16 ألف طعم ولون... السيجارة الإلكترونية تهدد أدمغة ملايين الأطفال والمراهقين

د. توفيق قيقانو: المدخّنون الصغار معرّضون لتراجع القدرة على التركيز ولضعف الذاكرة

37 مليون مراهق حول العالم تتراوح سنهم ما بين 13 و15 يستهلكون التبغ (رويترز)
37 مليون مراهق حول العالم تتراوح سنهم ما بين 13 و15 يستهلكون التبغ (رويترز)
TT

16 ألف طعم ولون... السيجارة الإلكترونية تهدد أدمغة ملايين الأطفال والمراهقين

37 مليون مراهق حول العالم تتراوح سنهم ما بين 13 و15 يستهلكون التبغ (رويترز)
37 مليون مراهق حول العالم تتراوح سنهم ما بين 13 و15 يستهلكون التبغ (رويترز)

سيجارة بنكهة المانجو، وأخرى بنكهة الفراولة، وثالثة بطعم العلكة... تُضاف إلى ذلك الألوان الزاهية والموديلات العصريّة، لترفع من منسوب الجذب. وكأنّ تلك السجائر الإلكترونية الجديدة، والمعروفة كذلك باسم «فيب» (vape)، تستهدف فئة عمريّة معيّنة دون سواها. وكأنّها تُصنّع خصّيصاً لجذب المراهقين، بأشكالها ونكهاتها الخارجة عن المألوف، والتي لا تُشبه السيجارة التقليديّة في شيء.

وانشغلت «منظّمة الصحة العالمية» مؤخراً بحملة توعويّة حول مضارّ السيجارة الإلكترونية، محمّلة مسؤوليّة استهداف الجيل الجديد بها للشركات المصنّعة للتبغ. فقد شهدت السنوات الماضية تراجعاً في نسبة مدخّني السيجارة العاديّة، لا سيما في صفوف الشباب، فما كان من تلك الشركات العملاقة سوى استقطاب الفئات الشابة من خلال منتجاتٍ جذّابة شكلاً ومضرّة مضموناً، وفق المنظّمة.

«صناعة التبغ تستهدف جيلاً جديداً» شعار حملة منظّمة الصحة العالمية

بوتين يحذّر

لم يقتصر التحذير من مساوئ السيجارة الإلكترونية على «الصحة العالمية»؛ بل امتدّ إلى الشخصيات الكبرى، وفي طليعتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ففي لقاءٍ مع طلّاب إحدى المدارس الروسية قبل أيام، حذّر بوتين من مخاطرها قائلاً: «يبدو أن تدخين السيجارة الإلكترونية أمرٌ رائج وعلى الموضة؛ لكنه يضرّ بصحّتكم بشكلٍ خطير، وينعكس سلباً على الصحّة التناسليّة، وعلى قدرتكم الإنجابيّة في المستقبل».

لا يتوقّف الضرر عند الحدّ الذي تحدّث عنه بوتين، فوفق الدكتور توفيق قيقانو، المتخصص في أمراض الرئة: مخاطر السيجارة الإلكترونية والـ«فيب» كثيرة.

بألوانها الجذّابة ونكهاتها المتنوِّعة تستقطب السجائر الإلكترونية الأطفال والمراهقين (رويترز)

أضرار جسدية ونفسية بالجملة

في حديث مع «الشرق الأوسط»، يوضح الدكتور قيقانو أن «السيجارة الإلكترونية تحتوي على كمية كبيرة من النيكوتين، ما يؤدّي إلى الإدمان على تلك المادة التي تتفاعل معها أدمغة المراهقين بشكل سلبيّ». ويضيف الطبيب أن «مدخّني الـ(فيب) من صغار السن يعانون مع مرور الوقت من تراجع في القدرة على التركيز، وضعف في الذاكرة، وارتفاع منسوب القلق والاكتئاب لديهم».

هذا على المستويين الذهني والنفسي، أما جسدياً فإنّ معاينات قيقانو المتكررة لمراهقين من مدخّني الـ«فيب»، تُظهر ضعفاً في جهازهم المناعيّ. ويلفت إلى أنهم يصبحون أكثر عرضة للأمراض التنفسية: «تمتدّ الالتهابات الرئويّة لدى المدخّنين الصغار أكثر من شهرين أحياناً، وهي تترافق مع آلام في الصدر وسعال وصعوبة في التنفّس، وتراجع في القدرات الرياضيّة». ويذكّر قيقانو بالمواد والسوائل الكيميائية التي تحتويها تلك السجائر، والتي قد يتسبب جزءٌ منها في السرطان على المدى الطويل.

د. توفيق قيقانو طبيب متخصص في أمراض الرئة (الشرق الأوسط)

37 مليون طفل مدخّن

وفق تقرير أصدرته منظّمة الصحة العالمية قبل 3 أشهر، فإنّ 37 مليون طفل ومراهق حول العالم تتراوح سنهم ما بين 13 و15 سنة، يستهلكون التبغ بمختلف أشكاله. ويلفت التقرير إلى أن نسبة مدخّني السيجارة الإلكترونية من المراهقين تتخطّى نسبة البالغين، فهي تحظى بشعبيّة أكبر بكثير من السيجارة العاديّة وسط هذه الفئة السنية.

لا أرقام دقيقة عن نسبة الأطفال والمراهقين المدخّنين للـ«فيب» في العالم العربي، إلا أنّ كل الدراسات التي أجريت خلال السنوات الأخيرة حول تلك الظاهرة المستجدة، أكّدت أنّ استهلاك السجائر الإلكترونية يأخذ منحى عالمياً تصاعدياً في أوساط غير البالغين.

أخذ التدخين الإلكتروني منحى تصاعدياً في أوساط الشباب خلال السنوات الأخيرة (رويترز)

لا ضوابط

يؤكد قيقانو أن «السجائر الإلكترونية رفعت من نسبة المدخّنين الصغار»، وهو يُرجع أسباب تفشّي الظاهرة إلى عوامل عدّة. يذكر أوّلاً كثافة التسويق والدعاية لتلك المنتجات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبطريقة تحاكي المراهقين. يُضاف إلى ذلك: «تَوفُّر الـ(فيب) في العالم العربي بأسعار معقولة ومن دون ضوابط، بصرف النظر عن سنّ المستهلك».

أما الأخطر من ذلك، وفق الطبيب، فهو التسويق المتعمّد للنظرية الخاطئة التي تُقنع الشباب بأنّ الـ«فيب» ليس سيجارة، وبأنه بديل آمن للسيجارة العاديّة. يقول قيقانو: «تبدأ الحكاية بالاستمتاع بالنكهة، وتتحوّل لاحقاً إلى إدمان». وهو يؤكد في هذا الإطار أنّ «قسماً كبيراً من صغار السن الذين يدخّنون السيجارة الإلكترونية ينتقلون لاحقاً إلى السيجارة العادية»، ويحذّر من أنّ «الإدمان على النيكوتين في سنّ صغيرة قد يسهّل لاحقاً الإدمان على الكحول والمخدّرات».

ليست السيجارة الإلكترونية بديلاً أقلّ ضرراً من السيجارة العادية (رويترز)

السيجارة «التريند»

يقول المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، في سياق الحملة التوعويّة التي تقودها المنظّمة، إنّ «الشركات المصنّعة للتبغ والسجائر تتعمّد استقطاب طلّاب المدارس وصغار السنّ عموماً، من خلال التسويق لمنتجاتها ذات النكهات الجذّابة، كالسكاكر والشوكولا وغيرها». ويذهب تقرير المنظّمة إلى حدّ اتهام تلك الشركات بأنها «تستهدف الأطفال والشبّان، وتتعمّد إيصالهم إلى الإدمان، من خلال أكثر من 16 ألف نكهة ولون وموديل للسجائر الإلكترونية، وذلك عبر استراتيجيات تسويقية رقميّة، وبالتعاون مع مؤثّرين يجتاحون (السوشيال ميديا)».

لا يتردّد قيقانو في الإقرار بأنّ تدخين السجائر الإلكترونية والـ«فيب» تحوّل إلى «تريند» في أوساط المراهقين؛ مشيراً إلى أنّ معظم هؤلاء يدخّنون احتذاءً بأصدقائهم الذين يفعلون ذلك.

تكمن جاذبيّة الـ«فيب» في نكهاته المتنوّعة وألوانه الجذّابة (رويترز)

وكأنّ السيجارة الإلكترونية تحوّلت إلى «إكسسوار» أساسي في أيدي المراهقين والشبّان، مثلها مثل الهاتف الذكيّ؛ ومَن لا يحملها يصير عرضة للسخرية أو التنمّر من قِبَل رفاقه.

أمام هذا الواقع الذي بات يهدّد الصحة الجسدية والنفسية لجيلٍ بكامله، تتوزّع المسؤولية بالتساوي ما بين الجهات الرسمية والأهل وفق قيقانو. يوجّه الطبيب نصيحته الأولى إلى الحكومات ووزارات الصحة التي «يجب أن تبادر إلى تعميم قراراتٍ تقضي بحظر السجائر الإلكترونية التي تحتوي على نسبة مرتفعة من النيكوتين، إضافة إلى تلك المنكّهة لأنها عنصر الجذب الأول بالنسبة إلى المراهقين». كما يدعو قيقانو إلى منع بيع السجائر الإلكترونية لمَن هم دون الـ21 من العمر.

تهدّد السيجارة الإلكترونية صحة ملايين الأطفال والمراهقين حول العالم (منظمة الصحة العالمية)

أما النصيحة الثانية فموجّهة إلى الأهل، انطلاقاً من سجالاتٍ حادّة شهدتها عيادة الطبيب قيقانو، بين الآباء وأبنائهم المدخّنين. هو يفضّل أن تكون «مقاربة الأهل للموضوع هادئة ومبنيّة على النقاش المنطقي الذي يشرح مضار السيجارة الإلكترونية بواقعية ومن دون عنف». ويبقى الأهمّ أن يشكّل الآباء مثالاً صالحاً لأبنائهم، وألا يستهلكوا عشرات السجائر يومياً أمامهم، ثم يحاضروا بأهمية الإقلاع عن التدخين.


مقالات ذات صلة

التدخين السلبي يتسبب في وفاة 1.7 مليون شخص حول العالم خلال عام

صحتك 2.7 مليار شخص تعرضوا للتدخين السلبي عام 2023 (رويترز)

التدخين السلبي يتسبب في وفاة 1.7 مليون شخص حول العالم خلال عام

تعرض أكثر من 2.7 مليار شخص من بينهم أطفال للتدخين السلبي على مستوى العالم، ما تسبب في نحو 1.7 مليون وفاة عام 2023، وفقاً لدراسة جديدة.

«الشرق الأوسط» (باريس )
صحتك ترتبط مجموعة من العادات اليومية الصحية بفرص أفضل للتمتع بحياة أطول وشيخوخة أكثر صحة ونشاطاً (بيكسلز)

عادات يمكنك تبنّيها الآن لحياة أطول وأكثر صحة

يساعد تبنّي عادات صحية، تشمل الغذاء النباتي والنشاط البدني والنوم المنتظم وتجنب التدخين والتوتر والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، على دعم حياة أطول.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك السجائر الإلكترونية التي تحتوي على النيكوتين أثبتت فاعليتها في المساعدة على الإقلاع عن التدخين (رويترز)

السجائر الإلكترونية المحتوية على النيكوتين قد تسهِّل الإقلاع عن التدخين

أظهرت دراسة واسعة النطاق أن الإقلاع عن التدخين عبر استخدام السجائر الإلكترونية التي تحتوي على النيكوتين، يحقق نسبة نجاح أعلى من الطرق الأخرى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يمكن أن تساعد الدراسة في تفسير سبب ارتباط التدخين الإلكتروني بصعوبة الحمل والإجهاض لدى النساء (إ.ب.أ)

نكهات السجائر الإلكترونية ربما تؤثر سلبا على نمو الأجنة 

مادة كيميائية منكِهة تستخدم بتركيزات عالية وبكثرة في السجائر الإلكترونية ربما تسبب اضطرابا في النمو الطبيعي للأجنة لدى النساء الحوامل اللاتي يستخدمن هذه السجائر

«الشرق الأوسط» (ريفرسايد)
صحتك استخدام النساء الحوامل للسجائر الإلكترونية قد يؤثر سلباً على الأجنة ويهدد نموها (رويترز)

استخدام السجائر الإلكترونية أثناء الحمل قد يهدد نمو الأجنة

حذّرت دراسة جديدة من أن استخدام النساء الحوامل للسجائر الإلكترونية قد يؤثر سلباً على الأجنة ويهدد نموها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
TT

بلال البدر: قصصنا المحليَّة طريقنا إلى العالمية

المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)
المخرج والمصور السينمائي السعودي بلال البدر (الشرق الأوسط)

عاد المخرج والمصوِّر السينمائي السعودي بلال البدر من لوس أنجليس عام 2017، وفي ذهنه درسٌ ظلَّ يرافقه طيلة 5 سنوات من العمل في هوليوود: لا تكفي المعدات الجيدة لصنع فيلم جيد؛ فلا بدّ، أولاً، من قصة يعرف صانعُها عالمَها وتفاصيلَها. وحين أنجز «علكة» بعد نحو عامين من الكتابة والتحضير، اختبر ذلك الدرس بحكاية سعودية راهن فيها على الإنسان قبل الصورة.

شكسبير يكتب «شيلة»

مشروع بلال المقبل سيكون نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم (الشرق الأوسط)

أول قاعدة تعلّمها البدر خلال دراسته في لوس أنجليس هي أن القصة، أو السيناريو، تسبق كل شيء. ويقول: «منذ بداية دراستي السينما، كان التركيز على اتصال الفنان بذاته وثقافته، وأن يروي القصص التي يعرفها ويشعر بها».

ويضيف: «أتذكّر أول درس في مبادئ الإخراج، حين قال الأستاذ: أنا لا أستطيع أن أُخرج فيلماً يابانياً؛ لأنني لم أزر اليابان ولا أتحدث لغتها. بقيتْ هذه الجملة معي؛ لأنني أؤمن بأن السينما، في أبسط تعريفاتها، هي أن تروي قصة بالضوء. ولا تستطيع أن تروي قصة لا تعرف تفاصيلها، أو كما أحب أن أقول: ما تجيب (تُحضر) شكسبير يكتب (شيلة)».

ويؤكد البدر أنه خلال 5 سنوات قضاها في هوليوود، وجد أن كثيراً من الأفلام التي عمل فيها كانت تُصنع بمعدات واستوديوهات أقلّ بكثير مما هو متاح محلياً اليوم، لكن الاهتمام الأكبر كان بالكتابة والقصة. ويضيف: «عندنا أحياناً يحدث العكس؛ نبدأ بالكاميرا والاستوديو والتقنية، ثم نبحث عن القصة».

ويتابع: «إن كان هناك شيء واحد بقي معي من تلك التجربة، فهو أن الوصول إلى العالمية لا يكون بتقليد الآخر، ولا بجعل الآخر يروي قصصنا. العالمية تأتي عندما نحكي قصصنا نحن؛ من ثقافتنا وهويتنا، وهذا ما فعلته السينما الكورية حين جعلت قصصها محلية في أصولها، لكنها عالمية في وصولها».

«علكة»... رهان على الإنسان

«علكة» كان المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي (الشرق الأوسط)

يرى بلال البدر في فيلم «علكة» المحطة التي نقلته من تنفيذ الصورة إلى امتلاك مشروع سينمائي. أنتج الفيلم على نفقته، ويسمّي الأمر «زكاة الفن»، وأمضى نحو عامين في إعداده.

واختار لبطولة قصة الحب طفلاً من ذوي «متلازمة داون»، وحرص على تقديمه بطلاً يقود الأحداث؛ لا حالة تستدعي شفقة المشاهد. يقول: «ركّزت عليه بصفته بطل فيلم سينمائي»، مضيفاً: «كان هو من يقود سرد القصة».

ويقول: «أعتقد أن (علكة)، الذي حصد 7 جوائز وأكثر من 35 ترشيحاً مهرجانياً، نجح في الوصول إلى العالم، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إيصال رسالته إلى قطاع الأفلام في السعودية: أنك تستطيع الوصول إلى العالم بإمكانات بسيطة، إذا ركّزت على القصة وقدّمت شيئاً حقيقياً نابعاً من ثقافتك وهويتك».

امتد اهتمام المخرج السعودي بالإنسان؛ من شخصيات أفلامه إلى من يقفون أمام كاميرته... ففي «حكاية إنسان»، حقّقت حلقة ظهر فيها مندوب توصيل أكثر من مليون مشاهدة خلال أقل من 24 ساعة. ثم اتصل المندوب طالباً حذفها، رغم أنه وافق على التصوير، فاستجاب البدر فوراً.

ويقول إن فريقه أعدّ، في مناسبة أخرى، مادة تضمّ مندوبي توصيل تحدّثوا معه، لكنه امتنع عن نشرها بعدما رفضوا الظهور فيها. ويفسّر ذلك بقوله: «الإنسان أهم من المحتوى، ولا أريد أن أستغل أحداً لصناعة حلقة أو تحقيق مشاهدات».

صورة تخدم الحكاية

في «سِوار» كانت رواية القصة بإيقاع درامي هادئ وحركة الكاميرا محسوبة (الشرق الأوسط)

لا يمنح البدر الكاميرا حقّ قيادة الفيلم. ففي «سِوار»، الذي تولّى تصويره سينمائياً، يربط محدودية حركة الكاميرا بإيقاع القصة الهادئ. يقول: «في (سِوار) كنا نروي القصة بإيقاع درامي هادئ، ولذلك كانت حركة الكاميرا محسوبة ومحدودة. السؤال بالنسبة إليّ ليس: لماذا تتحرك الكاميرا؟ بل: لماذا تتحرك الآن؟».

ويضيف: «منذ بداية الفيلم كان الأسلوب البصري واضحاً؛ الكاميرا توثّق القصة، ولا تقترب منها كثيراً ولا تبتعد كثيراً إلا عندما يكون هناك دافع في القصة. تحرّكت الكاميرا عندما كان هناك حدث يستدعي الحركة، وثبتت عندما كان دورها أن تراقب. كثرة حركة الكاميرا تفقد الحركة معناها».

ورداً على سؤال عن أول قرار سيتخذه لو عاد إلى بداياته، يقول البدر: «سألغي محاولة ملاحقة (الترند) وتقليد نجاحات الآخرين. سأبدأ من ثقافتي وهويتي، ومن القصص الإنسانية التي تحرّكني وتشبهني، وأبحث عن الحكايات القريبة مني؛ عن الناس والتفاصيل التي أعرفها وأشعر بها، ثم أحاول أن أرويها بطريقتي».

يخطط البدر لأن يكون مشروعه المقبل نابعاً من قصص سعودية يمكن إيصالها إلى العالم. يقول: «أريد أن أصنع فيلماً يشبهنا، ويحمل ثقافتنا، وفي الوقت نفسه يكون قادراً على المنافسة في شباك التذاكر والوصول إلى الجمهور العالمي».

ويرى أن المملكة تضمّ اليوم جيلاً جديداً من صنّاع الأفلام، ومواهب درست السينما وعاشت تجارب مختلفة، إلى جانب جمهور تغيّر كثيراً.


8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
TT

8 فنانات عربيات يُعدن اكتشاف أساطير المرأة والأرض

من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)
من أعمال الفنانة السعودية فاطمة النمر (الشرق الأوسط)

في معرض يستعيد أساطير المرأة والأرض، يدمج الأماكن والشخوص في حالة فنية يتناغم فيها اللون مع التكوين، أعادت 8 فنانات من مصر والسعودية وفلسطين ولبنان وسوريا اكتشاف أساطير ارتبطت بالمرأة وبفكرة الأرض، على أكثر من مستوى، سواء أكان أسطورياً أو حياتياً أو شعبياً أو الانتماء والتشبث بالوطن.

المعرض الذي يقام في غاليري «آزاد» بالزمالك، تحت عنوان «على أرضها» يضم أعمالاً للفنانة الفلسطينية دينا مطر، والسعودية فاطمة النمر، واللبنانية منى نحلة، والسورية هلا الجعفري، والفنانات المصريات هيام عبد الباقي، وأمل نصر، ونورهان خورشيد، وعائشة الحريري.

لوحة للفنانة هلا الجعفري (الشرق الأوسط)

وفي مجموعتها «أن اللؤلؤ في الصدف مصون»، تستعيد الفنانة السعودية فاطمة النمر المثل الشعبي انطلاقاً من علاقتها بالبيئة البحرية للخليج، لتبني من اللآلئ والصدف والمنسوجات والحُلي مفردات تتقاطع من خلالها ذاكرة البحر مع ذاكرة المرأة. فاللؤلؤة التي تتكون ببطء في عمق الصدفة، لا تظهر بوصفها زينة فحسب، وإنما كجوهر تصنعه طبقات الزمن والصبر والرعاية.

وتظهر المرأة في هذا العالم بوصفها حاملة للذاكرة وفاعلة في استمرارها؛ تحفظ المعرفة والعادات والقيم، لكنها لا تنقلها كما تسلمتها بالضرورة، بل تعيد منحها معنى في زمنها الخاص، ومن هنا يكتسب احتضان الصدفة للؤلؤة دلالة تتجاوز الحماية، ليصبح فعلاً من أفعال الصون الذي يسمح لما يحمله من إرث بأن ينمو ويتغير ويستمر. وفق الكلمة التعريفية بمجموعتها الفنية.

ولا تتعامل الفنانة مع الأصالة باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها علاقة متجددة بالجذور. وبين أثر اليد وذاكرة البحر وحضور المرأة، يصبح الموروث في أعمالها مادة حية، يحمل ما كان، ويتشكل في الحاضر، ثم يعبر إلى ما سيأتي.

من أعمال الفنانة هيام عبد الباقي (الشرق الأوسط)

وتقدم الفنانة المصرية هيام عبد الباقي لغة بصرية خاصة، تستند إلى التعبيرية وتتقاطع مع الفكر الصوفي عبر لوحات تشهد زخماً في الألوان والتفاصيل الدقيقة عن قرية متخيلة.

وفي قلب تجربتها، تبني هيام قرية متخَيَّلة تنطلِق من مقولة تتكرّر في عالمها: «الناس بيوت والبيوت ناس»، وفق ما تشير الكلمة التعريفية بأعمالها، وتتداخل الشخصيات والعمارة في تكوينات متشابكة؛ تتراصّ البيوت رأسياً وتمتدّ أفقياً، فيما تتجاوز الضفائر والخطوط أحياناً حدود اللوحة، وكأن هذا العالم يستمر خارج إطارها. ورغم غياب الملامح الفردية الواضحة عن شخوصها، فإنها تحمل إحساساً عميقاً بالألفة والانتماء.

أما الفنانة الفلسطينية دينا مطر، فتقدم أعمالها انطلاقاً من الذاكرة الشخصية وتفاصيل الحياة اليومية، لتَبني عالماً بصرياً تتجاور فيه قسوة الواقع مع كثافة اللون.

وتستعيد الفنانة في لوحاتها التي تتميز بألوانها النابضة لحظات يهددها الفقد والغياب، ليتحوّل اللون إلى فعل مقاومة، والجمال إلى مساحة للأمل.

وتحتلّ المرأة قلب هذا العالم؛ فهي الأم والجدة ونساء الذاكرة، وتتجاوز حضورها الفردي لتصبح رمزاً للوطن والأرض. وتبرز في أعمالها الرموز والموتيفات المعبرة عن فلسطين وعن المرأة الفلسطينية ورمزية الأرض والبحث عن مساحة للسلام.

من أعمال الفنانة أمل نصر (الشرق الأوسط)

كما تقدم الفنانة المصرية أمل نصر تجربة فريدة في مجموعة لوحات تعبر عن عوالم أسطورية تتوسطها المرأة في الغالب، لتقدم لنا مزيجاً سحرياً بين الفن المرتبط بالواقعية السحرية والسريالية المستمدة من أساطير شتى، كلها تضع الإنسان في مركز الحدث وتجعل من الأرض مسرحاً ممتداً للأساطير.

جانب من أعمال الفنانة منى نحلة (غاليري آزاد)

وتنطلق الفنانة اللبنانية منى نحلة في أعمالها من العلاقة بين الشكل والذاكرة، ومن المسافة الملتبسة بين ما فُقد وما تبقى، وبين الغياب والحضور، والواقع وما يستمر في الذاكرة. تظهر في أعمالها شخصيات وبيوت ممتلئة، لا بوصفها عناصر سردية مستقلة، بل بوصفها حوامل لتجارب داخلية. وتتحول البيوت في لوحاتها إلى أوعية شبه مقدسة للذكرى، وأماكن قد لا تكون قائمة في العالم المادي، لكنها تواصل وجودها داخل الإنسان. لا تظهر المنازل بوصفها فضاءات معمارية فحسب، بل كأجساد عاطفية تختزن أثر الحياة التي مرت بها. وتتجاور في أعمال الفنانة ملامح الشخصيات مع البنى المعمارية والعناصر المختلفة، فتبدو الأجساد والبيوت وكأنها تنتمي إلى ذاكرة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.

وتظهر المرأة كموضوع أساسي تعتمد عليه الفنانة في تقديم رؤى جمالية تحمل أبعاداً حداثية من خلال عناصر عدة سواء التكوينات أو الألوان أو المنظور.


مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)
برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

بات «برج مونبارناس»، أعلى ناطحة سحاب في باريس ويوصف بأنه «أبشع مبنى» فيها، أمام مصير مجهول بعدما صوّتت غالبية مالكيه ضد مشروع طال انتظاره لتأهيله وتجديده، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفض المالكون في جمعية عمومية استثنائية عقدت الأربعاء، مشروعاً مطروحاً منذ عام 2015 بشأن البرج الواقع في جنوب العاصمة الفرنسية، بحسب ما أفاد أحد المستثمرين «وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه.

وكانت الخطة الضخمة المقدرة كلفتها بـ800 مليون يورو، تلحظ تحويل المبنى المؤلف من 59 طبقة، إلى برج زجاجي يتضمن شرفات مزروعة وفندقاً ومتاجر، إضافة إلى دفيئة زراعية على السطح.

برج مونبارناس في باريس في 14 يوليو 2017 (أ.ف.ب)

ويبلغ ارتفاع البرج 210 أمتار، واكتمل بناؤه عام 1973. إلا أنه يبقى مادة للتهكم في العاصمة الفرنسية المعروفة بمبانيها التاريخية والأثرية، وحيث تندر المباني العالية الحديثة التصميم. كما أطلق سكان باريس بحقه دعابة تفيد بأن سطح «مونبارناس» هو المكان الوحيد في المدينة الذي لا يمكن رؤية البرج منه.

ورفض المالكون إعادة تأهيل تشمل إزالة مادة الأسبستوس العازلة والخطرة صحياً، وتجريد الداخل، وإزالة جزء من الواجهة. وكان اجتماع الأربعاء الفرصة الأخيرة لإطلاق المشروع قبل انتهاء صلاحية رخصة البناء الممنوحة لتجديده في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني).

وأثار المشروع توترات بين المالكين، ومنهم صناديق استثمار وشركات تأمين فرنسية، ومخاوف بشأن الكلفة.

إلا أن أربعة منهم أيّدوا المضي في مشروع تأهيل أصغر حجماً. وجاء في بيان مشترك أصدروه «نود أن يجتمع جميع المشاركين في ملكية المبنى، والشركاء الماليون، والسلطات العامة قريباً لبحث كل الحلول الممكنة».

برج مونبارناس في باريس في 19 ديسمبر 2016 (أ.ف.ب)

ودعا فيليب غوجون، رئيس البلدية اليميني للدائرة الخامسة عشرة في باريس حيث يقع البرج، إلى إعادة النظر في رفض الخطة.

وقال: «على الجميع أن يعودوا إلى رشدهم... أرفض أن يُلقى مشروع استغرق تطويره عشرة أعوام في سلة المهملات».

ووصفت صحيفة «لو باريزيان» هذا التراجع بأنه «إخفاق ذريع».

أما برنامج الأخبار الصباحي على قناة «تي إف 1» التلفزيونية، فقد اختار البرج «وجه اليوم»، قائلاً إنه «قبيح»، وسيبقى كذلك «لوقت طويل».