كيف تحوّل روتينك اليومي إلى مصدر «للفرح والرضا»؟

كشف مسح جديد أن واحداً من كل أربعة أميركيين يمر بنوبات من الملل مع روتينه (رويترز)
كشف مسح جديد أن واحداً من كل أربعة أميركيين يمر بنوبات من الملل مع روتينه (رويترز)
TT

كيف تحوّل روتينك اليومي إلى مصدر «للفرح والرضا»؟

كشف مسح جديد أن واحداً من كل أربعة أميركيين يمر بنوبات من الملل مع روتينه (رويترز)
كشف مسح جديد أن واحداً من كل أربعة أميركيين يمر بنوبات من الملل مع روتينه (رويترز)

يعتقد البعض أنه عليه الذهاب في إجازة باهظة، أو على الأقل الانتظار حتى انتهاء أسبوع العمل، للشعور بالسعادة والرضا الحقيقيين في الحياة. في الواقع، يمكنك أن تجد الفرح في روتينك اليومي، كما تقول المؤلفة وخبيرة اتخاذ القرارات السلوكية كاسي هولمز، بحسب تقرير لشبكة «سي إن بي سي».

وفقاً لمسح حديث أجري على ألفين من سكان الولايات المتحدة، يمر واحد من كل أربعة أميركيين بنوبات من الملل مع روتينه. لمكافحة ذلك، تقول هولمز لنفسها عبارة بسيطة في اللحظات التي تدرك فيها أنها غير مهتمة: «احسب الوقت المتبقي».

على سبيل المثال، كانت هولمز تأخذ ابنتها في مواعيد لشرب الشاي منذ أن كانت في الرابعة من عمرها. بعد خمس سنوات، يمكن أن تبدو جلسات التسكع وكأنها مهمة روتينية.

قالت هولمز: «الآن أصبحت في التاسعة من عمرها، لذلك ذهبنا في الكثير من المواعيد في الماضي... لكن بعد ذلك، فكرت، (حسناً، كم عدد المواعيد المتبقية لنا)؟».

بدلاً من الانزعاج من النزهات المتكررة، بدأت في حساب عدد الفرص المتبقية لها للاستمتاع قبل أن تكبر ابنتها وتنتهي أوقات الترابط هذه.

أوضحت هولمز، التي تبحث في الوقت والسعادة «في غضون عامين فقط، سترغب في الذهاب إلى المقهى مع أصدقائها بدلاً مني. لذا سيصبح الأمر أقل تكراراً. ثم ستذهب إلى الكلية... ستنتقل للعيش في مدينة أخرى».

ساعدها حساب الوقت المتبقي لها في العثور على «الفرح والرضا» في المهام الروتينية.

«الوقت هو المورد الأكثر قيمة»

إلى جانب مساعدتك في العثور على السعادة، قالت هولمز إن التمرين السريع يدفعها إلى إيلاء اهتمام أكبر لكيفية قضاء وقتها. لم تعد تستخف بالنزهات مع ابنتها -بدلاً من ذلك، تسعى إلى خلق المحادثات والتواصل الفعال، وهو أمر أكثر أهمية.

من الأهمية بمكان ما أن تفعل الشيء نفسه إذا كنت تريد تجنب الشعور بالندم في المستقبل، وفقاً لعالم النفس مايكل جيرفيس.

وشرح جيرفيس لـ«سي إن بي سي»: «الوقت هو المورد الأكثر قيمة لدينا... في روتين الحياة اليومي، من السهل أن تخرج عن التوافق مع ما هو الأكثر أهمية بالنسبة لك. لكن العيش مع إدراكنا لفنائنا يغير بشكل أساسي ما نقدره وكيف نختار استخدام وقتنا».

وأضاف: «إن تبنّي حقيقة أننا لن نعيش إلى الأبد يجعل قيمنا في بؤرة التركيز الحادة. بمجرد إدراكك أن الوقت هو أغلى السلع على الإطلاق، فلن يكون هناك انقطاع بين الخيارات التي تريد اتخاذها وتلك التي تتخذها بالفعل».


مقالات ذات صلة

بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

صحتك القلق يتحوّل من استجابة طبيعية إلى اضطراب عندما يصبح مستمراً وشديداً (بيكسلز)

بين القلق والوسواس القهري… كيف تميّز حالتك بدقة؟

يختبر الإنسان القلق في جزء طبيعي من حياته اليومية فهو ليس بالضرورة علامة على اضطراب نفسي بل يُعدّ استجابة فطرية ومتكيفة تساعدنا في التعامل مع التهديدات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك طريقة تفكير الإنسان ونظرته إلى الحياة يمكن أن تُحدث فرقاً ملموساً في جودة حياته (بيكسلز)

ما دور العقلية الإيجابية في الحفاظ على الشباب والصحة؟

تلعب العقلية الإيجابية دوراً محورياً في الحفاظ على الصحة العامة والشعور بالحيوية والشباب؛ إذ لا يقتصر تأثيرها على الحالة النفسية فحسب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق معظم الأطفال لا يعبّرون صراحةً عن شعورهم بانخفاض تقدير الذات أو حاجتهم إلى دعم نفسي (بيكسلز)

كيف تعرف أن طفلك يعاني من نقص الثقة بالنفس؟ 3 علامات تحذيرية

في عالم يمتلئ بالمقارنات والضغوط يصبح الانتباه إلى إشارات ضعف الثقة بالنفس لدى الأطفال أمراً بالغ الأهمية

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق كثيرون يميلون إلى الإفراط في التفكير أو إقناع أنفسهم بإمكانية تأجيل المهام لبضع دقائق (بيكسلز)

قاعدة الثواني الخمس: حيلة بسيطة وفعّالة للتغلب على التسويف

اكتسبت «قاعدة الثواني الخمس» شهرة واسعة، لا سيما عبر منصات مثل «تيك توك»، بوصفها حلاً سريعاً ومباشراً لمشكلة المماطلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)
البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)
TT

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)
البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)

تُعد صحة العظام من أهم ركائز الصحة العامة، خصوصاً مع التقدم في العمر، حيث يزداد خطر ضعف العظام والإصابة بالكسور. ورغم أن منتجات الألبان تُعرف بأنها المصدر الأساسي للكالسيوم، فإن هناك مجموعة من الأطعمة الأخرى غير المتوقعة التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تقوية العظام والحفاظ على كثافتها والحد من خطر الكسور، وذلك حسب موقع كلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية.

وتوضح الدكتورة ماليكا مارشال، اختصاصية التغذية الأميركية، أن تنويع النظام الغذائي لا يهدف فقط إلى المتعة، بل يمكن أن يشمل أطعمة ذات فوائد صحية واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بصحة العظام. ومن بين هذه الأطعمة البرقوق المجفف، الذي يُستخدم عادة لتحسين الهضم، إلا أن الأبحاث تشير إلى دوره المحتمل في دعم العظام أيضاً.

فقد أظهرت نتائج أبحاث أن تناول 5 إلى 6 حبات من البرقوق يومياً لدى النساء بعد انقطاع الطمث يساعد في الحفاظ على كثافة المعادن في عظام الورك، مما قد يساهم في تقليل خطر الكسور. كما يُعتقد أن البرقوق يساعد في خفض المواد الالتهابية المرتبطة بتآكل العظام، وهو أمر مهم بشكل خاص بعد انقطاع الطمث، حيث تفقد النساء كثافة العظام بشكل أسرع نتيجة انخفاض هرمون الإستروجين الذي يلعب دوراً في حمايتها، مما يزيد من خطر الإصابة بمرض يجعل العظام ضعيفة وهشة.

وبالإضافة إلى فوائده المحتملة في الوقاية من هشاشة العظام، يحتوي البرقوق على مجموعة من العناصر الغذائية المفيدة للصحة العامة، إلى جانب وجود أطعمة أخرى غير متوقعة تقدم فوائد مماثلة للعظام. وتعتمد أغلب الأطعمة المفيدة للعظام على عنصر الكالسيوم، وهو المكوّن الأساسي للعظام، ويعمل بشكل أفضل عند اقترانه بفيتامين «د» الذي يساعد الجسم على امتصاصه.

ومن المصادر المعروفة للكالسيوم، منتجات الألبان مثل الحليب والزبادي والجبن، إضافة إلى الخضراوات الورقية الداكنة مثل الكرنب واللفت والسلق والبروكلي، كما تُدعّم بعض حبوب الإفطار والعصائر بالكالسيوم. وتشير مارشال إلى أنه من الطبيعي أن تمر العظام بعملية مستمرة من البناء والهدم تُعرف بإعادة التشكيل، حيث تطلق العظام الكالسيوم إلى الدم للقيام بوظائف حيوية مثل تخثر الدم وانقباض العضلات، بينما يتم تعويض هذا الفاقد من خلال الغذاء.

وتبلغ كثافة العظام ذروتها لدى النساء في سن الثلاثين تقريباً، ثم تستقر لفترة قبل أن تبدأ بالانخفاض بعد انقطاع الطمث، حين يصبح فقدان العظام أسرع من قدرة الجسم على تعويضه. وتشمل المصادر المعروفة للكالسيوم منتجات الألبان مثل الحليب والزبادي والجبن، إضافة إلى الخضراوات الورقية الداكنة مثل الكرنب واللفت والسلق والبروكلي، إلى جانب بعض حبوب الإفطار والعصائر المدعمة بالكالسيوم.

لكن إلى جانب هذه المصادر التقليدية، توجد أطعمة أخرى قد لا يعرفها الكثيرون رغم غناها بالكالسيوم ودورها في دعم صحة العظام. ومن بين هذه الأطعمة التين المجفف؛ إذ تحتوي حبتان منه على نحو 65 ملغ من الكالسيوم، ويمكن تناوله بإضافته إلى الشوفان أو العصائر أو حتى مع الجبن كوجبة خفيفة.

كما يُعد السلمون المعلب خياراً غذائياً مهماً؛ إذ تحتوي الحصة الواحدة (نحو 3 أونصات) على نحو 180 ملغ من الكالسيوم، ويعود ذلك إلى احتوائه على عظام صغيرة صالحة للأكل تزيد من قيمته الغذائية. وفي السياق نفسه، يُعتبر الحليب النباتي مثل حليب اللوز أو الصويا أو الأرز من البدائل الشائعة، وغالباً ما يكون مدعّماً بالكالسيوم ليصل إلى مستويات قريبة من الحليب الحيواني، مما يجعله مناسباً لمن لا يستهلكون منتجات الألبان.

أما التوفو، فهو من المصادر الغنية بالكالسيوم، ويوفر ما يصل إلى 430 ملغ في الحصة الواحدة، خصوصاً الأنواع المدعّمة، كما يُعتبر اللوز وزبدة اللوز من الخيارات المفيدة لصحة العظام؛ إذ يمدان الجسم بالكالسيوم إلى جانب فوائد إضافية لصحة القلب.

وتُعد الفاصوليا البيضاء المعلبة أيضاً مصدراً جيداً للكالسيوم، حيث تحتوي على نحو 190 ملغ لكل كوب، إضافة إلى كونها غنية بالبروتين، مما يجعلها خياراً غذائياً متكاملاً يدعم صحة العظام والجسم معاً.


«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)
رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)
TT

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)
رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

تفتح مبادرة «احكيلي» أبواب «بيت بيروت»، فتمنح هذا المبنى المُثقل بالذاكرة وظيفةً تبدو اليوم ألصَقَ بالحياة اليومية للناس، وأوسَعَ حاجةً إليها في مدينة تضيق فيها المساحات العامة المشتركة. هكذا يعود المكان عند «تقاطع السوديكو» إلى الناس، وهو المتحف أو المَعْلم الشاهد على الحرب الأهلية اللبنانية، ليُشكّل مساحة يمكن أن يلتقي فيها المقيمون والنازحون، والأطفال والأمهات، ويجدوا شيئاً من الانفتاح والطمأنينة وسط القلق.

مكان يترك للناس أن يجلسوا... ويكونوا (بيت بيروت)

تقول منسِّقة مبادرة «احكيلي»، نور نصر، لـ«الشرق الأوسط» إنّ التمسّك بالأماكن التي تجمع الناس بات ضرورة، «خصوصاً حين تصبح المدينة أقلّ قدرةً على توفير فضاءات عامة تحتضن أهلها». ومن هنا يكتسب فتح «بيت بيروت» للترفيه عن النازحين معناه الأبعد من قرار تنظيمي أو ثقافي. تصفه نصر بأنه «طريقة لنكون حاضرين من أجل المجتمع، خصوصاً من أجل الذين يعيشون في الأحياء المحيطة ومراكز الإيواء القريبة، عبر توفير مساحة يمكن للناس أن يُمضوا فيها وقتاً ويشعروا بالانفتاح والتواصل».

يحمل المبنى عبئاً رمزياً لا يمكن فصله عن تاريخه... يقف على تماسّ مع ذاكرة الانقسام؛ إذ كان يوماً على «خطّ التماس»، وصار لسنوات طويلة تجسيداً مكانياً للفصل بين الناس. استعادته إلى المجال العام، بعد عقود من النضال والعمل على استرداده، منحته معنى آخر. توضح نصر أنّ فتح أبوابه في هذا التوقيت «لفتة مقصودة، فنستعيد هذا الحيّز للعموم ونحافظ عليه مكاناً يستطيع الناس أن يجتمعوا فيه، حتى عندما يبدو كلّ ما حولهم غير مؤكّد».

برنامج يومي يفتح مساحات صغيرة للحياة (بيت بيروت)

العودة لم تأتِ على هيئة برنامج موضوع سلفاً، ولم تُبنَ انطلاقاً من تصوّر جامد لِما يحتاج إليه الأطفال والشباب في الحرب والنزوح. أُقفلت الأبواب أمام الجمهور خلال الأسبوعين الأولين من اشتعال الحرب؛ إنما الإقفال لم يكن انسحاباً من الدور... كان فسحة للإصغاء والتشاور. جمعت «احكيلي» شركاء وممارسين، وأصغت إلى خبرات العاملين مع الأطفال والمجتمعات في أزمنة النزاع، مُحاولةً فهم ما الذي يمكن تقديمه «بمسؤولية ومعنى»، كما تقول نصر.

من هذا الإصغاء خرجت ملامح الفضاء الجديد. تحوَّلت الطبقة الأرضية ما يُشبه غرفة معيشة مفتوحة. ثمة زوايا للقراءة، وألعاب، ومحطات إبداعية تتيح للأطفال والعائلات تمرير الوقت على سجيتهم وبالوتيرة التي تناسبهم. وإلى جانب هذا الحضور الحُرّ، بدأت تتشكَّل أنشطة يومية تضمّ ورشاتٍ إبداعية، وجلساتِ سرد حكائي، وعروضَ أفلام، إلى جانب ورشات للشباب تُعنى بالتفكير النقدي والحركة. لا تريد «احكيلي» من هذه الأنشطة أن تضيف عبئاً على مَن يعيشون القلق، ولا أن تُحاكيَهم ببرنامج فوقي يفرض عليهم ما ينبغي أن يشعروا به؛ إنما مساحات تسمح بالخيال والتعبير والتواصل من دون إغراق أو ضغط.

حلقة حكاية... ومساحة أمان (بيت بيروت)

وتشرح نصر أنّ هذا البرنامج «يستمرّ في التطوّر» ويتشكّل «يوماً بيوم، استناداً إلى الحاجات والاستجابات والاقتراحات التي يقدّمها الأطفال والأمهات اللاتي ينضممن إلينا». يصبح العمل مشتركاً لجهتَي التنفيذ والمعنى حين يُبنى جماعياً مع الشركاء ويسترشد بخبراتهم، كما بأصوات الذين يشاركون فيه.

تبدو علاقة «بيت بيروت» بالذاكرة جزءاً أساسياً من هذا المسار. تراها نصر عمليةً مستمرّة في التشكُّل عبر التجربة؛ مما يمنح الحاضر وزناً استثنائياً، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والشباب. فحين تُختَبر تجربة النزوح من «زاوية الخسارة أو الرفض أو الإقصاء» وحدها، فإنها قد تترك أثرها العميق في طريقة ارتباطهم بالمدينة وبالآخرين لاحقاً. أما حين تتخلّل هذه المرحلة أيضاً «لحظاتُ ترحيب وأَحْيِزَةٌ مشتركة وتجاربُ عناية وتضامن»، فإنّ الذاكرة يمكن أن تُصاغ على نحو مختلف وتحمل شيئاً أوثق إنسانيةً واتصالاً.

بذلك لا يبدو خلق مساحة آمنة داخل «بيت بيروت» منفصلاً عن حفظ الذاكرة. المكان الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء». وتقول نصر إنّ الفريق يتعمَّد خَلْق فرص للتفاعل بين المجتمعات النازحة وسكّان بيروت، حتى «يصبح هذا الفضاء فضاءَ تواصل؛ لا انفصال».

اللحظة وهي ترفض أن تُشبه ما حولها (بيت بيروت)

يمتدّ التوجُّه إلى العلاقة مع المحيط المباشر للمبنى. المبادرة، وفق نصر، «متجذِّرة جداً في إعادة وصل (بيت بيروت) بمحيطه المباشر». بدأت الخطوات بالتواصل مع الشركاء والممارسين، ثم بزيارة مراكز الإيواء القريبة، ولقاء المُنسّقين فيها، وفتح نقاش بشأن الحاجات والتوقّعات والإمكانات. بعد ذلك، استُقبل الجمهور مجدّداً في «بيت بيروت»، مع تكييف ما يُقدَّم تبعاً لحاجات مَن يعيشون تجربة النزوح ورغباتهم. ومع أنّ تقييم الأثر لا يزال مبكراً، فإنّ نصر تؤكّد أنّ المبادرة تنطلق من نيّة أساسية لدى «احكيلي»؛ هي «خَلْق لحظات من التواصل والتجربة المشتركة».

هكذا؛ يغدو «بيت بيروت» أكثر من فضاء ثقافي... يصير مكاناً يمكن للناس أن يجتمعوا فيه ويتأمّلوا ويتواصلوا وسط عدم اليقين. تصير الورشاتُ والحكايات والأفلام والزوايا المفتوحة وسائلَ لإعادة ترميم الإحساس بالرعاية وبإمكانية أن يُرحَّب بمَن يشعر أن العالم أُغلِق في وجهه. ولا يكتفي المبنى بحمل ذاكرة المدينة، فيشارك أيضاً في كتابة الذاكرة التي تتشكّل الآن. ذاكرة أليمة، لكنها تحمل معها أثراً من التضامن واللقاء والعناية المشتركة.


«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)
لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)
TT

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)
لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

بألوان تشعّ بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث «إلى أين؟» المقام في غاليري «ضي» حتى 23 أبريل (نيسان) الحالي.

ويضم المعرض نحو 55 لوحة تتنوع بين رصد مشاهد من الحياة اليومية في النوبة وبين الرحلات في النيل عبر مركب يحمل طابعاً مصرياً قديماً، لتقدم لنا مزيجاً زمنياً مدهشاً عبر أعمالها الفنية التي تنتقل عبر الزمان مع تثبيت عامل المكان، لتقدم لنا نموذجاً للامتداد الحضاري الذي تمثله بلاد النوبة بعاداتها وتقاليديها وأجوائها الساحرة للحياة في مصر القديمة.

وتقول رندا إسماعيل إنها اختارت اسم المعرض «إلى أين؟» ليس على سبيل التساؤل ولكن لمحاولة رصد حالة نولد فيها ونمضي بها في رحلة لا تتوقف، وسعي لا يهدأ، دون طريق واضح أو وصول مؤكد، لكننا نمضي والأمل في قلوبنا نور لا ينطفئ.

اللوحات تحتفي بالنيل والحياة في النوبة (الشرق الأوسط)

وعن فلسفة المعرض تضيف الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «سعيت للتعبير عن حالة التساؤل (إلى أين؟) من خلال المركب المصري القديم، وهي ثيمة موجودة في كل لوحة، رمزاً للنجاة، أو رمزاً للأمل الذي ينير لنا الطريق للوجهة التي نريدها، في بعض اللوحات يمكننا أن نجد المركب يسير في النيل، وفي بعضها الآخر قد نجد المركب طائراً في السماء أو وسط البيوت. دائماً هو في حالة حركة متغيرة؛ يأخذ الناس إلى مكان آخر لا نعرفه، لكنْ هناك أمل دائماً في أن يكون المكان الذي يتجه إلى المركب أفضل»، وفق تعبير الفنانة.

حياة كاملة يحملها المركب (الشرق الأوسط)

في بعض اللوحات تحمل اللوحات أشخاصاً يرتدون الأزياء النوبية التقليدية، وفي بعضها الآخر تحمل الزرع والنخيل، أو تحمل منازل وبيوتاً وتمشي بها. أحياناً يصبح المركب وسيلة للصيد، وأحياناً أخرى وسيلة للتنقل والترحال أو الاحتفالات المبهجة، أو ربما يتحول إلى وعاء لتقديم القرابين على طريقة المصريين القدماء.

المركب الفرعوني يبدو طائراً في إحدى اللوحات (الشرق الأوسط)

توضح رندا إسماعيل أن هذا المعرض استغرق منها عاماً كاملاً تقريباً ترسم فيه من خلال الثيمة الرئيسية التي وجدتها معبّرة عن فكرتها، وهي رمزية المركب، والسؤال الذي يمثله هذا المركب، وتابعت: «اعتمدت على الألوان الهادئة المستوحاة من ألوان الطبيعة المصرية، سواء لون النيل أو الملابس أو السماء، أو الناس الطيبين الذين أرسمهم دائماً في لوحاتي».

وأشارت إلى اللوحة الرئيسية الكبرى في المعرض «الماستر بيس»، مؤكدةً أنها تحمل فلسفة أخرى حول من يحبسون أنفسهم في إطار محدود أو داخل «فقاعة الحياة اليومية» وتم رسمهم بألوان فاتحة جداً تكاد لا تبين، وفوقهم إذا خرجوا برؤوسهم من هذه الفقاعة سيجدون عالماً آخر متلألئاً، وهو مكان أفضل بكثير مما يعيشون فيه لكنهم يجب أن يتخذوا قراراً.

ومن ضمن الأعمال التي يضمها المعرض لوحة «دائرة الحياة – circle of life» التي تضم صيادين في مراكبهم يصطادون السمك وفي الأسفل توجد حركة بيع وشراء للسمك، كأنهم في دائرة سعي متواصلة.

لوحة دائرة الحياة تعبَّر عن فلسفة خاصة (الشرق الأوسط)

يعدّ هذا المعرض الفردي العاشر للفنانة رندا إسماعيل التي تفرغت للفن منذ عام 2004، وهي حاصلة على بكالوريوس العمارة من جامعة عين شمس، وتستلهم في أعمالها دائماً عمق الهوية المصرية وتفاصيلها الممتدة عبر الزمن بالإضافة إلى دفء اللحظة الإنسانية المتجسدة في الملامح البشرية، كما تعكس أعمالها نبض الحياة اليومية بما تتضمنه من مشاعر وتحديات.