ودوليون تتناول أعمالهم مسائل تتعلق بالأرض والخيال والانتماء. وتشرح نادين: «إن الأعمال تنتمي إلى الفن المعاصر، وهو حاجة للمدينة. فالفنانون يملكون القدرة على أن يقدموا شهادات محمولة بالأخيلة في محاولة للإجابة عن صعوبات الواقع القاسي الذي نواجهه».

أمام الجغرافيا الممزقة وسرديات الحرب، يأتي الخيال والذاكرة والهوية، كطوق نجاة. هذا نراه في المعرض التشكيلي حول «الحرب والجغرافيا» الذي استضافه «مرسح» يوم الافتتاح (الجمعة)، ويستمر حتى نهاية الشهر. تسعة أعمال بصرية، منها أربعة أعمال مختارة من معرض «إحكي لي يا جنوب» الذي استقبله مركز «بيت بيروت» سابقاً. أحد هذه الأعمال هو «منطقة عازلة» لفرح برو، حيث تقارب عودة إلى قرية الأجداد، أما رباب شمس الدين في «بس قرب موسم الرمان» فتتأمل استمرار الحياة وسط الاضطراب. ويحوّل أديب فرحات في «بعد العشاء» الروايات الشفهية لأربع نساء من الجنوب إلى أرشيف حيّ حول مائدة طعام، وتبحث سما بيضون في «ما تبقى» عن العلاقة الهشّة بين الذاكرة والمكان والصورة.

ويضم المعرض أيضاً «اجتياز» لفاطمة جمعة عن الجسد والشهادة والموت، و«أورفيو والوحوش» لكارولين حاتم الذي يعيد تخيّل رحلة أورفيوس إلى العالم السفلي باللهجة اللبنانية. وتقدّم منى أيوب، الفنانة المقيمة في استوديو «مرسح»، «بين الزقاقات»، وهو جدارية نسيجية محاكة بألوان طبيعية جُمعت من نباتات أحياء طرابلس القديمة.

معرض في حمام عز الدين الأثري

معرض تشكيلي ثانٍ يفتح أمام الجمهور في حمّام عز الدين الأثري الذي يقع في سوق طرابلس القديم، في الرابع عشر من أكتوبر الحالي. حيث تعاد الحياة إلى هذا المكان الجميل بعد هجرٍ وإغلاق من خلال ثلاثة أعمال لأحمد النابلسي وريبيكا طوق بعنوان «في البدء كان الماء»، مستوحاة من يوميات الحمام. أحد الأعمال وثائقي، وثان منفذ بتقنية الواقع الافتراضي، وثالث يعتمد الصوت. تتبع ربيكا طوق في عملها الوثائقي «نهر أبو علي» وهو ينحدر من أعلى وادي قاديشا وصولاً إلى مدينة طرابلس الساحلية، حاملاً طبقات من الذكريات. هذا النهر يوحي أيضاً لأحمد النابلسي أن يصور بتقنية الواقع الافتراضي رحلة متخيَّلة تصور ما جرى محوه من خلال «شخصية أبو علي». والعمل الثالث المعروض في الحمام، مستوحى من أصوات الماء والاستحمام والحركة ويحولها إلى شكل آخر من أشكال الذاكرة. ويستمر المعرض حتى الثامن عشر من الشهر.

طوفان نهر أبو علي يوم جرف المدينة في خمسينات القرن الماضي وسيكون محور عدد من الأعمال الفنية في المهرجان (مواقع التواصل)

بالتزامن مع إطلاق المهرجان في اليوم الأول، كان المعرض الفني في «مرسح» وكذلك قدمت مسرحية «أربعون حجراً من ركام الضاحية»، للممثل والمخرج هاشم هاشم وبترا سرحال. وفي اليوم الثاني أي العاشر من الشهر قدم «عايشين»، وهو رقص معاصر لفرقة «السراب»، تلاه حفل غنائي لسندي شمعون وفرقتها حيث غنت بصوتها المتمرس أغاني للمحبوب الشيخ إمام.

ويعقد لقاء وورشة عمل يوم الأحد حول الفن والواقع الممتد وطرق جديدة للإنتاج، مع الفنانة البريطانية لارا قبيسي حيث ستكون المشاركة بعد التسجيل المسبق إلزامية.

ويوم الخامس عشر سيكون منتدى بعنوان «العمل المشترك والأطراف: إعادة صياغة منظومتنا الثقافية»، حيث يدور نقاش عملي بين العاملين في الحقل الثقافي والفنانين لتطوير بنية أكثر ترابطاً وإنصافاً بين العاصمة والأطراف. ويقدم عرض لخيال الظل بعنوان «حية نهر أبو علي». وهو الأول للفنان راشد بشناتي المقيم في استوديو «مرسح».

«جوغينغ» أخيراً في طرابلس

ويوم الجمعة 16 من الشهر الحالي حفل موسيقي للعازف والمؤلف المصري حازم شاهين. يليه يوم السبت عرض مسرحي بعنوان «جوغينغ» لحنان الحاج علي، جاب مهرجانات ونال جوائز، ولا يزال يعرض منذ عدة سنوات. ويختتم المهرجان يوم الأحد، الثامن عشر من الشهر، بمجموعة من الأفلام القصيرة تحت عنوان «الأرض امرأة» بالتعاون مع مؤسسة ريف، ثم بعرض سمعي بصري وحوار مع فراس حلاق «جلسات القبة»، يتحدث خلالها عن تسجيل موسيقي فريد قام به تحت قبة مسرح معرض رشيد كرامي، تليه حفلة لمكرم أبو الحسن وغسان سحاب.

حنان الحاج علي في مسرحية جوكينج (مواقع التواصل)

و«مرسح» هو مركز فني مستقل ومنصة للفن متعدد التخصصات، مقرّه الميناء في طرابلس. تأسس عام 2023. وتقول نادين التي تدير «مرسح» وتنظم المهرجان السنوي: «إن المركز يراكم الممارسات النقدية والأعمال المعاصرة، من شتى المدارس الفنية، وينظم الإقامات لفنانين، ينتجون أعمالهم الخاصة، بعضها مشارك في المهرجان. وهذا الأخير فسحة لنعود ونتخيل جماعياً ونترك للفنانين فسحة أمل ليقولوا بلغتهم ما نحن بحاجة إلى الاستماع إليه.» لهذا يعمل «مرسح» مع فنانين محليين بشكل خاص، ويبقى من المساحات المفتوحة القليلة في مدينة طرابلس إن لم تكن الوحيدة المتاحة لأصحاب الإبداعات لا للتعبير فقط، بل لتطوير ملكاتهم ومثاقفتها مع تجارب جديدة أخرى.


فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)
ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)
TT

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)
ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)

نشأت المخرجة جورجيا أوكلي وهي تشاهد النسخة السينمائية التي صدرت عام 1995 لرواية جين أوستن «العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility)، وهو عمل نال المحبة بفضل السيناريو الممتع الذي كتبته إيما تومسون والإخراج الذكي لأنغ لي. لذا، عندما سألتها المنتجة إنديا فلينت عام 2024 عما إذا كانت مهتمة بتقديم معالجة سينمائية جديدة للرواية، شعرت أوكلي بالحماس، لكنها أدركت في الوقت ذاته أنها ستواجه حتماً مقارنات مع الفيلم السابق. تقول أوكلي (38 عاماً) عن فيلمها: «لا أحد يدعي أن هذه هي النسخة النهائية أو المطلقة للعمل، وهذا الأمر يخفّف بعضاً من الضغط». ويتناول الفيلم قصة الشقيقتين داشوود -إلينور الرزينة (التي تمثل «العقل»)، وماريان المندفعة عاطفياً (التي تمثل «العاطفة»)- وذلك في أعقاب وفاة والدهما، حيث تواجهان الفقر المفاجئ وتجدان نفسيهما محط أنظار عدد من الخُطّاب.

نالت إيما تومسون جائزة الأوسكار عن سيناريو «العقل والعاطفة» في عام 1996 (imdb)

شهدت نسخة عام 1995 قيام كل من تومسون وكيت وينسلت بدور الشقيقتين، في حين لعب هيو غرانت وآلان ريكمان دوري الحبيبين في حياتهما. وقد أسهم ذلك الفيلم -الذي حاز على جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو- في تجديد الاهتمام بأعمال أوستن؛ إذ كان واحداً من ستة أعمال سينمائية وتلفزيونية اقتُبست من قصصها وصدرت خلال عامي 1995 و1996.

غير أن أوكلي وديانا ريد (30 عاماً) -كاتبة السيناريو الجديد- رأتا أن هناك مبرراً لتقديم معالجة درامية جديدة تتناول قضايا أزلية، مثل التبعية المالية والاجتماعية والفراغ الأخلاقي لدى الطبقات العليا. وقالت أوكلي: «أعتقد أن حقيقة إنتاج ذلك الفيلم الأول قبل 30 عاماً قد أتاحت مجالاً لإعادة استكشاف القصة من منظور جديد». وتضم النسخة التي أعدتها أوكلي في طاقم تمثيلها كلاً من ديزي إدغار-جونز في دور «إلينور»، وإسمي كريد-مايلز في دور «ماريان»، وجورج ماكاي وهربرت نورد في دوري الخاطبين.

أومأت ريد -التي انضمت إلى أوكلي عبر مكالمة فيديو من لندن في شهر أغسطس (آب)- موافقةً على ذلك. وقالت: «هناك جانب مألوف للغاية ومعاصر في الصراع المحوري بين الشقيقتين وفي طبيعة ما يفرق بينهما»، مضيفةً: «غالباً ما تكون السمات التي تجذبنا لشخص ما هي نفسها التي ينتهي بها المطاف لتكون مصدراً لاستيائنا منه». وقد شرعت كل من أوكلي وريد في معالجة الرواية من منظورين يجمعان بين الواقعية القاسية المتمثلة في الانهيار المالي للأسرة، والرابطة العميقة التي تجمع الشقيقتين بالطبيعة. واستذكرت أوكلي توجيهها لفريق تصفيف الشعر والمكياج بضرورة «الحرص على أن يكون المكياج بسيطاً وقليل الأثر قدر الإمكان».

لقطة من فيلم «العقل والعاطفة» للمخرجة جورجيا أوكلي (imdb)

«أردتُ تقديم نسخة من القصة تتسم بالبساطة والعفوية»، هكذا أوضحت رؤيتها للطابع البصري والجمالي للفيلم. وفي إشارة منها إلى أن الشقيقات قضين وقتاً طويلاً في المنزل بصحبة والدهن -الذي كان قد تُوفي للتو- أضافت قائلة: «لم أستطع أن أتقبل فكرة أنهن، في ظل تلك الظروف، كنّ سيظهرن بالمظهر نفسه الذي تظهر به امرأة تعيش في لندن وتحضر الحفلات الراقصة كل عام». بالنسبة إلى أوكلي كانت النساء في تصورها لذلك العالم يعتمدن تسريحات شعر فضفاضة تبدو وكأن الرياح قد عبثت بها قليلاً (بعيداً عن التجعيدات المصففة بإحكام)، ويرتدين فساتين انسيابية. وأوضحت قائلة: «عندما أشاهد الأعمال المقتبسة من روايات أوستن، أشعر أحياناً بمسافة تفصلني عن الشخصيات، ويعود ذلك إلى طريقة تصفيف شعرهن أو المظهر المثالي والنظيف للغاية لملابسهن. لذا، أردتُ تقديم شيء أكثر واقعية وعفوية، يلامس الجانب الإنساني البسيط».

شمل ذلك تشكيل وحدة مختصة بالطبيعة، ضمت فريقاً من المصورين الفوتوغرافيين ومصوري الفيديو الذين قضوا ساعات في التخييم وسط التضاريس الوعرة بجنوب غربي إنجلترا. وقد تمثلت مهمتهم في إضفاء لمسات بصرية تعكس «الإيقاع البطيء» على الفيلم، مثل العناكب وهي تنسج خيوطها، والنحل وهو يتنقل بين الزهور، والضوء وهو ينساب عبر التلال الوعرة. تقول أوكلي: «عند تخيل عالمٍ يعود إلى ما قبل 200 عام، حيث لا وجود للشاشات ولا شيء يقطع الأفق أمام البصر، ندرك أن انتقال الشخصيات للعيش في ذلك الكوخ يمثّل تجربة صعبة للغاية. لذا، كنت أرغب حقاً في استكشاف ذلك الرابط؛ ليس فقط مع الطبيعة، بل أيضاً مع علاقة الشخصيات بالزمن». كما تطلّب هذا النهج خلق أجواء أكثر قتامة، بدلاً من الاعتماد على الغرف المشرقة التي تغمرها أشعة الشمس.

الممثلة البريطانية فيونا شو في دور الأم في مشهد من فيلم «العقل والعاطفة» للمخرجة جورجيا أوكلي (imdb)

تقول مصممة الإنتاج فرانشيسكا دي موتولا -في مكالمة فيديو أجريت مؤخراً من برلين حيث كانت تعمل على مشروعها القادم-: «لقد شاهدنا من قبل أفلاماً تدور أحداثها في المملكة المتحدة داخل قصور ريفية ضخمة وفخمة، لكن ذلك لم يكن البتة ما كنا نبحث عنه». وعندما تعلق الأمر بتصوير تدهور أوضاع الأسرة -إذ تضطر العائلة إلى مغادرة منزلها بعد وفاة الأب، لأن ملكية المنزل تؤول بالكامل إلى ابنه من زواجه الأول- أوضحت دي موتولا أنهم ركزوا على إظهار التبعات العملية التي واجهتها بنات عائلة «داشوود». فعلى سبيل المثال، حين تنتقل الأسرة من قصر ريفي في مقاطعة «ساسكس» إلى كوخ «بارتون» الأصغر بكثير في مقاطعة «ديفونشاير»، لا يرافقهن سوى خادم واحد، وبدلاً من المشاهد التقليدية التي تظهر الشخصيات وهن يستعددن لحضور الحفلات الراقصة، نرى مشاهد لهن وهن يقمن بأعمال الغسيل والطهي وتقطيع الحطب.

قالت دي موتولا: «إنك ترى كيف يضطرون إلى التأقلم مع حياة جديدة تماماً؛ إذ بات عليهم الآن القيام بكل تلك المهام المرتبطة بالعيش في القصور، وهي أمور عادةً ما يتولى شخص آخر مساعدتك في إنجازها». وأشارت ليندا تروست -وهي أستاذة اللغة الإنجليزية في كلية «واشنطن وجيفرسون» بولاية بنسلفانيا وشاركت في تحرير كتاب عن الاقتباسات السينمائية لأعمال أوستن- إلى أن النزعة الواقعية كانت حاضرة في اقتباسات أعمال أوستن من قبل؛ فعلى سبيل المثال، طُلب من الممثلين في المسلسل القصير «إيما» (Emma) الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 1972 ألا يغسلوا شعورهم بانتظام، وذلك لكي يبدو أقل كثافة وهيشاناً وأكثر ملاءمة لطبيعة العصر الذي تدور فيه أحداث القصة.

لقطة من فيلم «العقل والعاطفة» للمخرجة جورجيا أوكلي (imdb)

لم يتردد بعض صُنّاع الأفلام أيضاً في إظهار الجوانب الخشنة والواقعية القاسية، فعلى سبيل المثال، أظهر فيلم «الإقناع» (Persuasion) الصادر عام 1995 شخصية «آن إليوت» وهي تستقل عربة بصحبة خنزير وإوزة، كما صوّر المسلسل القصير «العقل والعاطفة» (Sense and Sensibility) الذي أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) عام 2008 كوخاً متداعياً وأجواء يسودها هطول مستمر للمطر. ومع ذلك، ترى «تروست» أن ثمة حاجة إلى بذل المزيد من الجهد لتصوير القذارة والأوساخ التي ميّزت تلك الحقبة الزمنية بصدق وواقعية. غير أن الهدف الأسمى بالنسبة إلى «أوكلي» لم يكن الالتزام الصارم بالدقة التاريخية؛ إذ أوضحت أنها سعت -من خلال التخلي عن بعض مظاهر البريق واللمعان التي باتت سمة معتادة في الأعمال الفنية- إلى إبراز المشاعر الإنسانية الكامنة في القصة. وقالت «أوكلي» إن الشخصيات ربما لا تتسم بـ«الجرأة أو خفة الظل بالمعنى العصري، لكن ذلك لا ينفي إنسانيتها»، مضيفة: «لا يزال بإمكانك التواصل معها بعمق، وإدراك مدى صدق قصصها وقدرتها على ترك أثرٍ في النفس».

* خدمة «نيويورك تايمز»