الرجال أيضاً يتأثرون... كيف تلعب «السوشيال ميديا» على وتر استيائهم من أجسامهم؟

الرجال يركزون على العضلات كمعيار للجسم الجميل (رويترز)
الرجال يركزون على العضلات كمعيار للجسم الجميل (رويترز)
TT

الرجال أيضاً يتأثرون... كيف تلعب «السوشيال ميديا» على وتر استيائهم من أجسامهم؟

الرجال يركزون على العضلات كمعيار للجسم الجميل (رويترز)
الرجال يركزون على العضلات كمعيار للجسم الجميل (رويترز)

في حين أن هناك بعض السمات العالمية للجاذبية، فإن معايير الجمال تختلف باختلاف الثقافة، وحتى باختلاف الفترة الزمنية داخل الثقافة نفسها.

وإذا شاهدتَ الأفلام والبرامج التلفزيونية من الخمسينات والستينات، فستجد أن الشكل الأنثوي المثالي كان ما يُسمى بالمرأة «الممتلئة»، بينما كان الشكل الذكوري المثالي الرجل الضخم.

ولكن أي معيار للجمال أكثر جاذبية، وأيهما أكثر منطقية، الجسم الممتلئ من منتصف القرن العشرين أم الجسم الممشوق من أوائل القرن الحادي والعشرين؟ وأي معيار للجاذبية أكثر واقعية؟

معايير غير واقعية لشكل الجسم

ووفق تقرير لموقع «سايكولوجي توداي»، أشار علماء النفس منذ عقود من الزمان إلى أن معايير الجمال التي تصورها وسائل الإعلام غير واقعية؛ فالأشخاص الجميلون الذين يملأون الشاشات وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي لم يحققوا مظهرهم الجميل الاستثنائي إلا من خلال مزيج من الحظ الوراثي، والتمارين الرياضية الشديدة والنظام الغذائي، وفي كثير من الحالات، العقاقير المعززة للأداء.

ومع ذلك، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأننا نرتكب خطأ شخصياً إذا لم نتمكن من الارتقاء إلى مستوى معايير الجمال التي تقدمها لنا وسائل الإعلام؛ فلا عجب أن يشعر كثير من الناس بعدم الرضا عن أجسادهم. ويتفاقم هذا الاستياء الذي يبتلي كثيراً منا بسبب وباء السمنة نظراً للتغييرات في النظام الغذائي وأسلوب الحياة المستقر بشكل متزايد.

فنحن لا نصبح أكثر بدانة مما كان عليه الناس قبل نصف قرن فحسب، بل يُتوقع منا أيضاً أن نكون أكثر رشاقة مما كانوا عليه.

لقد تمت دراسة التأثيرات الضارة للصور النمطية للجمال على النساء لعقود من الزمان، وهي الآن معترَف بها جيداً. تعاني العديد من النساء من مشاكل صورة الجسم لأنهن يعتقدن أن أجسادهن بعيدة جداً عما ينبغي أن تكون عليه.

ولكن كما يشير عالم النفس الكندي، شون ديفين، وزملاؤه، في مقال نشروه مؤخراً بمجلة «علم نفس الرجال والذكورة»، فإن الرجال يتعرضون أيضاً لقصف من الصور غير الواقعية للمثاليات الجسدية الذكورية، ويعانون من عدم الرضا عن أجسادهم أيضاً.

النساء يركزن على الوزن

لقد وجدت الأبحاث السابقة أن النساء يركزن في المقام الأول على الوزن عند الحكم على جاذبية أجساد النساء الأخريات وأجسادهن.

وبطبيعة الحال، يخوض الرجال معركة الانتفاخ تماماً كما تفعل النساء. وفي الوقت نفسه، تصور وسائل الإعلام الشكل الذكوري المثالي على أنه نحيف وعضلي.

فهل ينبع عدم الرضا عن الجسم لدى الرجال من عدم تلبية النموذج المثالي للنحافة، أي هل يشعرون بأنهم بدناء؟ أم أنه يأتي من الشعور بأنهم ليسوا عضليين بما فيه الكفاية؟ هذا هو السؤال الذي استكشفه ديفاين وزملاؤه في الدراسة التي أبلغوا عنها في مقالهم.

لهذه الدراسة، قام الباحثون بتجنيد 164 شاباً لتقييم الرسومات الخطية لمختلف أشكال اللياقة البدنية الذكورية، التي تختلف في بُعدَين؛ النحافة والعضلات. في الجولة الأولى، اختاروا الرسم الخطي الذي اعتقدوا أنه يمثل درجة الدهون في أجسامهم؛ من النحافة الشديدة إلى السمنة المفرطة.

بعد ذلك، شاهدوا سلسلة من الرسومات الخطية المتشابهة، موضحين في كل مرة ما إذا كانت زيادة في الوزن أم لا. كان الهدف من هذا الإجراء أن يشبه عملية تصفح صور عارضين من الذكور على وسائل التواصل الاجتماعي.

في البداية، كان هناك توزيع متساوٍ للذكور النحيفين والطبيعيين والزائدين في الوزن. ولكن مع تقدم السلسلة، أصبحت صور الذكور النحيفين أكثر تكراراً.

وكان السؤال هو ما إذا كان هذا سيؤثر على أحكام المشاركين، مما يدفعهم إلى الحكم على المزيد من الصور ذات النطاق الطبيعي بأنها زائدة الوزن.

عندما أُجريت هذه التجربة مع المشاركات من النساء والصور النسائية، كانت الإجابة «نعم». عندما ترى النساء المزيد من الأمثلة النسائية النحيفة، فإنهن يملن إلى الحكم على الإناث ذوات الوزن الطبيعي بأنهن زائدات الوزن.

وافترض الباحثون أن هذا سيكون صحيحاً بالنسبة للرجال في هذه الدراسة أيضاً، لكن هذا ليس ما وجدوه. بدلاً من ذلك، حافظ هؤلاء الرجال على معاييرهم للنحافة والوزن الطبيعي والوزن الزائد طوال التسلسل.

الرجال يركزون على العضلات

في الجولة الثانية، كان الإجراء هو نفسه، لكن الصور تباينت في النطاق من غير عضلي إلى عضلي إلى حد ما إلى عضلي جداً. هذه المرة، مع زيادة وتيرة الصور العضلية جداً، بدأ الرجال في تصنيف الصور العضلية إلى حد ما على أنها ليست عضلية. بعبارة أخرى، استجاب الرجال للعضلات بنفس الطريقة التي استجابت بها النساء للوزن.

كما قارن الباحثون متوسط ​​أوقات رد الفعل في الحالتين، ووجدوا أن الرجال كانوا أسرع بكثير في الاستجابة للعضلات من استجابتهم للوزن.

قد يكون السبب أن المشاركين كانوا يركزون على الإشارات السريعة لقوة الجزء العلوي من الجسم، أي الأكتاف العريضة والخصر الضيق، التي تجسِّد النموذج المثالي النحيف العضلي الذي تبثه وسائل الإعلام.

في النهاية، تُظهِر هذه الدراسة أن الرجال، مثل النساء، يتأثرون بمعايير الجمال التي تقدمها وسائل الإعلام.

فالرجال اختاروا أولاً صورة الجسم التي تناسبهم. ومع ذلك، بحلول نهاية التجربة، كانوا يصنفون نوع أجسامهم على أنه أقل عضلية مما كانوا عليه في البداية.

إذا كان بإمكاننا التأثير على أحكام الناس على الجسم بهذه الطريقة في بضع دقائق فقط، فتخيل التأثير طويل الأمد للصور النمطية لوسائل الإعلام.

إذن كيف تحافظ على صور الجسم المعقولة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي؟

بصرف النظر عن تجاهل جميع وسائل الإعلام، فإن أفضل نصيحة الاستمرار في تذكير نفسك بأن ما تراه على التلفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعي ليس حقيقياً.

بدلاً من ذلك، إذا كنتَ تريد جرعة من الواقع، فانظر حولك. الأشخاص الذين تتفاعل معهم على أساس يومي «عاديون»، لذا قم بقياس معايير الجمال الخاصة بك بناءً عليهم. ستشعر أيضاً بتحسن تجاه جسدك، وستكون لديك توقعات أكثر منطقية حول ما يمكنك فعله لتحسين مظهرك.


مقالات ذات صلة

أساليب بسيطة... كيف تخفف أعراض الصداع النصفي؟

صحتك الانتظام في حياتك اليومية يلعب دوراً أساسياً في الوقاية من نوبات الصداع النصفي (بيكسلز)

أساليب بسيطة... كيف تخفف أعراض الصداع النصفي؟

هناك مجموعة من الإجراءات البسيطة التي يمكنك اتخاذها بنفسك لتقليل حدة الألم أو حتى منع بعض النوبات المرتبطة بالصداع النصفي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الخبراء ينصحون بتجنب ترك الأرز المطبوخ في درجة حرارة الغرفة لأكثر من ساعتين (بيكسلز)

هل يسبب الأرز المُعاد تسخينه تسمماً غذائياً؟

ما لا يدركه كثيرون هو أن التعامل غير السليم مع الأرز المطبوخ قد يحوّله إلى مصدر محتمل للتسمم الغذائي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك التقنية الجديدة تجعل أنسجة الدماغ الحي شفافة دون التأثير على وظائفها الحيوية (أرشيف - رويترز)

اختراق علمي مذهل... علماء ينجحون في جعل الدماغ الحي شفافاً

نجح باحثون يابانيون في تحقيق إنجاز علمي غير مسبوق، تمثل في تطوير تقنية جديدة تجعل أنسجة الدماغ الحي شفافة دون التأثير على وظائفها الحيوية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
صحتك كوب من عصير التوت الأزرق الطازج (بيكسباي)

فوائد عصير التوت لمرضى القلب

عصير التوت مفيد لمرضى القلب؛ لأنه غني بمضادات الأكسدة التي تُحسن مرونة الأوعية الدموية وتقلل الالتهابات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك سيدة تتمرن بإحدى الصالات الرياضية في رمضان (أرشيفية-أ.ف.ب)

اختباران بسيطان للقوة يتنبآن بطول العمر لدى النساء

أظهرت دراسة جديدة أن قوة العضلات، كما جرى تحديدها من خلال اختبارين، كانت مؤشراً رئيسياً على خطر الوفاة لدى النساء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
TT

اندلاع حريق في قلعة تاريخية وسط ألمانيا

منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)
منظر عام لقلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه (د.ب.أ)

قالت الشرطة الألمانية في ساعة مبكرة من صباح اليوم الخميس إن أجزاء من قلعة تعود إلى القرن الثاني عشر تضررت جرَّاء حريق في ولاية تورينغن وسط ألمانيا.

وبحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أوضح متحدث باسم الشرطة أن فرق الإطفاء تمكنت من منع امتداد النيران إلى أجزاء أخرى من قلعة «رونبورغ» في بلدة فايسنزيه.

واندلع الحريق في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء في مبنى على ناصية ضمن القلعة، مباشرة بجوار برج مراقبة مرتفع.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يصب أحد بأذى. وأضاف المتحدث أنه تم تطويق الموقع، ومن المقرر أن تبدأ التحقيقات في أسباب الحريق في وقت لاحق اليوم.

ولم يتضح في البداية حجم الأضرار التي لحقت بالقلعة، ولا يزال سبب الحريق مجهولاً.

وتعد القلعة، التي شيدت نحو عام 1170، واحدة من أهم نماذج العمارة الرومانسكية في ألمانيا، وفقاً لمؤسسة قصور وحدائق تورينغن، التي تشير إلى أن الموقع يحتفظ بقدر نادر من النسيج المعماري الأصلي من العصور الوسطى العليا.


قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
TT

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)
كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

كم مرة وجدت نفسك تؤجل مهمة ضرورية إلى وقت لاحق؟ مشروع عمل يتراكم، أو كومة من الملابس تنتظر الطي، أو فاتورة تؤجل سدادها يوماً بعد يوم. التسويف سلوك شائع يكاد لا يسلم منه أحد، وغالباً ما يبدأ بنية بسيطة للتأجيل، لكنه يتحول سريعاً إلى عادة مرهقة تعيق الإنجاز. لكن ماذا لو وُجدت طريقة سهلة وسريعة تساعدك على كسر هذه الحلقة، وتمنحك دفعة فورية للبدء؟ هنا تبرز «قاعدة الثواني الخمس» بوصفها إحدى أكثر الأساليب بساطة وانتشاراً لمواجهة التسويف.

وحسب موقع «فيري ويل هيلث»، تُعد هذه القاعدة أداة عملية يمكن تطبيقها فوراً لتحفيز النفس على اتخاذ الخطوة الأولى نحو إنجاز المهام.

ما هي قاعدة الثواني الخمس؟

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة. وقد ابتكرتها المؤلفة ومقدمة البودكاست ميل روبنز، التي قدّمتها وشرحتها في كتابها «قاعدة الثواني الخمس» (The 5 Second Rule).

تقوم الفكرة على مبدأ بسيط: عندما تشعر بضرورة القيام بمهمة ما، أو حتى برغبة في إنجازها، تبدأ فوراً بالعد التنازلي من الرقم خمسة إلى الرقم واحد، ثم تتحرك مباشرة لتنفيذها دون تردد.

على سبيل المثال، إذا كنت مستلقياً صباحاً تتصفح هاتفك بلا هدف، وخطر ببالك أنه ينبغي عليك النهوض لتنظيف أسنانك أو تناول الإفطار، فإن هذه القاعدة تدفعك إلى التحرك فور انتهاء العدّ، بدلاً من الاستسلام للتفكير المطوّل أو التأجيل. فهي تُحفّز الجزء المسؤول عن اتخاذ القرار في الدماغ، مما يساعد على بدء التنفيذ قبل أن يتدخل التردد.

كيف تعمل هذه القاعدة؟

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير، أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق، ثم تمتد هذه الدقائق إلى ساعات أو حتى أيام. وهنا يأتي دور «قاعدة الثواني الخمس» التي تعيد تركيزك إلى اللحظة الراهنة، وتساعدك على كسر نمط المماطلة عبر اتخاذ إجراء فوري.

توضح راشيل إيسيب، مدربة الإنتاجية، أن هذه القاعدة «يمكن أن تعزز إنتاجيتك؛ لأنها تخلق شعوراً بالإلحاح والأهمية تجاه إنجاز مهمة معينة أو مجموعة من المهام».

من جانبه، يشرح كيفن كونور، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Modern SBC»، الأساس النفسي لهذه القاعدة قائلاً: «صُممت أدمغتنا لحمايتنا من الشعور بعدم الارتياح، وهو ما يدفعنا غالباً إلى تجنب المهام الصعبة أو المرهقة أو التي تبدو كبيرة ومعقدة. إن العد التنازلي يُنشّط القشرة الجبهية الأمامية، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرارات. وهذا التحول الذهني البسيط قد يكون كافياً لتجاوز الشك والبدء في التحرك، قبل أن يضغط الدماغ على زر التوقف».

ما فوائد هذه القاعدة؟

تؤكد الدكتورة إيلينا توروني، اختصاصية علم النفس، أن «قاعدة الثواني الخمس» تمثل أداة فعالة لكسر حلقة الإفراط في التفكير والتسويف، إذ تمنح الأفراد وسيلة بسيطة لتجاوز التردد والبدء في العمل.

وتضيف أن هذه القاعدة، من خلال خلق نوع من الزخم والاندفاع، تساعد على بناء الثقة بالنفس، وتقليل الشك الذاتي، وتعزيز الدافع والتحفيز مع مرور الوقت.

ويرى كونور أن فوائد هذه القاعدة لا تقتصر على زيادة الإنتاجية فحسب، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية بشكل عام. فالتسويف والإفراط في التفكير غالباً ما يرتبطان بمشاعر سلبية مثل التوتر، وتأنيب الضمير، والتشكيك في القدرات الذاتية.

ويختتم قائلاً: «إن كسر هذه الحلقة، حتى عبر خطوات صغيرة جداً، يمكن أن يعزز الثقة بالنفس، ويخفف القلق، ويمنح الإنسان شعوراً بالهدف. فالأمر لا يتعلق فقط بإنجاز المزيد من المهام، بل بالشعور بقدر أكبر من السيطرة على يومك وحياتك».


أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)
القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط مع الخصائص والسمات المتباينة للأجواء والجغرافيا العربية.

وتشير البيانات الجوية الصادرة حديثاً إلى أن الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، تتأثر بعاصفة شتوية قوية نادرة نسبياً خلال هذا الوقت من العام، بسبب تشكل منخفض جوي عميق ناتج عن حدوث تفاعل معقد بين كتل هوائية باردة مقبلة من المنطقة القطبية وأخرى مدارية دافئة، مما يؤدي إلى اضطرابات جوية شديدة، تتمثل في انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، وأمطار غزيرة، ونشاط قوي للرياح، مع احتمالية حدوث ظواهر جوية متطرفة.

ووفق الخبراء، فإن حالة الطقس الحالية ذات طابع إقليمي واسع النطاق، وتشمل تأثيراتها أجزاء كبيرة من الدول العربية جنوب البحر المتوسط ومناطق الخليج والشام والعراق، مع استمرار التحذيرات من أن هذه الظواهر الجوية قد تمتد كذلك إلى إيران وتركيا.

علماء أرجعوا التقلبات الحادة إلى تغير المناخ (الشرق الأوسط)

قال الدكتور مصطفى عصام، مدرس في قسم الفلك والأرصاد الجوية وعلوم الفضاء في كلية العلوم بجامعة القاهرة المصرية: «تتعرض منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام لآثار توزيع معين للكتل الهوائية، إذ تشهد المنطقة تحرك منخفض جوي اتجه من شمال أوروبا إلى حوض البحر المتوسط، خلال يومي، الثلاثاء والأربعاء، حيث يؤثر على دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط، ويكمل مسيرته عبوراً للبحر الأحمر، ليمتد تأثيره إلى دول الخليج وبلاد الشام.

مرتفع الأورال

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن سبب تحرك هذا المنخفض الجوي من شمال أوروبا إلى الجنوب هو وجود مرتفع جوي معروف بمرتفع الأورال، من سماته إجبار أي منخفض يتكون على المحيط الأطلسي بالاتجاه جنوباً، وبالتالي ظهور تأثيره على الدول العربية.

ويأتي المنخفض الجوي قادماً من أوروبا عبر البحر المتوسط محملاً بكمية كبيرة من بخار الماء، ويعزز الإشعاع الشمسي في هذا الوقت من العام وجود كمية كافية من الطاقة الحرارية التي تؤدي إلى تكوُّن السحب الرعدية.

وأوضح عصام أن تأثير هذا المنخفض الجوي يستمر ليصل إلى السعودية مع احتمال كبير جداً لوجود السحب الرعدية وكميات من الأمطار على المناطق الغربية ووسط وشمال المملكة، والتي تتحرك باتجاه الشرق، وصولاً إلى المنطقة الشرقية من الجزيرة العربية والكويت والعراق والإمارات والبحرين وقطر وعمان، فجر يوم الجمعة.

فيضانات بجزر الكناري الإسبانية (إ.ب.أ)

وكان المركز الوطني للأرصاد في السعودية قد أصدر تحذيراً بشأن احتمال تشكّل أعاصير قمعية وشواهق مائية في البحر الأحمر ومناطق أخرى متأثرة بحالة مطرية نشطة. كما توقع المركز استمرار هطول أمطار رعدية تتراوح بين متوسطة وغزيرة اليوم (الأربعاء)، قد تؤدي إلى جريان السيول، وتكون مصحوبة بزخات من البرد ورياح شديدة السرعة مثيرة للأتربة والغبار، ما قد يتسبب في تدنٍ أو شبه انعدام في مدى الرؤية الأفقية.

وكتب الدكتور محمد الألفي، أستاذ الهيدروجيولوجيا ونظم المعلومات والاستشعار عن بعد في كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، على صفحته في منصة «فيسبوك»: «تعد هذه الحالة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع في مصر والمنطقة العربية».

عوامل متزامنة

وأضاف أن موجات عدم الاستقرار هذه تنشأ نتيجة لتضافر عدة عوامل متزامنة، وهي المنخفض الجوي المتوسطي، حيث تتسم موجات الربيع بتكون منخفضات جوية تنشأ فوق البحر المتوسط، تحمل معها هواءً رطباً وبارداً. ويحفز هذا الهواء الرطب تكون السحب الركامية والرعدية، خصوصاً حين يلتقي بالهواء الدافئ القادم من الجنوب.

وأضاف أن العامل الثاني هو التباين الحراري الحاد، إذ يأتي عدم الاستقرار بالتزامن مع ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة على جنوب البلاد، مما يخلق حالة من التباين الحراري الحاد بين الشمال والجنوب، وهو ما يحفز تكون السحب الرعدية الممطرة.

من جانبه، وصف الدكتور عمر فكري، الحاصل على درجة الدكتوراه في الفيزياء الفلكية، رئيس القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية سابقاً، مثل هذه الظواهر بأنها «ظواهر مناخية متطرفة وغير متوقعة على كوكب الأرض، موضحاً أن مثل هذه الظواهر لا تقتصر على منطقتنا العربية فقط، إنما تحدث الآن لكن بتأثير معاكس على مناطق مقابلة في نصف الكرة الجنوبي أيضاً، ولكن في صورة ظواهر مناخية شديدة الحرارة والجفاف مصحوبة بوقوع حرائق في تلك المناطق.

تطور غير متوقع

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مثل هذه الظواهر هي تطور غير متوقع في الظروف الجوية على كوكب الأرض، إذ إن الله خلق كوكب الأرض ليكون متزناً حرارياً، ولكن مع ارتفاع مستويات الاحتباس الحراري ارتفع المحتوى الحراري لكوكب الأرض بشكل عام، وبالتالي ظهور مثل هذه الظواهر المناخية المتطرفة وغير المعتادة.

أحد شوارع الجيزة المصرية غارق في الأمطار (الشرق الأوسط)

من جانبه، قال عصام إن هذه الظواهر المناخية تعد من الأمور المعتادة، ولكن ليس من الضروري حدوثها في كل عام، لأن من خصائص الجو التباين السنوي وفق توزيعات الكتل الهوائية التي تتأثر بالكتلة الجليدية في القطب الشمالي، والكتلة الهوائية القطبية التي تسبب تغير مسار المنخفضات الجوية الطبيعية.

وفيما يتعلق بتعزيز التغير المناخي لمثل هذه الظواهر الجوية، أوضح أن الدراسات العلمية أثبتت أن المرتفعات الجوية التي تسبب تحرك تلك المنخفضات للجنوب تزيد في الشدة، كما تزيد في مدة بقائها بفعل التغير المناخي، وبالتالي تزيد من تأثير الأجواء الممطرة أو الأجواء الجافة، وفق مكان تكون المرتفع، كما حدث في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) من هذا العام، حيث كانت الأجواء دافئة وجافة لمدة زمنية طويلة.