«شعبيات» مصرية وروحانيات الحج في معرض فني بالقاهرة

يضم أكثر من 50 لوحة ومرسم الراحل مصطفى الفقي

لوحة عن أحداث دنشواي ورصد الخوف والفزع على الوجوه (الشرق الأوسط)
لوحة عن أحداث دنشواي ورصد الخوف والفزع على الوجوه (الشرق الأوسط)
TT

«شعبيات» مصرية وروحانيات الحج في معرض فني بالقاهرة

لوحة عن أحداث دنشواي ورصد الخوف والفزع على الوجوه (الشرق الأوسط)
لوحة عن أحداث دنشواي ورصد الخوف والفزع على الوجوه (الشرق الأوسط)

بمجرد الدخول إلى قاعة «أفق»، بجوار متحف محمود خليل بالجيزة (غرب القاهرة) تتداخل الوجوه الشاحبة ذات الملامح المطموسة والروح الوارفة، في مشاهد متنوعة توحي بتفاصيل عدة، ومفردات ثرية مأخوذة من الأحياء الشعبية وحياة البسطاء في الريف والصحراء والأماكن القديمة المشحونة بالدفء في العاصمة المصرية القاهرة.

يمثل هذا المعرض الذي يضم أكثر من 50 لوحة، بالإضافة إلى جزء من مرسم الفنان مصطفى الفقي الذي رحل عن عالمنا قبل أسابيع عن عمر يناهز 87 عاماً، مقتطفات أو إضاءات على مشواره الفني، الزاخر بالمفردات الشعبية، فضلاً عن رصده رحلة الحج وأجواءها الروحانية، وفق ابنته الفنانة غادة الفقي.

مجموعة الحج تمثّل أبعاداً روحية في مشوار الفنان (الشرق الأوسط)

تتنوع أعمال الفنان الراحل لتكشف عن سمات مدارس فنية عدة، من بينها التعبيرية والتجريدية والتأثيرية، في مزيج يعبّر عن روح متفردة لها بصمتها المميزة في الحياة الفنية بمصر، وبألوانه اللافتة وشخوصه التي تحكي قصصاً دون أن تتحدث، يعيد صياغة الكثير من مشاهد التاريخ والحياة اليومية، مثل رسمه حادث دنشواي، وكذلك أحاديث البسطاء وتجمعاتهم في القرى والأحياء الشعبية بالمدينة.

لوحة «المسمط» من الأعمال المميزة للفنان الراحل مصطفى الفقي (الشرق الأوسط)

«أعتبره بمنزلة رمبرانت الشرق» بهذه الكلمات وصف الفنان ياسر جاد، القيّم على المعرض، الفنان الراحل مصطفى الفقي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا المعرض بمثابة ومضة من منجز الفنان الراحل، وكان مقرراً إقامته قبل رحيله»، مشيراً إلى أن مساحة العرض لم تسمح بتقديم حالة استعادية لمراحله المختلفة، فقد كانت لديه تجارب ومحطات فنية متعددة على مدى 55 عاماً.

وفي تناغم لوني لافت للانتباه، تتبارى الشخوص والأماكن والرموز لتفصح عن نفسها في لوحات المعرض. «لقد كان واحداً من المجربين المهمين جداً، على مستوى التقنية والحلول وطريقة الرسم نفسها، وفي الوقت نفسه لم يخرج بالتجريب خارج إطار الأكاديمية»، وفق جاد.

لوحة «المومياء» تعبّر عن تأثر الفنان بالحضارة المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وبتقنيات تجمع بين سمات المدرستين التعبيرية والتجريدية، استطاع الفنان الراحل أن يرصد معاني كبرى، مثل ثنائية الحياة والموت عبر رموز بسيطة وتقنيات مبتكرة، تمنح الفكرة ملمحاً كونياً، وفي الوقت نفسه تخرج من مفردات الحياة المصرية القديمة ورموزها، وهو ما يظهر في إحدى لوحات المعرض التي تعبّر عن تلك الثنائية، في رأي القيّم على المعرض.

وتوضح الفنانة غادة الفقي لـ«الشرق الأوسط» أن «اختيار اللوحات جاء ليعكس شخصية الفنان، الذي عُرف في حياته الفنية بلوحات الحمام، لكن هناك جانباً آخر بارزاً في مشواره الفني يتمثل في اهتمامه بتجسيد شخوص البسطاء والمهمشين في المجتمع المصري، والمناظر التي تعكس هذه الحالة، خصوصاً في الأحياء الشعبية، وهو ما ركزنا عليه في المعرض لأنه يعكس روح الفنان».

«القرنة» من اللوحات التي ترصد الطبيعة المصرية ومنازل البسطاء (الشرق الأوسط)

بيئات مصرية متنوعة تناولها الفنان، مثل قلعة شالي في سيوة، والأقصر، في الصحراء، الريف، الأحياء الشعبية في القاهرة، جميعها كانت حاضرة في أعمال الفنان؛ لتعبر عن حالة مصرية أصيلة في كل التفاصيل.

مشاهد متنوعة من شارع القلعة وشارع العز والفخارين زخرت بعها لوحات الفنان، وحرصت غادة أيضاً على عرض لوحات للفنان في أسفاره خارج مصر، منها لوحات في إيطاليا وتأثره بالبيئة الأوروبية، وكذلك أعماله في المدينة المنورة، حيث قضى في السعودية 6 سنوات وتأثر كثيرا بمناسك الحج والعمرة ورصدها في الكثير من اللوحات التي توضح التوحد في أجواء روحانية، كما رسم الطواف حول الكعبة ورمي الجمرات، وجسّد بفرشاته حالة التوحد في سلوك واحد واتجاه واحد، وكأن كل هذه الجموع البشرية كتلة واحدة، قدمها بحسه الفني بعد عودته إلى المدينة، وفق كلام غادة.

لوحة «رمي الجمرات» من مجموعة الحج للفنان الراحل مصطفى الفقي (الشرق الأوسط)

وتتجلى الروح الصوفية في مجموعة الحج بما تحمله من عمق وجداني يجسّد البعد الروحي للمكان، كما تزخر أعمال الفنان بالألوان الثرية التي تضفي قيمة وأبعاداً جديدة على الشخوص والمناظر، وفق الناقد الفني المصري صلاح بيصار في مقدمة كتيب المعرض تحت عنوان «مصطفى الفقي: دنيا النبض الشعبي وابتهالات الضوء».

 

يبدأ المعرض بلوحة عمال السكة الحديد، وهو مشروع التخرج للفنان مصطفى الفقي عام 1964، في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، التي عمل أستاذاً بها كما عمل أستاذاً للفنون في الكويت والسعودية، وينتهي بآخر لوحات الفنان بعنوان «صندوق الدنيا»، المليئة بالتفاصيل والشخوص والأحداث، وكأنه كان يحشد زخم الحياة كلها في هذه اللوحة إيذاناً بالرحيل.

يأخذ أفكاره ويُعمل خياله من مفردات البيئة الشعبية التي اختبرها وتأثر بها، وكذلك المفردات المصرية القديمة، جميع لوحاته خارجة من المجتمع الذي يعيش فيه، وهذا ما يقرّبه أكثر للعالمية، فكلما استغرق الفنان في بيئته الشعبية تجلت خصوصيته وتميزه، وهو ما يظهر في لوحات مثل «المسمط» أو «قرية القرنة» أو «بائع البطاطا»، وفق القيّم على المعرض.

«صندوق الدنيا» آخر لوحات الفنان الراحل (الشرق الأوسط)

لم تكن قرية القرنة بالأقصر قد أزيلت بعد حين زارها الفنان الراحل؛ لذلك جسَّدها بألوان البيوت المصطفة في سفح الجبل، لكن تجمعها حالة من الدفء الإنساني اختزنها الفنان ورصدها في لوحة من أهم أعماله.

وتضيف غادة أن «اللوحات التي تعبّر عن تأثر الفنان بالفن المصري القديم تظهر مرتبطة بأحداث غالباً مثل موكب المومياوات، فعلى أثر هذا الحدث رسم لوحة المومياء على ورق البردي، وفي فترة التسعينات اتجه الفنان إلى الفن المودرن ووقتها رسم لوحات (سر الهرم) و(المدمن) فقد كان متجدداً وينحو إلى التجريب طوال الوقت».

جزء من مرسم الفنان يحتوي على مقتنياته (الشرق الأوسط)

توفي الفنان مصطفى الفقي في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وقبل وفاته بأسبوع كان مستمراً في الرسم رغم المرض، ويتضح ذلك من «باليتة الألوان» التي تقول غادة إنها كانت لا تزال سائلة، وقد عرضتها في جزء خاص بالفنان يتضمن أجواء مرسمه ومقتنياته الخاصة، حيث كان يهوى جمع التحف، خصوصاً ذات الطابع الشعبي ويزيّن بها مرسمه، وكانت هذه التحف بشكل غير مباشر مصدر إلهام له.


مقالات ذات صلة

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

يوميات الشرق قلادة تحمل ثقل قرن من الفقدان (معرض مانشستر للفنون)

«جوهرة الحِداد» تفكّ شفرة لوحة غامضة بعد 400 عام

أُعيد اكتشاف «جوهرة حداد» تعود إلى عصر «هامنيت» (نجل شكسبير)، بعد مرور 4 قرون على تخليدها في إحدى أكثر اللوحات العائلية غموضاً وشهرة في بريطانيا...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

بألوان تشع بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
TT

عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)
في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)

أغلقت إدارة المتنزهات الوطنية الأميركية أجزاء من متنزه «غريت سموكي ماونتنز» أمام الجمهور، في أعقاب سلسلة من المواجهات العنيفة مع دببة عدوانية شهدتها منطقتان خلال عطلة نهاية الأسبوع، وصلت في بعض الحالات إلى حد مطاردة الزوار وعقرهم.

ووفق بيان للإدارة نقلته «سي بي إس نيوز»، استجاب الحراس لـ3 حوادث منفصلة على مسار «رامزي كاسكيدز» الشهير المؤدّي إلى شلالات المياه، بالإضافة إلى 3 حوادث أخرى على مسار «أبرامز فولز» المؤدّي إلى شلالات أخرى.

وفي تفاصيل المواجهات بالقرب من «رامزي كاسكيدز»، أفادت السلطات بأنّ دبَيْن «اقتربا من الزوار واستوليا على حقيبتي ظهر»، بينما أظهر دبّ ثالث «سلوكاً هجومياً وطارد مجموعة من المتنزهين لمدّة وجيزة». وبناءً على ذلك، ظلَّ مسار «رامزي كاسكيدز» والطريق المؤدّي إليه مغلقَيْن حتى يوم الاثنين، مع استمرار الحراس في مراقبة المنطقة بحثاً عن أي نشاط للدببة.

أما الحوادث الثلاثة الأخرى التي وقعت قرب «أبرامز فولز»، فقد كان بطلها «دبّ أسود عدواني»، عقر زائراً داخل منطقة مغلقة في إحدى المرات. ورغم إغلاق المسار والطريق المؤدّي إليه لأيام، فقد أُعيد فتحهما يوم الاثنين، بعد استقرار الأوضاع وعدم رصد أيّ نشاط عدائي جديد.

ويحتضن متنزه «غريت سموكي ماونتنز»، وهو محمية طبيعية شاسعة تمتد عبر ولايتَي كارولاينا الشمالية وتينيسي، نحو 1900 دبّ أسود. ويُعدّ المتنزه الأكثر زيارة في الولايات المتحدة، وهو ما تعزوه إدارة المتنزهات إلى «مزيج من كثافة الزوار وازدهار عشيرة الدببة، ممّا يرفع احتمال حدوث مواجهات بين البشر والحيوانات».

وتوضح إدارة المتنزهات أنّ نشاط الدببة السوداء يزداد في المتنزه خلال فصل الربيع؛ حيث تخرج الأمهات من أوكارها برفقة صغارها بحثاً عن الطعام الذي قد يكون شحيحاً في وقت مبكر من الموسم.

وحذرت الإدارة قائلةً: «بما أنّ هذه المدّة تُعدّ حسّاسة جداً للأمهات وصغارها، فإنّ الاقتراب الزائد قد يسبب لها توتراً ويؤدّي إلى مواجهات غير آمنة». وناشدت الزوار ضرورة «ترك مسافة كافية» للدببة، وتخزين الطعام والنفايات بـ«مسؤولية»، وتوخّي الحذر التام خلال السير في المسارات.

يُذكر أنّ إدارة المتنزهات كانت قد حذَّرت الصيف الماضي من إطعام الدببة السوداء، بعد رصد ازدياداً في الحالات التي يُقدّم فيها السياح الطعام للحيوانات عمداً، ووصل الأمر إلى حدّ تحرير مخالفة بحق أحد الزوار لإطعام أم وصغيريها.

وأوضحت السلطات حينها أنّ إطعام الدببة يُعرّض حياتها للخطر، لأنّ اعتيادها على طعام البشر، وعلى البشر أنفسهم، قد يدفعها للبحث عنهم واعتراض طريقهم، ممّا يضع الزوار والحيوانات على السواء في دائرة الخطر.


«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
TT

«الشجرة المعجزة» تتحدَّى البلاستيك

بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)
بذور تعيد إلى الماء صفاءه (شاترستوك)

كشفت دراسة حديثة، استغرقت سنوات من البحث، عن أنّ بذور نوع شائع من الأشجار تتفوَّق في كفاءتها على البدائل الكيميائية المُستخدمة في تنقية المياه من الملوّثات البلاستيكية الدقيقة.

ويمكن لبذور شجرة «المورينغا» (أو الأكاسيا البيضاء)، وموطنها الأصلي دول آسيوية، أن توفّر وسيلة مُبتكرة لترشيح الجسيمات البلاستيكية الدقيقة (الميكروبلاستيك) التي يتزايد وجودها في إمدادات مياه الشرب البشرية.

ويُستخدم مُستخلص ملحي من هذه البذور لتعزيز عملية «التخثر»، ممّا يؤدّي إلى تكتل الميكروبلاستيك داخل المياه وحبسه، ليسهل التخلص منه.

وتُعرف «المورينغا» بـ«الشجرة المعجزة»، نظراً إلى استخدام أوراقها وبذورها الغنية بالعناصر الغذائية غذاءً للبشر، وإنما الباحثون عكفوا لسنوات على دراسة إمكانات بذورها في معالجة المياه.

وفي هذا السياق، قالت الباحثة المشاركة في الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «إيه سي إس أوميغا»، من جامعة ولاية ساو باولو، غابرييل باتيستا: «أثبتنا أنّ المُستخلص الملحي للبذور يؤدّي دوراً مماثلاً لكبريتات الألمنيوم المستخدمة في محطات معالجة المياه لتخثير المياه المحتوية على الجزيئات البلاستيكية الدقيقة. بل إنّ أداءه تفوَّق على المنتج الكيميائي في المياه الأكثر قلوية».

النبات حين يهزم البلاستيك (شاترستوك)

وركزت الدراسة على معالجة المياه عبر تقنية «الترشيح المباشر»، حيث يجري تخثّر المياه لزعزعة استقرار الجزيئات الملوّثة قبل تمريرها عبر مرشح رملي.

وتُعدّ عملية التخثر ضرورية، لأنّ الملوّثات، مثل الميكروبلاستيك، تحمل شحنة كهربائية سالبة على أسطحها، ممّا يجعلها تتنافر مع بعضها ومع رمال المرشحات. وهنا يأتي دور «المورينغا»، التي يمكن صنع مستخلصها الملحي في المنزل، لتُعادل هذه الشحنات وتسمح للملوّثات بالتكتُّل والترسُّب.

من جانبه، صرَّح منسق البحث البروفسور أدريانو غونسالفيس دوس ريس: «هناك رقابة تنظيمية متزايدة ومخاوف صحية بشأن استخدام المخثرات القائمة على الألمنيوم والحديد، لكونها غير قابلة للتحلُّل الحيوي، وتترك سموماً متبقّية، وقد تشكل خطراً للإصابة بالأمراض. لهذا السبب، يتكثَّف البحث عن بدائل مستدامة».

ولاختبار كفاءة «المورينغا»، استخدم الباحثون مياه صنبور ملوثة عمداً بمادة «بوليفينيل كلوريد» (PVC)، وهي أحد أخطر أنواع البلاستيك على صحة الإنسان، نظراً إلى قدرتها الموثَّقة على إحداث طفرات جينية وأورام سرطانية. ويا للأسف، تنتشر هذه المادة بكثافة في المسطَّحات المائية، وحتى في المياه المعالجة بالعمليات التقليدية.

وعرّض الفريق أيضاً مادة «بوليفينيل كلوريد» لتقادم اصطناعي باستخدام الأشعة فوق البنفسجية، لمحاكاة العمليات الطبيعية، مثل التحلُّل الناتج عن ضوء الشمس والمياه، وإعادة إنتاج خصائص الجسيمات البلاستيكية الدقيقة المتقادمة طبيعياً.

بعد ذلك، عُولجت المياه الملوّثة بعملية التخثر باستخدام بذور «المورينغا»، ثم تصفيتها بواسطة «اختبار الوعاء»، وهو جهاز يُحاكي عمليات معالجة المياه على نطاق صغير.

وقُورنت النتائج بعد ذلك بنتائج الاختبارات عينها التي أُجريت على مياه عُولجت باستخدام كبريتات الألمنيوم.

واستخدم الفريق المجهر الإلكتروني الماسح (SEM) لإحصاء جزيئات الميكروبلاستيك قبل المعالجة وبعدها. وأفاد الفريق بأنه لم يُعثَر على «أي اختلافات جوهرية» في كفاءة إزالة الجزيئات.

ويختبر الفريق حالياً مستخلص بذور «المورينغا» باستخدام مياه الأنهار، وذكر الباحثون أنّ تجاربهم أظهرت حتى الآن أنّ منتج «المورينغا» «أثبت فاعلية كبيرة في معالجة المياه الطبيعية» أيضاً.

Your Premium trial has ended


في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
TT

في مواجهة شحّ التبغ في القطاع... الغزيون يدخنون الملوخية

بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)
بائع فلسطيني يبيع سجائر مصنوعة من أوراق الملوخية المجففة كبديل للتبغ (رويترز)

لم تعد الملوخية مجرد طبق تقليدي على موائد السكان في قطاع غزة، بل تحوّلت، تحت وطأة الحرب وشحّ التبغ، إلى بديل غير مألوف للسجائر، بعدما بات مدخنون يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها.

وبحسب «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد ازداد انتشار هذا البديل بين المدخنين بعدما قفز سعر السيجارة الواحدة من نحو شيقل (0.33 دولار) إلى ما يعادل أربعين ضعفاً، بعد أكثر من عامين من الحرب الإسرائيلية في القطاع الذي يعاني نقصاً حاداً في المواد الأساسية.

وفي أحد شوارع مدينة غزة، يخلط البائع المتجوّل أبو يحيى حلس أوراق الملوخية المجففة والمفتتة مع سائل النيكوتين داخل كيس صغير، قبل أن يرجّه للحصول على مادة خضراء تُلفّ كسجائر وتُباع للزبائن.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا تُعدّ هذه بديلاً عن السجائر، إذ تتكون من أوراق الملوخية المُطعّمة بالنيكوتين، خلافاً للسجائر المصنوعة من التبغ»، مضيفاً أنّ الناس يلجأون إليها كخيار اضطراري في ظل غياب السجائر المستوردة وارتفاع أسعارها، رغم اعتقاده بأنها لا تُحدث التأثير ذاته.

بائعون فلسطينيون يبيعون السجائر المصنوعة من الملوخية (رويترز)

وتشهد شوارع المدينة ازدحاماً بالمارة والزبائن، فيما تنتشر بسطات لبيع هذه السجائر بين خيام النازحين وأكوام الركام التي خلّفتها الحرب.

ويقول بائع آخر، يدعى محمد حلس، إنّ «تدخين الناس لسجائر الملوخية ليس خياراً بل ضرورة بالنسبة لهم، لو توفرت السجائر لن نرى سجائر الملوخية».

غير أنّ هذا البديل نفسه لا يتوافر دائماً، سواء المنتج محلياً أو المستورد، في ظل القيود التي تفرضها إسرائيل على دخول البضائع إلى القطاع. ولا تصلح للزراعة سوى نحو أربعة في المائة من الأراضي، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

مواد سامة؟

يثير تدخين هذه السجائر مخاوف متزايدة بشأن مخاطرها الصحية، في ظل غياب معلومات واضحة عن مكوّناتها.

ويقول وليد النعيزي: «تُصنع هذه السجائر من أعشاب مثل الملوخية وأوراق الخروع وأصناف أخرى، ولا نعلم ما إذا كانت سامة أم لا»، مضيفاً أنّ مواد سائلة مجهولة تُضاف إليها، «ولا نعرف إن كانت نيكوتين أو سموماً أو حتى مبيدات حشرية».

رجل فلسطيني يلفّ السجائر باستخدام أوراق الملوخية المجففة (رويترز)

ورغم هذه المخاوف، يؤكد أنّ كثيرين يجدون أنفسهم مضطرين لتدخينها.

وقال أبو محمد صقر (47 عاماً): «أنا لا أستمتع بها لكنني أمسك سيجارة وأنفث دخاناً... ليس الوقت مناسباً للإقلاع عن التدخين في ظل ما نعيشه».

من جهتها، تقول نيفين سمير (53 عاماً) إنها غيّرت عاداتها، موضحة: «كنت أدخن علبة يومياً منذ عشرين عاماً، أما الآن فأدخن بضع سجائر من الملوخية».

وتضيف النازحة في خيمة في خان يونس: «طعمها ورائحتها سيئان، وأدخنها ربما للتنفيس عن الغضب أو لمجرد الإحساس المصاحب لفنجان قهوة سيئ المذاق أيضاً».

المدخنون باتوا يجففون أوراقها ويخلطونها بسائل النيكوتين قبل لفّها وتدخينها (رويترز)

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بخرقه، فيما قُتل ما لا يقل عن 784 فلسطينياً منذ سريانه، وفق وزارة الصحة التابعة لـ«حماس» في غزة.

واندلعت الحرب إثر هجوم غير مسبوق شنّته «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، أسفر عن مقتل 1221 شخصاً، بحسب أرقام إسرائيلية رسمية.

وردّت إسرائيل بحملة عسكرية واسعة خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل في القطاع.