السينما الليبية تتكبد فاتورة «أخطاء الساسة»

بعد إغلاق 24 دار عرض... وقلة الدعم المادي

مشهد من الفيلم الليبي القصير «عصفور طل من الشباك» للمخرج أمجد أبو زويدة (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم الليبي القصير «عصفور طل من الشباك» للمخرج أمجد أبو زويدة (الشرق الأوسط)
TT

السينما الليبية تتكبد فاتورة «أخطاء الساسة»

مشهد من الفيلم الليبي القصير «عصفور طل من الشباك» للمخرج أمجد أبو زويدة (الشرق الأوسط)
مشهد من الفيلم الليبي القصير «عصفور طل من الشباك» للمخرج أمجد أبو زويدة (الشرق الأوسط)

تكبّدت السينما الليبية فاتورة «باهظة» للقرارات السياسية على مدى عقود، منذ عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، أُصيبت خلالها عناصر الصناعة بنوع من الشلل، وفق ما رصده سينمائيون ليبيون.

ومن أهم المشكلات، المستمرة بعد أكثر من عقد على قيام ثورة فبراير (شباط) 2011، نقص التمويل، وغياب دور العرض والمعاهد المتخصصة، إلى جانب تراجع ذائقة الجمهور تجاه «الفن السابع».

وعلى مدار عقود، اختفت نحو 24 دار عرض سينمائي في ليبيا بعدما طالها الإهمال، أو تم نزع ملكيتها، علماً بأن هذه الدور كانت تعرض أحدث الأفلام الأجنبية والعربية قبل عرضها في البلدان التي أُنتجت فيها، وفق متابعين.

ويقول المخرج السينمائي الليبي فرج معيوف لـ«الشرق الأوسط» إن الفن السابع في البلاد «دفع فاتورة أخطاء السياسة التي أثرت سلباً على صناعة السينما وحضورها في المجتمع، خصوصاً في عصر القذافي الذي منع دور العرض، وهو وضع لم يشهد تحسناً يذكر بعد ثورة فبراير 2011».

وفي حين كان نظام القذافي يرى في السينما «غزواً ثقافياً»، فإن حكومات ما بعد ثورة فبراير قد توارثت هذا الإهمال، وهو ما أظهر جانباً منه هدم «دار الرشيد» منذ 3 سنوات، التي عُرفت بوصفها واحدةً من أقدم دور العرض السينمائي في ليبيا منذ العهد الملكي.

من تكريم رواد السينما الليبية في «مهرجان بنغازي للفيلم القصير» (الشرق الأوسط)

وسبق أن رصدت تقارير إعلامية محلية ودولية، ومن بينها وكالة الأنباء الصينية (شينخوا) أطلال دور العرض السينمائي في ليبيا، التي سُرقت غالبية تجهيزاتها من كراسي، وأخشاب، وحتى عوازل الجدران.

وفي محاولة للتغلب على هذه التحديات التي لم تجد حلولاً عند الحكومتين في غرب وشرق البلاد حتى الوقت الحالي، انخرط جيل جديد من شباب السينمائيين الليبيين في الأعوام الأخيرة ضمن ما يُعرف بـ«تيار السينما المستقلة».

من بين هؤلاء، مخرج الأفلام القصيرة الليبي أمجد أبو زويدة، الذي فاز أخيراً بجائزة «مهرجان بنغازي السينمائي للفيلم القصير» عن فيلمه الروائي «عصفور طل من الشباك»، بالمشاركة مع زميله مالك الزنتوني. يذكر أن فعّاليات «مهرجان بنغازي للفيلم القصير» أُقيمت في المسرح الشعبي للمدينة قبل أيام.

ورغم أن أبو زويدة لا يخفي سعادته بهذه الجائزة، فإنه يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نضطر لعرض الأعمال السينمائية في المسارح؛ للتغلب على غياب دور العرض السينمائي».

وبحسب أبو زويدة، فاختفاء دور العرض ليست المشكلة الوحيدة، فهناك أيضاً نقص التمويل والإنتاج، ويرجع ذلك إلى «استمرار هيمنة الدولة على الإنتاج السينمائي، وعدم وجود شركات إنتاج خاصة»، ويضيف: «كان الحل هو الاعتماد على التمويل الذاتي للخروج بـ(عصفور طل من الشباك) إلى النور».

ويخضع الإنتاج السينمائي في ليبيا لـ«الهيئة العامة للسينما والمسرح والفنون»، التي تأسست بعد ثورة فبراير، لتكون وريثة «الشركة العامة للخيالة» (هيئة حكومية للسينما في عهد النظام السابق).

ويقول مهتمون بالسينما في ليبيا، إن الفن السابع سجّل وجود شركات ليبية خاصة، لكن، بدأ التراجع في سبعينات القرن الماضي مع تأميم الصناعة بأكملها، وضم كل دور العرض والعاملين إلى «الشركة العامة للخيالة»، لتصل الأخيرة إلى التصفية بالكامل في عام 2003 بقرار من النظام السابق.

وفي محاولة وُصفت بـ«الإصلاحية» قادها سيف الإسلام، نجل العقيد معمر القذافي، قبل إسقاط نظام والده بنحو عامين، أبرمت الحكومة اتفاقات مع شركات أجنبية لإعادة تأهيل دور السينما والمسارح، بيد أن هذا المشروع توقف عقب اندلاع الثورة عام 2011.

المخرج أمجد أبو زويدة (الثاني من اليسار) يحمل جائزة «مهرجان بنغازي للفيلم القصير» (الشرق الأوسط)

وإلى جانب مشكلات الإنتاج السينمائي وقلة دور العرض، فإن هناك عقبة أخرى في نظر المخرج فرج معيوف، وهي «عدم وجود معاهد متخصصة للفن السابع في البلاد»، إذ تقتصر الدراسة على «المعهد العالي لتقنيات الفنون» في العاصمة، الذي يبعد عن مدينته، البيضاء، 1000 كيلومتر. ويقول معيوف: «نعاني معضلة على صعيد المناهج التعليمية والمتخصصين، فمخرجات التعليم أقل جودة وكثافة من نظيراتها في دول الجوار».

وفي المحصلة، فإن تراكم هذه المشكلات ألقى بظلال سلبية على ذائقة الجمهور الليبي، ليوجد جيل حُرم من شباك التذاكر والعروض السينمائية، وربما يحتاج إلى جهود مضنية لإعادة الروح إلى هذه الذائقة، حسب معيوف.

ورغم ذلك، فإن الأمل لا يفارق أجيالاً من السينمائيين الليبيين الجدد، من بينهم أمجد أبو زويدة، في استعادة الفترة الذهبية للإنتاج السينمائي الليبي، وقتما شاركت ليبيا في إنتاج أعمال سينمائية مشتركة حظيت بشهرة عالمية واسعة؛ مثل «أسد الصحراء»، و«عمر المختار»، و«الرسالة».


مقالات ذات صلة

ثلاثة أفلام تختبر الغضب والخوف والمصير في «فينيسيا»

يوميات الشرق بطلتَا «غضب» في مواجهة لا تخلو من المخاطر (ملف «مهرجان فينيسيا»)

ثلاثة أفلام تختبر الغضب والخوف والمصير في «فينيسيا»

كما العادة، يوفّر «مهرجان فينيسيا» أفلاماً كثيرة لا يمكن لأي امرئ مشاهدتها في 10 أيام أو حتى أسبوعين. لكنّ الأمر ليس في العدد، إنه في النوعية أولاً.

محمد رُضا (فينيسيا)
يوميات الشرق مرَّر «الأسد» إلى يدٍ أخرى واصطاد ابتسامتها (إ.ب.أ)

4 لقطات «مثالية» تفتح لجورج كلوني باب «وظيفة» جديدة

سلَّم النجم الأميركي جورج كلوني جائزة إنجازات العمر الممنوحة له إلى مصوِّرة «وكالة الصحافة الفرنسية»، تيزيانا فابي، ثم تولّى بنفسه مهمّة التصوير بكاميرتها...

«الشرق الأوسط» (فينيسيا)
يوميات الشرق حينما تبادل كلٌّ من بطليه الأدوار (الشركة المنتجة)

سينما الشباب لكسب رهان الإيرادات في الموسم الصيفي بمصر

يواصل فيلم «محمود التاني» تصدره المركز الأول في الإيرادات اليومية لأفلام الموسم الصيفي بالسينمات المصرية، بعدما حقق أكثر من مليون ونصف المليون جنيه.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)

كاميل بيلدسو: أردتُ أفغانستان خارج الصورة التي صنعها الغرب

عندما وصلت إلى أفغانستان للمرة الأولى كانت تعتقد أنها ستقدّم فيلماً عن الفتيات، لكنها اكتشفت سريعاً أن الفتيان أيضاً يُوضعون في ظروف شديدة الصعوبة.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا (2)

محمد رُضا (فينيسيا)

أقنعوا ضحاياهم بالاستثمار في أشجار كوستاريكا... واستولوا على 95 مليون دولار

تم إقناع الضحايا باستثمار مدخراتهم عبر زراعة الأشجار في كوستاريكا (رويترز)
تم إقناع الضحايا باستثمار مدخراتهم عبر زراعة الأشجار في كوستاريكا (رويترز)
TT

أقنعوا ضحاياهم بالاستثمار في أشجار كوستاريكا... واستولوا على 95 مليون دولار

تم إقناع الضحايا باستثمار مدخراتهم عبر زراعة الأشجار في كوستاريكا (رويترز)
تم إقناع الضحايا باستثمار مدخراتهم عبر زراعة الأشجار في كوستاريكا (رويترز)

حُكم بالسجن على 3 مديرين في شركة لزراعة الأشجار في بريطانيا بعد قيامهم بعملية احتيال استثمارية بقيمة 70 مليون جنيه إسترليني (95 مليون دولار)، حيث قاموا بخداع آلاف الأشخاص، بمَن في ذلك كثير من المتقاعدين، واستولوا على مدخراتهم.

وبعدما اعترفوا في يناير (كانون الثاني) بالذنب في جريمة التداول الاحتيالي، حُكم مؤخراً على ماثيو بيكارد بالسجن لمدة 6 سنوات، بينما حُكم على ستيفن غريناواي بـ5 سنوات و3 أشهر، وحُكم على بول لافر بالسجن لمدة 4 سنوات و6 أشهر، وفق ما ذكرته شبكة «سكاي» البريطانية.

وتم أيضاً استبعاد الثلاثي، الذين أنفقوا الأموال في قضاء عطلات فاخرة وشراء عقارات وسيارات فارهة ويخت ومجوهرات، من العمل بصفتهم مديرين لمدة 10 سنوات.

ولقد أقنع الثلاثي نحو 3 آلاف ضحية باستثمار مدخراتهم ومعاشاتهم التقاعدية في شركة «Ethical Forestry Ltd»، مع وعود بعائدات ضخمة من عملية زراعة الأشجار في كوستاريكا.

وكانت الشركة تتصل بالضحايا وتشترط على كل فرد منهم استثمار ما لا يقل عن 10 آلاف جنيه إسترليني (13.6 ألف دولار) للانضمام إلى الخطة الاستثمارية. وتم إغراء الضحايا بين عامَي 2008 و2015.

وتمت زراعة نحو مليونَي شجرة في الدولة الواقعة في أميركا الوسطى باستخدام هذه الأموال. لكن، لم يتم تخصيص أي شيء للحفاظ على الشتلات أو حصادها، مما يعني أن أموال المستثمرين لم يكن من الممكن أبداً أن تحقق أي عوائد.

وقال المدعي العام، كيفين دينت، لمحكمة ساوثوارك كراون التي تقع على الضفة الجنوبية لنهر التيمس في العاصمة البريطانية لندن: «كان عرض الشركة مزيجاً من التمويل والوعي البيئي، لقد عرضوا: استثمر معنا، ويمكنك أن تتوقع جني مبالغ ضخمة من المال وأيضاً جعل العالم مكاناً أفضل».

وانهارت شركة «EFL» في عام 2015؛ بسبب خسارة الأموال النقدية وفاتورة الضرائب الضخمة غير المدفوعة. وبذلك، فقد خسر المستثمرون أموالهم. وتُرك الضحايا يعتمدون على المساعدات الحكومية بعد أن تم الاستيلاء على مدخراتهم، وتعرض بعضهم لخطر فقدان منازلهم.


نصيحتان من «مُدرب المديرين»... كيف تدفع الآخرين للإنصات إليك؟

إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)
إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)
TT

نصيحتان من «مُدرب المديرين»... كيف تدفع الآخرين للإنصات إليك؟

إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)
إذا تعلمت أن تبدو وتتصرف كقائد فسيعاملك الناس كقائد (بيكسلز)

يقول جون بوي، الصحافي ومدرب الخطابة، في مقال على موقع «سي إن بي سي»: «بعد سنوات من تدريب المديرين التنفيذيين على التواصل الفعّال، أوافق على أن الملابس الأنيقة والوقفة الجيدة مفيدتان بلا شك. لكنهما لا تساعدانك في قيادة الناس أو الشركات».

تتلخص القيادة في إظهار حُسن التقدير باستمرار، وغالباً من خلال ما تقوله وكيف تقوله. الأشخاص الذين نراهم أصحاب سلطة يميلون إلى معرفة ما يقولونه قبل بقيتنا. يبدو أنهم ينقلون معنى أكثر بكلمات أقل، وينظمون الأفكار المعقدة بطرق بسيطة، والأهم: يعرفون متى يتوقفون عن الكلام.

ويضيف بوي: «هذه العادات تجعل الناس يرغبون في الاستماع إليك. إنها ليست قائمة على الشخصية، بل هي مهارات يمكنك تعلّمها». إليك أهم نصيحتين للبدء بهما:

تكلَّم أقل

تخيل أن شخصاً ما يسأل، في غرفة مليئة بالزملاء: «هل سيكون التقرير جاهزاً يوم الثلاثاء؟» قارن بين هاتين الإجابتين:

* «حسناً، آه، أعني، أعتقد أننا ربما سنتمكن من تجهيزه بحلول ذلك الوقت؟ ما زلنا ننتظر بعض الأرقام من فريق المالية، لكن بناءً على ما سيحدث هناك، بافتراض أننا سنحصل عليها صباح الاثنين أو حتى في وقت لاحق من الاثنين قبل، الساعة الثالثة، على ما أظن، إذن نعم، الثلاثاء يجب أن يكون ممكناً، أو هكذا نأمل».

* «نعم. سنجهّزه يوم الثلاثاء».

يشرح بوي: «في تجربتي، كلما كان الرتبة أعلى، كانت الإجابات أقصر. غالباً ما يكون لدى الموظفين الجدد إحساس مفرط بالذات، وإدراك محدود للغاية بأن الطرف الآخر لا يريد سماعهم يفكرون بصوت عالٍ أو يثبتون ذكاءهم. الإطالة في الشرح هي واحدة من أسرع الطرق لإضعاف هيبتك».

لذا، فإن الخطوة الكبرى الأولى نحو الحضور التنفيذي هي التخلص من الكلمات والعبارات الزائدة التي تعترض الطريق. إليك بعض الأنواع الشائعة مما أسميه «الضجيج اللفظي»، والتي يمكنك البدء بحذفها من كلامك:

الحشو

كلمات مثل «آه» و«أتعلم» تجعل آذان الجمهور وعقولهم تعمل بجهد أكبر، لكنها لا تضيف شيئاً لفهمهم.

عبارات التلطيف

هي كلمات أو جمل تضعف قوة العبارة دون تغيير مضمونها، مثل «أعتقد» و«ربما» و«نوعاً ما» و«أردت فقط أن أقول بسرعة...» و«إن كان هذا منطقياً».

الصياغة المتعثرة أو الكلمات الزائدة

استبدل «سبعة» بـ«نحو ستة أو سبعة»، واستبدل «إذا حصلنا عليها بحلول الساعة 3 من بعد ظهر الاثنين»، بـ«بافتراض أننا سنحصل عليها صباح الاثنين أو حتى في وقت لاحق من الاثنين قبل، مثلاً، الساعة 3 مساءً».

الرطانة

العبارات الاصطلاحية تُضعف انتباه جمهورك وتجعلك أصعب في الفهم. استخدم دائماً أبسط العبارات وأكثرها مباشرة.

الشرح الزائد

الإجابات التي تتجاوز نطاق السؤال تضعف ما تحاول توصيله بمعلومات غير ضرورية وغالباً غير مفيدة.

أعطِ الإجابة أولاً

يجب أن تبدأ كلامك بالإجابة، ثم اشرح السبب، مع تقديم ثلاث إلى خمس نقاط داعمة متميزة لكلامك.

يُكوِّن الناس أحكاماً حول المتحدثين بسرعة ملحوظة. إذا لم يعرفوا أين تتجه بحديثك خلال بضع ثوانٍ، فقد يفقدون التركيز ويبدأون في التساؤل عما إذا كنت تعرف ما تتحدث عنه. لكن إذا أعطيت الناس الإجابة أولاً، فمن المرجح أن يستمروا في الاستماع.

من الواضح أن ليس كل سؤال يصلح لإجابة مختصرة مثالية؛ فأنت لا تريد التبسيط المفرط أو إيصال يقين زائف. الهدف هو التمييز بين المعلومات التي يحتاج إليها جمهورك والمعلومات التي تصادف أن تعرفها أنت.

كلما تعلّمت التحدث بلغة موجزة وتقريرية، وكلما تدربت أكثر على تقديم إجاباتك أولاً، أصبح من الأسهل التوقف عن الاسترسال، وتقليص عاداتك اللفظية السيئة، وتقديم ردود تبدو مقصودة وسهلة المتابعة، حتى عندما يكون الموضوع معقداً. على الأرجح ستصبح أيضاً أقل توتراً وأكثر ثقة. وفي مرحلة ما، لن تحتاج إلى تصنّع أو «إظهار» السلطة. بل ستمتلكها.


ما أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك؟

تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)
تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)
TT

ما أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك؟

تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)
تربية الأطفال أمر صعب ومرهق (رويترز)

طرحت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) سؤالاً بشأن أفضل طريقة للتعبير عن حبك لأطفالك على خلفية الجدل الذي أثاره أسطورة كرة القدم الإنجليزية، مايكل أوين، هذا الأسبوع بعد تصريحه بأنه «لا يخبر أطفاله أبداً» بأنه يحبهم، رغم أنهم يمثلون بالنسبة له «أغلى ما في الوجود».

وقال الأب لأربعة أبناء، في مقابلة عبر بودكاست مع جيمي لينغ: «لا أقول شيئاً من هذا القبيل. أفترض ببساطة أن أفعالي ستُظهر لهم أنني أحبهم. وأعتقد أن معظمنا يتصرفون على هذا النحو».

وقالت «بي بي سي» إنه في حين أبدى البعض استغرابهم من تعليقات أوين، مؤكدين حرصهم الدائم على إخبار أطفالهم بمشاعرهم، فإنَّ آباء آخرين أشاروا إلى أنهم يشاركون المهاجم السابق وجهة نظره هذه.

وطرح هذا النقاش تساؤلاً مهماً: ما مدى أهمية الأفعال، أم الكلمات، أم كليهما؟

ويؤكد الخبراء أن شعور الطفل بالحب ينبع من أمور تتجاوز مجرد عبارة بسيطة.

وتقول الدكتورة باتريشيا بريتو، متخصصة علم النفس التربوي: «على الرغم من أهمية الكلمات في كثير من الأحيان، فإن الأمر الأهم هو أن يشعر الطفل بالأمان والتقدير والاستقرار العاطفي».

وتابعت: «لا ينبغي أن نستنتج أن الأطفال قد تعرَّضوا لأضرار نفسية لمجرد أنهم لا يسمعون تلك الكلمات؛ فقد يلمسون الحب بوضوح شديد من خلال الأفعال».

وتضيف الدكتورة بريتو أن المسألة الأهم بالنسبة لكثير من الأطفال تكمن في مدى شعورهم بأن المودة «يُعبَّر عنها باستمرار»، سواء كان ذلك عبر الكلمات أو الأفعال، أو - وهو الأفضل- من خلال الجمع بينهما.

وتوضح ذلك قائلة: «إذا قلت لطفل (أنا أحبك، أنا أحبك)، ولكنك لا تحضر أياً من مباريات كرة القدم أو العروض الخاصة به، فقد لا يشعر بالحب فعلياً؛ إذ قد يرى أنها مجرد كلمات جوفاء».

ويؤيد هذا الرأي الأب آرون ديل، مؤلف كتاب حول تربية الأبناء

إذ يقول: «الأمر لا يتعلق بالمفاضلة بين الكلمات والأفعال؛ فلا ينبغي أن تتنافس هذه العناصر مع بعضها، بل يجب أن تكمل بعضها بعضاً».

ويضيف: «الكلمات تُستخدَم لإيصال الرسالة، بينما تُعدُّ الأفعال بمثابة الدليل العملي عليها».

وأشار ديل إلى أن والده كان كثيراً ما يقول له «أنا أحبك» بعد أن يخذله، مما كان يقلل من قيمة تلك الكلمات ومعناها.

ومع ذلك، يرى بعض الآباء والأمهات أنه من الضروري للغاية أن يسمع الطفل عبارات تعبِّر عن حبهم له، فقد عبّر أب لطفلة تبلغ من العمر 7 سنوات عن استغرابه من تصريحات أوين، واصفاً إياها بأنها «فظيعة». وقال: «يجب عليك دائماً أن تخبر أطفالك بأنك تحبهم مهما حدث؛ سواء تصرفوا بشكل سيئ أو جيد».

وفي تعليق نُشر عبر الإنترنت رداً على مقطع الفيديو الخاص بأوين، كتب أب آخر: «يا أيها الآباء والأمهات - أو مَن يخططون للإنجاب - لا تستمعوا إلى هذا الرجل... أخبروا أطفالكم بأنكم تحبونهم كل يوم، حتى وإن كان ذلك يزعجهم».

ورغم أن تصريحات أوين قد أثارت ردود فعل قوية، فمن الواضح أن هناك طرقاً لا حصر لها يعبِّر بها الآباء عن حبهم لأبنائهم.

مايكل أوين نجم منتخب إنجلترا السابق (الشرق الأوسط)

وتؤكد الدكتورة بريتو أن الأهم من ذلك كله هو الحرص على أن يشعر الأبناء بالانتماء؛ إذ تتساءل: «هل يشعرون بأنهم محبوبون؟ وهل يشعرون بأنهم مرغوب فيهم؟».

وتضيف: «هل يشعرون بأنهم ذوو قيمة وأهمية، بدلاً من الاكتفاء بمجرد سماع الكلمات؟».

ولفتت «بي بي سي» إلى أن مهاجم إنجلترا السابق تحدث بمشاعر مؤثرة عن فقدان ابنه جيمس لبصره في عام 2024، قائلاً: «لو كان بإمكاني منحه عينيّ... لفعلت ذلك»، وعندما حثه مقدم البودكاست، لينغ، على توضيح سبب عدم إفصاحه بحرية عن عبارة «أنا أحبك»، أجاب أوين بأنه «يود لو كان ليناً بعض الشيء».

وقال: «أنا أصبح أكثر ليونة بالتأكيد، لكنني لم أصل بعد إلى درجة تسمح لي بقول شيء مثل هذا».

ويشير كل من ديل، والدكتورة بريتو، إلى أن استخدام كلمة «لين» (أو رقيق) لوصف التعبير للأطفال عن الحب يعكس مواقف راسخة لدى كثير من الآباء تجاه التربية.

ويقولان إن هذا الأمر ناتج عن سياقات مختلفة، مثل الثقافة، والطبقة الاجتماعية، والنوع الاجتماعي، والفجوة بين الأجيال.

ويقول ديل: «أعتقد أن هذا هو الجانب الخطير في الأمر؛ أي الاعتقاد السائد حول ما ينبغي على الرجال فعله، وما لا ينبغي عليهم فعله».

ويضيف أن كثيراً من الآباء يعتقدون أن دورهم يقتصر ببساطة على «توفير الاحتياجات المادية»، في حين أن بإمكانهم تقديم ما هو أكثر من ذلك بكثير.