ألبوم مصنوع من النفايات... «كولدبلاي» يطلق إصداره الجديد

كيف حقّق الفريق الموسيقي البريطاني الاستدامة البيئيّة والفنية والإنسانية؟

فريق «كولدبلاي» البريطاني في جولته الموسيقية الأخيرة (إنستغرام)
فريق «كولدبلاي» البريطاني في جولته الموسيقية الأخيرة (إنستغرام)
TT

ألبوم مصنوع من النفايات... «كولدبلاي» يطلق إصداره الجديد

فريق «كولدبلاي» البريطاني في جولته الموسيقية الأخيرة (إنستغرام)
فريق «كولدبلاي» البريطاني في جولته الموسيقية الأخيرة (إنستغرام)

استبقَ فريق «كولدبلاي» إصدار ألبومه الآتي غداً بحملةٍ دعائيّة ركّز فيها على الخصائص الصديقة للبيئة التي يتميّز بها الألبوم، أكثر من تركيزه على محتواه الموسيقيّ. ليس هذا الوعي البيئيّ جديداً على المغنّي البريطاني كريس مارتن وشركائه في الفريق، فهم مناصرون للطبيعة منذ مدّة طويلة، وأكثر من أي فنّانين آخرين.

فريق صديق للبيئة

في التفاصيل التي كشفها «كولدبلاي»، أنّ كل أسطوانة «فينيل» من الألبوم العاشر في مسيرة الفريق، الذي سيحمل عنوان «Moon Music» (موسيقى القمر)، مصنوعة من 9 قناني بلاستيكيّة مُعاد تدويرها. بذلك، يتفادى الفريق تصنيع أكثر من 25 طناً من البلاستيك الخام، ويخفّض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 85 في المائة. أما النسخة الإضافية من الألبوم، التي تتّخذ شكل دفتر، فمصنوعة من البلاستيك الذي جرى جَمعُه من أنهُرٍ في أميركا الجنوبيّة بالتعاون مع منظّمة بيئيّة.

ألبوم «كولدبلاي» الجديد مصنوع من الموادّ البلاستيكية المُعاد تدويرها (موقع الفريق)

لا يقتصر التزام «كولدبلاي» البيئيّ على تصنيع الألبومات، فحفلات الفريق وجولاته العالميّة معروفة بكَونها صديقة للبيئة وتُراعي شروط الاستدامة؛ أكان من خلال توليد الطاقة بواسطة الدرّاجات الهوائيّة والألواح الشمسيّة، أو إعادة تدوير كل المخلّفات البلاستيكيّة بعد الحفلات.

لكنّ الاستدامة ليست عنواناً بيئياً فحسب بالنسبة إلى الفريق البريطاني، فهي مكوّن أساسيّ في المسيرة الفنية الممتدّة منذ 3 عقود على المستويَين الإنساني والموسيقي.

في كل حفلات «كولدبلاي» يسهم الجمهور في توليد الطاقة من خلال ركوب الدرّاجات الهوائية (موقع الفريق)

استدامة بقوّة الصداقة

بلغَ الفريق عامَه الـ27 من دون أي حادثٍ يُذكر. انطلق كريس مارتن (غناء وبيانو)، وجوني باكلاند (غيتار)، وغاي بيريمان (غيتار)، وويل تشامبيون (إيقاع) من مقاعد الجامعة، حيث كانوا أصدقاء. منذ ذلك الحين، لم ينفصلوا يوماً ولم يهدّدوا حتى بذلك. واظبوا على الإصدارات والحفلات بإيقاعٍ منتظم، ولم يُسمَع عن خلافٍ زعزع علاقتهم.

في عالم الفنّ والأضواء، تُعَدّ هذه الاستمراريّة إنجازاً، وهي تحقّقت بقوّة الصداقة. في عام 2002، وخلال تسويقه لألبوم الفريق الثاني، تحدّث مارتن إلى الصحافة قائلاً: «أريد فحسب أن أصنع أفضل موسيقى مع أصدقائي المفضّلين». وكدليلٍ على هذا الالتزام، عاد ليكرّر الموقف عام 2011 عندما أعلن أنّ «سرّ استمراريّة الفريق هو تلك الكيمياء التي تجمع ما بين أعضائه».

«كولدبلاي»... صداقة وشراكة إنسانية مستمرّة منذ عام 1997 (إنستغرام)

تطوّر سمعي بصري

من بين المكوّنات الأساسية كذلك لوصفة الاستمراريّة، نجاح «كولدبلاي» في التطوّر عبر السنوات وعدم الوقوع في فخّ الركود. واكب الفريق بذكاء واحتراف التحوّلات التي طرأت على عالم الموسيقى. لدى انطلاقتهم من لندن عام 1997، كانت موسيقاهم توضَع في خانة الروك. لكن ما هي إلّا سنوات قليلة حتى تحرّرَ الفريق من الخانات، وصنع بصمةً خاصة به هي أقرب إلى البوب العصريّ الذي يعتمد الإيقاعات الحديثة.

يؤمن مارتن بأنّ «مستقبل الموسيقى يحتاج إلى مزيدٍ من الألوان في اللوحة، لذلك لا يجب الاكتفاء بنغمٍ واحد». ولعلّ تلك النظريّة هي التي أوصلت «كولدبلاي» إلى ما هو عليه اليوم؛ الفريق الموسيقيّ الأنجح والأكثر جماهيريّةً حول العالم خلال العقود الثلاثة المنصرمة.

مغنّي فريق «كولدبلاي» كريس مارتن (إنستغرام)

تمسّك الفريق بالهويّة الصوتيّة التي عُرف بها، إلّا أنه تبنّى في الوقت عينه الإيقاعات الرقميّة التي فرضها عصر التكنولوجيا. لم يخشَ مارتن ورفاقه من التجريب وإضافة عناصر جديدة إلى موسيقاهم. ورغم نجاحهم العالميّ الاستثنائيّ، حافظوا على تواضعهم ولم يتردّدوا في مدّ اليد إلى فنانين آخرين، ومن بينهم مَن يصغرونهم سناً وتجربةً. شكّلت تلك الديوهات خطوةً ذكيّة ورافعةً بالنسبة إليهم، لا سيّما في نظر الجيل الشابّ؛ بما أنهم اختاروا أسماء ضاربة في عالم الموسيقى للتعاون معها، أمثال سيلينا غوميز، وريهانا، والفريق الكوريّ الشهير BTS.

فنياً دائماً، عكسَ تطوّرُ التجربة البصريّة الخاصة بـ«كولدبلاي» رغبةَ الفريق في الاستمراريّة وفي التوجّه إلى الأجيال الصاعدة. العروض الموسيقيّة والحفلات قبل «كولدبلاي» شيء، وبَعدَهم شيءٌ آخر. المؤثّرات البصريّة والأضواء الملوّنة جزءٌ لا يتجزّأ من عروض الفريق، وهي لا تُشبه أياً ممّا ابتكرَه الفنانون الآخرون. على سبيل المثال، هم الذين اخترعوا الأساور المضيئة التي تُوزّع على الجمهور خلال الحفل؛ والتي أصبحت لاحقاً موضة منتشرة في الحفلات الموسيقية الضخمة حول العالم.

التجربة البصريّة في حفلات «كولدبلاي» فريدة من نوعها (إنستغرام)

جرعات من الفرح

على امتداد العقود الثلاثة من عمر الفريق، حافظ «كولدبلاي» على إنسانيّته لا بل نمّاها فباتت توأماً لموسيقاه. تأتي معظم الأغاني بمثابة جرعة فرح وأمل وأمان بالنسبة إلى الجمهور. يبثّ الفريق الطاقة الإيجابيّة في نفوس المتلقّين، كلاماً ولحناً وأداءً وتصويراً وألواناً. يتماهى المستمعون بسهولة مع الرسائل التي تتضمّنها الأغاني والحكايات التي ترويها، سعيدةً كانت أم مثيرةً لغصّةٍ عاطفيّة.

والأهمّ أنّ الفريق وفيٌّ لتلك المعاني الإنسانيّة، وكأنّ كريس مارتن ورِفاقه جنّدوا موسيقاهم لبثّ الطمأنينة في نفوس الناس، في زمنٍ يسوده القلق والخوف. وحتى في حفلاتهم، فإنّهم لا يبخلون بحُبّهم على الحضور. يبدو مارتن على تماسٍ مباشر مع الجماهير الغفيرة، فيدعو بعضَهم للصعود إلى المسرح، كما يطلب تصويب الكاميرا على بعضهم الآخر لمحاورتهم. وهو لا ينسى أن يطلب من الناس إطفاء هواتفهم، للاستمتاع بلحظة إنسانيّة صادقة بعيداً عن الضجيج الافتراضيّ.

يحرص مارتن ورفاقُه على بثّ الحب من خلال أغانيهم وتَعاطيهم مع الجمهور (إنستغرام)

بغض رغم الحبّ

غير أنّ كل هذا الحبّ الموسيقيّ لم يكن كافياً كي يقيَ الفريق موجات الانتقاد اللاذع، وحتى رسائل البغض على وسائل التواصل الاجتماعيّ. ففي المقلب الآخر لحكاية النجاح، غالباً ما يُنتَقد «كولدبلاي» بسبب أمورٍ عدّة. من بين ما يُلام عليه الفريق أنه دخل دوّامة الموسيقى التجاريّة ولم يُخلص لأسلوب البدايات المستقلّ. يُتّهم كذلك بأنه تعاون مع أسماء كبيرة في عالم الموسيقى والسوشيال ميديا، بهدف جمع الأرقام انطلاقاً من الهوَس بالنجاح. ولا تنجو الأغاني هي الأخرى من الانتقادات، إذ يُقال إنها تبالغ في بثّ الإيجابيّة.

إلّا أنّ كل ذلك لم يَحُل دون امتلاء الساحات التي يُحيي فيها «كولدبلاي» حفلاته بمئات آلاف المعجبين، ولا دون بيعه حتى اللحظة أكثر من 100 مليون ألبوم حول العالم.


مقالات ذات صلة

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

يوميات الشرق الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب (حسابها على فيسبوك)

شيرين عبد الوهاب تكسب قضية جديدة ضد شقيقها

كسبت الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب قضية جديدة ضد شقيقها.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق هاتف أرضي في غرفة نوم عبد حليم (الشرق الأوسط) p-circle 02:02

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

تخيّم على شقة «العندليب» حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم.

عبد الفتاح فرج (القاهرة)
الوتر السادس شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

شذى لـ«الشرق الأوسط»: عصر الألبومات الغنائية انتهى

أطلقت المطربة المصرية شذى أخيراً مجموعة أغانٍ منفردة أحدثها أغنية «أوكي» التي صدرت في بداية عام 2026 وأغنية «زمانك دلوقتي»، بالإضافة إلى عدة أغنيات مثل «ناجح»..

مصطفى ياسين (القاهرة)
الوتر السادس الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

الملحّن رواد رعد لـ«الشرق الأوسط»: ما نشهده على الساحة لا يمثّل الفن الحقيقي

يزخر مشوار الملحن رواد رعد بأعمال غنائية ناجحة لا تزال أصداؤها تتردد حتى اليوم. فهو ينتمي إلى الجيل الذهبي من الملحنين اللبنانيين الذين تركوا بصمتهم على الساحة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق تحمل أرضها في صوتها وتزرعها فنّاً فوق الخشبة (سينتيا كرم)

«الغارابيا»... سينتيا كرم تعبُر بين الفلامنكو والوجع العربي

سينتيا كرم حملت إلى «الغارابيا» طبقة إنسانية مُثقلة بواقعها الشخصي ونزف بلدها...

فاطمة عبد الله (بيروت)

دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)

أظهرت دراسة حديثة شملت 38 دولة حول العالم، أن معدل الخصوبة الفعلي والمخطط له يرتفع بمقدار 0.32 طفل لكل امرأة عندما يعمل كلا الزوجين من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، مقارنةً بمن يعملون في مواقع عملهم أو لدى العملاء.

ووجدت الدراسة أن العمل من المنزل يرتبط بارتفاع معدل الخصوبة. بعبارة أخرى، بين العاملين، يعني قضاء وقت أطول في المنزل زيادة في عدد المواليد.

في العينة، يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال لكل امرأة 2.26 طفل عندما لا يعمل أي من الزوجين من المنزل. ويشمل ذلك الأشخاص الذين عملوا بأجر خلال الأسبوع الماضي، أي إنهم ليسوا عاطلين عن العمل، بل يعملون في مواقع عملهم أو لدى عملائهم، حسبما أورد موقع «يورونيوز».

وأفادت الدراسة بأنه إذا عملت المرأة من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، يرتفع متوسط ​​عدد الأطفال طوال حياتها إلى 2.48 طفل. وإذا عمل كلا الزوجين من المنزل، يرتفع هذا المتوسط ​​إلى 2.58 طفل.

أما إذا عمل الرجل من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، فإن الزيادة تكون أقل، حيث يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال 2.36 طفل.

ما الذي يفسر هذا الارتفاع؟

يُلاحظ ارتفاع ملحوظ في معدلات الخصوبة عندما يعمل الوالدان يوماً واحداً على الأقل من المنزل. فكيف يحدث ذلك؟ ما الآليات التي تُفسر العلاقة بين العمل من المنزل وارتفاع معدلات الخصوبة في الأسر؟

تشير الأبحاث إلى ثلاثة احتمالات أساسية:

1) من خلال تسهيل الجمع بين رعاية الأطفال والعمل بأجر، تُشجع وظائف العمل من المنزل النساء وشركائهن على اختيار إنجاب مزيد من الأطفال.

2) تختار الأسر التي لديها أطفال، وظائف تُتيح خيارات العمل من المنزل، لكنّ معدلات الخصوبة لا تتأثر بشكل مباشر بوضع العمل من المنزل.

3) يُسهم توفر وظائف العمل من المنزل في رفع معدلات الخصوبة من خلال توسيع الفرص الحالية والمستقبلية لاختيار وظائف تُراعي ظروف الوالدين.

ويُشير التقرير إلى أن «الاحتمالات الثلاثة تتفق جميعها مع فكرة أن وظائف العمل من المنزل تُسهل على الوالدين الجمع بين تربية الأطفال والعمل».

وجد الباحثون «أدلة واضحة» على ارتفاع معدلات الخصوبة مع توفر فرص العمل من المنزل. وقد استمر هذا النمط بعد الجائحة (2023-2025) وقبلها (2017-2019).

وتعتمد النتائج على مستوى الدول على معدل العمل من المنزل. وتختلف آثار ذلك على معدلات الخصوبة الوطنية بين الدول، ويعود ذلك أساساً إلى التفاوت الكبير في معدلات العمل من المنزل.

بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و45 عاماً، تتراوح نسبة من يعملون من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً بين 21 في المائة في اليابان و60 في المائة في فيتنام. وهذا يعني أن كل دولة تضم عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يعملون من المنزل أحياناً، وعدداً كبيراً لا يعملون منه أبداً.

يُعد العمل من المنزل أمراً غير شائع نسبياً في عديد من الدول الأوروبية، بينما تحتل المملكة المتحدة المرتبة الثالثة عالمياً، وتتصدر أوروبا بنسبة 54 في المائة.

ويشير التقرير إلى أن «رفع معدلات العمل من المنزل إلى المستويات السائدة حالياً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا من شأنه أن يعزز الخصوبة بشكل ملحوظ في عديد من الدول الأخرى».

يُقدِّر التقرير أنه إذا تم تفسيره على أساس السببية، فإن العمل من المنزل يُسهم بنسبة 8.1 في المائة من معدل الخصوبة في الولايات المتحدة. وهذا يُعادل حوالي 291 ألف ولادة سنوياً بحلول عام 2024. ويُشير البحث إلى أنه على الرغم من أن هذه المساهمة قد تبدو متواضعة، إلا أنها أكبر من تأثير الإنفاق الحكومي على رعاية الطفولة المبكرة والتعليم في الولايات المتحدة.


«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
TT

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)

تتبدَّل وظيفة الأشياء الصغيرة في أزمنة الحرب. يصير النهار الذي يتسلَّل إليه بعض الضوء مختلفاً عن نهار آخر يمرّ ثقيلاً، مُكتفياً بكونه يوماً إضافياً في سجلّ التعب. في مراكز الإيواء حيث تتقلَّص الحياة إلى ضروراتها القصوى، ويمضي اليوم على إيقاع القلق وأخبار القصف والتدبير الشحيح للطعام والنوم والانتظار، تكتسب أيّ لفتة إنسانية معنى يتخطّى حجمها المباشر. هناك، يمكن لنشاط رياضي أو «تي شيرت» أو ميدالية تُعلَّق على عنق طفل، أن يترك أثراً يتجاوز لحظته.

أحذية قطعت طرقاً مختلفة لتلتقي هنا (ماراثون بيروت)

يمكن قراءة ما تقوم به جمعية «ماراثون بيروت» خلال الحرب، عبر تنقُّل رئيستها مي الخليل وفريق العمل بين مراكز الإيواء في المناطق، وتنظيم نشاطات رياضية للأطفال النازحين، من هذا الباب. في المدينة الرياضية، بدا المشهد تحت الشمس وفي اتّساع الملعب، أقرب إلى استعادة مؤقتة لفكرة الحياة الطبيعية. أولاد يركضون في فضاء مفتوح، يضحكون، ويتنافسون، ويرتدون القمصان الصفراء التي يرتديها العدّاؤون في سباقات الماراثون، وينالون ميداليات قد تكون الأولى في حياتهم. في التفاصيل ما يكفي لفَهْم الفكرة كلّها. فالطفل يشعر ولو لساعات بأنه خرج من ضيق النزوح إلى فسحة أوسع. يومه لا يمرّ مثل الأيام العادية.

ما يلفت في هذه المبادرات أنها ليست استجابة ظرفية وطارئة فقط. مي الخليل تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ مبادرة التبرُّع بالأحذية مثلاً تنتمي إلى نهج إنساني اعتمدته الجمعية منذ سنوات، في موازاة مبادرات أخرى مثل «حقي أركض» وتنظيم نشاطات رياضية في مناطق ذات دخل محدود. هذا البُعد مهم، لأنه يضع ما يجري اليوم في سياق تطلُّع أوسع يرى في الرياضة حقاً عاماً ومساحة يمكن أن تفتح في الإنسان منافذ قوّة وتماسُك، خصوصاً في لحظات الانكسار الجماعي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

في حديثها عن الأحذية المُتبرَّع بها، تتوقَّف مي الخليل عند ما تُسمّيه «الاستمرارية»؛ فالحذاء في نظرها لا يُختَزل في شيء يُعاد استخدامه. ترى فيه فرصة لأن «يُكمِل الرحلة مع شخص آخر»، ويُعبّر عن قدرة المبادرات المتواضعة على إحداث فرق معنوي لدى مَن يتلقّاها. تحت وطأة اللجوء، تتغيَّر نظرتنا إلى المواد المحيطة بنا. ما كان عادياً في أيام السلم، قد يصير اليوم عنصراً من عناصر العناية، وإشارة إلى أنّ أحداً في مكان ما فكَّر في إنسان لا يعرفه وترك له ما يُساعده على الوقوف والركض والمُشاركة.

في العيون شيءٌ يقول إنّ هذا اليوم ليس عادياً (الشرق الأوسط)

الأهم من الحذاء هو ما يحدث عندما يبدأ النشاط. مي الخليل تستعيد أكثر من مشهد من زياراتها لمراكز الإيواء، لكنَّ اللحظة التي تبقى معها بعد المغادرة هي «لحظة الانطلاق». عندها، كما تقول، يتبدَّل شيء في ملامح الطفل... من ثقل النزوح إلى فرح اللحظة. وتتذكَّر صبياً «كان يركض وكأنه يهرب من كلّ شيء خلفه، ثم توقَّف وابتسم». في هذه الصورة ما يشرح كثيراً من الكلام عن أثر الحركة في النَّفس. الركض لا يمحو الصدمة والخليل واضحة في ذلك، لكنه «يفتح نافذة للتنفُّس». يُعيد وصل الإنسان بجسده ويمنحه مسافة عن الضغط الداخلي. ومع التكرار، قد يصير هذا المُتنفَّس جزءاً من مسار أهدأ نحو التعافي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

يبدو الأطفال صغاراً أمام اتّساع مدرَّجات المدينة الرياضية والسماء. ومع ذلك، فإنّ هذا الاتساع قد يكون جزءاً من العلاج الصامت. النازح الذي اعتاد سقف الخيمة أو ضيق الصفّ أو قسوة المكان المؤقت، يجد أمامه مساحة تسمح له بأن يركض من دون أن يصطدم بشيء. ومَن يدري، ربما عاد هؤلاء الأولاد إلى الخيم التي صاروا فيها جيراناً، وتبادلوا الكلام عن ذلك النهار. عن السباق والميدالية والـ«تي شيرت» الأصفر، وعن مي الخليل التي غنَّت معهم النشيد الوطني وأعطتهم الميكروفون ليرفعوا أصواتهم قليلاً. هذه اللحظات لا تُنهي الحرب. يكفي أن تترك في الوجدان مادةً لتحمُّل القسوة اليومية.

بين يدٍ أعطت وقدمٍ ارتدت ثمة مسافة تختصر الكثير (الشرق الأوسط)

وربما اكتشف بعض هؤلاء الأطفال في ذلك النهار قدرةً لم ينتبهوا إليها من قبل. ربما شَعَر واحد منهم أنه سريع على نحو لافت، أو أنه يُحبّ المنافسة، أو أنّ جسده يستجيب للركض بفرح غامض كان ينتظر فرصة مناسبة ليظهر. المواهب كثيراً ما تُولد في ظروف عادية، لكنَّ بعضها يحتاج فقط إلى نافذة تُتيح له أن يخرج إلى العلن. وفي حياة يُهدّدها الانقطاع الدائم، يصبح العثور على مَيْل شخصي أو قدرة ما حدثاً له قيمة نفسية مُضاعفة، لأنه يعيد إلى الطفل إحساسه بنفسه ويوقظ في داخله إمكانات ورغبات ومستقبلاً ممكناً.

بين الضحك والركض يمرّ وقتٌ لا يُشبه سواه (الشرق الأوسط)

ما يجعل هذه المبادرات مؤثّرة هو أنها تلامس جوهر ما يساعد البشر على احتمال المرارة. الإنسان لا يعيش على الطعام والمأوى وحدهما، خصوصاً الطفل. هناك حاجة إلى اللعب والشعور بالإنجاز. إلى مَن يمرّ في يومه ويترك علامة. قد تبدأ هذه العلامة بابتسامة، ثم تتحوَّل إلى معنى في الداخل. وإلى قدر من الطمأنينة أو ذكرى تُستعاد عندما يشتدّ الخوف. في الحرب، لا تكون الأفعال الصغيرة صغيرة فعلاً. تُمثّل الحياة التي رغم كلّ شيء لا تزال قادرة على إرسال إشاراتها. وهذا أحياناً يكفي كي يُحتَمل يوم آخر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
TT

سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)

أعلنت المغنية الكندية سيلين ديون، مساء أمس (الاثنين)، عبر فيديو ورسائل عُرضت على برج إيفل في يوم عيد ميلادها الثامن والخمسين، إحياءها عشر حفلات موسيقية خلال الخريف المقبل في باريس، لتمهّد بذلك لعودتها الرسمية بعد غياب عن الحفلات دام ست سنوات.

وقالت النجمة المتحدرة من مقاطعة كيبيك الكندية، في رسالة مصورة بُثت على مواقع التواصل الاجتماعي وقناة «فرانس 2» الفرنسية العامة: «هذا العام، سأحصل على أفضل هدية عيد ميلاد في حياتي. ستُتاح لي الفرصة لرؤيتكم، لأؤدي لكم مرة أخرى».

في الوقت نفسه، شاهد مئات المعجبين أمام برج إيفل عرضاً ضوئياً على أنغام بعض من أشهر الأغاني التي أدتها المغنية، بما يشمل أداءها أغنية إديت بياف الشهيرة «Hymne a l'amour» (نشيد الحب). وعُرضت رسائل بلغات عدة على البرج بينها «باريس، أنا جاهزة».

إضاءة برج إيفيل بعد إعلان المغنية الكندية سيلين ديون عودة حفلاتها (رويترز)

من المقرر إقامة عشر حفلات موسيقية في الفترة من 12 سبتمبر (أيلول) إلى 14 أكتوبر (تشرين الأول)، بواقع حفلتين أسبوعياً، يومي السبت والأربعاء. واختارت المغنية أن تعود إلى جمهورها بنمط حفلات شبيه بذلك الذي اعتمدته على مدى 16 عاماً في لاس فيغاس، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُقام الحفلات العشر في قاعة «لا ديفانس أرينا» عند مداخل باريس التي تتسع لنحو 40 ألف متفرج. وستُقدم سيلين ديون خلال هذه الحفلات «أشهر أغانيها باللغتَين الفرنسية والإنجليزية»، وفق بيان.

كما ستُتاح لسيلين ديون فرصة أداء أغنية جديدة من تأليف أحد أبرز ملحني أعمالها، جان جاك غولدمان الذي تعاونت معه، خصوصاً في ألبوم «دو» (D'eux) الذي حقق لها شهرة واسعة.

ومن المقرر إطلاق الأغنية هذا الربيع، وفق ما صرح به مقربون من الفنانة لوكالة «الصحافة الفرنسية»، مؤكدين بذلك تقريراً نشرته صحيفة «لوباريزيان». وسيتولى المدير الفني ويلو بيرون الذي عمل أيضاً على جولة بيونسيه العالمية الأخيرة، تصميم ديكورات حفلاتها.

بعد بدء البيع المسبق للتذاكر لعدد مختار من الأشخاص في 7 أبريل (نيسان)، تُطرح تذاكر الحفلات للبيع العام في 10 أبريل.

«حماس شديد»

يأتي هذا الإعلان الذي أثار حماسة كبيرة لدى محبي النجمة العالمية، عقب حملة دعائية مُخطط لها بدقة للترويج لعودة سيلين ديون إلى الساحة.

وقالت المغنية: «أردتُ أن أخبركم أنني بخير حقاً، صحتي... أشعر بأنني بخير، أشعر بالقوة، أغني كثيراً، حتى إنني أرقص قليلاً»، مضيفةً أنها تشعر «بحماس شديد» و«بقليل من التوتر». وتابعت: «في السنوات الأخيرة، لم يمر يوم إلا وشعرتُ فيه بدعائكم ودعمكم، وبالطبع حبكم، حتى في أصعب الأوقات».

وأُلغيت جولتها «Courage World Tour» (كوردج) التي انطلقت في أواخر عام 2019، بعد أشهر قليلة من بدايتها بسبب جائحة «كوفيد»، ثم بسبب المشكلات الصحية للمغنية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2022، كشفت المغنية عن تشخيص إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبّس»، وهو أحد أمراض المناعة الذاتية الذي لا يوجد علاج شافٍ منه، واضطرت إلى إلغاء سلسلة من الحفلات إلى أجل غير مسمى.

وقد تسبب هذا المرض بإرجاء عودتها إلى الساحة الفنية مرات عدة، آخرها في 2025 حين كان مقرراً أن تستأنف حفلاتها قبل تأجيل هذه الخطوة مرة أخرى. لكن الأمل بالعودة ظل قائماً بعد أن ظهرت سيلين ديون مجدداً في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في باريس صيف عام 2024، حين قدمت الأغنية الشهيرة «إيمن آلامور» (نشيد الحب)، أيضاً من برج إيفل، خلال حفل ختامي مبهر.

تحظى سيلين ديون بشعبية كبيرة حول العالم، وقد باعت ما يناهز 260 مليون ألبوم باللغتين الإنجليزية والفرنسية خلال مسيرتها الغنائية الممتدة منذ نحو أربعة عقود.

Your Premium trial has ended