ندى أبو فرحات من قلب بيروت... مسرح تحت القصف

الممثلة اللبنانية تتنقَّل بين الخشبة والشاشة: أريد أن يرى الجمهور الواسع أدائي المختلف

الممثلة اللبنانية ندى أبو فرحات (إنستغرام)
الممثلة اللبنانية ندى أبو فرحات (إنستغرام)
TT

ندى أبو فرحات من قلب بيروت... مسرح تحت القصف

الممثلة اللبنانية ندى أبو فرحات (إنستغرام)
الممثلة اللبنانية ندى أبو فرحات (إنستغرام)

في استراحات ما بين التمارين على مسرحيتها الجديدة، تهرع الممثلة ندى أبو فرحات إلى هاتفها. تطّلع على أخبار القصف، وتراقب عدّاد الضحايا. تشارك في إطلاق النداءات الإنسانية من أجل إيواء نازحي الجنوب، وجمع المساعدات لهم.

يبدو التركيز على الدور والأداء مستحيلاً، وسط ما يعصف بلبنان من ضرباتٍ إسرائيلية متتالية. لكنّ الفنانة التي عايشت أزمات البلد كلّها، تحيط نفسها بفقاعة صغيرة تردّ عنها، وإن قليلاً، صفعات القدَر اللبناني.

«نختبر مآسي أكبر من طاقتنا على التحمّل. إن لم نخترع مساحة هروب عبر الفن فلا يمكننا الاستمرار في العيش»، هكذا تقول أبو فرحات في حديثها مع «الشرق الأوسط».

تستعد ندى أبو فرحات لتقديم أحدث مسرحياتها في بيروت بالتزامن مع الوضع الأمني المتأزم (صور الفنانة)

وكأنّ مسرحية «في انتظار بوجانغلز» (Waiting for Bojangles) أتت في أوانها الصحيح، فهي مرآة لنظريّة ندى. تتمحور حول ثنائي يخلق لنفسه عالماً موازياً، هرباً من أزماته النفسية والعائلية. تخبر ندى أبو فرحات كيف أن المرأة والرجل «يعيشان بفرح في عالمهما المنفصل عن الواقع، إلى أن يأتي عنصر مفاجئ يكسر الهناء؛ لكنه لا يستطيع تحطيم الحب الذي يجمع بينهما».

تقرّ الممثلة بأنها وقعت في غرام المسرحية عندما شاهدت نسختها الأولى قبل أشهر، وقد عبّرت عن ذلك للمخرجة. تتابع: «بعد شهرَين، عُرض الدور عليَّ، ولم أتردد لحظة في خوض المغامرة؛ لا سيما أن المسرحية عميقة، وإخراجها خارج عن المألوف».

ملصق مسرحية «في انتظار بوجانغلز» المقتبسة عن رواية فرنسية (إنستغرام)

يشاركها تمثيلاً كلٌّ من جوزيف عقيقي ومنير شلّيطا، أما الإخراج فلتريسي يونس التي اقتبست العمل المسرحي من رواية فرنسية لأوليفييه بوردو صادرة عام 2016. يستمر العرض لأربع أمسيات على خشبة مسرح «لو مونو» في بيروت. رغم الظروف القاهرة، يصرّ فريق العمل على المضي قدماً في مشروعه.

مقابل الهزّات الأمنية التي تضرب لبنان، يجتاح عاصمته «تسونامي» مسرحيّ. خشبات بيروت في حركة دائمة، ومفكّراتها ممتلئة على مدار السنة. هذه «الفورة المسرحية صحية جداً» في نظر ندى أبو فرحات؛ لكنها تنعكس فترات عرض مختصرة، كما هي الحال مع «في انتظار بوجانغلز». لا بدّ بالتالي من إعادة تأهيل قاعات بيروت القديمة، ومن التفكير في «لا مركزيّة مسرحيّة»، وفق اقتراحها. وهي تلفت في هذا الإطار إلى أن «التنقّل بين مسارح المناطق ضروري؛ لأن المواضيع المطروحة في المسرحيات تلمس اللبنانيين أينما حلّوا».

لا يصعب استنتاجُ أنّ المسرح يستولي على القطعة الأكبر من قلب ندى أبو فرحات؛ غير أنّ شغفها بالخشبة وباللقاء المباشر مع الجمهور لا يعني أنها لم تخترق الدراما التلفزيونية من أبوابها العريضة. فقد واكبتها منذ «العاصفة تهب مرتين»، مروراً بـ«روبي» و«لعبة الموت»، وليس انتهاءً بـ«ستيلتو» و«نقطة انتهى».

تكشف أنها تُضطر أحياناً إلى وقف عملٍ مسرحي إذا ما عُرض عليها دور تلفزيوني مهم وجديد من نوعه في سجلّها الدرامي. يحصل ذلك انطلاقاً من قناعتها الواقعيّة بأنّ للتلفزيون جمهوراً أوسع، ومنه يأتي المدخول الأكبر. يذهب الأمر أبعد من الجماهيرية والمادة؛ إذ تبوح ندى أبو فرحات بأنها تحرص على الظهور تلفزيونياً؛ لأنها تريد أن ترى أكبر شريحة من الناس قدراتها التمثيلية وأداءها «المختلف عمّا اعتادوا مشاهدته على الشاشة». وتضيف: «لذلك لا أسعى إلى الظهور دائماً في شخصية المرأة الجذّابة والأنيقة. في (نقطة انتهى) مثلاً، ركّبت الشخصية على قواعد الصمت ولغة العينَين والانفعالات الداخلية، وهذا أسلوب لم يعتدْه الجمهور».

من مسلسل «نقطة انتهى» إلى جانب الممثل السوري عابد فهد (إنستغرام)

خاصمت ندى أبو فرحات الدراما لفترة، قبل أن تتصالح معها على أيدي «شركات إنتاج محترمة ومحترفة، مثل (الصبّاح) و(إيغل فيلمز)»، أعادت إليها الرغبة في العمل التلفزيوني. لا تخفي الممثلة أن سنواتها الأولى أمام الكاميرا حفلت بأشخاصٍ لا يشبهونها: «مررت بتجارب مرّة على المستويين الفني والشخصي، تخطّى بعضها القيم الأخلاقية». تتذكّر «مخرجين قلّلوا من احترامنا، وكانوا يتعاملون معنا بفوقيّة وعجرفة خلال التصوير». لكن بما أنها ليست من هواة التذمّر، فهي لا تندم على أي دور قدّمته سابقاً، كما أنها ممتنّة لأنّ الزمن تحوّل، وبات الإنتاج التلفزيوني بأيدي شركاتٍ لا تسمح لأحد بالانزلاق الأخلاقيّ. تختصر عودتها التلفزيونية النوعيّة بالقول: «خرجت من التلفزيون من بابه السام، ودخلته من جديد من بابه الصحّي».

ندى أبو فرحات: السنوات الأولى أمام الكاميرا كانت مُرَّة (إنستغرام)

من بين أحدث أعمالها التلفزيونية التي تبدو ندى أبو فرحات فخورة بها كذلك، مسلسل «النسيان» الذي يُعرَض على منصة «أمازون برايم». تقول إن شهادتها مجروحة للمنتج محمد مشيش «الذي لا يشبه في شيء الموجة الدرامية السائدة»، لافتة إلى أنه لا يحصر البطولة بوجه واحد يتكرّر على امتداد المسلسلات، كما أنه يحرص على أن يكون الممثل مناسباً للشخصية. ومما أثرى تلك التجربة الدرامية، وفق ندى أبو فرحات: «براعة المخرج الفوز طنجور، والنص الجميل، وأداء زملاء العمل» مثل سيرين عبد النور، وقيس الشيخ نجيب، وغيرهما. تَوّج ذلك كله «جوّ من المودّة والإيجابية، خلا من الذبذبات والغيرة».

تصف أبو فرحات مشاركتها في مسلسل «النسيان» بالتجربة المميزة (إنستغرام)

رغم ارتباط اسمها اللصيق بالمسرحيات الصعبة والشخصيات المركّبة على الخشبة، فإنّ ندى أبو فرحات لا تمانع من المشاركة في مسلسلات تُصنَّف في خانة «التجاريّة». شرطُها الوحيد في ذلك هو أن تكون تلك الأعمال التلفزيونية ذات نصوص جيّدة، ومواكبة إنتاجية محترمة.

على مشارف اختتام عقدها الثالث في عالم التمثيل، وبعد خوضها تجربة ثلاثية الأبعاد في كلٍّ من التلفزيون والسينما والمسرح، ارتسمت أولويات ندى أبو فرحات بوضوح: «أكثر ما يعنيني اليوم أن أستفيق صباحاً مع شعور بالرضا عمّا أفعل. أعيش من أجل الحب والفرح البسيط، وكل ما تبقّى يأتي في أسفل قائمة الأولويات».


مقالات ذات صلة

مسرحية «بادينغتون» الموسيقية تحمل القصة البريطانية لجمهور أميركي

يوميات الشرق مسرحية «بادينغتون» في عروضها بلندن (موقع المسرحية)

مسرحية «بادينغتون» الموسيقية تحمل القصة البريطانية لجمهور أميركي

تُعيد المسرحية سرد القصص البريطانية المحبوبة والخالدة عن دب بيروفي لطيف ومهذب ومحب لمربى البرتقال، تبنَّته عائلة عثرت عليه في محطة قطار بعد وصوله إلى لندن.

مايكل بولسون (نيويورك)
يوميات الشرق جانب من العرض المسرحي الغنائي «ساعة حظ» (وزارة الثقافة المصرية)

«ساعة حظ» يجدد سيرة المسرح الغنائي المصري من الأربعينات

تستعيد فرقة مسرح الشباب التابعة للبيت الفني للمسرح بمصر نمط المسرحية الغنائية من خلال العرض المسرحي «ساعة حظ».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق «الملك لير» قدم في أكثر من موسم عرض (البيت الفني للمسرح)

المسرح المصري لجذب الجمهور بأعمال «تراثية» وأسعار رمزية

تشهد المسارح التابعة للدولة في مصر طفرة في العروض التي تقدمها، ويحمل بعضها طابعاً تراثياً أو كلاسيكياً، وتُطرح تذاكرها بأسعار رمزية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق تدور أحداث «أعمدة المجتمع» في باحات الجامعة الأميركية (لوسيان بو رجيلي)

«أعمدة المجتمع» عندما يصبح النفاق والزيف تقليداً لدى أهل السلطة

في كل مرة يدعو فيها المخرج لوسيان بو رجيلي إلى عرض مسرحي في حرم الجامعة الأميركية ببيروت، لا بدّ أن تتوقّع خوض تجربة فنية لا تشبه غيرها.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الأم وابنها في البيت الذي خرجت منه الحكاية (محترف أدهم الدمشقي)

«صاج» أدهم الدمشقي... مسرح مكتوب على جدران البيت

المسرح قد يولد أحياناً من مائدة. من كرسي. من إبريق ماء يغلي على الغاز...

فاطمة عبد الله (بيروت)

لماذا يلدغ البعوض بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟

أجسادنا تحمل أكثر مما نعتقد من رسائل (شاترستوك)
أجسادنا تحمل أكثر مما نعتقد من رسائل (شاترستوك)
TT

لماذا يلدغ البعوض بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟

أجسادنا تحمل أكثر مما نعتقد من رسائل (شاترستوك)
أجسادنا تحمل أكثر مما نعتقد من رسائل (شاترستوك)

يُحرز العلماء بعض التقدُّم في فكّ شيفرة المزيج الكيميائي المعقَّد الذي يجعل بعض الأشخاص أكثر جاذبية بالنسبة إلى البعوض المُسبِّب للأمراض.

يقول المتخصِّص في علم الحشرات الطبية لدى «معهد بحوث التطوير» في فرنسا فريدريك سيمار لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «ليس اعتقاداً خاطئاً. ينجذب البعوض بالفعل إلى بعض الأشخاص دون غيرهم... لكننا لسنا جميعاً جذّابين للبعوض طوال الوقت».

ويمكن لمجموعة من المثيرات الحسيّة أن تدفع البعوض إلى تفضيل شخص على غيره، ولا سيما الرائحة والحرارة المنبعثة من أجسامنا، إضافة إلى ثاني أكسيد الكربون الذي نُخرجه مع الزفير.

وترصد إناث البعوض، وهي الوحيدة التي تلدغ، هذه الإشارات بواسطة مستقبلاتها الحسية عالية الدقة، وتختار أهدافها بناءً على ذلك.

وقال العالم السويدي ريكارد إينييل للوكالة: «نعرف منذ أكثر من 100 عام أنّ البعوض ينجذب إلى ثاني أكسيد الكربون الذي نُخرجه مع الزفير. وهذه الإشارة الأولى التي تُثير سلوكه».

وقال إينييل، الذي وضع مؤخراً دراسة في هذا الخصوص، إنّ البعوض «يبدأ رصد رائحتنا» من على بُعد نحو 10 أمتار، وينجذب أكثر بفضل ثاني أكسيد الكربون. ومع اقترابه، تجعل حرارة الجسم والرطوبة بعض الأشخاص أكثر جاذبية للبعوض.

للجاذبية وجوه لا نعرفها (شاترستوك)

لا علاقة لزمرة الدم

لكن بعض النظريات الشائعة في هذا المجال لم تثبت صحتها. وقال سيمار إن فكرة أن البعوض يفضّل زمر دم معيّنة «لا أساس لها من الناحية العلمية».

وأضاف: «كانت هناك بعض الدراسات، لكن لم يشارك فيها سوى عدد قليل جداً من الناس»، موضحاً أنّ لدغات البعوض لا علاقة لها أيضاً بلون البشرة أو العيون أو الشعر. ويبقى العامل الأكثر أهمية هو الرائحة. وأوضح سيمار أن «مزيجاً من الجزيئات التي تنتجها ميكروبيوتا أجسامنا يكون عادة أكثر أو أقل جاذبية للبعوض».

وأظهرت البحوث أنّ ما بين 300 و1000 مركَّب مختلف ذي رائحة يصدر عن البشر، لكن العلماء ما زالوا في بداية فهم أيّها يجذب البعوض.

وفي دراسة إينييل الأخيرة، أطلق الباحثون نوعاً من البعوض يُعرف باسم «الزاعجة المصرية»، وهو معروف بنقل الحمى الصفراء وحمى الضنك، على 42 امرأة في مختبر لمعرفة أيّهن سيفضّل.

وقال: «أظهرنا أن البعوض يستخدم مزيجاً من المركّبات المعتمدة على الروائح (حدّدنا 27 منها سيرصدها من بين 1000) لانجذابه إلينا».

والنساء اللواتي كان البعوض يفضّل لدغهن أكثر، ومن بينهن نساء حوامل في الثلث الثاني من الحمل، أفرزن كميات كبيرة من مركّب معيّن ينتج عن الزيوت الجلدية.

وقال إينييل إن حتى زيادة بسيطة في هذا المركّب المسمّى «1-أوكتين-3-أول»، أو كحول الفطر، كانت كافية لإحداث فرق، وهو ما مثّل مفاجأة. وأضاف أن «البعوض مخلوقات مذهلة».

الجعة تزيد الجاذبية

يمكن أيضاً لتناول الجعة أن يكون مرتبطاً بجذب البعوض، نظراً إلى أنه يرفع درجة حرارة الجسم ويزيد كمية ثاني أكسيد الكربون التي تخرج مع الزفير ويغيّر رائحة الجسم، وفق دراسات عدّة.

وفي بحث أُجري في بوركينا فاسو، تناول بعض المتطوعين الجعة ثم المياه بعد أيام لمعرفة أيهما يفضّل البعوض.

وكانت بعوضة «أنوفيلة» الناقلة للملاريا أكثر انجذاباً إلى رائحة الأشخاص الذين يتناولون الجعة.

وفي دراسة أُجريت عام 2023 في هولندا، وضع 465 متطوّعاً أذرعهم داخل أقفاص مليئة بإناث «الأنوفيلة».

وكان المتطوّعون الذين تناولوا الجعة خلال الساعات الـ24 السابقة أكثر جاذبية للبعوض بمقدار 1.35 مرة.

وبات اكتشاف السبب الذي يدفع البعوض إلى تفضيل أشخاص معيّنين مسألة تزداد أهمية في وقت يؤدّي فيه تغيُّر المناخ إلى توسيع نطاق انتشاره.

فعلى سبيل المثال، ينتشر بعوض النمر الناقل لفيروس شيكونغونيا إلى مناطق جديدة. وفي العام الماضي، وصل شيكونغونيا إلى شمال شرقي فرنسا في منطقة الألزاس للمرة الأولى. وقال سيمار: «هذا الخطر يؤثر في عدد متزايد من الناس».

فما الذي يمكن القيام به لتجنّب لدغات البعوض؟ ينصح سيمار بارتداء ملابس فضفاضة تغطّي الجلد، واستخدام شبكات الوقاية من البعوض ومستحضرات طرده.

وأضاف: «حاولوا تناول وجبات خفيفة والتخفيف من استهلاك الكحول».


أطفال أكثر تركيزاً… 5 أشياء يفعلها آباؤهم يومياً

تنمية قدرة الأطفال على التركيز ممكنة عبر التقيد بممارسات بسيطة ومدروسة (بكسلز)
تنمية قدرة الأطفال على التركيز ممكنة عبر التقيد بممارسات بسيطة ومدروسة (بكسلز)
TT

أطفال أكثر تركيزاً… 5 أشياء يفعلها آباؤهم يومياً

تنمية قدرة الأطفال على التركيز ممكنة عبر التقيد بممارسات بسيطة ومدروسة (بكسلز)
تنمية قدرة الأطفال على التركيز ممكنة عبر التقيد بممارسات بسيطة ومدروسة (بكسلز)

إذا كنت تجد صعوبة في جعل طفلك يركّز أو ينتبه لما تقوله فأنت لست وحدك، كما أنك لا تبالغ في الأمر. فقد أصبحت مشكلة ضعف التركيز لدى الأطفال واحدة من أكثر التحديات شيوعاً في عالم التربية اليوم، في ظل بيئة مليئة بالمشتتات وسريعة الإيقاع.

تقول كيرا ويلي، خبيرة التربية الواعية، إن الشكوى الأكثر تكراراً التي تسمعها في ورش العمل واجتماعات أولياء الأمور والدورات التدريبية للمعلمين، لا تتعلق بنوبات الغضب أو مشاكل النوم أو صعوبات الأكل، بل تتمثل في عبارة واحدة يرددها الجميع: «لا أستطيع جعل أطفالي ينتبهون!».

ولا يُعدّ هذا الأمر مفاجئاً بالنسبة لها، إذ ترى أن طفولة اليوم تختلف جذرياً عما كانت عليه في السابق. فهي تتذكر قضاء ساعات طويلة في اللعب الحر، والتجول في الطبيعة، والانخراط في ألعاب تتطلب تركيزاً، أو حتى اختبار شعور الملل، وهي تجارب أصبحت نادرة في حياة الأطفال اليوم، وفق ما نقلته شبكة «سي إن بي سي».

في المقابل، أصبحت الفترات الطويلة التي يقضيها الأطفال في نشاط واحد، بعيداً عن الشاشات، أقل شيوعاً، وذلك نتيجة لعدة عوامل رئيسية، من أبرزها:

قلة الحركة

تطورت أدمغة الأطفال لتتعلم من خلال الحركة والتجربة، إلا أن معظم الأطفال اليوم يقضون أكثر من سبع ساعات يومياً في وضعية الجلوس، ولا يحصلون إلا على أقل من نصف النشاط البدني الذي يحتاجون إليه، مما يؤثر في قدرتهم على التركيز.

التشتت الرقمي

تُسهم الأجهزة الذكية، مثل الهواتف، في تقليل مدة الانتباه بشكل ملحوظ، إذ ينتقل الطفل بين المهام كل نحو 65 ثانية في المتوسط، ما يُعوّد دماغه على التبدّل المستمر والبحث عن محفزات جديدة.

تشتت الكبار

لا يقتصر الأمر على الأطفال فقط، فحين ينشغل الآباء أو مقدمو الرعاية بهواتفهم باستمرار، أو يؤدون عدة مهام في وقت واحد دون تواصل بصري حقيقي، يتعلم الأطفال أن تشتت الانتباه سلوك طبيعي ومقبول.

قلة النوم والراحة

تؤدي الجداول المزدحمة، ومواعيد النوم غير المنتظمة، واستخدام الشاشات قبل النوم، إلى حرمان كثير من الأطفال من الراحة العميقة التي يحتاج إليها دماغهم النامي، وهو ما ينعكس سلباً على قدرتهم على التركيز.

طرق فعّالة لتدريب دماغ الطفل على التركيز

ورغم صعوبة التخلص تماماً من عوامل التشتيت في حياتنا اليومية، فإنه يمكن مساعدة الأطفال على تنمية قدرتهم على التركيز من خلال ممارسات بسيطة ومدروسة:

1- استخدام اللمس اللطيف للتواصل

تروي كيرا ويلي أنها تعلمت هذه الطريقة من إحدى معلمات رياض الأطفال، التي كانت تلاحظ تململ الطفل دون أن تُوبخه، بل تقترب منه بهدوء وتضع يدها برفق على كتفه أثناء حديثها مع المجموعة. هذا التواصل الجسدي البسيط يحمل رسالة طمأنة تقول: «أنا أراك، وأنا هنا معك». ويمكن للآباء تطبيق هذا الأسلوب في المنزل، فمجرد لمسة لطيفة على الكتف أو اليد أثناء التحدث مع الطفل قد تساعد على تهدئته وإعادة تركيزه.

2- استخدام لغة إيجابية

بدلاً من التركيز على ما لا يجب فعله، من الأفضل توجيه الطفل إلى السلوك المطلوب بلغة واضحة وإيجابية. فقول «امشِ بهدوء» أكثر فاعلية من «توقف عن الجري»، و«لنُبقِ أيدينا لأنفسنا» أفضل من «لا تلمس». هذا الأسلوب يمنح الطفل صورة واضحة للسلوك المرغوب، ويُشعره بالدعم بدلاً من النقد.

3- استخدام عبارة «حان وقت...»

عند توجيه التعليمات، يُفضل استخدام عبارات حازمة وواضحة مثل «حان وقت ارتداء حذائك» بدلاً من «هل يمكنك ارتداء حذائك؟». فالأطفال يشعرون بالأمان عندما يعرفون ما هو متوقع منهم، بينما تُستخدم الأسئلة فقط عندما يكون لديهم خيار حقيقي، مثل اختيار نوع الحذاء. هذا التمييز يقلل من الجدل ويُسهّل التعاون.

4- تجربة أنشطة التوازن

تُعدّ أنشطة التوازن من الوسائل الفعّالة لتعزيز التركيز، لأنها تُجبر الطفل على الانتباه إلى حركات جسده في اللحظة الحالية، ما يدخله في حالة من التركيز العميق بشكل طبيعي.

5- تذكّر أن الهدوء يبدأ منكم

يلعب الوالدان دوراً أساسياً في تشكيل بيئة الطفل الذهنية. فالأطفال لا يقلدون الكلمات والسلوكيات فقط، بل يمتصون أيضاً الحالة العاطفية ومستوى التوتر لدى الكبار. وعندما يكون الوالدان حاضرين ذهنياً وهادئين، فإن ذلك ينعكس إيجاباً على قدرة الطفل على التركيز. فإظهار الهدوء والتوازن يخلق بيئة داعمة تساعد الطفل على الانتباه والتفاعل بشكل أفضل.


القلق والاكتئاب يجتاحان العالم... دراسة: الاضطرابات النفسية تتضاعف خلال 3 عقود

أكثر من مليار شخص يعانون أحد أشكال الأمراض النفسية حول العالم (بكسلز)
أكثر من مليار شخص يعانون أحد أشكال الأمراض النفسية حول العالم (بكسلز)
TT

القلق والاكتئاب يجتاحان العالم... دراسة: الاضطرابات النفسية تتضاعف خلال 3 عقود

أكثر من مليار شخص يعانون أحد أشكال الأمراض النفسية حول العالم (بكسلز)
أكثر من مليار شخص يعانون أحد أشكال الأمراض النفسية حول العالم (بكسلز)

كشفت دراسة عالمية حديثة نشرتها مجلة «لانسيت» عن ارتفاع غير مسبوق في معدلات الاضطرابات النفسية حول العالم خلال العقود الثلاثة الماضية، إذ بات أكثر من مليار شخص يعانون أحد أشكال الأمراض النفسية. كما أظهرت النتائج أن القلق والاكتئاب والفصام من بين أبرز الاضطرابات التي تسهم في فقدان سنوات الصحة الجيدة، وسط استمرار فجوة علاجية واسعة تحرم ملايين المرضى من الرعاية المناسبة.

وتضمنت الدراسة أرقاماً محدثة حول انتشار الاضطرابات النفسية وعبئها العالمي، بعد تحليل منهجي للبيانات الممتدة بين عامي 1990 و2023. وشملت الدراسة، وفق ما نقل موقع «سايكولوجي توداي»، 375 مرضاً وإصابة، صُنّف 12 منها ضمن الاضطرابات النفسية، كما غطت 21 منطقة و204 دول وأقاليم حول العالم.

12 اضطراباً نفسياً شملتها الدراسة

تناولت الدراسة الاضطرابات النفسية التالية:

-اضطرابات القلق

-الاكتئاب الشديد

-عسر المزاج (الاكتئاب المزمن)

-الاضطراب ثنائي القطب

-الفصام

-اضطرابات طيف التوحد

-اضطراب السلوك

-اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه

-فقدان الشهية العصبي

-الشره العصبي

-الإعاقة الذهنية النمائية مجهولة السبب

-فئة أخرى تضم اضطرابات نفسية متنوعة

أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية

استخدم الباحثون البيانات لتقدير «سنوات العيش مع الإعاقة» و«سنوات العمر المعدلة بحسب الإعاقة»، وهما من المؤشرات المستخدمة لقياس العبء الصحي للأمراض.

وأظهرت النتائج أن نحو 1.17 مليار شخص حول العالم كانوا يعانون من اضطراب نفسي عام 2023، أي ما يعادل 14210 حالة لكل 100 ألف نسمة.

كما سجلت الاضطرابات النفسية زيادة بلغت 95.5 في المائة مقارنة بعام 1990، مع ارتفاع معدلات جميع الاضطرابات المشمولة بالدراسة.

وكانت الزيادات الأكثر وضوحاً في:

-اضطرابات القلق

-الاكتئاب الشديد

-عسر المزاج

-فقدان الشهية العصبي

-الشره العصبي

-الفصام

-اضطراب السلوك

الاضطرابات النفسية أصبحت خامس أكبر سبب لفقدان سنوات الصحة

أفادت الدراسة بأن الاضطرابات النفسية كانت مسؤولة عن 6.1 في المائة من إجمالي سنوات العمر الصحية المفقودة عالمياً في عام 2023، ما جعلها خامس أكبر سبب لفقدان سنوات الصحة بسبب المرض أو الإعاقة.

وكانت الاضطرابات النفسية تحتل المرتبة الثانية عشرة فقط عام 1990، ما يعكس الزيادة الكبيرة في تأثيرها خلال العقود الثلاثة الماضية.

وعند النظر إلى الأمراض غير المعدية فقط، جاءت الاضطرابات النفسية في المرتبة الثالثة بعد أمراض القلب والأوعية الدموية والأورام.

كما سجلت جميع دول العالم ارتفاعاً في معدلات الاضطرابات النفسية بين عامي 1990 و2023.

القلق والاكتئاب في صدارة العبء النفسي عالمياً

داخل فئة الاضطرابات النفسية، جاء القلق بوصفه أكبر سبب لفقدان سنوات الصحة عالمياً، تلاه:

-الاكتئاب الشديد

-الفصام

أما بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاماً، فقد كان القلق أيضاً العامل الأكبر، يليه:

-الاكتئاب الشديد

-اضطراب السلوك

-اضطرابات طيف التوحد

وأظهرت النتائج أن تأثير هذه الاضطرابات كان أكبر لدى الإناث مقارنة بالذكور في هذه الفئة العمرية، نتيجة ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين الفتيات، بينما كانت اضطرابات السلوك والتوحد أكثر انتشاراً بين الذكور.

لماذا ترتفع معدلات الاضطرابات النفسية؟

يرى الباحثون أن أحد أسباب الارتفاع يعود إلى انخفاض الوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية وأمراض الأمومة وسوء التغذية ومضاعفات حديثي الولادة، ما يسمح للناس بالعيش لفترات أطول وبالتالي زيادة عدد الأشخاص الذين يمرون باضطرابات نفسية.

كما سلّطت الدراسة الضوء على استمرار النقص الكبير في خدمات العلاج النفسي حول العالم.