رحيل الشاعر شوقي أبي شقرا... صائغ الغرائبيات الطفولية

بقي يذكّر بأنه أول من كتب قصيدة النثر وابتكر مصطلحها

من اليمين... أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ويوسف الخال
من اليمين... أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ويوسف الخال
TT

رحيل الشاعر شوقي أبي شقرا... صائغ الغرائبيات الطفولية

من اليمين... أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ويوسف الخال
من اليمين... أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ويوسف الخال

شاعر رائد، مترجم، صحافي، صائغ نصوص... تعدّدت المهمات، وبقي شوقي أبي شقرا، الذي غادرنا عن عمر 89 سنة، أستاذاً لكثيرين. رحلته المهنية العصامية بقسوتها، جعلت منه سنداً للمبتدئين والطموحين، ومعيناً لانطلاقتهم الأولى، وهؤلاء لا يزالون يتذكّرون حنوّه. شاعر سوريالي بامتياز، عُرف بتراكيبه الفريدة، وعشقه للّعب بالصور، وكأنها «بازل» (Puzzle) في يد طفل لا يملّ التجريب. بقي كذلك حتى سنواته الأخيرة، يؤلّف وينشر، ويتابع، في محاولة للقبض على ما بقي من زمن.

وُلد أبي شقرا في بيروت، لكنه بقي ابن القرية التي عاش فيها طفولته، يعود إليها في شهور الصيف. هي بمفرداتها، وطبيعتها، وحيواناتها لم تغادره قَطّ.

نشأ في رشميا ومزرعة الشوف، بسبب عمل والده دركياً في المنطقة، قبل أن يفقده طفلاً إثر حادث سير، وسيعيش من يومها في يُتمٍ مزمن، وكأنه لسرعة ما كبر لا يريد إلا أن يعود إلى ذلك الزمن المفقود. وفي شعره المليء بالبحث عن غرائبية الصور ما يشي بذلك.

تحدّث دون حرج عن نفسه «المقهورة في الطفولة»، وانتقال العائلة إلى بيروت، بعد موت الوالد، وجلافة حياته في المدرسة الداخلية دون حنان أو رحمة، هو وأخوه الصغير، كأنه غادر فردوساً لن يعود إليه مرة أخرى: «والدنا كان عنده شفقة كيانية علينا، كما كلّ أب محب. كان يريد لنا أن ننتقل من رشميا وتتحسّن حياتنا. هذا كله افتقدناه. ثم القهر مع احتكاكي بالعالم حين بدأت العمل ودخلت عالم الصحافة».

في عام 1965 ترك «مدرسة الحكمة»، عمل أستاذاً، وبقي قلقاً على أيامه ومستقبله، وما بمقدوره أن يفعل. هو الذي بدأ تجاربه الشعرية باكراً، كاتباً تحت وطأة الحزن والضياع. يقول: «رأيت أن الشعر هو ملاذي، وفي قبضة يدي».

محاولاته الشعرية الأولى كانت بالفرنسية. جرّب القصيدة العمودية، التي طلّقها بعد ذلك طلاقاً بائناً، قبل أن يكتب على التفعيلة، ويرسو على قصيدة النثر، التي يُعدّ رائدها، نافياً أن يكون أنسي الحاج هو الأول في المجال.

قال أبي شقرا في مقابلة مع ناشره سليمان بختي قبيل وفاته: «كنت أول من كتب قصيدة النثر، وأول من أطلق المصطلح. في 28 نيسان (أبريل) 1959 نشرت أربع قصائد في جريدة (النهار) تحت عنوان (رب البيت الصغير)، وقلت في مطلع القصيدة: (القهوة على الأرض ما الصراخ ورب البيت يحزو... من أوحى للزوار أن يأتوا عنده للمحة لسهرة؟ القهوة ثمينة ومعاشه خفيف كمفكرة لا يقوى أن يخدم ويرحب والستائر لا تغطي الشمس والفقر)».

هو أحد مؤسسي «حلقة الثريا» الأدبية عام 1957، مع جورج غانم، وإدمون رزق، وميشال نعمة، والمشاركين بندواتها ومحاضراتها ونقاشاتها. ثم التحق بمجلة «شعر»، منذ انطلاقتها الأولى مع يوسف الخال. هناك التقى بدر شاكر السيّاب، وجبرا إبراهيم جبرا، ونازك الملائكة، وأدونيس، وآخرين. كانت لمساته حين كان مدير تحرير للمجلة تمرّ على القصائد، في شيء من المبالغة في التعديل، وهو ما أسماه «تنظيفاً للقصيدة»، ما كان يستفزّ أدونيس. لكن أبي شقرا اعتبر أنه كان يؤدي مهمته بصفته حارساً للمجلة، ومرشدها الجمالي والشعري والأدبي. ويتباهى بدوره: «كلهم عبروا مع حبر قلمي».

على أهمية مرحلة مجلة «شعر»، جاء دخول شوقي أبي شقرا إلى جريدة «النهار» آتياً من جريدة «الزمان»، حاملاً مهاراته في التحرير، محطة مفصلية في حياته، حيث سيصبح التنظيف صياغة حقيقة، أو قل ما يشبه إعادة كتابة. ويروي في مذكراته التي اعتبرها «شهادة للتاريخ»، أنه هو الذي أوجد الصفحة الثقافية في جريدة «النهار»، بصيغتها المنتظمة، وجعلها صفحة عصرية، أدخل عليها المسرح والرسم ومقالات النقد السينمائي التي كان يكتبها بالفرنسية سمير نصري، ويترجمها له إلى العربية.

في «النهار» التقى بكثير من الشعراء والأدباء المعروفين الذين كانوا يتردّدون على الجريدة، وهناك استقبل الشبان اليانعين الراغبين في الكتابة، فنشر لهم وصحّح، وصار بعضهم نجوماً. من بين هؤلاء سعدي يوسف الذي نشر قصيدة له على صفحات «النهار» يوم كان عمره 18 عاماً.

الإحساس بالقهر، عند أبي شقرا، كان قرين إحساسه بالظلم. شعور عزّزه مساره الشاق في عالم الأدب، وفي مهنة الصحافة الثقافية، التي بدت له عاقة في النهاية. عمل دائماً بشغف وكدّ، واجداً في ذلك تعويضاً عن شعوره القديم بالفَقد الذي لم يغادره. مساره برمته، كان نوعاً من التّحدي، وكأنه لم يتوقف عن مصارعة المتاعب التي لازمته في طفولته القاسية. وجد في الأدب، وتدجين التراكيب، ومراوغة القارئ وإدهاشه بما لم يكن ينتظر من المفردات، نوعاً من الانتقام الشعري ممن خذلوه، أو انتزعوا منه سمة الريادة ظلماً، وهو لم يتوقف يوماً عن التذكير، والمطالبة بها.

ترجم قصائد عن الفرنسية لشعراء كبار مثل: رامبو، ولوتريامون، وريفردي، انتهج فيها طريقته في التنظيف والصياغة التي اتبعها في تحرير القصائد العربية. وأصدر العديد من هذه الترجمات في كتاب صدر عن «دار نلسن». وهي الدار التي أصدرت مذكراته، وديواناً جديداً له بعد 16 عاماً من الغياب الشعري حمل عنوان «عندنا الآهة والأغنية وجارنا المطرب الصدى»، كما أعادت إصدار ديوان قديم له كان قد نشره في النصف الأول من القرن الفائت، بعنوان «سنجاب يقع من البرج». ومن دواوينه الأولى «أكياس الفقراء»، ومن ثم «خطوات الملك» تضمنا قصائد «التفعيلة»، وله أيضاً «تتساقط الثمار والطيور»، و«ليس الورقة»، و«ماء إلى الحصان والعائلة». وحالياً، تتحضّر «دار نلسن» لإصدار كتاب له، يضمّ بين دفتيه نصوص أبي شقرا التي كتبها بمناسبة وفاة كبار الكتّاب الذين رافقت كلماته رحيلهم.

ويرى ناشره سليمان بختي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «أبي شقرا خسارة لا تعوّض. شاعر منفتح على مختلف التجارب، عنده إيمان عميق بالحرية. بقي حتى النهاية فضولياً، مهتماً بالاطلاع على التجارب الشابة في الشعر، ومراقبة التحولات. حتى في ثمانيناته كان يفاجئنا بالطريقة التي يفكر بها، وبصياغاته اللغوية المفاجئة، وكأنما قصيدته عناقيد متناسلة من الصور، كل صورة تأخذك إلى الأخرى، لتصبح هي لبّ القصيدة وجوهرها». ويتحدث بختي عن قاموس شعري خاص بأبي شقرا، مستلهم من الطبيعة واللاهوت، والجغرافيا اللبنانية والطفولة. ويلفت كذلك إلى دور أبي شقرا في التحرير لكبار الكتّاب: «فهو الذي حرّر ديوان بدر شاكر السيّاب الشهير (أنشودة المطر) يوم صدر عن (دار شعر)، وروى لنا أنه حذف ربعه، بموافقة السيّاب نفسه، قبل أن يبصر النور».

مضى صاحب «صلاة الاشتياق» بعد أن اجتاز «رحلة غنائية، وجودية، جمالية» كما يقول ناشره، ولم يتخلَّ يوماً عن قلقه، ومراجعة نصوصه بدقة، والحرص على ابتكار عناوين شائقة تحفظ للنصوص ألقها ورهافتها.

ويلخص أبي شقرا في سطرين سرّ مهارته الطفولية في صياغة الغرائبي حتى وهو يقترب من تسعينه، حين يقول: «يهمني التركيب قبل الموضوع. الكيفية في اللعب على الشكل قبل المضمون. وعندما أقول حركة الشكل، فهذا يعني مضموناً آخر. كل الفنون في النهاية تطمح إلى الشعر. طموح كل كتابة أن تصل إلى النفحة الشعرية. واللذّة دائماً شعرية. ولا يمكن أن تشفى طعنة الشعر إلا بالغفران».


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

من المقرَّر عرض نسخة موقَّعة ومكتوب عليها إهداء من الطبعة الأولى لرواية «أورلاندو» لفيرجينيا وولف، التي أهدتها إلى طبّاختها ومديرة منزلها نيلي بوكسال، للبيع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

لوليد الخالدي صوت مسموع في الأكاديمية الأميركية لأنه كتب بالإنجليزية بالبلاغة والسلاسة نفسها التي كتب بها بالعربية.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم (وسائل التواصل)

سلمى مرشاق رحلت بعد 5 سنوات من نكبة عمرها

في جوهر عملها، كانت الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم تسعى أيضاً إلى اكتشاف ذاتها وجذورها العائلية.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

عمر البدوي (الرياض)

5 أطعمة على الإفطار... وقود يومي لتعزيز الذاكرة والتركيز

ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)
ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)
TT

5 أطعمة على الإفطار... وقود يومي لتعزيز الذاكرة والتركيز

ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)
ما تضعه في طبقك يرافق أفكارك طوال اليوم (موقع هيلث)

يشير خبراء التغذية إلى أنّ ما نتناوله في وجبة الإفطار لا يقتصر تأثيره على الشعور بالشبع، وإنما يمتدّ ليؤثّر بشكل مباشر في التركيز والذاكرة والأداء العقلي طوال اليوم.

كما يمكن أن تسهم بعض أطعمة الإفطار الشائعة في تعزيز صحة الدماغ، في حين قد ترتبط الأطعمة فائقة المعالجة أو الغنية بالسكر بتراجع الأداء المعرفي على المدى الطويل، وفق موقع صحي.

وتوضح اختصاصية التغذية الأميركية، سارة غارون، أنّ الدماغ بعد ساعات الصيام الليلي يعتمد بشكل كبير على أول وجبة لتحديد مستوى النشاط الذهني خلال اليوم.

وسلَّط الموقع الضوء على 5 أطعمة يُنصح بتناولها صباحاً لدعم صحة الدماغ وتحسين وظائفه:

الجوز (عين الجمل)

يُعد الجوز من أبرز الأطعمة المفيدة للدماغ، إذ أظهرت بحوث حديثة أن تناول إفطار غني بالجوز لدى البالغين الشباب يسهم في تحسين سرعة ردّ الفعل وتعزيز الذاكرة خلال اليوم.

وتؤكد اختصاصية التغذية الأميركية، ويندي بازيليان، أنّ هذه النتائج مهمة، لأنها تشير إلى أنّ إدخال الجوز في وجبة الإفطار قد يُحقّق تأثيرات معرفية قصيرة المدى قابلة للقياس لدى الأصحاء.

التوت الأزرق

يُعد التوت الأزرق من أبرز الأطعمة الداعمة لصحة الدماغ، إذ تصفه خبيرة التغذية الأميركية، ماغي مون، بأنه «وجبة صباحية ذكية لتعزيز الذاكرة لجميع الأعمار».

وقد دعمت الدراسات هذا التوجُّه، حيث أظهرت نتائج سريرية تحسُّناً في ذاكرة الأطفال في اليوم نفسه لمدّة تصل إلى 6 ساعات بعد تناوله. كما بيّنت بحوث أخرى أنّ كبار السن الذين يعانون ضعفاً إدراكياً خفيفاً أو تراجعاً في الذاكرة قد سجَّلوا تحسّناً ملحوظاً في الذاكرة العرضية عند تناوله بانتظام.

البيض

يُعد البيض من أكثر خيارات الإفطار شيوعاً، وهو مصدر غني بمادة «الكولين» الضرورية لصحة الدماغ.

وتوضح بازيليان أنّ الكولين يلعب دوراً محورياً في إنتاج «الأستيل كولين»، وهو ناقل عصبي يرتبط بشكل مباشر بالتعلُّم والذاكرة. وتشير الأدلة العلمية إلى أنّ تناول الكولين المستخلص من البيض بجرعات يومية منتظمة قد يُسهم في تحسين الذاكرة اللفظية، كما أنّ تناول بيضة واحدة يومياً قد يدعم الطلاقة اللفظية وسرعة معالجة المعلومات.

ويحتوي البيض أيضاً على عناصر غذائية مهمة لنمو الدماغ، مثل اللوتين والبروتين ومجموعة من الفيتامينات والمعادن، ممّا يجعله غذاءً متكاملاً لدعم القدرات الذهنية.

الفطر

يُعد الفطر خياراً صباحياً غير تقليدي لكنه فعّال، إذ تشير البحوث إلى أنه قد يساعد على استقرار المزاج وتقليل الإرهاق الذهني لمدة تصل إلى 6 ساعات، مما يحدّ من التراجع المعرفي خلال فترة ما بعد الظهر.

وقد أظهرت دراسة حديثة تحسّناً في هذه المؤشرات لدى مَن تناولوا ما يعادل كوباً من الفطر الطازج، فيما تشير دراسات طويلة الأمد إلى أنّ الاستهلاك المرتفع للفطر يرتبط بأداء إدراكي أفضل.

الأفوكادو

يتمتّع الأفوكادو بمكانة مميزة بين الأطعمة الداعمة لصحة الدماغ، بفضل احتوائه على مادة «اللوتين» المضادة للأكسدة، المرتبطة بتحسين الذاكرة وحلّ المشكلات.

وتشير الدراسات إلى أن تناول الأفوكادو يومياً قد يرفع مستويات اللوتين في الجسم، مع تحسُّن في الذاكرة العاملة وكفاءة الانتباه المستمر.

وتضيف بازيليان أنّ الأفوكادو غني بالدهون الأحادية غير المشبَّعة والألياف، ممّا يساعد على تحسين تدفُّق الدم وتنظيم مستويات السكر، وهو ما ينعكس إيجاباً على صفاء الذهن واستقرار الطاقة خلال اليوم، لا سيما في ساعات الصباح.


تقنية جديدة تثبت فعاليتها في علاج الاكتئاب

الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)
الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)
TT

تقنية جديدة تثبت فعاليتها في علاج الاكتئاب

الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)
الاكتئاب يؤثر في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل (جامعة غرب اسكوتلندا)

أثبتت تقنية علاجية جديدة فعالية قوية في علاج حالات الاكتئاب الشديد المقاوم للعلاج، مع مستوى أمان معرفي أعلى مقارنة بالعلاج التقليدي بالصدمات الكهربائية، وفق تجربة سريرية دولية.

وجرى اختبار التقنية الجديدة بقيادة مركز الإدمان والصحة النفسية في تورونتو وجامعة كاليفورنيا الأميركية، بمشاركة عدد من المراكز البحثية في الولايات المتحدة وكندا، ونُشرت النتائج، الأربعاء، بدورية «The Lancet Psychiatry».

يُذكر أن الاكتئاب الشديد المقاوم للعلاج هو شكل حاد من الاضطراب الاكتئابي لا يستجيب للعلاجات التقليدية، مثل مضادات الاكتئاب أو العلاج النفسي، رغم استخدامها بالشكل الكافي ولفترات مناسبة. ويعاني المصابون به من أعراض مستمرة وشديدة، تشمل الحزن العميق، وفقدان الاهتمام، واضطرابات النوم، وانخفاض الطاقة، وصعوبة أداء الأنشطة اليومية.

ويُعد هذا النوع من الاكتئاب من أكثر الحالات تعقيداً في الطب النفسي، إذ قد يستمر لسنوات طويلة ويؤثر بشكل كبير في جودة حياة المريض وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على العمل. وفي بعض الحالات، يتم اللجوء إلى علاجات متقدمة، مثل التحفيز الدماغي أو العلاج بالصدمات الكهربائية، نظراً لعدم استجابة الحالة للعلاجات الدوائية المعتادة.

واختبر الباحثون فعالية التقنية العلاجية الجديدة، المعروفة باسم «العلاج بالنوبات المغناطيسية» (Magnetic Seizure Therapy - MST)، وهي إحدى طرق التحفيز الدماغي الحديثة المستخدمة لعلاج حالات الاكتئاب الشديد. وتُعد هذه التقنية تطويراً للعلاج بالصدمات الكهربائية، لكنها تعتمد على أسلوب أكثر دقة وأقل تأثيراً على الوظائف المعرفية، لا سيما الذاكرة.

وتعمل هذه التقنية عبر استخدام مجالات مغناطيسية مركّزة تُوجَّه إلى مناطق محددة بدقة من الدماغ، وذلك لإحداث نوبة علاجية مضبوطة، تشبه تلك الناتجة عن العلاج بالصدمات الكهربائية، ولكن بطريقة أكثر تحكماً وانتقائية، لتجنب المناطق المرتبطة بالذاكرة.

ويهدف هذا التحفيز إلى إعادة تنظيم النشاط الكهربائي في الدماغ وتحسين التواصل بين الشبكات العصبية المرتبطة بالمزاج.

وشملت الدراسة السريرية نحو 300 مريض يعانون من اكتئاب شديد لا يستجيب للعلاجات الدوائية أو النفسية، حيث جرى توزيعهم لتلقي إما «العلاج بالنوبات المغناطيسية» أو العلاج بالصدمات الكهربائية التقليدية.

وأظهرت النتائج أن نحو 48 في المائة من المرضى في كلتا المجموعتين حققوا تحسناً ملحوظاً في أعراض الاكتئاب، ما يشير إلى أن تقنية «العلاج بالنوبات المغناطيسية» تحقق فعالية علاجية مماثلة للعلاج القياسي الحالي.

لكن الدراسة كشفت عن فارق مهم في الآثار الجانبية، إذ تبين أن العلاج بالصرع المغناطيسي يتميز بتقليل واضح في مشكلات الذاكرة بعد العلاج، وانخفاض التأثيرات المعرفية مقارنة بالعلاج الكهربائي، إضافة إلى تحسن القدرة على التعافي دون اضطرابات إدراكية ملحوظة.

وقال الباحثون إن هذه النتائج تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل أكثر أماناً للعلاجات الدماغية، خصوصاً للمرضى الذين يعانون من الاكتئاب المقاوم للعلاج، وهي الفئة التي تشكل نحو ثلث الحالات تقريباً.

وأضافوا أن هذا التقدم قد يمهد لمرحلة جديدة في علاج الاضطرابات النفسية، تجمع بين الفعالية العالية وتقليل الأضرار الجانبية على الذاكرة والوظائف العقلية.


كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)
بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)
TT

كويكب ضخم يقترب من الأرض ويُرى بالعين المجرَّدة

بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)
بين الأرض والسماء... لقاء لا يتكرَّر كثيراً (شاترستوك)

يتّجه كويكب، يُلقَّب بـ«إله الفوضى»، نحو الأرض، في حدث فلكيّ نادر، وإنما المخاوف من خطر وشيك تبدو غير مبرَّرة في الوقت الحالي.

وأفادت وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بأن الجرم السماوي يقترب ضمن إطار مرور استثنائي، وليس ضِمن سيناريو كارثي. ورغم أنّ موعد هذا اللقاء لا يزال بعد بضع سنوات، فإنّ أهميته تكمن في مدى قربه اللافت، إذ سيكون مرئياً بالعين المجرَّدة دون الحاجة إلى تلسكوبات.

ونقلت «الإندبندنت» أنّ الكويكب يُعرف باسم «99942 أبوفيس»، وهو جرم يُتوقّع أن «يمر بأمان» على مسافة 20 ألف ميل من الأرض في عام 2029، في واحد من أقرب الاقترابات المُسجَّلة على الإطلاق لجسم سماوي بهذا الحجم.

وقال علماء الفلك في «ناسا»: «رغم أن (أبوفيس) لا يشكّل خطراً مباشراً على الأرض، فإنّ اقتراب جرم بهذا الحجم إلى هذا الحدّ من كوكبنا يُعدّ حدثاً نادراً واستثنائياً». وأضافوا أنّ المجتمع العلمي حول العالم يترقَّب هذه اللحظة، ويتطلَّع إليها على أنها فرصة فريدة لدراسة الكويكب واستكشاف خصائصه بشكل مفصّل.

ويبلغ عرض الكويكب نحو 1115 قدماً، وسيقترب من الأرض أكثر من الأقمار الاصطناعية التي تدور في المدار المُتزامن مع الأرض، وفق «ناسا».

وذكرت وكالة الفضاء الأوروبية أنّ هذا سيكون أقرب اقتراب لكويكب بهذا الحجم كان البشر على عِلْم به مسبقاً.

وقد أثار توقيت هذا التحليق النادر، الذي يصادف الجمعة 13 أبريل (نيسان) في كثير من مناطق العالم، تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي بين الحماسة والقلق.

وسُمّي الكويكب تيمّناً بإله الشر والدمار في مصر القديمة، إذ اقترح هذا الاسم مكتشفوه، وهم علماء الفلك روي تاكر، وديفيد ثولين، وفابريتسيو برناردي، من مرصد كيت بيك الوطني بولاية أريزونا؛ لكون «أبوفيس» هو الاسم اليوناني للإله المصري «أبيب».

وتفيد «ناسا» بأن كويكباً بهذا الحجم يمرّ بهذه المسافة القريبة من الأرض مرة واحدة فقط كلّ بضعة آلاف من السنوات في المتوسّط، ممّا يجعل الحدث نادراً في التاريخ البشري المُسجّل.

وعند اكتشافه للمرّة الأولى عام 2004، صُنِّف على أنه تهديد مُحتمل بالاصطدام بالأرض في أعوام 2029 أو 2036 أو 2068، وإنما «ناسا» استبعدت منذ ذلك الحين حدوث أي تصادم لمدّة لا تقل على 100 عام، بعد تتبُّع مداره باستخدام التلسكوبات البصرية والرادارات الأرضية.

وسيتمكّن سكان نصف الكرة الشرقي من رصده بالعين المجرَّدة، إذا سمحت الأحوال الجوّية، دون الحاجة إلى مُعدّات خاصة. وخلال مروره، يُتوقَّع أن تؤدّي جاذبية الأرض إلى «سحب الكويكب ولفّه وتمديده»، ممّا قد يتسبب في تغيّرات على سطحه ومداره.

ويُعد «أبوفيس» كويكباً صخرياً يتكوَّن من مواد سيليكاتية ومزيج من النيكل والحديد، وهو من بقايا النظام الشمسي المبكر التي تشكّلت قبل نحو 4.6 مليار سنة.

وقد أعادت «ناسا» توجيه مركبتها الفضائية «أوسايرس-أبيكس» للالتقاء بالكويكب بعد مروره؛ لدراسة تأثير جاذبية الأرض عليه، في حين تعتزم «وكالة الفضاء الأوروبية» إطلاق مهمة «رمسِس»؛ لمرافقته خلال أقرب نقطة اقتراب.

وتهدف هذه المهمّات إلى دراسة بنيته الداخلية وخصائصه الفيزيائية، بما يعزّز فهم الأجرام القريبة من الأرض بشكل أعمق.