«كولدبلاي» في أثينا... مهرجانُ ألوانٍ وحبّ وسلامٌ لفلسطين

الفريق البريطاني يغنّي للمرة الأولى في العاصمة اليونانية أمام عشرات الآلاف

أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
TT

«كولدبلاي» في أثينا... مهرجانُ ألوانٍ وحبّ وسلامٌ لفلسطين

أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)

«ويكند» حارّ شهدته أثينا التي كانت على موعد مع زحفٍ بشري قلّما رأت له مثيلاً، إلّا خلال الأحداث الرياضية العالمية. من كل أصقاع الأرض، لا سيّما من الدول العربية، ووسط درجات حرارة فاقت معدّلاتها الموسميّة، وفدَ جمهور «كولدبلاي» Coldplay إلى العاصمة اليونانية لمتابعة حفل فريقه الموسيقي المفضّل.

في ملعب أثينا الأولمبيّ، كان الموعد المُنتظر الذي سبق أن أعلن عنه الفريق الموسيقي البريطاني العام الماضي وبيعت بطاقاته خلال ساعات.

أمام نحو 70 ألف شخص ملأوا المدرّجات جلوساً وأكثر من 10 آلاف وقوفاً في أرض الملعب، قدّم كريس مارتن أشهر أغاني الفريق برفقة زملائه جوني بكلاند وغاي بيريمان على الغيتار، وويل تشامبيون على الإيقاعات.

فاق الحضور في ملعب أثينا الأولمبي الـ80 ألف شخص (إنستغرام)

أمطارٌ من الطابات

موسيقياً، أثبتَ فريق «كولدبلاي» أنه استثنائي، فالعرضُ متواصل منذ عام 1997 في مسيرة خالية من الشوائب الفنية، وحافلة بالإنجازات والجوائز. أما الحفلات فدليل آخر على ضخامة الفرقة وتليق بها تسمية «مهرجان من الألوان».

من لحظة وضع الأساور المضيئة في المعاصم، حتى لحظة إطلاق المفرقعات اختتاماً للحفل، مروراً بهبوط الطابات الضخمة الملوّنة فوق الرؤوس، يجد الجمهور نفسه أمام احتفاليّة من الألوان والفرح تمتدّ أكثر من ساعتَين.

تتفوّق جولة كولدبلاي العالميّة لناحية المؤثّرات الخاصة والتفاعل مع الجمهور (إكس)

هو فرحٌ متعمّد يحتفي به كريس مارتن غناءً وكلاماً، كما حين يعبّر، بين أغنية وأخرى، عن مدى سروره باحتشاد عشرات آلاف الأشخاص في مكانٍ واحد وفي اللحظة ذاتها، وكأنهم قلبٌ واحد ينبض بلغة واحدة، لغة الحب.

يأخذ المغنّي فَواصلَ ليطمئنّ إلى الحضور: «هل أنتم بخير؟». يتوجّه إلى مَن وقفوا في الصفوف الخلفيّة: «أنا أراكم». وقد حرص الفريق بالتعاون مع الجهات المنظّمة على اتّخاذ تدابير احترازيّة في مواجهة موجة الحرّ، طالبين من الجمهور عدم الوصول باكراً إلى الملعب، واستعمال الكريم الواقي من الشمس وارتداء القبّعات، كما جرى توزيع عبوات المياه عليهم.

مغنّي فريق كولدبلاي كريس مارتن على المسرح في أثينا (إكس)

«كاليسبيرا»

يهتمّ كريس مارتن بعشّاق «كولدبلاي»، يبادلهم الحب. يرحّب بهم باليونانية: «كاليسبيرا» (مساء الخير). يقرأ بصوتٍ مرتفع ما كتبوا على اللافتات المرفوعة، ويشكرهم لأنهم أتوا من أماكن بعيدة. يختار فتاتَين من بين الحضور ويطلب منهما الصعود إلى المسرح، ويدعوهما للجلوس قربه إلى البيانو، ويطرح عليهما الأسئلة للتعارف، ثمّ يطلب منهما الغناء معه. باختصار، يحقّق لهما حلم العمر.

يسير التبادل الإنساني في حفل كولدبلاي بالتوازي مع الموسيقى الجميلة. مسارٌ يزدان بالألعاب الضوئيّة وبالمؤثّرات الخاصة الملوّنة، وبمزيدٍ من الطابات التي تحلّق فوق رؤوس الجمهور. معظمها على هيئة كرة أرضيّة، فعنوان جولة الفريق العالمية هو «موسيقى الكُرات» (Music of the Spheres)، أما الرسالة من ذلك فهي التوحّد حول الحب، مهما تباعدت الكواكب أو اشتدّت الحروب، ومهما اختلفت المعتقدات والأجناس والأعراق.

حضر الحفل رئيس الحكومة اليونانية كرياكوس ميتسوتاكيس وزعيم المعارضة ستيفانوس كاسيلاكيس، ولعلّ هذا من بين ما أوحى لمارتن بالعبارة التالية: «يبدو أنّ الموسيقى وحدها قادرة على تجاوز الانقسامات وتقريب المسافات بين الناس». وخلال توجيهه التحية إلى البلدان الممثّلة وسط الجمهور، تعمّدَ مارتن تسمية فلسطين وإسرائيل. تكرّر الأمر عندما أخذ فاصلاً جديداً مع الحبّ، طالباً من الجمهور رفع أيديهم وإرسال كل ما في قلوبهم من مشاعر إيجابية إلى أي مكانٍ يختارونه من هذا العالم: «لأنّ العالم بحاجة إلى الحب، أرسِلوا كل ما أوتيتم منه في هذه اللحظة إلى نيويورك، وبوينس أيرس، وطوكيو، وفلسطين، ولندن أو أي مكان تختارونه على هذه الكرة الأرضيّة».

على إيقاع الحب سار حفل كولدبلاي في أثينا (إكس)

ديو مع دمية

ترتفع الهتافات عندما تنطفئ الأنوار ويظنّ الجمهور أن الحفل انتهى، ليتّضح أنّ مارتن والفريق انتقلوا من المسرح الأساسي إلى واحدٍ أصغر حجماً جرى تجهيزه في الناحية الثانية من الملعب، كي يتسنّى لمَن لم يستطيعوا أن يشاهدوا كولدبلاي عن قُرب، أن يفعلوا.

وهنا محطّة جديدة من التواصل المباشر مع الجمهور، إذ يطلب مارتن من الكاميرا التنقّل بين وجوه الحاضرين لتتوقّف عند وجهٍ يختاره، ويظهر على الشاشات الضخمة المرفوعة في الملعب. يستوحي المغنّي من ملامح الشخص أو سنّه أو هندامه كلماتٍ ويرتجل له أغنية، في لحظة لا تخلو من المواقف الطريفة والمؤثّرة. يغنّي لطفلٍ رفعه والده على كتفَيه، شاكراً إيّاه على تكبّد عناء السهَر. ثم ينتقل إلى ثنائي ويؤلّف لهما مقطعاً رومانسياً.

كريس مارتن وزملاؤه في الفريق جوني بكلاند وغاي بيريمان وويل تشامبيون (إكس)

هكذا يحادثُ كولدبلاي جمهوره. يحرّك الحواسّ كلّها، وينوّع ما بين أغانٍ جديدة مثل «Higher Power»، و«My Universe»، وكلاسيكيّاتٍ صنعت مجد الفريق وعشقَها جمهوره مثل «A Sky Full of Stars»، و«Something Just Like This»، و«Paradise»، و«Yellow»، وغيرها الكثير.

يستعين الفريق بأكسسوارات كثيرة على المسرح، فيتنكّر عناصره بأقنعة كائنات فضائيّة تجسيداً لمبدأ المساواة بين الجميع الذي يدافع عنه الفريق. في الإطار ذاته، تطلّ على المسرح دمية مغنّية لتشارك مارتن أداء «Biutyful». أما ألعاب الليزر فتبدو وكأنّها أمطارٌ من الأنوار التي لا تتوقّف عن الانهمار، طيلة مدّة العرض الموسيقي.

كريس مارتن وديو أغنية Biutyful مع الدمية (إنستغرام)

فريق صديق للبيئة

في حفل كولدبلاي في أثينا، كما في حفلات الفريق كلّها، تترافق الطاقة البشريّة وطاقة كهربائية هائلة. إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ الفريق يستهلك الوسائل التقليديّة في توليد الطاقة. فهذه الجولة العالميّة المتواصلة منذ عام 2022، واكبها إعلان عن إجراءات متّخذة خلال الحفلات تراعي متطلّبات الاستدامة.

انطلاقاً من وعيه البيئيّ، قرر الفريق الموسيقي البريطاني الأشهر في القرن الـ21، أن يستخدم الألواح الشمسيّة وبطّارية قابلة للتفكيك وإعادة الشحن كبديلٍ عن مولّدات الديزل. وقد شارك الحضور بتوليد الطاقة بأنفسهم، بمجرّد الرقص والحركة على أرضيّة تعمل بالطاقة الحركيّة، فيما كان بعضهم يولّدون الطاقة للحفل بمجرّد ركوبهم على دراجاتٍ وُضعت خصّيصاً في المكان. وتُضاف إلى قائمة تدابير كولدبلاي الصديقة للبيئة، إعادة تدوير الأساور المضيئة التي يُعاد جمعها من الجمهور بعد الحفل، والاستعانة بقصاصات الـ«كونفيتي» الورقيّة القابلة للتحلّل.

يعتمد فريق كولدبلاي في كل حفلاته على وسائل بديلة لتوليد الطاقة حفاظاً على البيئة (إكس)

وكان فريق كولدبلاي قد افتتح زيارته الأولى إلى أثينا حيث أحيا حفلَين، بغرس عددٍ من الأشجار في المدينة. كما أعلن أنه نجح في تخفيض الانبعاثات الكربونيّة المرتبطة بحفلاته، بنسبة 59 في المائة، مقارنة مع الجولة العالمية السابقة.


مقالات ذات صلة

فايا يونان لـ«الشرق الأوسط»: ألبومي الجديد «فصول» يحكي مراحل من حياتي

الوتر السادس فايا يونان لـ«الشرق الأوسط»: ألبومي الجديد «فصول» يحكي مراحل من حياتي

فايا يونان لـ«الشرق الأوسط»: ألبومي الجديد «فصول» يحكي مراحل من حياتي

تغرّد فايا يونان خارج السرب بأسلوب يميّزها عن غيرها، من خلال دفء الإحساس، والصوت الحنون، والكلام المثقل بالمشاعر.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس إيهاب عبد الواحد: أستغل الموسيقى للتعبير عن أفكاري الجديدة

إيهاب عبد الواحد: أستغل الموسيقى للتعبير عن أفكاري الجديدة

قال الملحن المصري إيهاب عبد الواحد إن اختياراته الموسيقية لا تبدأ من اللحن، وإنما من الفكرة التي تحملها الأغنية

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مارسيل خليفة (فيسبوك)

ولادة جديدة لـ«وعود من العاصفة» باكورة شراكة مارسيل خليفة ومحمود درويش

بعد خمسين سنة، يعيد مارسيل خليفة تسجيل ألبومه الأول «وعود من العاصفة»؛ وحين تستمع إليه بصوته بعد مرور كل هذا الزمن، بتقلباته المجنونة، تشعر بأن لا شيء تغير.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق حفل يعرف كيف يجعل الليل أطول من ساعاته (الشرق الأوسط)

«أنغام وأفلام»... أغنيات تتساقط منها الأعوام ويبقى الحبّ

للأغنيات قدرة على حفظ ما يتعذَّر الاحتفاظ به في الحياة، من أعمار وأمكنة ووجوه وعواطف...

فاطمة عبد الله (بيروت )
يوميات الشرق يؤكّد أنه لن يمتهن الغناء وأن «تمارا» مجرّد تجربة (جاد وهبي)

«تمارا» تُعيد صوت حكمت وهبي إلى ذاكرة الأجيال

«تمارا» ثاني عمل غنائي تطلقه شركة «مودزيكا» ضمن مشروعها الهادف إلى إحياء مجموعة من الأغنيات القديمة...

فيفيان حداد (بيروت)

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
TT

مطعم شهير يجدّد الجدل حول مصداقية «الفوود بلوجر» في مصر

جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)
جدل في مصر حول دور المؤثرين في الدعاية للمطاعم (الشرق الأوسط)

أثار مقطع مصوّر ظهر فيه صاحب أحد المطاعم الشهيرة في مصر منتقداً أحد صنّاع محتوى الطعام، جدلاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليطرح مجدداً تساؤلات حول مدى أحقية «الفوود بلوجرز» في تقييم المطاعم.

واعترض صاحب المطعم في المقطع على فكرة قيام أحد «الفوود بلوجرز» المعروفين بتقييم الطعام في مطعمه، معتبراً أن تقييم المطاعم «ليس من اختصاص (الفوود بلوجرز)»، وأن تقييم المطاعم له متخصصون يمتلكون الخبرة والمعايير اللازمة للحكم على جودة ما تقدمه.

وقوبل فيديو صاحب المطعم بردود فعل متباينة؛ إذ دافع جانب من المتابعين عن رأي صاحب المطعم في ضرورة الفصل بين التجربة الشخصية والتقييم المتخصص، في حين رأى آخرون أن حديثه يحمل هجوماً على «الفوود بلوجرز»، وأن طريقة الرد قد تتحول في حد ذاتها إلى دعاية سلبية للمطعم.

ودافع متابعون عن حق صانع المحتوى في التعبير عن تجربته بوصفه مستهلكاً اشترى الطعام ودفع ثمنه، وليس باعتباره خبيراً أو ناقداً متخصصاً، وكتب أحدهم تعليقاً على الواقعة: «واحد شاري أكل بفلوسه وقرر يقيم تجربة الأكل»، مشيراً إلى أنه لم يقدم نفسه باعتباره «خبيراً»، في حين رأى أن تجاهل الفيديو أو الرد على ما ورد فيه كانا خيارين أفضل من نقل الخلاف إلى المستوى الشخصي.

ويعيد الجدل طرح مسألة الفارق بين نقل تجربة شخصية وتقديم تقييم مهني للمطاعم؛ ففي حين يستند الأخير إلى معايير وخبرة متخصصة، اكتسبت تجارب «الفوود بلوجرز» وزناً أكبر مع اتساع أعداد متابعيهم وتأثيرهم في اختيارات الجمهور.

لقطة من الفيديو المثير للجدل (إكس)

وترى مروة السيد، المدرّسة بقسم العلاقات العامة والإعلان في كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن «(الفوود بلوجرز)، شئنا أو أبينا، أصبحوا جزءاً كبيراً من صناعة الدعاية»، لافتة إلى أن المطاعم نفسها أسهمت في تعزيز هذا الدور عبر استقطاب صنّاع المحتوى والتعاون معهم، لدرجة أن «كثيراً منهم أصبح لديه حضور وشعبية وكلمة مؤثرة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الإشكالية لا تتعلق فقط بحق «الفوود بلوجر» في النقد، بقدر ما تتصل بالفاصل بين التقييم والإعلان، خصوصاً مع تحول صنّاع محتوى الطعام إلى إحدى أدوات التسويق للمطاعم، بحيث لا يكون المتابع دائماً أمام رأي شخصي مستقل، وإنما قد يكون أمام محتوى تجاري جرى الاتفاق عليه مسبقاً.

وتوضح أن «التعاون التجاري بين المطاعم وصنّاع المحتوى تختلف قيمته وفق عدد المتابعين، وطبيعة المحتوى المطلوب، وحجم التفاعل»، معتبرة أن «ما يهدم مصداقية صانع المحتوى هو أن تصبح الفلوس أول همه، وأن تبدو جميع المطاعم التي يزورها جيدة؛ لأن المتابع سيفقد ثقته به في النهاية».

وخلال السنوات الأخيرة انتشرت ظاهرة «الفوود بلوجرز» التي بدأت بشباب يرصدون تجاربهم في أحد المطاعم وتذوق ما يقدمه، ثم إبداء رأيهم فيما تناولوه، ونشر هذا الرأي في مدونات أو على صفحات «سوشيالية» مع الوقت أصبحت تحظى بمتابعات لافتة، وأصبحت الظاهرة «صناعة ضخمة» تدر مكاسب مادية على صنّاع المحتوى، وفي الوقت نفسه أصبحت وسيلة للدعاية تقوم بها العديد من المطاعم.

وترى خبيرة التسويق الرقمي داليا الشافعي أن قوة «الفوود بلوجر» ترتبط في الأساس بالثقة التي بناها مع متابعيه، وهي الثقة التي قد تتراجع عندما يشعر الجمهور بأن التقييمات الإيجابية مرتبطة بالتعاون التجاري أكثر من ارتباطها بالتجربة الفعلية.

وتقول داليا لـ«الشرق الأوسط» إن «خروج صاحب المطعم للتقليل من دور (الفوود بلوجرز) قد يتحول في حد ذاته إلى دعاية سلبية للمطعم»، موضحة أنه «كان من الممكن التعامل مع التقييم باعتباره تجربة شخصية، فمن الطبيعي أن يحب البعض المطعم، وألا يعجب آخرين».

وتضيف أن «التسويق في الوقت الحالي لا يمكنه تجاهل التأثير الذي باتت تتمتع به منصات التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، باعتبارهم قطاعاً مؤثراً في تشكيل آراء الجمهور وقراراتهم الشرائية».


مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
TT

مصر لحفظ كنوز «الكتبخانة الخديوية» برقمنة آلاف المخطوطات

دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)
دار الكتب المصرية أنشئت نهاية القرن التاسع عشر (دار الكتب والوثائق المصرية)

نظمت دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية بمناسبة مرور 156 عاماً على تأسيس «الكتبخانة الخديوية» التي تعد النواة الأولى لدار الكتب المصرية، وذلك بمقرها التاريخي في منطقة باب الخلق، وأبرز متخصصون ومؤرخون الدور الذي قامت به الدار في حفظ المخطوطات وكتب التراث حتى اليوم، مع التأكيد على رقمنة آلاف المخطوطات لحفظها ضمن مشروع عالمي.

وبينما أكد رئيس الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، الدكتور أسامة طلعت، على أن التراث المصري من وثائق وآثار ومخطوطات يمثل حصن الأمة الأخير، مشيداً، خلال بيان للهيئة، بدور العاملين بدار الكتب والوثائق القومية وكوادرها المتتابعة في حمل هذه الأمانة العظيمة وصونها، شدد على أن التاريخ يؤكد قدرة مصر على تجاوز جميع التحديات، والحفاظ على ذاكرتها وتراثها الحي.

بينما أشار المؤرخ الدكتور أيمن فؤاد سيد إلى أن دار الكتب المصرية تعد أول وأقدم مكتبة وطنية أُنشئت في الشرق. وتطرق إلى تاريخ خزائن الكتب التي كانت تنتشر قديماً في المدارس والمساجد الجامعة، مستحضراً تجربة «دار الحكمة» ببغداد التي أسسها هارون الرشيد، و«بيت الحكمة» بالقاهرة في العصر الفاطمي، اللذين ضما أعداداً ضخمة من المخطوطات والكتب، وفق ما ذكره المؤرخون.

وعن قصة تأسيس «الكتبخانة الخديوية»، استعرض المؤرخ المصري بداية الفكرة التي تبلورت عند عودة البعثات المصرية من فرنسا (بعثة الأنجال عام 1844) والتي شارك فيها علي مبارك والخديوي إسماعيل، حيث اقترح علي مبارك إنشاء مكتبة وطنية على غرار المكتبات الأوروبية، وعليه صدر قرار التأسيس في مارس (آذار) 1870، وافتُتحت في 24 سبتمبر (أيلول) 1870 بالطابق الأرضي لقصر مصطفى فاضل بـ درب الجماميز»، وجمعت الدار عند تأسيسها مجموعات الكتب المتناثرة في المدارس والخزائن (باستثناء الأزهر)، إضافة إلى مكتبة مصطفى فاضل باشا التي اشتراها الخديوي إسماعيل، وكان من بينها أعرق المخطوطات.

وتابع أنه «مع ازدياد الرصيد وتأثره بالرطوبة، تقرر بناء المبنى الحالي لدار الكتب بباب الخلق في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث وُضع حجر الأساس له عام 1897 وافتُتح عام 1904، وتولى إدارتها في البداية أربعة من المستشرقين الألمان، حتى تولى أحمد لطفي السيد باشا رئاستها كأول رئيس مصري لها عام 1916».

دار الكتب المصرية في باب الخلق (دار الكتب)

وأضاف فؤاد سيد لـ«الشرق الأوسط» أن «دار الكتب والوثائق القومية تعد ثروة قومية لما تضمه من مخطوطات ومجلدات تصل إلى 60 ألف مخطوط، وكانت قد بدأت تجميع نحو 16 ألف مخطوط ومجلد»، لافتاً إلى جهود متواصلة لرقمنة وأرشفة وتطوير البحث والإتاحة في دار الكتب ليمكن الاطلاع على محتوياتها بطرق آمنة مع حفظ التراث الخطي (المخطوط) وحمايته للأجيال المقبلة.

جانب من الفعاليات في دار الكتب المصرية (دار الكتب والوثائق المصرية)

وأوضح رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب، الدكتور مينا رمزي، أن قطاع التحول الرقمي شهد تدشين معمل رقمنة جديد للمخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، يجري العمل فيه على مشروع عالمي لرقمنة وإتاحة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة وإصدار دليل استرشادي عالي الجودة لتسويقها دولياً، مع إنجاز 50 في المائة من العمل حتى الآن، كما أضاف رمزي أنه تم تطوير معمل المسح الرقمي بدعمه بستة أجهزة حديثة؛ ما أسفر عن رقمنة أكثر من 7 ملايين لقطة من أوعية المعلومات المختلفة، وربط 84 ألف مصدر رقمي متاح عبر القاعة الرقمية، فضلاً عن فهرسة ورقمنة أكثر من 4700 أسطوانة صوتية نادرة وتحويلها من النظام التناظري إلى الرقمي.

واستعرض رمزي، وفق البيان، اكتمال مشروع ترميز (بار كود) قرابة 60 ألف مجلد مخطوط؛ ما اختصر مدة الجرد إلى أيام معدودة، وسمح بتتبع حركة المقتنيات بدقة، وتطبيقاً لسياسة تداول المقتنيات والدورة المستندية الجديدة، لم تسجل الدار أي حالة فقد في رصيدها التراثي.


حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
TT

حسني أبو بكر يرسم يوميات مصر بعين المُراقب

أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)
أبو بكر يوظّف الشخصيات والديكور والإضاءة لتشكيل مشاهد تنبض بالدراما (الشرق الأوسط)

من موقع المُراقب الذي يكتفي بالنظر ولا يتدخَّل، ظلَّ الفنان التشكيلي حسني أبو بكر، لسنوات طويلة، يتابع تفاصيل الحياة المصرية في الشوارع والحارات والنجوع والميادين. يرصد حركة الناس وعلاقاتهم وطرائق احتفالهم ومظاهر حزنهم، من دون أن يعرف في البداية أنّ تلك المشاهد العابرة ستتحوّل يوماً ما إلى مخزون بصري واسع يستعيده في لوحاته.

ومن هذه المَشاهد تشكّل معرضه «دراما مصرية»، المُقام حالياً في «غاليري سماح» بمدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة)، والمستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي.

لوحة لأبو بكر تستعيد أجواء الاحتفاء بالعائدين من الحج (الشرق الأوسط)

يقدّم الفنان نحو 20 لوحة تنشغل بالحياة المصرية في تنوّعها، وتضع الإنسان وتفاصيل يومه العادي في قلب المشهد.

يقول حسني أبو بكر: «اهتمامي بالناس في بلدي بدأ منذ طفولتي، فكنت أراقبهم، وأحتفي بمعرفة أحوالهم، وأتجوّل في أماكن مختلفة متابعاً الحياة من بعيد. وخلال ذلك، كنت أستمتع بالأجواء المصرية وحبّ الناس للحياة».

ومع اكتشاف حبّه للفنّ والرسم، أدرك أن ما اختزنته ذاكرته البصرية كان أكثر ثراءً مما يتصوَّر؛ فالبيئة المصرية تمنح الفنان مادة لا تنضب، وفق ما يضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الحياة اليومية، والضحك والترفيه، والطقوس الاجتماعية، والحِرف، وأساليب البيع والشراء، والعلاقات الإنسانية بما تحمله من حبّ وجفاء ومودّة ومصالح، هي قلب أعمالي».

من هنا، وجد الفنان أنّ أمامه «قماشة واسعة» يستطيع من خلالها الاقتراب من المجتمع المصري بكلّ تناقضاته وتفاصيله، وأنّ تجسيدها بات شديد الأهمية. ويوضح: «أعمالي في المعرض محاولة لحفظ جانب من الذاكرة المصرية في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا، وتتبدَّل الصور والمعلومات باستمرار».

الفنان التشكيلي المصري حسني أبو بكر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يطرح سؤالاً محورياً: «مَن يستطيع حفظ شكل الحياة المصرية للأجيال المقبلة؟». ويجيب: «أرى أنّ ذلك دوري، ودور كلّ فنان مصري عاشق لبلده. ولذلك قرّرتُ أن أكون بمنزلة الموثّق أو المؤرّخ لها، لكن عبر أدوات الفنّ التشكيلي».

ويفسّر ذلك كيف يمكن للمتلقّي أن يعيش عبر لوحات المعرض تفاصيل الحياة المصرية من قرب، فيشاهد حِرفاً مهدّدة بالاندثار، وطرائق متنوّعة للاحتفال والحزن، فضلاً عن العلاقات بين الناس وإيقاع الحياة اليومية.

يقول أبو بكر: «لوحاتي كأنها سرديات اجتماعية لمصر؛ إذ يستطيع مَن يأتي بعد سنوات أن يعود إليها ليرى كيف كانت تعيش وتتحرّك».

ويبدو أنه، خلال ذلك كلّه، لم يتخلَّ عن موقعه مراقباً من بعيد، ما يساعده على إثراء مخزونه البصري. ويُعلّق: «صحيح، تمسّكت بالمراقبة فقط؛ لأن الابتعاد قليلاً عن الحدث يسمح برؤية الصورة كاملة، بينما يؤدّي الدخول في تفاصيل المشهد إلى رؤية أجزاء منه فقط؛ لذلك أراقبُ ولا أتدخّل، وأترك للمتلقّي أيضاً حقّ التفاعل مع اللوحة».

اختار أبو بكر لمشروعه عنوان «دراما مصرية» تأثّراً بعمله في التمثيل مدّةً، وانطلاقاً من مفهوم الدراما، بوصفها مساحة تتّسع لمختلف أنماط الحياة والسلوك الإنساني؛ فالحياة ليست مساراً واحداً، وإنما مزيج من الكوميديا والتراجيديا والحركة والفرح والحزن، وفق قوله.

لوحات أبو بكر تغوص في تفاصيل الحياة المصرية (الشرق الأوسط)

ومن هذا المنظور، يتعامل الفنان مع اللوحة كما لو كانت مشهداً سينمائياً، ويتقمّص دور المخرج الذي يوزّع أدوار الشخصيات داخل الكادر. في لوحاته أبطال وكومبارس، وإضاءة وديكور وملابس وإكسسوارات، وحوار صامت بين الشخصيات، لكنّ المخرج هنا لا يكتب الحوار، بل يترك الحياة نفسها تتولَّى أداء المشهد.

وتتجاوز هذه الرؤية الزمن الراهن لتصل إلى الماضي البعيد؛ فقد وجد أبو بكر، خلال دراسته للحياة في مصر القديمة، تشابهاً لافتاً بين كثير من أنماط السلوك آنذاك وبعض تفاصيل الحياة المصرية المعاصرة. ويقول: «تغيّرت الأشكال الخارجية، وتطوّرت الوسائل، لكن لا يزال الإنسان المصري يبحث عن الفرح، ويتعامل مع قسوة الحياة، ويمارس البيع والشراء، ويحتفي بالفنون والثقافة والعمران. باختصار، الحياة في مصر هي الحياة».

لوحة «بناء الأهرامات» تتخيّل تفاصيل الحياة اليومية حول ورشة تشييدها (الشرق الأوسط)

أمام لوحة «بناء الأهرامات»، وقف الفنان طويلاً يتأمّلها وكأنه يراها للمرة الأولى، وقال مشيراً إليها: «هذا العمل أعتزّ به كثيراً؛ لأنه يلخّص جانباً مهماً من الحضارة المصرية». وتابع: «الجميع ينبهر بالأهرامات، لكن تفاصيل الحياة التي أحاطت ببنائها تظلّ أقل حضوراً في الصورة الشائعة عنها. وفي هذا العمل، تخيّلت ذلك المشروع الضخم من الداخل: كيف كان المصريون يبنون، وكيف كانت الحياة تدور في محيط تشييد أحد أعظم الإنجازات في التاريخ الإنساني».

لوحاته ترصد الشخصيات وتفاصيل العلاقات الإنسانية في المجتمع المصري (الشرق الأوسط)

ولا يحصر أبو بكر اهتمامه في المحلّي والتراثي؛ فالفنان، في رأيه، «ابن زمنه» أيضاً؛ ولذلك لا يعزل نفسه عن الأحداث العالمية.

ويظهر ذلك، على سبيل المثال، في لوحة «سوق ديانا» التي يستعيد فيها أجواء مرتبطة بالتوتر بين إيران وأميركا وقضية مضيق هرمز، في إشارة إلى أنّ الفنان، مهما انشغل بالتراث والماضي، يظلّ جزءاً من عالم متشابك تفرض أحداثه نفسها عليه. يقول: «لا ينبغي للفنان أن يعيش داخل شرنقة منفصلة عن الواقع، فمواكبة الأحداث جزء من صدقيته تجاه زمنه».

يستخدم أبو بكر في معظم أعمال المعرض الأكريليك على الكانفاس، وهي الخامة التي يفضّلها؛ لأنها تمنحه القدرة على التركيز في الشخصيات والأحداث والتفاعلات، من دون إضافة عناصر قد تشتّت المتلقّي، كما يعتمد على مجموعة لونية تحافظ على بصمته الخاصة، حتى مع اختلاف الموضوعات.

لوحة «سوق ديانا» بألوانها الزاهية وطابعها الكرنفالي (الشرق الأوسط)

فاللون الصارخ أو المُبهج ذو الطابع الكرنفالي ليس هدفاً في حد ذاته، «وإنما ينبغي أن يوضع في المكان الذي يخدم فكرة العمل»، وفق قوله.

ولعلّ أكثر ما يراهن عليه أبو بكر في «دراما مصرية» هو البساطة، وأن يجد المثقّف والمتلقّي العادي على السواء مدخلاً إلى العمل. ويرتبط ذلك، كما يقول، بشخصيته نفسها؛ فهو يحتفي بالبساطة، ويرى أنها أقصر الطرق للوصول إلى الناس، ولذلك يفضّل أن تظلّ لوحاته مفتوحة على أكثر من قراءة.